..........
و من ادّعى سماعا بغير الباب الّذي فتحه فهو مشرك، و ذلك الباب المأمون على سرّ اللّه المكنون».
و ما عنه(عليه السلام): «ما أحد أحبّ إلى منكم، إنّ الناس سلكوا سبلا شتّى منهم من أخذ بهواه، و منهم من أخذ برأيه، و أنّكم أخذتم بأمر له أصل».
و ما عنه أيضا: «أنّ الناس أخذوا هكذا هكذا، فطائفة أخذوا بأهوائهم، و طائفة قالوا بآرائهم، و طائفة قالوا بالرواية، و إنّ اللّه هداكم بحبّه و حبّ من ينفعكم حبّه عنده» إلى غير ذلك من الأخبار الّتي يأتي كثيرا منها أيضا فيما بعد ذلك إن شاء اللّه.
و لا يذهب عليك أنّ ذمّ الطائفة القائلة بالرواية لا ينافي القول بحجّية خبر الواحد، لأنّ المراد من القول بالرواية الركون إلى كلّ رواية من كلّ راو من دون اعتبار السند و لا مراعاة الصدق و الصدور و لا جهة الصدور و لا الدلالة مثلا.
و بالجملة الأخذ بالرواية من دون مراعاة الشروط المحرزة للسند و الصدور وجهة الصدور و الدلالة و نحوها ممّا يكون محلّا للشبهة المانعة عن الركون و الاعتماد.
و ملخّص الكلام: أنّ قضيّة ما ذكر كلّه أنّ الأصل الأصيل الأوّلي في الظنّ عدم الحجّيّة ما لم ينهض دليل علمي على الأخذ به، و هذا الأصل ممّا لا ينكره أحد من علمائنا الأعلام من المتقدّمين و المتأخّرين إلّا من شذّ منهم و ندر، كما يستفاد ذلك من بعض الأعلام في غير موضع من كتابه.
و من جملة ذلك ما ذكره في بحث الاجتهاد عند منع نهوض آيات تحريم العمل بالظنّ دليلا عليه من قوله: «فالحاصل أنّ الآيات إن سلّمنا وجوب العمل على عمومها مع إخراج الظنّ المعلوم الحجّية فيجب العمل على هذا الدليل مع إخراج الظنّ المعلوم عدم حجّيته، فارتفع بهذا الدليل القطعي العقلي الظهور الّذي ادّعيت من الآية.
فصار المحصّل: أنّ كلّ ظنّ لم يثبت بطلانه فهو حجّة، و بطل القول بأنّ الأصل حرمة كلّ ظنّ إلّا ما ثبت حجّيته» انتهى.
و ربّما يحكى القول بجواز العمل به في الأحكام و موضوعاتها مطلقا، فإن أراد القائل به كونه من مقتضيات نفس الظنّ من دون اعتبار قيام حجّة عليه فقد خبط خبطا عظيما، و خرج ما أقمناه من الأدلّة القطعيّة حجّة عليه، و لم نقف في أصحابنا على من يقول بتلك المقالة، و إنّما يقولون بعدم جواز العمل به مطلقا إلّا ظنّ المجتهد المستجمع لشرائط الفتوى
..........
في المسائل الاجتهاديّة، لا لأنّه في نفسه حجّة بل لقيام القاطع عليه من العقل و الشرع، بل الظنّ في كلامهم هنا ليس على إطلاقه و إن وصف في كلام غير واحد بالإطلاق قبالا للظنّ الخاصّ، بل المراد به الظنون المطلقة المجهولة الحال من جهة الأدلّة الخاصّة من الحجّية و عدمها.
و ما عرفته عن بعض الأعلام فهو أيضا ليس قولا بأصالة الظنّ لا عن قاطع كما نصّ به في طيّ العبارة المتقدّمة، و يمكن كون مراده بما ادّعاه من الأصل ما يكون أصلا ثانويّا كما يستفاد من مواضع اخر من كتابه و إن كان هنا بعيدا، و لعلّ الأخباريّة غفلوا عن مقصود المجتهدين من أصحابنا فساقوا عليهم بما ساقوا، و اعترضوا عليهم بما تقف عليها من التجشّمات الواهية و التكلّفات الفاسدة.
و من جملة ذلك ما في كلام الأمين الأسترآبادي في فوائده المدنيّة[1]من احتجاجه في إبطال مقالة المجتهدين بالعمومات الناهية الكتابيّة كقوله تعالى:أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثٰاقُ الْكِتٰابِ أَنْ لٰا يَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلَّا الْحَقَّ[2]و قوله تعالى:إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[3]*و قوله تعالى:وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[4]و قوله تعالى:إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ[5]*وإِنْ هُمْ إِلّٰا يَخْرُصُونَ[6]*و قوله تعالى:وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ[7]إلى غير ذلك من الآيات.
و من جملته أيضا احتجاجه بما ورد عن الأئمّة الهدى(عليهم السلام)من الخطب و الوصايا و الأخبار الّتي منها أكثر ما تقدّم و منها غيرها.
فعن نهج البلاغة[8]في ذمّ القضاة: «ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ تجتمع القضاة بذلك عند إمامهم الّذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا، و إلههم واحد و نبيّهم واحد و كتابهم واحد، أ فأمرهم اللّه بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل اللّه سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى؟
أم أنزل اللّه سبحانه دينا تامّا فقصّر الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)عن تبليغه و أدائه؟ و اللّه سبحانه يقول:
[1]الفوائد المدنيّة: 185.
[2]الأعراف: 169.
[3]النجم: 28.
[4]الإسراء: 36.
[5]الجاثية: 24.
[6]الأنعام: 116.
[7]المائدة: 44.
[8]نهج البلاغة: 61، الكلام 98.
..........
مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ[1]و فيه تبيان لكلّ شيء، إلى آخره»[2].
و عنه(عليه السلام)أيضا في كلام له: «إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه، فاستشعر الحزن و تجلبب الخوف؛ فزهر مصباح الهدى في قلبه، و أعدّ القرى ليومه النازل به، فقرّب على نفسه البعيد و هوّن الشديد، نظر فأبصر، و ذكر فاستكثر، و ارتوى من عذب فرات، سهّلت له موارده فشرب نهلا و سلك سبيلا جددا، قد خلع سرابيل الشهوات، و تخلّى من الهموم إلّا همّا واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى و مشاركة أهل الهوى، و صار من مفاتيح أبواب الهدى و مغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه و سلك سبيله، و عرف مناره، و قطع غماره، و استمسك من العرى بأوثقها، و من الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الامور من إصدار كلّ وارد عليه، و تصيير كلّ فرع إلى أصله، مصباح ظلمات، كشّاف عشوات، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم و يسكت فيسلم، قد أخلص للّه فاستخلصه، فهو من معادن دينه و أوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحقّ و يعمل به، لا يدع للخير غاية إلّا أمّها و لا مظنّة إلّا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده و إمامه، يحلّ حيث حلّ ثقله، و ينزل حيث كان منزله.
و آخر قد يسمّى عالما و ليس به، فاقتبس جهائل من جهّال و أضاليل من ضلّال، و نصب للناس أشراكا من حبائل غرور و قول زور، قد حمل الكتاب على آرائه و عطف الحقّ على أهوائه، يؤمن من العظائم و يهوّن كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات و فيها وقع، و يقول:
اعتزل البدع و بينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان و القلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، و لا باب العمى فيصدّ عنه، و ذلك ميّت الأحياء، فأين تذهبون و أنّى تؤفكون، و الأعلام قائمة و الآيات واضحة، و المنار منصوبة، فأين يتاه بكم! بل كيف تعمهون و بينكم عترة نبيّكم و هم أزمّة الحقّ أعلام الدين و ألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش.
أيّها الناس خذوها عن خاتم النبيّين (أنّه يموت من مات منّا و ليس بميّت، و يبلى من بلى منّا و ليس ببال) فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون، و أعذروا من
[1]الأنعام: 38.
[2]- الفوائد المدنيّة: 194.
..........
لا حجّة لكم عليه و أنا هو، أ لم أعمل فيكم بالثقل الأكبر و أترك فيكم الثقل الأصغر، و ركزت فيكم راية الإيمان، و وقّفتكم على حدود الحلال و الحرام، و ألبستكم العافية من عدلي، و فرشت لكم المعروف من قولي و فعلي، و أ رأيتكم كرائم الأخلاق من نفسي، فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر و لا يتغلغل اللّه الفكر»[1].
و عنه(عليه السلام)أيضا أنّه قال: «إنّ من أبغض الخلائق إلى اللّه عزّ و جلّ رجلان: رجل و كلّه اللّه إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة، قد بهج بالصوم و الصلاة[2]فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته و بعد موته، حمّال خطايا غيره رهن بخطيئته.
و رجل قمش جهلا موضع في جهّال الناس، غاريا غباش الفتنة، قد سمّاه أشباه الناس عالما و لم يعن فيه يوما سالما، بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتّى إذا ارتوى من آجن و اكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا، ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، و إن خالف قاضيا سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان، و إن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيّأ لها حشوا [رثّا] من رأيه ثمّ قطع به، فهو من لبس الشبهات مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيء ممّا أنكره، و لا يرى أنّ [من] وراء ما بلغ فيه مذهبا، إن قاس شيئا بشيء لم يكذب نظره، و إن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، لكيلا يقال له لا يعلم، ثمّ جسر فقضى، فهو مفتاح عشوات ركّاب شبهات، خبّاط[3]جهالات، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، و لا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغتم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث و تصرخ منه الدماء يستحلّ بقضائه الفرج الحرام، و يحرم بقضائه الفرج الحلال، لا مليء بإصدار ما عليه ورود، و لا هو أهل لما منه، فرط من ادّعائه علم الحقّ»[4].
و عنه(عليه السلام)في خطبة له: «و ما كلّ ذي قلب بلبيب، و لا كلّ ذي سمع بسميع، و لا كلّ ناظر ببصير، فيا عجبا و ما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها،
[1]نهج البلاغة: 118، الخطبة 87. الفوائد المدنيّة: 197.
[2]و في النسخ المتداولة المطبوعة: «و دعاء ضلالة» بدل: «قد بهج بالصوم و الصلاة».
[3]و في المصدر: «خبات» و الصواب ما أثبتناه.
[4]نهج البلاغة: 59، الخطبة: 17 مع اختلاف في بعض العبارات.
..........
لا يقتفون إثر نبيّ و لا يقتدون بعمل وصيّ، و لا يؤمنون بغيب و لا يعفون عن عيب، يعملون في الشبهات و يسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا و المنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم في المبهمات على أنفسهم، كان كلّ امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات و أسباب محكمات»[1].
و عنه(عليه السلام)في وصيّة لابنه الحسن(عليه السلام): «دع القول فيما لا تعرف، و الخطاب فيما لا تكلّف، و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإنّ الكفّ عند حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال.
[و اعلم] يا بنيّ: إنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيّتي تقوى اللّه و الاقتصار على ما فرضه اللّه عليك، و الأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك، و الصالحون من أهل بيتك، فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، و فكّروا كما أنت مفكّر، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا و الإمساك عمّا لا يكلّفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما كانوا علموا فليكن طلب ذلك بتفهّم و تعلّم لا بتورّط الشبهات و علق الخصومات، و ابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك و الرغبة إليه في توفيقك و ترك كلّ شائبة أولجتك في شبهة، أو أسلمتك إلى ضلالة، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع، و تمّ رأيك و اجتمع، و كان همّك في ذلك همّا واحدا فانظر فيما فسّرت لك، و إن أنت لم تجمع لك ما تحبّ من نفسك و فراغ نظرك و فكرك فاعلم إنّما تخبط العشواء، و تتورّط الظّلماء، و ليس طالب الدين من خبط أو خلط، و الإمساك عن ذلك أمثل، فتفهّم يا بنيّ وصيّتي»[2].
و عن كتاب مجالس الصدوق و عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنّا في أيّام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)بمرو فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة في بدء مقدمنا، فأدار الناس أمر الإمامة، و ذكروا أكثر اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيّدي و مولاي الرضا(عليه السلام)فأعلمته ما خاض الناس فيه، فتبسّم(عليه السلام)ثمّ قال: يا عبد العزيز جهل القوم و خدعوا عن دينهم، إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يقبض نبيّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)حتّى أكمل له الدين، و أنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء، و بيّن فيه الحلال و الحرام، و الحدود و الأحكام، و جميع ما يحتاج إليه كملا، فقال عزّ و جلّ:مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ[3]و أنزل في حجّة الوداع و هي في آخر عمرهالْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً[4]و أمر
[1]نهج البلاغة: 121، الخطبة 88.
[2]نهج البلاغة: 392، الكتاب 31.
[3]الأنعام: 38.
[4]المائدة: 3.
..........
الإمامة من تمام الدين، و لم يمض(عليه السلام)حتّى بيّن لامّته معالم دينهم، و أوضح لهم سبيله، و تركهم على قصد الحقّ، و أقام لهم عليّا(عليه السلام)علما و إماما، و ما ترك شيئا يحتاج إليه الامّة إلّا بيّنه، فمن زعم أنّ اللّه عزّ و جلّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب اللّه عزّ و جلّ، و من ردّ كتاب اللّه عزّ و جلّ فهو كافر، فهل يعرفون قدر الإمامة و محلّها من الامّة فيجوز فيها اختيارهم، إنّ الإمامة أجلّ قدرا و أعظم شأنا و أعلى مكانا و أمنع جانبا و أبعد غورا من أن تبلغه الناس بأبعد عقولهم أو أن ينالوها برأيهم أو يقيموا إماما باختيارهم، إنّ الإمامة خصّ اللّه عزّ و جلّ بها إبراهيم الخليل(عليه السلام)بعد النبوّة و الخلّة مرتبة ثالثة و فضيلة شرّفه بها، و أشاد بها ذكرها، إنّ الإمام اسّ الإسلام النامي و فرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة و الزكاة و الصيام و الحجّ و الجهاد، و توفير الفيء و الصدقات، و إمضاء الحدود من الأحكام، و منع الثغور و الأطراف، الإمام يحلّ حلال اللّه و يحرّم حرام اللّه، و يقيم حدود اللّه، و يذبّ عن دين اللّه، و يدعو إلى دين ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة و الحجّة البالغة، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد، و لا يعادله عالم، و لا يؤخذ منه بدل، و لا له مثل و نظير، مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منزلة و لا اكتساب، بل اختصاص من المفضّل الوهّاب، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة و آراء مضلّة، فلم يزدادوا منه إلّا بعدا، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون، لقد راموا صعبا و قالوا إفكا، و ضلّوا ضلالا بعيدا، و وقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة، و زيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل، و كانوا مستبصرين رغبوا عن اختيار اللّه و اختيار رسوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)إلى اختيارهم، و القرآن يناديهموَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحٰانَ اللّٰهِ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ[1]إنّ العبد إذا اختاره اللّه عزّ و جلّ لامور عباده شرح صدره لذلك، و أودع قلبه ينابيع الحكمة، و ألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده بجواب و لا يحير فيه عن الصواب، و هو معصوم مؤيّد موفّق مسدّد، قد أمن الخطأ و الزلل و العثار، خصّه اللّه بذلك ليكون حجّة على عباده، و شاهدا على خلقه، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم»[2].
و عن الكافي عن داود بن فرقد قال حدّثني رجل عن سعيد بن أبي الخضيب البجلّي قال: كنت مع ابن أبي ليلى مزاملة حتّى جئنا إلى المدينة، فبينا نحن في مسجد الرسول إذ
[1]القصص: 68.
[2]أمالي الصدوق: 536، ح 1.
..........
دخل جعفر بن محمّد(عليه السلام)، فقلت لابن أبي ليلى: تقوم بنا إليه، فقال: و ما نصنع عنده؟
فقلت: نسأله و نحدّثه، فقال: قم، فقمنا إليه، فسألني عن نفسي و أهلي، ثمّ قال: من هذا معك؟ فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين، فقال له: أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟
قال: نعم، قال: تأخذ مال هذا فتعطيه هذا، و تقتل هذا، و تفرق بين المرء و زوجه، لا تخاف في ذلك أحدا؟ قال: نعم، قال: فبأيّ شيء تقضي؟ قال: بما بلغني عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و عن عليّ و عن أبي بكر و عمر، فقال: فبلغك عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أنّه قال إنّ عليّا أقضاكم؟ قال:
نعم، قال: فكيف تقضي بغير قضاء عليّ و قد بلغك هذا؟ فما تقول إذا جيء بأرض من فضّة و سماء من فضّة ثمّ أخذ رسول اللّه بيدك فأوقفك بين يدي ربّك، فقال: يا ربّ إنّ هذا قضى بغير ما قضيت؟ قال: فاصفرّ وجه ابن أبي ليلى حتّى عاد مثل الزعفران، ثمّ قال لي: التمس لنفسك زميلا، و اللّه لا اكلّمك من رأس كلمة أبدا»[1].
و عن الفقيه قال الصادق(عليه السلام): «الحكم حكمان: حكم اللّه و حكم الجاهليّة، فمن أخطأ حكم اللّه عزّ و جلّ حكم بحكم الجاهليّة، و من حكم بدرهمين بغير ما أنزل اللّه عزّ و جلّ فقد كفر باللّه».
و عن الكافي عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «الحكم حكمان: حكم اللّه و حكم أهل الجاهليّة، و قد قال اللّه عزّ و جلّوَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[2]و اشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهليّة»[3].
و عنه عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال كان أبو عبد اللّه(عليه السلام)قاعدا في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه، فلمّا سكت قال له الأعرابي:
أ هو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة و لم يردّ عليه شيئا، فأعاد عليه المسألة فأجابه بمثل ذلك، فقال الأعرابي: أ هو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «هو في عنقه قال أو لم يقل، و كلّ مفت ضامن» 4.
و عنه عن أبي عبيدة قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه» 5.
و عنه أيضا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ خصّ عباده بآيتين من كتابه أن
[1]الكافي 7: 408، ح 5.
[2]المائدة: 50.
[3]3- 5 الكافي 7: 407، ح 2 و 1.
..........
لا يقولوا حتّى يعلموا و لا يردّوا ما لم يعلموا، و قال عزّ و جلّأَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثٰاقُ الْكِتٰابِ أَنْ لٰا يَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلَّا الْحَقَّ[1]و قالبَلْ كَذَّبُوا بِمٰا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمّٰا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ[2][3].
و عنه(عليه السلام)أيضا عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، و تركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه»[4].
و عنه أيضا عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام)ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه و لا سنّته فننظر فيها؟ فقال: لا، أما أنّك إن أصبت لم تؤجر و إن أخطأت كذبت على اللّه عزّ و جلّ»[5].
و عنه أيضا قال: حدّثني جعفر عن أبيه(عليهما السلام)إنّ عليّا(عليه السلام)قال: «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في ارتماس، قال: و قال أبو جعفر(عليه السلام)من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم، و من دان اللّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللّه حيث أحلّ و حرّم فيما لا يعلم»[6].
و عنه أيضا عن أمير المؤمنين(عليه السلام)في حديث طويل: «و من عمى نسي الذكر و اتّبع الظنّ و بارز خالقه»[7].
و عن كتاب المحاسن عن داود بن فرقد عمّن حدّثه عن عبد اللّه بن شبرمة قال: ما أذكر حديثا سمعته من جعفر بن محمّد إلّا كاد أن يتصدّع قلبي، قال: قال أبي عن جدّي عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال ابن شبرمة: و اقسم باللّه ما كذب أبوه على جدّه، و لا كذب جدّه على رسول اللّه، فقال: قال رسول اللّه: «من عمل بالمقائيس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك»[8].
و عنه أيضا عن محمّد بن مسلم قال: «قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ قوما من أصحابنا تفقّهوا و أصابوا علما و رووا أحاديث، فيرد عليهم الشيء فيقولون فيه برأيهم؟ فقال: لا، فهل هلك من مضى إلّا بهذا و أشباهه»[9].
و عن كتاب بصائر الدرجات عن أبي الحسن(عليه السلام)قال: «إنّما هلك من كان قبلكم بالقياس، و إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يقبض نبيّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)حتّى أكمل له جميع دينه في حلاله
[1]الأعراف: 169.
[2]يونس: 39.
[3]الكافي 1: 43، ح 8.
[4]الكافي 1: 44، ح 3.
[5]الكافي 1: 56، ح 11.
[6]الكافي 1: 57، ح 17.
[7]الكافي 2: 391، ح 1.
[8]المحاسن 1: 326، ح 61.
[9]المحاسن 1: 336، ح 87.