بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 286

..........

و قال الثاني: «الإجماع منعقد على أنّ المصيب من المجتهدين في المسائل العقليّة واحد، إذ المطابق لما في نفس الأمر لا يكون إلّا واحدا، و أيضا الإجماع منعقد على أنّ النافي ملّة الإسلام مخطئ آثم كافر اجتهد أو لم يجتهد».

و من الخاصّة ثاني الشهيدين في تمهيد القواعد قائلا: «ليس كلّ مجتهد في العقليّات مصيبا بل الحقّ فيها واحد، فمن أصابه أصاب و من أخطأ أثم إجماعا».

و نفى الخلاف عنه في العدّة قائلا:

«اعلم أنّ كلّ أمر لا يجوز تغيّره عمّا هو عليه من وجوب إلى حظر و من حسن إلى قبح فلا خلاف بين أهل العلم المحصّلين أنّ الاجتهاد في ذلك لا يختلف، و إنّ الحقّ في واحد، و إنّ من خالفه ضالّ فاسق، و ربّما كان كافرا، و ذلك نحو القول بأنّ العالم قديم أو محدث؟ و إذا كان محدثا هل له صانع أم لا؟ و الكلام في صفات الصانع و توحيده و عدله، و الكلام في النبوّة و الإمامة و غير ذلك، و كذلك الكلام في أنّ الظلم و العبث و الكذب قبيح على كلّ حال، و إنّ شكر المنعم و ردّ الوديعة و الإنصاف حسن على كلّ حال، و ما يجري مجرى ذلك»[1].

و ذكر في المحصول ما يقرب من عبارة العلّامة في النهاية و في كلامهما أيضا إشعار بالإجماع كما يظهر بالتأمّل.

و السرّ في هذه الإجماعات مع مخالفة الجاحظ و صاحبه أنّ الإجماع سابق على خلافهما و لاحق به.

و العضدي لم يتعرّض لنقله بل جعل المسألة خلافيّة بقوله: «قد اختلف أ كلّ مجتهد مصيب أم لا؟ و حكم العقليّات و الشرعيّات في ذلك مختلف- إلى أن قال-: بل المصيب من المتخالفين واحد ليس إلّا و الآخر مخطئ، و إنّ من كان منهم نافيا لملّة الإسلام كلّها أو بعضها فهو مخطئ آثم كافر سواء اجتهد أو لم يجتهد، خلافا للجاحظ فإنّه قال: لا إثم على المجتهد مع أنّه مخطئ و يجري عليه في الدنيا أحكام الكفّار بخلاف المعاند فإنّه آثم، و إليه ذهب العنبري و زاد عليه: أنّ كلّ مجتهد في العقليّات مصيب، فإن أراد وقوع معتقده حتّى يلزم من اعتقاد قدم العالم و حدوثه اجتماع القدم و الحدوث فخروج عن المعقول، و إن أراد عدم الاثم فمحتمل عقلا» انتهى 2.

و ليعلم أنّ قول الجمهور المدّعى عليه الإجماع يتضمّن دعوى قضايا ثلاث: خطأ الغير

[1]1 و 2 العدّة 2: 723.


صفحه 287

..........

الواحد من المجتهدين المختلفين في المسائل العقليّة الكلاميّة، على معنى كون الواحد منهم باعتبار إدراكه الواقع مصيبا بمعنى مطابقة اعتقاده لنفس الأمر.

و غيره باعتبار عدم إدراكه الواقع مخطئا بمعنى عدم مطابقة اعتقاده لنفس الأمر، و كفره بحسب أحكام الدنيا من النجاسة و القتل و نهب الأموال و أسر الأولاد و العيال، و إثمه بحسب دار الآخرة.

و ينبغي القطع بعدم كون خلاف الجاحظ و العنبري في القضيّة الاولى بإرادتهما تصويب الكلّ على معنى مطابقة آرائهم في محلّ الخلاف لنفس الأمر، فإنّه فيما لا يقبل التعدّد غير معقول، و الواقع في اصول العقائد بل مطلق العقليّات واحد لا يقبل التعدّد و لا يتغيّر و لا يختلف بحسب اختلاف الآراء و الاعتقادات، سواء كان الأمر فيه دائرا بين الوجود و العدم أو بين الوجوديين.

و ضابطه الامور الواقعيّة الّتي واقعيّتها ليست منوطة بجعل جاعل و لا اعتبار معتبر، ففي مثل هذه الامور مطابقة النسبة للواقع في النقيضين أو الضدّين محال عقلا.

و قد عرفت عن العلّامة في التهذيبين- كما في محصول الرازي- إرجاع القول بالإصابة إلى إرادة غير هذا المعنى، و هو الّذي يساعد عليه صريح أدلّة الطرفين، بل لم نقف على من احتمل إرادة هذا المعنى عدا العضدي في كلامه المتقدّم عند نقل مذهب العنبري، و هذا منه عجيب فإنّ استحالة اجتماع النقيضين كاستحالة اجتماع الضدّين من القضايا الضروريّة و المقدّمات الأوّلية الّتي لم يتفوّه به جاهل فضلا عن العالم الفاضل، و لذا ترى أنّ أدلّة الطرفين خلو عن التعرّض لها إثباتا و نفيا، فإنّ ما لا يعقل ثبوته لا يصحّ الاستدلال على نفيه كما لا يصحّ الاستدلال على ثبوته.

لكن قد يقال: لو قيل بعدم [استلزام] العلم بالعلّة للعلم بالمعلول و جواز انفكاكه عنها واقعا- كما عليه الأشاعرة القائلين بعدم الملازمة بين المقدّمات و نتائجها عقلا، بل هي باعتبار جري عادة اللّه تعالى على إيجاد العلم بالثانية عقيب العلم بالاولى- لصحّ تعقّل التصويب في العقليّات، نظرا إلى منع امتناع اجتماع النقيضين حينئذ بحسب العقل و إن امتنع بحسب جري عادة اللّه على عدمه.

و فيه: أنّه غير لازم على مذهب الأشاعرة المبنيّ على مقالتهم الفاسدة، و هو أنّه لا ترتّب و لا علّية في الوجود إلّا بإجراء اللّه تعالى عادته على خلق شيء كالعلم و المعلول عقيب شيء آخر كالنظر و العلّة، و إن كان لا يبعد عنهم التفوّه- لسخافة رأيهم- بنظائر ذلك.

أمّا أوّلا: فلعدم تمشّي منعهم الترتّب العقلي بين العلّة و المعلول هنا، لأنّ عدم اجتماع النقيضين معلول لذات النقيضين، فإنّهما لذاتهما يقتضيان ضرورة عدم اجتماعهما، فلا يجوّز


صفحه 288

..........

العقل اجتماعهما لاستحالة تخلّف ما بالذات عقلا عن الذات.

و لا ينتقض ذلك بامتناع اجتماع الضدّين الّذي قيل فيه بأنّه ليس لذاتهما بل لعارض، و هو إمّا لعدم قابليّة المحلّ لوجود أحد الضدّين حال اشتغاله بوجود الضدّ الشاغل له، أو لأنّ اجتماعهما يؤول إلى اجتماع النقيضين باعتبار أنّ وجود كلّ من المتضادّين في المحلّ يستلزم عدم الضدّ الآخر، لكفاية كلّ من الأمرين في الحكم بالاستحالة العقليّة كما يظهر وجهه بالتأمّل.

و أمّا ثانيا: فلأنّ قاعدة جريان العادة لا تجري إلّا فيما كان من آثار القدرة، و عدم اجتماع النقيضين لا يصلح أثرا للقدرة و إلّا كان اجتماعهما أيضا صالحا لأن يكون أثرا للقدرة، لأنّ ما لا يكون وجوده من آثار القدرة لا يكون عدمه من آثار القدرة، و هو كما ترى.

و لا ينافيه عموم قدرته تعالى لأنّها عامّة للممكنات و لا تتعلّق بما امتنع ذاتا كما لا تتعلّق بما يجب ذاتا، لا لقصور في قدرة القادر بل لقصور المحلّ من حيث عدم قابليّته لتعلّق القدرة به.

و كيف كان فنحن ندّعي عدم المعقوليّة في العقول السليمة الكاملة و لا نتكلّم مع العقول المشوبة الناقصة.

و بما ذكرناه من الضابط يعلم أنّ النزاع الآتي في التخطئة و التصويب بالقياس إلى الأحكام الشرعيّة الفرعيّة غير جار في موضوعاتها- كلّية أو جزئيّة، عرفيّة أو لغويّة- و التصويب فيها غير معقول.

نعم إذا كانت شرعيّة فربّما يتصوّر جريان النزاع المذكور فيها لكونها مطلقة أو إذا كانت من قبيل العبادات- على مذهب غير القاضي- منوطة بجعل الشارع، نظرا إلى إمكان القول بأنّ الواقع في الامور الجعليّة كما أنّه يتبع الجعل في أصله كذلك يتبعه في وصفه باعتبار الوحدة و الكثرة، كما وقع ذلك في صلاة المسافر و صلاة الحاضر، و الصلاة عن قيام لمن يقدر عليه، و هي عن قعود لمن يعجز عنه، فمن الجائز تعدّد المجعول بل تكثّره على حسب كثرة الآراء و الاعتقادات بخلاف الموضوعات الغير الشرعيّة.

و أمّا ما يتراءى من بعض العبائر من الحكم بتصويب المجتهدين في القبلة و ما أشبهه فليس المراد به ما يوجب تعدّد أصل القبلة من عين الكعبة أو جهتها، كيف و هي عينا وجهة أمر شخصي بحسب الواقع لا يتحمّل التعدّد الخارجي، بل هو مبنيّ على أخذ الاعتقاد في


صفحه 289

..........

مسألة القبلة موضوعا للحكم و إن خالف الواقع، فالقبلة الّتي يجب الصلاة إليها في حقّ كلّ مكلّف ما اعتقده قبلة و إن لم يكن كذلك في الواقع.

و بالجملة التصويب بمعنى مطابقة اعتقاد كلّ من المجتهدين المختلفين في العقليّات لنفس الأمر ممّا لم يصحّ النزاع في عدم جوازه، لتأديته إلى اجتماع النقيضين أو الضدّين و هو غير معقول.

فإن قلت: لو كان مجرّد تأدية القول بالتصويب في العقليّات و ما بحكمها- في عدم تحمّل الواقع للتعدّد- إلى اجتماع النقيضين أو الضدّين موجبا لعدم صحّة النزاع فيه لسرى ذلك إلى الفرعيّات أيضا، و التالي باطل.

أمّا الملازمة: فلمكان محذور الاجتماع على القول بالتصويب فيها أيضا كما هو أحد حجج القائلين بالتخطئة.

قلت: ما يلزم من محذور الاجتماع في غير الفرعيّات- على القول بالتصويب فيها- إنّما هو بالنظر إلى أصل الواقع و لذا كانت الملازمة فيه بيّنة، بخلاف ما أورد على التصويب في الفرعيّات، فإنّه إن سلم من المنع الواقع في كلام غير واحد- على ما ستعرفه مع سنده- مفروض في الاعتقاد المتعلّق بالحكم من حيث تعدّده بالظنّية و القطعيّة، و لذا قرّرت الملازمة: بأنّ المجتهد إذا ظنّ بشيء جزم و قطع بأنّ حكم اللّه في حقّه ذلك، ضرورة علمه بأنّ كل مجتهد مصيب، و إذا قطع استمرّ قطعه إذا الأصل بقاء كلّ شيء على ما هو عليه، و استمرار القطع مشروط ببقاء ظنّه، للإجماع على أنّه لو ظنّ غيره وجب الرجوع، فيكون ظانّا عالما بشيء واحد في زمان واحد فيلزم اجتماع النقيضين، ضرورة اقتضاء القطع عدم احتمال النقيض و اقتضاء الظنّ احتماله.

و هذا المحذور على تقدير لزومه و عدم اندفاعه هنا إنّما يلزم بملازمة نظريّة غير بيّنة فلا يبعد في مثله وقوع النزاع في ملزومه، لإمكان الغفلة من قائله عن الملازمة بينه و بين لازمه، بخلاف ما هو في محلّ الكلام فإنّه إنّما يلزم بملازمة واضحة بيّنة لا تكاد تخفى على ذي مسكة، فإذا كان اللازم أمرا غير معقول بحكم البداهة كان القول بالملزوم أيضا ببداهة الملازمة أمرا غير معقول.

و ينبغي القطع أيضا بعدم كون خلاف الجاحظ و صاحبه في القضيّة الثانية، و هو الحكم بكفر الذاهب إلى خلاف الحقّ إذا كان نفيا لملّة الإسلام و ما هو بمثابته بإجراء أحكام


صفحه 290

..........

الكفّار عليه الثابتة بحسب الدنيا الّتي أقلّها النجاسة و إن لم يستحقّ القتل و نهب الأموال و أسر الأولاد و العيال حيث لم يكن من أهل الحرب، و الظاهر أنّه ممّا لا نزاع في ثبوته بل هو صريح كلمات الطرفين.

و قد سمعت في حكاية القول بالتصويب اعتراف الجاحظ بل العنبري أيضا بإجراء أحكام الكفر على المخالف للحقّ.

فتعيّن كون خلافهما في القضيّة الثالثة، و رجوع قولهما إلى دعوى رفع الإثم و عدم استحقاق العقوبة في المخالف للحقّ لخروجه عن عهدة التكليف، فهو المتنازع فيه بمقتضى صريح كلماتهم.

و لقد سمعت من العلّامة و الرازي تفسير التصويب بعدم الإثم، فالجمهور إلى تأثيم المجتهد المؤدّي اجتهاده إلى خلاف الواقع و عدم معذوريّته في خطائه بحسب الآخرة، و غيرهم إلى عدمه المعبّر عنه بالمعذوريّة و الخروج عن العهدة.

و مرجع النزاع أنّ خطأ المجتهد في العقليّات عذرا مسقطا للتكليف فيها رافعا للإثم و العقوبة على مخالفة الواقع و عدمه.

ثمّ إنّ المكلّف في اصول العقائد إمّا مجتهد و هو الّذي يجتهد في المعارف و يحصّلها بطريق النظر و الاستدلال، أو معاند و هو الجاحد للحقّ بعد وضوحه و تبيّنه، أو مقلّد و هو الآخذ في اصول العقائد بقول الغير مع تفطّنه بوجوب النظر متقاعدا عنه تقصيرا أو عدم تفطّنه به رأسا.

و لا ريب أنّ موضوع المسألة ليس إلّا المجتهد، أخذا بصريح عناوينها المشتملة على ذكر المجتهد مفردا و مجموعا، مع ورودها في الكتب الاصوليّة- و لا سيّما التهذيب و النهاية- في مبحث أحكام الاجتهاد، و ورودها أيضا مع مسألة التخطئة و التصويب في الفروع في باب واحد، فلا نزاع في حكم المعاند من حيث الكفر و التأثيم، و لا في حكم المقلّد أيضا من حيث الكفر بل التأثيم أيضا مع التقصير و عدمه مع عدم التقصير، بناء على ما تسمعه من رجوع النزاع إلى الصغرى من حيث إثبات التقصير و نفيه.

و يؤيّد خروج المقلّد عن هذا النزاع كونه موضوع مسألة اخرى- يأتي التعرّض لها- معبّر عنها بجواز التقليد في اصول الدين و عدمه، و لا ينافيه ما تقدّم في عبارة الحاجبي و غيره من أنّ النافي لملّة الإسلام مخطئ آثم كافر اجتهد أو لم يجتهد، لعدم قصده بذلك


صفحه 291

..........

إلى تعميم محلّ النزاع، بل إلى إجراء حكم موضع الوفاق و هو المخالف المعاند في محلّ الخلاف بدليل الإجماع، الّذي جمع العضدي بينه و بين خلاف المخالف بكونه إجماعا قبل ظهور المخالف.

ثمّ إنّ المجتهد بالمعنى المذكور أعمّ من العامي الّذي اجتهد في معارفه، و الأظهر دخوله في محلّ النزاع موضوعا و حكما كما هو مقتضى قرينة المقابلة بينه و بين المعاند و المقلّد، و يعضده عموم أدلّة القولين، ما مع عرفته من رجوع النزاع في المسألة إلى كون خطأ المجتهد في العقليّات عذرا مسقطا للتكليف رافعا للإثم على مخالفة الواقع و عدمه، و هذا ممّا لا يتفاوت فيه الحال بين العالم و العامي.

و من الأعلام من احتمل الاختصاص بالعالم حيث إنّه بعد المناقشة في أدلّة الجمهور استشكل من جهة الإجماع المدّعى في كلام جماعة من العامّة و الخاصّة على هذا القول، فقال: «و يمكن دفع هذا الإشكال بأن يقال: مراد من ادّعى الإجماع إنّما هو في حال العلماء العقلاء المجتهدين المطّلعين على أدلّة المسائل نفيا و إثباتا على التفصيل، لا مطلق من يجتهد في دينه و إن كان عاميّا.

و دعوى أنّ المجتهد الكامل لا يخفى عليه الحقّ لو خلّى نفسه و لم يقصّر ليس بعيدا عن الصواب، بل هي دعوى صحيحة في أغلب المسائل.

و يشهد بذلك أنّهم يذكرون هذه المسألة مع مسألة التخطئة و التصويب في الفروع في مبحث واحد» انتهى.

إلّا أن يقال: إنّ غرضه تخصيص معقد الإجماع بذلك لا تخصيص محلّ النزاع، و أمّا ورود المسألة في أحكام الاجتهاد و ورودها مع المسألة الآتية في مبحث واحد فلا شهادة له بالاختصاص، لأنّ المجتهد إنّما يؤخذ موضوعا في المسائل على حسبما اضيف إليه الاجتهاد، فإن كان ممّا يتأتّى الاجتهاد فيه من العالم و العامي كان المجتهد في موضوعه أغمّ منهما، و إن كان لا يتأتّى إلّا من العالم اختصّ به الموضوع، و عليه فإنّما خصّت المسألة الآتية بالعالم لأنّ الاجتهاد في الفروع لا يتأتّى من العامي بخلافه الاجتهاد في العقليّات فإنّه يتأتّى من العالم و العامي معا.

ثمّ ينبغي القطع بكون المراد من «المجتهد» أعمّ ممّن أدّى اجتهاده إلى القطع بخلاف الواقع أو إلى الظنّ به، لوضوح أنّ النزاع إذا كان راجعا إلى كون خطأ المجتهد عذرا و عدمه


صفحه 292

..........

فلا يتفاوت فيه الحال بين كون الخطأ على وجه القطع أو الظنّ، مع إطلاق المجتهد في كلامهم، مع أنّ احتجاج القول بالمعذوريّة بأنّ تكليفهم بنقيض اجتهادهم ممتنع عقلا و سمعا لأنّه ممّا لا يطاق أوفق بصورة القطع.

و لا ينافيه ما نقله العلّامة في النهاية عن بعض المعتزلة من تأويله مقالة القاضي و العنبري بالحمل على المعذوريّة في المسائل المختلف فيها بين المسلمين الّتي لا يكفر مخالفها، كمسألة الرؤية و خلق الأعمال و قدم الكلام و غير ذلك لأنّ الأدلّة فيها ظنّية متعارضة، لعدم ابتناء التعليل بالظنّية على كون موضوع المسألة هو المجتهد الظانّ، بل على ما ستعرفه من رجوع النزاع إلى الصغرى و هو استناد خطأ المجتهد إلى تقصيره فلا يكون معذورا أو إلى قصوره فيكون معذورا، فغرض بعض المعتزلة تنزيل قول الجاحظ و صاحبه- المبنيّ على دعوى القصور- على المسائل الّتي يجوز فيها القصور لظنّية أدلّتها و تعارضها الباعثة على الخطأ غالبا من غير تقصير.

ثمّ إنّ ظاهر هذا المؤوّل كون محلّ النزاع من المسائل العقليّة الكلاميّة، المسائل المختلف فيها بين المسلمين الّتي لا يكفر مخالف الحقّ فيها من حيث إنّه مخالف له، و إن كان قد يكفر باعتبار خصوصيّة اخرى منضمّة إليه ككونه ممّا ثبت بضرورة من الدين أو المذهب كالمسائل المشار إليها و نظائرها، و منها مسألة الإمامة المختلف فيها بين العامّة و الشيعة، دون المسائل المختلف فيها بين المسلمين و غيرهم من سائر فرق الكفر، بل هذا ممّا جزم به التفتازاني في شرح عبارة العضدي عند المناقشة في الإجماع الّذي تمسّك به العضدي على إثم المخطئ قال:

«و في ورود الدليل على محلّ النزاع مناقشة، لأنّ الإجماع إنّما هو في الكافر المخالف للملّة صريحا، و النزاع إنّما هو فيمن ينتمي إلى الإسلام و يكون من أهل القبلة، و إلّا فكيف يتصوّر من المسلم الخلاف في مسألة خطأ مثل اليهود و النصارى» انتهى.

و هذا كما ترى خلاف ظاهر الأكثر و خلاف مقتضى أدلّة الجمهور المصرّحة بكفر المخطئ، و خلاف ما صرّح به غير واحد كالعلّامة في النهاية و غيره كالعضدي في عبارته المتقدّمة: «بل المصيب من المتخالفين واحد ليس إلّا و الآخر مخطئ، و إنّ من كان منهم نافيا لملّة الإسلام كلّها أو بعضها فهو مخطئ آثم كافر سواء اجتهد أو لم يجتهد، خلافا للجاحظ فإنّه قال: لا إثم على المجتهد مع أنّه مخطئ و يجري عليه في الدنيا أحكام


صفحه 293

..........

الكفّار» إلى آخر ما ذكره.

و هذا كما ترى صريح في عدم اختصاص النزاع بما ذكر إن لم نقل بظهوره في الاختصاص بغيره ممّا يكفر فيه المخطئ و مخالف الحقّ.

و كيف كان فتحقيق هذا المقام يستدعي النظر في جهة اخرى من جهات تحرير محلّ النزاع، و هي كون النزاع كبرويّا أو صغرويّا؟

فلو قرّر النزاع بأنّ المكلّف بالعلم في اصول العقائد المجتهد فيها المقصّر في اجتهاده حتّى أدّى اجتهاده إلى اعتقاد خلاف الواقع معذور غير آثم على قول الجاحظ و العنبري، بناء منهما على أنّ الامتناع بالاختيار ينافي الاختيار خطابا أو عقابا، و آثم غير معذور على قول الجمهور بناء منهم على أنّه لا ينافي الاختيار خطابا أو عقابا كان كبرويّا.

و كذلك لو قرّر بأنّ المكلّف بالعلم المجتهد القاصر عن تحصيله معذور غير آثم دفعا للتكليف بغير المقدور القبيح على الحكيم على قول الجاحظ و العنبري، أو آثم غير معذور منعا لقبح التكليف بغير المقدور بحسب الفعل إذا كان مقدورا بحسب العادة، على معنى كونه ممّا يتأتّى عادة و إن خرج عن المقدوريّة لعارض على القول الآخر.

و هذا و إن كان ممّا يومئ إليه بعض كلماتهم كما ستعرفه، غير أنّ الأولى إسقاط هذا التقرير و سابقه، لبعد كون موضوع المسألة خصوص المقصّر أو القاصر، كبعد كون مبنى الخلاف على ما ذكر في التقريرين، لوجوب تحقّق موافق للجاحظ و صاحبه في القول بالمعذوريّة و عدم الإثم من أصحابنا، لأنّ منهم من يقول بمنافاة الامتناع بالاختيار للاختيار بل عليه محقّقوهم و هو الأصحّ، بل قاطبة العدليّة مطبقون على اشتراط صحّة التكليف بالمقدوريّة ذاتا و فعلا و عدم الفرق في قبح التكليف بغير المقدور بين الامتناع الذاتي و الامتناع العرضي.

و الأولى في تقرير كبرويّة النزاع أن يقال: إنّ المكلّف المجتهد في العقائد إذا أخطأ هل هو معذور غير آثم و إن كان مقصّرا، أو أنّه غير معذور و آثم و إن فرضناه قاصرا؟

و لو قرّر النزاع بأنّ المجتهد المؤدّي اجتهاده إلى مخالفة الواقع في اصول الدين آثم لكونه مقصّرا أو غير آثم لكونه قاصرا كان صغرويّا، لرجوعه إلى أنّ المجتهد المخطئ فيها هل هو مقصّر ليكون آثما أو قاصر لئلّا يكون آثما؟

و قد يقرّر ذلك بإمكان وجود القاصر عقلا أو عادة و عدمه، و هذا كما ترى بعيد عن