[اشتراط الاجتهاد بمعرفة فروع الفقه]
و أمّا معرفة فروع الفقه، فلا يتوقّف عليها أصل الاجتهاد (1). و لكنها قد صارت في هذا الزمان طريقا يحصل به الدربة فيه و تعين على التوصّل إليه.
لم يأمن أن يكون قد صدّق الكاذب، فلا يصحّ أن يعلم ما جاء به الرسول، فإذا لا بدّ من أن يكون عالما بجميع ذلك، و لا بدّ أن يكون عالما بالنبيّ الّذي جاء بتلك الشريعة، لأنّه متى لم يعرف لم يصحّ أن يعرف ما جاء به من الشرع.
و لا بدّ أن يعرف أيضا صفات النبيّ و ما يجوز عليه و ما لا يجوز عليه، لأنّه متى لم يعرف جميع ذلك لم يؤمن أن يكون غير صادق فيما يؤدّيه، أو يكون ما[1]أدّى جميع ما بعث به، أو يكون أدّاه على وجه لا يصحّ له معرفته، فإذا لا بدّ من أن يعرف جميع ذلك» انتهى[2].
و الظاهر أنّ معرفة الوصيّ أيضا لها مدخليّة، لأنّه متى لم يعرفه أو لم [يعرف] صفاته لم يعرف كون مضامين الأخبار الصادرة منه أو المنسوبة إليه أحكاما شرعيّة أو ممّا جاء به النبيّ، و المفروض أنّ الاجتهاد لا يتمّ إلّا مع انضمام الأخبار الإماميّة إلى سائر طرقها و مداركها عند الفرقة المحقّة.
و كأنّ الشيخ إنّما أهمل ذكر ذلك على الانفراد لأنّ المراد بالاجتهاد المتوقّف على هذا الشرط ما يعمّ الاجتهاد بطريقة أهل الخلاف، أو لأنّ المراد ممّا جاء به النبيّ الّذي يجب معرفته بمعرفة النبيّ ما يعمّ التنصيص بالخلافة.
(1) قال في الفوائد: «و من الشرائط معرفة فقه الفقهاء و كتب استدلالهم، و كونه شرطا غير خفيّ على من له أدنى فطانة، إذ لو لم يطّلع عليها رأسا لا يمكنه الاجتهاد و الفتوى».
و الأظهر ما عليه المصنّف و فاقا للقواعد و التحرير و المنية و الدروس- على ما حكي عنهم- فإنّ المعرفة بفروع الفقه بل المسائل الفقهيّة المبحوث عنها في الفقه ليس لها بنفسها كثير دخل في الاجتهاد سواء اخذ باعتبار الملكة أو الفعل.
و علّله في المنية: «بأنّ هذه الفروع استخرجها المجتهدون بعد تحقّق كونهم مجتهدين فكيف يكون شرطا في الاجتهاد مع تأخّرها عنه» انتهى.
نعم هو لازم عادي لما له مدخليّة تامّة فيه، و هو الانس بطريقة الفقهاء في الدخول و الخروج و الخبرة بمذاقهم في كيفيّة الاستدلال و تقريبه و جرح الأقوال و تعديلها كما يرشد إليه بداهة الوجدان المغني عن مئونة البرهان، و به صرّح في الزبدة قائلا: «و لا بدّ من الانس
[1]«ما» نافية.
[2]العدّة 2: 727.
..........
بلسان الفقهاء» و كأنّه مراد من عبّر بما تقدّم من المعرفة بفقه الفقهاء.
فالقول بتوقّفه على معرفة فروع الفقه إن اريد بها ما عدا الانس المذكور ضعيف جدّا.
و أضعف منه ما عن بعض أفاضل متأخّري المتأخّرين من توهّم اشتراطه بكونه عالما بجملة يعتدّ بها من الأحكام علما فعليّا بحيث يسمّى في العرف فقيها، كما في «النحوي» و «الصرفي» فإنّهما لا يصدقان عرفا بمجرّد حصول الملكة الكلّية، بل لا بدّ بها من الفعليّة المعتدّ بها عند أهل الصناعة.
فإنّ إضافة العلم إلى الأحكام- على ما تقرّر في غير موضع- لا يستقيم إلّا إذا اريد بها الأحكام الفعليّة، و لم ينهض دليل من الشرع و العقل على أنّ مجتهدات فاقد الملكة أحكام فعليّة في حقّه و لا في حقّ غيره، بل الدليل ناهض بخلافه.
و المفروض أنّ مقصود المقام بيان شروط الاجتهاد بمعنى الملكة، و من المستحيل أخذ العلم بجملة من الأحكام الفعليّة يعتدّ بها المتوقّف على الملكة شرطا له بهذا المعنى للزومه الدور، و أخذه شرطا له بمعنى الفعل خروج عن فرض المسألة، مع أنّ قضيّة العبارة المذكورة ابتناء المطلب على كون الاجتهاد مرادفا للفقه.
و قد عرفت سابقا منعه مع توجّه المنع إلى توقّف صدق اسم «الفقيه» على العلم المذكور، على معنى كونه مأخوذا في مسمّاه العرفي إن اريد به الإذعان بالمسائل الحاصل بطريق الاستدلال، بل قصارى ما يسلّم اعتباره إنّما هو الإحاطة بجملة يعتدّ بها من مسائل الفنّ، بل هذا هو القدر المسلّم في «النحوي» و «الصرفي» و غيرهما على أربابها، و المراد بالإحاطة هنا التصديق بهذه الجملة على أنّها من مباحث الفنّ الباحث عنها عند أهلها، لا على أنّها امور ثابتة لموضوعاتها باعتبار الواقع.
و من الفضلاء من جعل العلم المذكور شرطا غالبيّا لتحقّق الاجتهاد خارجا و ذهنا على معنى تحقّقه الخارجي و العلم به معا، حيث قال: «و التحقيق أنّ الملكة المعتبرة في الاجتهاد المطلق- أعني الملكة الكلّيّة- لا يحصل غالبا إلّا بالممارسة المستلزمة للفعليّة المذكورة، و كذلك العلم بحصولها لا يحصل غالبا بدونها، فهي طريق إلى حصول الملكة و معرفتها غالبا، لا شرط في الاعتداد بها»[1]و هذا ليس بسديد، إلّا إذا رجع إلى إرادة أخذ الشرط هو الممارسة الملزومة للفعليّة المذكورة لا نفس الفعليّة.
[1]الفصول: 404.
و ما يلهج به جهلا أو تجاهلا بعض أهل العصر، من توقّف الاجتهاد المطلق على أمور وراء ما ذكرناه، فمن الخيالات الّتي تشهد البداهة بفسادها (1) و الدعاوي الّتي تقتضي الضرورة من الدين بكذبها.
و حينئذ يكون قريبا ممّا قدّمناه من شرطيّة الانس بطريقة الفقهاء و مذاقهم، نظرا إلى أنّه لا يتأتّى إلّا بالممارسة، و قد وافق في هذا التعبير على التوجيه المذكور عبارة الوافية القائلة:
«بأنّ الحقّ أنّه لا يكاد يحصل العلم بحلّ الأحاديث و محاملها بدون ممارسة فروع الفقه»[1].
(1) الحقّ وفاقا لغير واحد من أساطين الطائفة من كون شروط الاجتهاد مقصورة على الامور المتقدّمة و لا مزيد عليها.
نعم هاهنا امور اخر نصّ غير واحد بكونها من مكمّلات الاجتهاد كمعرفة الحساب و الهيئة و الهندسة و الطبّ.
أمّا الأوّل: فبأن يعرف منه الأربعة المتناسبة و الخطأين و الجبر و المقابلة[2]و الأعداد المتماثلة و المتداخلة و المتوافقة و المتباينة.
و أمّا الثاني: فبأن يعرف منه ما يتعلّق بالقبلة، و بكون الشهر ثمانية و عشرين يوما بالنسبة إلى بعض الأشخاص.
و أمّا الثالث: فبان يعرف منه ما يتعلّق بالسطوح و غيرها ليظهر فائدته فيما لو باع بشكل العروس[3]و غيره.
و أمّا الرابع: فبأن يعرف منه ما يحتاج إليه في القرن و نحوه من العيوب المفسخة للنكاح، و غير ذلك من الأمراض المبيحة للإفطار.
و عدم كونها من شروط الاجتهاد واضح، لأنّ وظيفة الفقيه بيان الحكم لا معرفة الموضوع، و هذا هو معنى ما قيل في وجه عدم الحاجة من: «أنّ الفقيه ليس عليه إلّا الحكم باتّصال الشرطيّات و أمّا تحقيق أطراف الشرطيّة فليس وظيفته».
[1]الوافية: 283.
[2]تجد توضيح هذه المصطلحات في: مفتاح السعادة 1: 370 و أبجد العلوم: 2: 263.
[3]شكل العروس- عند القدماء من علماء الهندسة- عبارة عن: كلّ مثلّث قائم الزاوية، فإنّ مربّع وتر زاويته القائمة يساوي مربّعي ضلعيها، و إنّما سمّي به لحسنه و جماله- راجع كشّاف اصطلاحات الفنون 1: 785.
تعليقة- [التخطئة و التصويب]
أصل اتّفق الجمهور من المسلمين على أنّ المصيب من المجتهدين في العقليّات الّتي وقع التكليف بها واحد و أنّ الآخر مخطئ آثم (1) لأنّ اللّه تعالى كلّف فيها بالعلم و نصب عليه دليلا. فالمخطئ له مقصّر فيبقى في العهدة، و خالف في ذلك شذوذ من أهل الخلاف. و هو بمكان من الضعف.
و من لواحق الاجتهاد المعدودة من مسائله بحث التخطئة و التصويب اللاحقين للمجتهد باعتبار أنّه مجتهد، و طريق الكلام فيه يختلف على حسب اختلاف موارد الاجتهاد باعتبار كونها من العقليّات- كلاميّة و اصوليّة و فروعيّة- و الشرعيّات- ضروريّة و نظريّة قطعيّة و ظنّية-
فالكلام في جميع ذلك يقع في طيّ مسائل:
المسألة الاولى في التخطئة و التصويب في المسائل العقليّة الكلاميّة
الّتي وقع التكليف بها، كحدوث العالم و إثبات المحدث و صفاته و بعثة الرسل و غير ذلك ممّا يرجع إلى الإيمان باللّه و رسوله و معاد يوم الجزاء، أو ما لا يرجع إليه كالرؤية و خلق الأعمال و قدم الكلام و عصمة الرسول و نحوها على اختلاف الوجهين حسبما تعرفه.
(1) و المخالف في المسألة هو الجاحظ و العنبري على ما نقل، قال العلّامة في النهاية:
«خالف الجاحظ و أبو عبد اللّه بن الحسين العنبري سائر المسلمين في ذلك، فذهبا إلى أنّ كلّ مجتهد في الاصول مصيب سواء أخطأ أو لا، و لم يريدا بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد للعلم الضروري بفساده، بل نفي الإثم و الخروج عن عهدة التكليف».
و قال في التهذيب: «أجمعت العلماء على أنّ المصيب في العقليّات واحد إلّا الجاحظ و العنبري فإنّهما قالا كلّ مجتهد مصيب، لا على معنى المطابقة بل بمعنى زوال الإثم».
و لقد وافقه و المصنّف في دعوى الإجماع على القول الأوّل جماعة من العامّة و الخاصّة، فمن العامّة الحاجبي في المختصر و شارح المختصر في بيان المختصر.
قال الأوّل: «الإجماع على أنّ المصيب في العقليّات واحد، و إنّ النافي ملّة الإسلام مخطئ آثم كافر، اجتهد أو لم يجتهد».
..........
و قال الثاني: «الإجماع منعقد على أنّ المصيب من المجتهدين في المسائل العقليّة واحد، إذ المطابق لما في نفس الأمر لا يكون إلّا واحدا، و أيضا الإجماع منعقد على أنّ النافي ملّة الإسلام مخطئ آثم كافر اجتهد أو لم يجتهد».
و من الخاصّة ثاني الشهيدين في تمهيد القواعد قائلا: «ليس كلّ مجتهد في العقليّات مصيبا بل الحقّ فيها واحد، فمن أصابه أصاب و من أخطأ أثم إجماعا».
و نفى الخلاف عنه في العدّة قائلا:
«اعلم أنّ كلّ أمر لا يجوز تغيّره عمّا هو عليه من وجوب إلى حظر و من حسن إلى قبح فلا خلاف بين أهل العلم المحصّلين أنّ الاجتهاد في ذلك لا يختلف، و إنّ الحقّ في واحد، و إنّ من خالفه ضالّ فاسق، و ربّما كان كافرا، و ذلك نحو القول بأنّ العالم قديم أو محدث؟ و إذا كان محدثا هل له صانع أم لا؟ و الكلام في صفات الصانع و توحيده و عدله، و الكلام في النبوّة و الإمامة و غير ذلك، و كذلك الكلام في أنّ الظلم و العبث و الكذب قبيح على كلّ حال، و إنّ شكر المنعم و ردّ الوديعة و الإنصاف حسن على كلّ حال، و ما يجري مجرى ذلك»[1].
و ذكر في المحصول ما يقرب من عبارة العلّامة في النهاية و في كلامهما أيضا إشعار بالإجماع كما يظهر بالتأمّل.
و السرّ في هذه الإجماعات مع مخالفة الجاحظ و صاحبه أنّ الإجماع سابق على خلافهما و لاحق به.
و العضدي لم يتعرّض لنقله بل جعل المسألة خلافيّة بقوله: «قد اختلف أ كلّ مجتهد مصيب أم لا؟ و حكم العقليّات و الشرعيّات في ذلك مختلف- إلى أن قال-: بل المصيب من المتخالفين واحد ليس إلّا و الآخر مخطئ، و إنّ من كان منهم نافيا لملّة الإسلام كلّها أو بعضها فهو مخطئ آثم كافر سواء اجتهد أو لم يجتهد، خلافا للجاحظ فإنّه قال: لا إثم على المجتهد مع أنّه مخطئ و يجري عليه في الدنيا أحكام الكفّار بخلاف المعاند فإنّه آثم، و إليه ذهب العنبري و زاد عليه: أنّ كلّ مجتهد في العقليّات مصيب، فإن أراد وقوع معتقده حتّى يلزم من اعتقاد قدم العالم و حدوثه اجتماع القدم و الحدوث فخروج عن المعقول، و إن أراد عدم الاثم فمحتمل عقلا» انتهى 2.
و ليعلم أنّ قول الجمهور المدّعى عليه الإجماع يتضمّن دعوى قضايا ثلاث: خطأ الغير
[1]1 و 2 العدّة 2: 723.
..........
الواحد من المجتهدين المختلفين في المسائل العقليّة الكلاميّة، على معنى كون الواحد منهم باعتبار إدراكه الواقع مصيبا بمعنى مطابقة اعتقاده لنفس الأمر.
و غيره باعتبار عدم إدراكه الواقع مخطئا بمعنى عدم مطابقة اعتقاده لنفس الأمر، و كفره بحسب أحكام الدنيا من النجاسة و القتل و نهب الأموال و أسر الأولاد و العيال، و إثمه بحسب دار الآخرة.
و ينبغي القطع بعدم كون خلاف الجاحظ و العنبري في القضيّة الاولى بإرادتهما تصويب الكلّ على معنى مطابقة آرائهم في محلّ الخلاف لنفس الأمر، فإنّه فيما لا يقبل التعدّد غير معقول، و الواقع في اصول العقائد بل مطلق العقليّات واحد لا يقبل التعدّد و لا يتغيّر و لا يختلف بحسب اختلاف الآراء و الاعتقادات، سواء كان الأمر فيه دائرا بين الوجود و العدم أو بين الوجوديين.
و ضابطه الامور الواقعيّة الّتي واقعيّتها ليست منوطة بجعل جاعل و لا اعتبار معتبر، ففي مثل هذه الامور مطابقة النسبة للواقع في النقيضين أو الضدّين محال عقلا.
و قد عرفت عن العلّامة في التهذيبين- كما في محصول الرازي- إرجاع القول بالإصابة إلى إرادة غير هذا المعنى، و هو الّذي يساعد عليه صريح أدلّة الطرفين، بل لم نقف على من احتمل إرادة هذا المعنى عدا العضدي في كلامه المتقدّم عند نقل مذهب العنبري، و هذا منه عجيب فإنّ استحالة اجتماع النقيضين كاستحالة اجتماع الضدّين من القضايا الضروريّة و المقدّمات الأوّلية الّتي لم يتفوّه به جاهل فضلا عن العالم الفاضل، و لذا ترى أنّ أدلّة الطرفين خلو عن التعرّض لها إثباتا و نفيا، فإنّ ما لا يعقل ثبوته لا يصحّ الاستدلال على نفيه كما لا يصحّ الاستدلال على ثبوته.
لكن قد يقال: لو قيل بعدم [استلزام] العلم بالعلّة للعلم بالمعلول و جواز انفكاكه عنها واقعا- كما عليه الأشاعرة القائلين بعدم الملازمة بين المقدّمات و نتائجها عقلا، بل هي باعتبار جري عادة اللّه تعالى على إيجاد العلم بالثانية عقيب العلم بالاولى- لصحّ تعقّل التصويب في العقليّات، نظرا إلى منع امتناع اجتماع النقيضين حينئذ بحسب العقل و إن امتنع بحسب جري عادة اللّه على عدمه.
و فيه: أنّه غير لازم على مذهب الأشاعرة المبنيّ على مقالتهم الفاسدة، و هو أنّه لا ترتّب و لا علّية في الوجود إلّا بإجراء اللّه تعالى عادته على خلق شيء كالعلم و المعلول عقيب شيء آخر كالنظر و العلّة، و إن كان لا يبعد عنهم التفوّه- لسخافة رأيهم- بنظائر ذلك.
أمّا أوّلا: فلعدم تمشّي منعهم الترتّب العقلي بين العلّة و المعلول هنا، لأنّ عدم اجتماع النقيضين معلول لذات النقيضين، فإنّهما لذاتهما يقتضيان ضرورة عدم اجتماعهما، فلا يجوّز
..........
العقل اجتماعهما لاستحالة تخلّف ما بالذات عقلا عن الذات.
و لا ينتقض ذلك بامتناع اجتماع الضدّين الّذي قيل فيه بأنّه ليس لذاتهما بل لعارض، و هو إمّا لعدم قابليّة المحلّ لوجود أحد الضدّين حال اشتغاله بوجود الضدّ الشاغل له، أو لأنّ اجتماعهما يؤول إلى اجتماع النقيضين باعتبار أنّ وجود كلّ من المتضادّين في المحلّ يستلزم عدم الضدّ الآخر، لكفاية كلّ من الأمرين في الحكم بالاستحالة العقليّة كما يظهر وجهه بالتأمّل.
و أمّا ثانيا: فلأنّ قاعدة جريان العادة لا تجري إلّا فيما كان من آثار القدرة، و عدم اجتماع النقيضين لا يصلح أثرا للقدرة و إلّا كان اجتماعهما أيضا صالحا لأن يكون أثرا للقدرة، لأنّ ما لا يكون وجوده من آثار القدرة لا يكون عدمه من آثار القدرة، و هو كما ترى.
و لا ينافيه عموم قدرته تعالى لأنّها عامّة للممكنات و لا تتعلّق بما امتنع ذاتا كما لا تتعلّق بما يجب ذاتا، لا لقصور في قدرة القادر بل لقصور المحلّ من حيث عدم قابليّته لتعلّق القدرة به.
و كيف كان فنحن ندّعي عدم المعقوليّة في العقول السليمة الكاملة و لا نتكلّم مع العقول المشوبة الناقصة.
و بما ذكرناه من الضابط يعلم أنّ النزاع الآتي في التخطئة و التصويب بالقياس إلى الأحكام الشرعيّة الفرعيّة غير جار في موضوعاتها- كلّية أو جزئيّة، عرفيّة أو لغويّة- و التصويب فيها غير معقول.
نعم إذا كانت شرعيّة فربّما يتصوّر جريان النزاع المذكور فيها لكونها مطلقة أو إذا كانت من قبيل العبادات- على مذهب غير القاضي- منوطة بجعل الشارع، نظرا إلى إمكان القول بأنّ الواقع في الامور الجعليّة كما أنّه يتبع الجعل في أصله كذلك يتبعه في وصفه باعتبار الوحدة و الكثرة، كما وقع ذلك في صلاة المسافر و صلاة الحاضر، و الصلاة عن قيام لمن يقدر عليه، و هي عن قعود لمن يعجز عنه، فمن الجائز تعدّد المجعول بل تكثّره على حسب كثرة الآراء و الاعتقادات بخلاف الموضوعات الغير الشرعيّة.
و أمّا ما يتراءى من بعض العبائر من الحكم بتصويب المجتهدين في القبلة و ما أشبهه فليس المراد به ما يوجب تعدّد أصل القبلة من عين الكعبة أو جهتها، كيف و هي عينا وجهة أمر شخصي بحسب الواقع لا يتحمّل التعدّد الخارجي، بل هو مبنيّ على أخذ الاعتقاد في
..........
مسألة القبلة موضوعا للحكم و إن خالف الواقع، فالقبلة الّتي يجب الصلاة إليها في حقّ كلّ مكلّف ما اعتقده قبلة و إن لم يكن كذلك في الواقع.
و بالجملة التصويب بمعنى مطابقة اعتقاد كلّ من المجتهدين المختلفين في العقليّات لنفس الأمر ممّا لم يصحّ النزاع في عدم جوازه، لتأديته إلى اجتماع النقيضين أو الضدّين و هو غير معقول.
فإن قلت: لو كان مجرّد تأدية القول بالتصويب في العقليّات و ما بحكمها- في عدم تحمّل الواقع للتعدّد- إلى اجتماع النقيضين أو الضدّين موجبا لعدم صحّة النزاع فيه لسرى ذلك إلى الفرعيّات أيضا، و التالي باطل.
أمّا الملازمة: فلمكان محذور الاجتماع على القول بالتصويب فيها أيضا كما هو أحد حجج القائلين بالتخطئة.
قلت: ما يلزم من محذور الاجتماع في غير الفرعيّات- على القول بالتصويب فيها- إنّما هو بالنظر إلى أصل الواقع و لذا كانت الملازمة فيه بيّنة، بخلاف ما أورد على التصويب في الفرعيّات، فإنّه إن سلم من المنع الواقع في كلام غير واحد- على ما ستعرفه مع سنده- مفروض في الاعتقاد المتعلّق بالحكم من حيث تعدّده بالظنّية و القطعيّة، و لذا قرّرت الملازمة: بأنّ المجتهد إذا ظنّ بشيء جزم و قطع بأنّ حكم اللّه في حقّه ذلك، ضرورة علمه بأنّ كل مجتهد مصيب، و إذا قطع استمرّ قطعه إذا الأصل بقاء كلّ شيء على ما هو عليه، و استمرار القطع مشروط ببقاء ظنّه، للإجماع على أنّه لو ظنّ غيره وجب الرجوع، فيكون ظانّا عالما بشيء واحد في زمان واحد فيلزم اجتماع النقيضين، ضرورة اقتضاء القطع عدم احتمال النقيض و اقتضاء الظنّ احتماله.
و هذا المحذور على تقدير لزومه و عدم اندفاعه هنا إنّما يلزم بملازمة نظريّة غير بيّنة فلا يبعد في مثله وقوع النزاع في ملزومه، لإمكان الغفلة من قائله عن الملازمة بينه و بين لازمه، بخلاف ما هو في محلّ الكلام فإنّه إنّما يلزم بملازمة واضحة بيّنة لا تكاد تخفى على ذي مسكة، فإذا كان اللازم أمرا غير معقول بحكم البداهة كان القول بالملزوم أيضا ببداهة الملازمة أمرا غير معقول.
و ينبغي القطع أيضا بعدم كون خلاف الجاحظ و صاحبه في القضيّة الثانية، و هو الحكم بكفر الذاهب إلى خلاف الحقّ إذا كان نفيا لملّة الإسلام و ما هو بمثابته بإجراء أحكام