بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 295

..........

و كلّ مقصّر في اجتهاده آثم.

أمّا الكبرى: فبحكم المقدّمة الاولى من الدليل.

و أمّا الصغرى: فبحكم المقدّمة الثانية، إذ المراد بالدليل المنصوب هو الدليل الواضح القاطع الّذي يجده من طلبه لئلّا يلزم تكليف ما لا يطاق، فمن لم يجده لم يطلبه بحكم عكس النقيض، و من لم يطلبه فقد فرّط في تحصيل الواجب الّذي هو العلم و المفرّط مقصّر جدّا.

و قد يقرّر الدليل- على ما في نهاية العلّامة كما عن المحصول-: «بأنّ اللّه تعالى نصب الأدلّة القاطعة على هذه المطالب و مكّن العقلاء من معرفتها، فوجب أن لا يخرجوا عن العهدة إلّا بالعلم».

و اجيب عن التقرير الأوّل: بالمنع من وضعه تعالى أدلّة قاطعة على تلك المطالب يتمكّن العقلاء من معرفتها، و الخطاب بالعلم الوارد في الآية متوجّه إلى الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و له من وفور العقل و دقّة النظر و كمال الحدس ما ليس لأحد من أمّته، فلا جرم كلّفه بالعلم به لتمكّنه منه، و لمّا كانت عقول الامّة قاصرة عن ذلك و فطنتهم ضعيفة لم يكلّفهم بالعلم حذرا عن تكليف الغافل و تكليف ما لا يطاق. و غرض المجيب منع كون المجتهد المخطئ في المعارف مقصّرا باعتبار منع تكليفه بالعلم فيها من جهة منع نصبه تعالى أدلّة يتمكّن من معرفتها العقلاء، فلا يكون آثما.

و هل هو في مراد المجيب لعدم تكليفه فيها رأسا من باب السالبة بانتفاء الموضوع كفاقد الطهورين بالنسبة إلى الصلاة، أو لخروجه عن عهدة تكليفه و هو التكليف بمؤدّى اجتهاده و هو اعتقاده جزما أو ظنّا و إن تعلّق بالباطل؟ احتمالان، منشأهما رجوع النفي في قوله: «لم يكلّفهم بالعلم» إلى جنس العلم الّذي هو عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بناء على أنّ قصوره و عجزه عن الوصول إلى الواقع و إدراك نفس الأمر ينهض عذرا عقليّا كاشفا عن عدم توجّه تكليف إليه بالاعتقاد في الواقع كالحائض إذا طرأها الحيض في أثناء نهار رمضان، سواء كان قصوره من جهة تأدية اجتهاده إلى الجزم بالباطل و إن كانت زيادة النظر بعده مقدورة له بحسب الواقع، أو من جهة عدم تمكّنه من زيادة النظر و إن كان اجتهاده قد أدّى إلى الظنّ بالباطل أو إلى أحد فصليه: الجزم أو المطابقة بناء على وقوع التعبّد بالظنّ في اصول الدين و إن تعلّق بالباطل، أو كفاية الاعتقاد الجازم فيها[1]و إن

[1]عطف على قوله: «منشأهما رجوع النفي في قوله: لم يكلّفهم بالعلم إلى جنس العلم» الخ.


صفحه 296

..........

لم يطابق الواقع، فالمخطئ على كلّ من الوجهين امتثل تكليفه بتحصيل ما كلّف به من الاعتقاد مطلقا أو بشرط الجزم مطلقا.

و لكنّ الظاهر سقوط احتمال رجوع النفي إلى الجنس عن مراد المجيب بملاحظة ما اجيب به عن التقرير الثاني للدليل، القاضي ببناء قوله بالعذر و عدم الإثم على الاكتفاء بالظنّ الاجتهادي في اصول الدين و إن لم يطابق الواقع، حيث اجيب عنه: «بمنع نصب الأدلّة القاطعة و تمكّن العقلاء من معرفتها، خصوصا و نحن نرى الخلق مختلفين في الأديان و العقائد من زمن وفاة الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و يبعد أن يكون أحد منهم مكابرا.

سلّمنا لكن لا نسلّم اقتضاء ذلك أمرهم بالعلم، فجاز أنّهم كانوا مأمورين بالظنّ الغالب سواء كان مطابقا أو لا، و حينئذ يعذر الآتي به.

و يدلّ على أنّ التكليف إنّما وقع بالظنّ أنّ اليقين التامّ المتولّد من البديهيّتين المرتّبتين ترتيبا صحيحا متعسّر لا يصل إليه إلّا الآحاد، فلا يقع التكليف به لجميع الخلق، لقوله(عليه السلام):

«بعثت بالشريعة السهلة السمحة» و لا حرج أعظم من تكليف الإنسان في لحظة واحدة بمعرفة ما عجز الخلق عن معرفته في خمسمائة سنة، و لأنّا نعلم أنّ الصحابة لم يكونوا عالمين بهذه الأدلّة و الدقائق و الجواب عن شبهات الفلاسفة، كما لم يكونوا عالمين بدقائق الهندسة و علم الهيئة و الحساب، مع أنّه(عليه السلام)حكم بإيمانهم، سلّمنا أنّهم كلّفوا بالعلم لكن نمنع عقاب المخطئ و الإجماع في محلّ الخلاف ممنوع» انتهى.

و لك أنّ تقول: بأنّ المنع الأخير مبنيّ على إرجاع النفي إلى جنس العلم، فيراد بمنع العقاب دعوى انكشاف عدم توجّه التكليف إليه رأسا، لعدم تمكّنه من تحصيل العلم بسبب طروّ العذر المانع عن صحّة التكليف، بناء على عدم جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه، المبنيّ على قبح تكليف الغافل و قبح تكليف ما لا يطاق كما يشير إليه الحجّة الآتية لقول الجاحظ.

و منها: أنّا نعلم بالضرورة أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أمر اليهود و النصارى بالإيمان و ذمّهم على إصرارهم على عقائدهم و قاتل بعضهم، و كان يكشف عن مؤثّر المبالغ و يقتله، و معلوم أنّ المعاند المعارض ممّا يقلّ و إنّما الأكثر مقلّدة عرفوا دين آبائهم تقليدا و لم يعرفوا المعجزة.

و اعترض عليه: بأنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)قتلهم لجهلهم بالحقّ مع إصرارهم على ترك التعلّم لا الجهل مطلقا، فلعلّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بالغ في إرشادهم و لم يلتفتوا إلى بيانه و اشتغلوا باللهو و الطرب، و أمّا


صفحه 297

..........

من بالغ في الطلب و البحث فنمنع أنّه قتله، سلّمنا قتله لكن نمنع عقابه.

و منها: إجماع المسلمين على قتال الكفّار و على أنّهم من أهل النار، و لو كانوا غير آثمين لما شاع ذلك، هذا على ما في النهاية و غيرها.

و في شرح العضدي: «إجماع المسلمين قبل ظهور المخالف على قتل الكفّار و قتالهم و على أنّهم من أهل النار يدعونهم بذلك إلى النجاة، و لا يفرّقون بين معاند و مجتهد، بل يقطعون بأنّهم لا يعاندون الحقّ بعد ظهوره لهم، بل يعتقدون دينهم الباطل عن نظر و اجتهاد.

و اعترض عليه: بأنّ الجهاد مع الكفّار من الأحكام الثابتة لهم في الدنيا و هو لا يستلزم تعذيب الغير المقصّر منهم في الآخرة.

و أمّا الإجماع على أنّهم من أهل النار فنمنع في غير المقصّرين منهم للزوم الظلم عليه تعالى.

و منها: قوله سبحانهذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ[1]وَ ذٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ[2]خَتَمَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ عَلىٰ سَمْعِهِمْ وَ عَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ[3]و ذمّ المكذّبين للرسول ممّا لا ينحصر في الكتاب و السنّة.

و اعترض عليه تارة: بأنّه غير مفيد للقطع، لجواز التخصيص بغير المجتهد منهم، و اخرى:

بأنّ الآيات وردت في ذمّ الكافر، و الكفر لغة: الستر، و هو لا يتحقّق إلّا في المعاند الّذي عرف الدليل ثمّ أنكره، أو المقلّد الّذي يعرف أنّه لا يعرف الدليل على صحّة الشيء ثمّ يقول به، أمّا العاجز المتوقّف الّذي بالغ في الطلب و لم يصل فلا يكون ساترا لما ظهر عنده فلا يكون كافرا.

و منها: قوله تعالى:وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا[4]و المراد ب«فينا»: في سبيلنا، بشهادة «سبلنا» و عمومها يعمّ الاصول و غيرها، فإذا جاهد الجاهل و نحوه في اللّه يهتدي إلى الإسلام فإذا لم يهتد يتبيّن كونه مقصّرا.

و اعترض عليه: بأنّ المجاهدة مفاعلة مستلزم لاثنين و حملها على الجدّ و الاجتهاد مجاز لا يصار إليه إلّا بدليل، فالمعنى: الّذين يدافعون الخصماء من شياطين الجنّ و الإنس و نحوهما لنرشدنّهم إلى سبلنا و لنعيننّهم على دفاع الأعداء، و أكثر هذه الأدلّة عدا الدليل الأوّل و إن احتمل كبرويّة النزاع إلّا أنّه أمكن إرجاعها بقرينة اعتراضاتها إلى الصغرى.

[1]ص: 27.

[2]فصلت: 23.

[3]البقرة: 7.

[4]العنكبوت: 69.


صفحه 298

..........

حجّة القول الآخر أمران:

أحدهما: ما أشار إليه الحاجبي من: «أنّ تكليفهم بنقيض اجتهادهم ممتنع عقلا و سمعا لأنّه ممّا لا يطاق».

و الظاهر أنّ مراده هو العلم بالواقع؛ و لا ريب أنّه مع تأدية الاجتهاد إلى الجزم بخلاف الواقع أو إلى الظنّ- مع عدم التمكّن من زيادة النظر- ممتنع، فيكون التكليف به تكليفا بما لا يطاق و هو قبيح عقلا و سمعا فيكون ممتنعا.

و هذا أوجه ممّا ذكره العضدي في توجيهه من: «أنّ تكليفهم بنقيض اجتهادهم تكليف بما لا يطاق، فيمتنع.

أمّا الاولى: فلأنّ المقدور بالذات هو الاجتهاد و النظر لكونهما من قبيل الأفعال، دون الاعتقاد فإنّه من قبيل الصفات، و ما يؤدّى إليه الاجتهاد حصوله بعد الاجتهاد ضروري و اعتقاد خلافه ممتنع.

و أمّا الثانية: فلما تقدّم من دليل العقل و السمع على امتناع تكليف ما لا يطاق و على عدم وقوعه» انتهى.

و هذه الحجّة مع الأوّل من أدلّة الجمهور، و جوابه المتقدّم شاهد قطعي برجوع النزاع إلى إثبات التقصير على المجتهد المخطئ و نفيه عنه، و اللازم من التقصير كونه معاقبا باعتبار عدم خروجه عن عهدة التكليف بالعلم و تركه امتثاله و عدم إتيانه بالمكلّف به عن تقصير لا عن عذر، كما أنّ اللازم من عدم التقصير عدم العقاب على مخالفة الواقع إمّا لخروجه عن عهدة تكليفه و امتثاله بإتيان المكلّف به إن قلنا بتوجّه التكليف في المعارف إلى مطلق الاعتقاد و لو ظنّا أو إلى الاعتقاد الجازم و إن لم يطابق الواقع، أو لسقوط التكليف عنه رأسا بطروّ العذر و هو خروج المكلّف به عن المقدوريّة إن قلنا بأنّ التكليف في الاصول يقع على خصوص العلم و هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الّذي هو مع تأدية الاجتهاد إلى الاعتقاد الغير المطابق متعذّر.

و كيف كان فأجاب عنه العضدي- تبعا للحاجبي-: «بأنّا لا نسلّم أنّ نقيض اعتقادهم غير مقدور، فإنّ ذلك امتناع بشرط المحمول أي ما داموا معتقدين لذلك يمتنع أن يعتقدوا خلافه، و ذلك لا يوجب كون الفعل ممتنعا عنهم غير مقدور لهم، فإنّ الممتنع الّذي لا يجوز التكليف به ما لا يتأتّى عادة كالطيران و حمل الجبل، و أمّا ما كلّفوا به فهو الإسلام و هو


صفحه 299

..........

متأتّ منهم و معتاد حصوله من غيرهم و مثله لا يكون مستحيلا».

و ثانيهما: ما حكاه العلّامة و الرازي في النهاية و المحصول من: «أنّه تعالى ملك رحيم كريم، و استقراء أحكام الشرع يدلّ على أنّ الغالب على الشرع التخفيف و المسامحة، حتّى لو احتاج إلى تعب في طلب الماء أسقط عنه فرض الوضوء، فكيف بكرمه و رحمته معاقبة من أفنى طول عمره في الفكر و البحث».

و دفع: بمنع عدم الوصول إلى الحقّ مع المبالغة في البحث و النظر، بل الواجب مع استيفاء النظر و البحث الوصول إلى الحقّ.

و هذه عمدة كلماتهم تعرّضنا لذكرها من دون تعرّض لجرحها و تعديلها قصدا إلى استعلام الجهات الملحوظة لمحلّ النزاع و بيان رجوع النزاع إلى الصغرى.

و أمّا تحقيق المسألة فهو مبنيّ على التكلّم في مراحل:

المرحلة الاولى: في إثبات وجود القاصر فيما بين المكلّفين بالمعارف و اصول العقائد، فتارة في نوع المكلّفين، و اخرى في المجتهدين منهم.

فنقول: أمّا وجود القاصر و هو من عجز عن الوصول إلى الواقع و لم يقدر على إدراك الحقّ- إمّا بعدم وجود دليل عليه، أو بعدم العثور على الدليل الموجود مع عدم التقصير في طلبه أو لعدم تفطّن بأصل القضيّة و الاختلاف فيها كحدوث العالم مثلا، أو لعدم التمكّن من الفحص و الاجتهاد و طلب الحقّ فيها، أو سبق إذعان جزمي بالباطل إلى الذهن بسبب غير اختياري من دون سبق احتمال حقّية خلافه كما يشهد به قولهم(عليهم السلام): «كلّ مولود يولد على الفطرة و إنّما أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه» أو لرسوخ الشبهة بمعنى صورة الشكّ في الذهن بحيث لم يقدر على إزالتها، أو اضطراب فكر و تشويش ذهن و اعوجاج مدركة و اختلال فطنة، أو فقد ما هو من شروط النظر أو وجود ما هو من موانعه، أو غير ذلك ممّا شاع فيما بين آحاد النوع و لو بالقياس إلى الرساتيق و أهل البوادي و أقصى بلاد الروم و الروس و الإفرنج و غيرها- فممّا لا ينبغي أن ينازع فيه، لكون وجوده باعتبار الأسباب المذكورة ممّا يشهد به ضرورة الوجدان و بداهة العيان، فمنكر وجوده- على ما يظهر من بعض العبائر- مدافع للضرورة و مكابر للوجدان فلا يلتفت إليه.

كيف و لا يساعده على إنكاره الّذي هو نفي وجوده شيء من السمع و العقل، سوى ما عسى أن يتوهّم من جهة السمع من عموم التكليف بالمعارف الحقّة المستفاد من إطلاق


صفحه 300

..........

الخطاب بالعلم، و الأوامر الواردة به في الكتاب و السنّة و معاقد الإجماع من نحو قوله تعالى:

يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْو قوله:يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتٰابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ الْكِتٰابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللّٰهِ وَ مَلٰائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالًا بَعِيداًو نحو ذلك من الآيات، فإنّه يقضي باقتدار عامّة المكلّفين في الاصول على إدراك الواقع و الوصول إليه دفعا لقبح التكليف بغير المقدور.

و يدفعه: أنّ هذه الخطابات و إن كانت مطلقات إلّا أنّها من قبيل القضايا التكليفيّة المعلّقة على الشروط الأربع المقرّرة بحكم العقل و السمع للتكليف الّتي منها القدرة على الامتثال، فتكون كأشباهها و نظائرها من الخطابات الواردة في الفروع كأَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ*مخصوصة بواجدي الشرائط، فهي مطلقات لفظا و مقيّدات معنى، فلا يظهر من مجرّد إطلاقها شمولها لعامّة المكلّفين لينهض شاهدا بانتفاء القصور رأسا، و أصالة الإطلاق في الأمر- حسبما تقرّر في محلّه- الّتي يرجع إليها في مواضع احتمال التقييد إنّما تسلّم بالقياس إلى الشروط الاخر الزائدة على الشروط الأربع، فالخطاب التكليفي حينئذ لا يعلم إطلاقه إلّا حيث صادف الجامع للشروط بأجمعها، و من المستحيل حينئذ إحراز وجود الشروط بإطلاقه.

و ما عساه يتوهّم من خروج خطابات العلم و المعرفة من سياق الأشباه و النظائر و ضابطة الخطابات المشروطة ممّا لا محصّل له، إلّا بأن يرجع إلى دعوى أحد الأمرين: من منع الاشتراط بالقياس إلى هذه الخطابات بالخصوص فهي مطلقة بحسب اللفظ و المعنى معا حتّى بالقياس إلى فاقدي الشروط كلّها أو بعضها، و هي- مع أنّها لا تنفي وجود القاصر و أنّها خلاف الفرض كما يشهد به خروج الصبيّ و المجنون منها- تخصيص في حكم العقل و غيره من القاطع المثبت للاشتراط فيكون محالا.

أو دعوى مصادفة هذه الخطابات اجتماع الشروط بأسرها بالنسبة إلى عامّة المكلّفين على معنى كون كلّ مكلّف في الاصول حاويا لشروط الامتثال، و هي مجازفة لا يلتفت إليها في نظائر المقام مع قضاء ضرورة الوجدان بفسادها.

فإن قلت: يمكن الاستدلال على نفي القصور بقاعدة اللطف الّتي هي من دليل العقل، بتقريب: أنّه كما يشتمل الفروع على مصالح و مفاسد يجب على اللّه تعالى من باب اللطف إرشاد العباد إليها فكذلك الاصول مشتملة عليها، بل مصالح الفروع فرع من مصالح الاصول، و كما أنّ اللطف الواجب في الفروع يقتضي جعل التكاليف و إرسال الرسل و إنزال الكتب


صفحه 301

..........

و نصب الأوصياء و غير ذلك ممّا لا يتمّ اللطف إلّا به، فكذلك في الاصول يقتضي جعل التكليف بتحصيلها و نصب الأدلّة الموصلة إليها و تمكين المكلّفين من معرفتها، و هذا يقتضي عدم وجود قاصر و إلّا لم يتمّ اللطف.

قلت: هذا كلّه صحيح و لكن وجود الدليل المنصوب الصالح للإيصال لا يلزم وجوب إيصاله إلى المطلوب، سيّما إذا استند عدمه إلى فقد شرط أو وجود مانع كما في أسباب القصور المتقدّمة الّتي مرجعها إلى أحد الأمرين.

لا يقال: إنّ التمكين من معرفة الدليل المنصوب و التوصّل به إلى المطلوب تتميما للّطف الواجب عليه تعالى يقتضي إيجاد الشروط المفقودة و دفع الموانع الموجودة.

لأنّه إنّما يقتضي الإيجاد و الرفع فيما يستند فقده من الشروط و وجوده من الموانع إليه تعالى، بحيث لو لا إيجاده ما فقد من الشرط و رفعه ما وجد من المانع كان إخلالا منه باللطف الواجب عليه، و ميزانه كون خلاف اللطف مسندا إليه، و أمّا ما لا يستند إليه من فقد الشروط أو وجود الموانع بل إلى غيره كما في أسباب القصور المتقدّمة- كما يكشف عنه حديث: «كلّ مولود يولد على الفطرة»- فليس الإيجاد و الرفع فيهما و لو بنحو الغلبة و الإكراه من اللطف الواجب عليه، لما أخذ فيه من عدم انتهائه إلى حدّ الإلجاء، بل ربّما أمكن المناقشة في جوازه فضلا عن وجوبه لرجوعه إلى الجبر المستحيل عليه تعالى.

و لو قيل: إنّ الإجماع انعقد على تكليف العباد بالوصول إلى الواقع و هو غير قابل للتخصيص، و يلزم منه إطلاق التكليف بحسب الواقع مطلقا.

لقلنا: إنّ القدر المسلّم من الإجماع إنّما هو تكليف الجامعين للشروط من العباد بالوصول إلى الواقع و إطلاق التكليف بالنسبة إليهم مسلّم، و لا يلزم منه كون كلّ أحد من آحاد العباد جامعا للشروط، و هذا ليس من باب التخصيص بل تخصّص.

و بالتأمّل في جميع ما ذكر يعلم أنّه لا يمكن نفي القصور رأسا فيما بين نوع المكلّفين في الاصول بشيء من الوجوه المتقدّمة في أدلّة قول الجمهور.

أمّا الوجه الأوّل بكلا تقريريه: فبما اتّضح عند منع التمسّك بقاعدة اللطف.

و أمّا الوجه الثاني: فبأنّ ثبوت التكليف بالإيمان لنوع اليهود و النصارى و غيرهم من فرق الكفر معلوم، بل هو من أوّل البعثة إلى يومنا هذا ضروريّ الثبوت، و هذا لا ينافي خروج بعض آحاد النوع لقصور و غيره، إذ ليس المراد إثبات القصور لجميع آحاده ليكون ذلك حجّة عليه.


صفحه 302

..........

و لا ريب أنّ تكليف النوع لا ينافي قصور بعض الآحاد، و ذمّهم على إصرارهم على عقائدهم أيضا كان متوجّها إلى النوع.

و لا ريب في تقصير أكثر آحاده و لا سيّما الموجودين في عصره(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)المشاهدين لآياته و بيّناته، و من البعيد عادة بل المستحيل عقلا بقاء اعتقادهم الأصلي التقليدي مع هذه الحالة و عدم تزلزل النفس في معتقدها، فلا يكون الإصرار حينئذ إلّا عنادا أو تساهلا في ملازمة النظر و مواظبة الجدّ، فالأكثر كانوا مقلّدة بهذا المعنى الغير المنافي لقصور الأقلّ، مع أنّ في قضيّة كونهم عرفوا دين آبائهم تقليدا و لم يعرفوا المعجزة- لو سلمت عن المنع- اعترافا بالقصور في الأكثر، و معه فأيّ شيء يصحّح توجّه التكليف و الذمّ إليهم إلّا على رأي مجوّزي التكليف بغير المقدور إذا كان ممّا يتأتّى عادة.

و أمّا الوجه الثالث بكلا تقريريه: فبأنّ الإجماع على أهليّة النار في قاطبة الكفّار موضع منع، فانتفى دلالته على نفي القصور فيهم رأسا، و عموم القتل أو القتال للقاصرين منهم في موضع الاشتباه أو مطلقا لحسم مادّة الكفر و سودة الضلال لا يعدّ ظلما إذا أدّى عدمه إلى استيلاء أهله على المسلمين، أو اقتضاه مصلحة أقوى من مصلحة بقائهم، أو كان طريقا إلى اختيار أقلّ المحذورين.

و أمّا الوجه الرابع: فبأنّ الآيات المشار إليها مخصوصة بحكم العقل القاطع بالمقصّرين من الكفّار الّذين يصحّ توجّه الخطاب إليهم.

و هذه القضيّة ممّا لا كلام فيها و لا ملازمة بينها و بين كون كلّ واحد من آحاد الكفّار مقصّرا، و الآيات ليست مسوقة لبيانه، و عموم الحكم المستفاد منها فرع على ثبوت موضوعه على جهة العموم، و لا تعرّض فيها لإثبات العموم من هذه الجهة فلم يعلم إرادة العموم منها باعتبار الحكم أيضا، غاية ما هناك قيام ظهور في ذلك و لا ريب أنّ الظاهر يخرج عنه بالقاطع.

و أمّا الوجه الخامس: فبأنّ غاية ما يستفاد منها- بعد تسليم كون المجاهدة مرادا بها الاجتهاد- أنّ غير المهتدي لم يجتهد و أمّا أنّه مقصّر فلا، ضرورة أنّ نفي الاجتهاد ليس إثباتا للتقصير بل ربّما يجامعه القصور، مع توجّه المنع إلى كون المراد من «السبل» نفس الواقع في المعارف، و إلى كون المراد من «المجاهدة» هو الاجتهاد، و من الآية إعطاء حكم في الدنيا، و تفصيل هذه الجملة: أنّ من المحتمل كون الآية وعدا بمجازاة الخير في دار