بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 305

..........

قصّر» و لا مستلزما له، لما بيّنّا من أنّ عدم الاجتهاد يجامع كلّا من التقصير و القصور.

هذا كلّه مع توجّه المنع- بعد تسليم كون الاجتهاد علّة تامّة للاهتداء- إلى كون «السبل» مرادا بها الأمر الحاصل في دار الدنيا، لجواز كون المراد منها مراتب القرب أو طرق الجنّة، فيكون الآية حينئذ من أدلّة رجحان الاجتهاد و كونه بنفسه أمرا مطلوبا للّه عزّ و جلّ، و هذا لا ينفي الخطأ عن المجتهد فضلا عن القصور خصوصا عن غيره ممّن لا يقدر على الاجتهاد أو لا يصيب اجتهاده الواقع و لو عاميّا.

و الحاصل: أنّه لا تعرّض في الآية بشيء من محتملاتها للتقصير و لا للقصور بإثبات و لا بنفي بمنطوقها و لا مفهومها، بالقياس إلى المجتهد و إلى غيره، فلا سبيل إلى إنكار القصور أو نفي وجود القاصر عمّا بين نوع المكلّفين، فالنزاع فيه- إن كان- في غاية الضعف و السقوط بل لا أظنّه محقّقا و إن كان محتملا.

و أمّا النزاع في كون كلّ مجتهد في اصول العقائد إذا أخطأ اجتهاده مقصّرا أو قاصرا فهو النزاع الواقع في المسألة كما أشرنا إليه.

و القول بالتقصير هاهنا غير بعيد بل قويّ بل متعيّن، لأنّ أسباب القصور- على ما أشرنا إليها- مقصورة على امور مخصوصة يضبطها: فقد المقتضي للوصول إلى الواقع و هو الدليل، أو انتفاء ما هو من شروط اقتضائه، أو وجود ما هو من موانعه الّتي منها رسوخ الشبهة في الذهن، و سبق الإذعان بالباطل عن سبب قهري بالمعنى المرادف لسبق الشبهة إن فسّرت بالاعتقاد الجهلي، كما ورد به ظاهر بعض الأخبار المصرّح بأنّه: «إنّما سمّيت الشبهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ»، بتقريب: أنّ العلم الّذي يتعلّق بالحقّ عبارة عن انكشاف الواقع و الاعتقاد الجهلي أيضا في نظر معتقده انكشاف للواقع، فمتعلّق ذلك الاعتقاد و إن كان باطلا في نفس الأمر إلّا أنّه في صورة الحقّ فيشبهه، أو بالمعنى المغاير له إن فسّرت بصورة الشكّ إذا صارت مستقرّة في الذهن، كما هو الظاهر المتداول منها في العرف و العادة.

و الكلمات المتقدّمة عن أهل القول بالتصويب هنا بين ما يستند في دعوى القصور إلى فقد المقتضي- كما تقدّم في الاعتراض على أوّل أدلّة الجمهور من منع وجود الأدلّة القاطعة على هذه المطالب- و ما يستند إلى وجود المانع بالمعنى الأخير، كما تقدّم في الاحتجاج لهذا القول من أنّ تكليفهم بنقيض اجتهادهم تكليف بما لا يطاق بالبيان الّذي قدّمنا.

و لا ريب أنّ الاستناد إلى كلّ من الوجهين فاسد الوضع و واضح المنع، فهاهنا مقامان:


صفحه 306

..........

المقام الأوّل: في إثبات وجود المقتضي.

فنقول: إنّ القاطع المحكوم بفقدانه إن اريد به ذات الدليل فمنع وجوده من الخرافات الّتي لا ينبغي الإصغاء إليها، كيف و وقوع التكليف بتحصيل المعارف من ضروريّات الدين بل الأديان كلّها، و هو من دون طريق يؤدّي إليها تكليف بما لا يطاق.

و احتمال مرجعيّة التقليد فيها، يدفعه أوّلا: أنّه خروج عن مفروض المسألة و هو المخطئ في نظر و اجتهاد.

و ثانيا: بطلان القول بالتقليد فيها رأسا على ما سنقرّره في بابه.

و ثالثا: عدم تعقّل التقليد فيها إن اريد به المعنى المتداول في الفروع، فإنّ المقصود بالأصالة من التقليد في الفروع إمّا الالتزام بقول الغير أو تطبيق العمل على مقتضاه و إن لم يستتبع اعتقادا للمقلّد بمقوله، بخلافه في الاصول الّتي لا يقصد فيها بالذات إلّا الاعتقاد بل العلم خاصّة على ما سنقرّره، و هو ليس بأمر اختياري، و إنّما يترتّب قهرا على سببه الاختياري عند إعماله، و المفروض انتفاؤه.

و فرض قول الغير بمثابة يكون في نفسه أو بمعونة بعض الامور الداخلة و الخارجة كافيا في إفادة الاعتقاد مع عدم اطّراده خروج عن الفرض، لكون ذلك أيضا نحوا من الدليل الّذي نحن بصدد إثباته، كما أنّ فرض كون المراد بالتقليد هنا ما هو مصطلح أهل المعقول خروج عن الفرض و اعتراف بضدّ المطلوب، إذ الاعتقاد كائنا ما كان لا بدّ له من مستند منحصر فيما هو دليل اصطلاحا.

و رابعا: وجوب انتهاء التقليد إلى النظر و الاستدلال اللذين لا يتمّان إلّا بالدليل حذرا عن التسلسل، فإنّ الغير الّذي يرجع إلى قوله لا بدّ له من مستند، فإن كان النظر و الاستدلال ثبت المطلوب و إن كان التقليد ننقل الكلام إليه فإمّا أن يتسلسل أو ينتهي إلى الدليل، مع أنّ نزاعهم الآتي في وجوب النظر أو كفاية التقليد في اصول الدين ينبئ باتّفاقهم على وجود أدلّة فيها يقع النظر عليها، مع أنّه لو لا وضع الأدلّة على هذه المطالب المقصودة بالأصالة من إيجاد العالم و خلق بني آدم لما تمّت الحجّة على الخلق، فيؤدّي بعد قبح العقاب بلا إقامة البرهان إلى نقض الغرض.

غاية الأمر أنّ عادته تعالى غير جارية بالجبر و الإلجاء و رفع الموانع الغير المستندة إليه بالقهر و الغلبة، و هذا ليس منه إخلالا بوضع الأدلّة و نصب الطرق على قياس ما هو


صفحه 307

..........

الحال في سائر موارد اللطف الواجب عليه تعالى، و مقتضى ذلك كون الأدلّة الموضوعة و الطرق المنصوبة لإدراك هذه المطالب من باب المقتضيات الّتي يجوز التخلّف عنها باعتبار الامور الخارجة و لو من سوء اختيار المكلّف، و ليس منع هذه الامور عن التأثير من وظيفته و لا خلافه منافيا لغرضه، مع أنّه يكفي لإثبات وجود الأدلّة و انتصابها آثار الصنع في المصنوعات المرشدة من باب الإنّ إلى وجوب وجود صانع لها جامع للكمالات منزّه عن النقائض- كما نطق بدليليّتها قوله عزّ من قائل:سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي الْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[1]و قوله تعالى:

اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللّٰهَ قَدْ أَحٰاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً[2]- و استقلال العقل بقبح الظلم عليه تعالى، و ما تواتر من الأنبياء و أوصيائهم من إظهاره المعجزات الباهرة و الآيات الظاهرة بأيديهم تصديقا لهم، مع ما علم ضرورة من أخبار الأنبياء و الأولياء و العلماء بمعاد يوم الجزاء و إجماعهم عليه، مع قضاء العقل المستقلّ، بأنّه لولاه لضاع عمل العاملين و ضاعت حقوق المظلومين و لساوى أشقى الأشقياء و أفضل الأنبياء لعدم حصول ما يصلح للجزاء في الدنيا مع إقبال الدنيا إلى الفجّار بقدر إدبارها عن الأخيار، مع أنّ المانع لم يذكر سندا لمنعه حتّى ينظر فيه إلّا أنّه قال: «خصوصا و نحن نرى الخلق مختلفين في الأديان و العقائد من زمن وفاة الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و يبعد أن يكون واحد منهم مكابرا» و هذا في الحقيقة لنا لا علينا، لأنّ اختلاف المختلفين في الأديان و العقائد إنّما ينشأ عن اختلاف الأدلّة الّتي هي في طرف الباطل من كلّ مسألة شبهات و مغالطات، و المحقّ من كلّ فرقة في كلّ مسألة واحد و له أدلّة من العقل و السمع، مع أنّ موضوع المسألة على ما عرفت هو المجتهد في العقليّات و هو المستفرغ وسعه في تحصيل المعارف و لا يكون إلّا عن نظر و استدلال.

و إن اريد به وصف قاطعيّته[3]فيكفي في إثبات ذلك الوصف أنّ التكليف بالعلم في المعارف- على ما سنقرّره- لا يتمّ إلّا بكون الأدلّة الموجودة و الطرق المنصوبة فيها كافية في العلم صالحة لإفادته فيها لمن يراعي حقّ النظر فيها، و في الآيات الواردة في ذمّ مقلّدة الكفّار و متّبعي الظنّ منهم على اختلاف فرقهم غنية في إثبات وقوع التكليف فيها بالعلم

[1]الشورى: 54.

[2]الطلاق: 12.

[3]عطف على قوله: «أنّ القاطع المحكوم بفقدانه إن اريد به ذات الدليل الخ».


صفحه 308

..........

و وجود الأدلّة المفيدة له و تمكّن المكلّفين من النظر فيها، مع ما ندرك بالوجدان من انتهاء النظر في أكثر هذه المطالب و لا سيّما إثبات الصانع و صفاته الثبوتيّة الّتي مرجعها إلى العلم و القدرة و صفاته السلبيّة الّتي مرجعها إلى نفي الحدوث و الحاجة إلى القطع، لابتنائه على قواعد منضبطة و مقدّمات قطعيّة و أسباب حسّيّة، و أيّ دليل لإثبات الصانع و صفاته يكون أتقن و أوضح من لطائف صنع المصنوعات من الأرضين و السماوات و ما بينهما من الأنفس و الآفاق؟ كما أرشد إلى النظر فيها في الآيات المتكاثرة الّتي منها ما تقدّم، و في الروايات المتظافرة الّتي منها ما رواه الصدوق في جامع الأخبار مرسلا قال: و سئل أمير المؤمنين(عليه السلام)عن إثبات الصانع، فقال: «البعرة تدلّ على البعير، و الروثة تدلّ على الحمير، و آثار القدم تدلّ على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة و مركز سفلي بهذه الكثافة فكيف لا يدلّان على اللطيف الخبير».

و قال(عليه السلام): «بصنع اللّه يستدلّ عليه، و بالعقول يعقد معرفته، و بالتفكّر يثبت حجّته، معروف بالدلالات مشهود بالبيّنات».

سئل جعفر بن محمّد الصادق(عليهما السلام)ما الدليل على صانع العالم؟ قال: «لقيت حصنا مزلقا أملس لا فرج فيها و لا خلل، ظاهره من فضّة مائعة و باطنه من ذهب مائع، انفلق منه طاوس و غراب و نسر و عصفور».

و في إثبات الرسالة و الوصاية المطلقتين أيّ برهان أتقن من افتقار الناس إلى رسول ثمّ إلى وصيّ بعده لئلّا يكون لهم عليه تعالى حجّة؟ كما أشار إليه ما رواه في الكافي بسند فيه إرسال عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «اعرفوا اللّه باللّه، و الرسول بالرسالة، و اولي الأمر بالأمر بالمعروف و العدل و الإحسان» بناء على أنّ معناه: اعرفوا اللّه بصفات كماله بواسطة آثار صنعه و كمال قدرته، و إنما اضيف إليه تعالى لأنّ ما يسند إلى المعلول يصحّ إسناده إلى العلّة، و إنّ ربوبيّته تعالى تستلزم أن يرسل رسولا إلى من لم يوح إليه، و ينصب بعد الرسول أوصياء له، و ذلك لأنّ من عرف لنفسه ربّا يعرف أنّ لذلك الربّ رضا و سخطا يجب عليه موافقة رضاه و عدم التعرّض لسخطه، و أنّه لا يعرف رضاه و سخطه إلّا بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي لا بدّ له من طلب الرسول، فإذا طلبه و جدّ في طلبه عرف أنّه الحجّة و أنّ له الطاعة المفترضة، و أنّه لا بدّ من نصب وصيّ بعد الرسول و قبل مجيء رسول آخر لحفظ شرعه و الأمر بالمعروف و العدل و الإحسان لئلّا يكون للناس


صفحه 309

..........

على اللّه حجّة بعد الرسل، فيجب على الناس طلب ذلك الحجّة، فإذا طلبوه و جدّوا في طلبه عرفوه.

و للحديث معنيان آخران لا تعلّق لهما بالمقام، و أمّا النبوّة الخاصّة و نبوّة نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)فطريق العلم فيها المعجزات الّتي منها القرآن، و ما تواتر من صفاته الحسنة و أخلاقه المستحسنة و غير ذلك ممّا قرّر في مظانّه.

و قد يدرك صدقه بالبلوغ إلى الصفات الكامنة الّتي يتبعها أحكام شرعيّة و يختصّ بالعقول السليمة.

و من هنا قيل: إنّ من أعلام نبوّته(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أنّه كان يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، أي يأمر بما تشهد العقول السليمة بكونه معروفا و ينهى عمّا تشهد بكونه منكرا و يحلّ ما تشهد بكونه طيّبا.

و منه ما حكي عن الأعرابي حيث أسلم من غير إعجاز فقيل له: عن أيّ شيء أسلمت؟

و ما ذا رأيت منه؟ فقال: «ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى، و لا نهى عن شيء فقال العقل ليته أباحه».

و كذا الكلام في إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)و أدلّتها العقليّة و النقليّة من الآيات و النصوص و الكرامات و خوارق العادات الصادرة منهم، و لا سيّما فضائلهم و فواضلهم و أحوالهم و أخلاقهم و أفعالهم و علومهم و عباداتهم و عطاياهم و شجاعاتهم و صبرهم على البلايا و تحمّلهم لها و غير ذلك، فإنّ جميع ذلك فيهم(عليهم السلام)من خوارق العادات الّتي لا يسمح الزمان بمثلها في غيرهم المفيدة لمن راعى الإنصاف و جانب الاعتساف و خلع عن نفسه الأضداد و الأنداد العلم بإمامتهم.

و أمّا أدلّة المعاد و كونه جسمانيّا من العقل و النقل المتواتر كتابا و سنّة و غيرهما فكونها قطعيّة مفيدة لليقين واضح للمنصف الغير المتعسّف، و إذا ظهر وجود المقتضي للوصول إلى الواقع في المعارف و اصول العقائد- على معنى وجود الأدلّة القاطعة على هذه- انقدح كون المجتهد المخطئ فيها مقصّرا.

و توضيح ذلك: أنّ الدليل مأخوذ من الدلالة بمعنى كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، و المراد بالشيء الآخر هو النتيجة و بالشيء الأوّل مجموع مقدّمتي القياس، فإنّه باعتبار اشتماله على الأوسط محمولا في الصغرى و موضوعا في الكبرى مثلا- كما


صفحه 310

..........

في الشكل الأوّل- بحيث يلزم من العلم به العلم بالنتيجة بملازمة عقليّة مستندة إلى ذاتي المقدّمتين و النتيجة، و هي الّتي عبّر عنها بالاستلزام لذاته في تعريف الدليل على مصطلح المنطقيّين، فإنّه قولان فصاعدا يستلزم لذاته قولا آخر، فالاستلزام لبداهة حكم العقل بالملازمة بعد تحقّق الملزوم بيّن لا يمكن الاسترابة فيه.

نعم إنّما يتطرّق الاسترابة عند القدح في الدليل إلى الملزوم بالقدح في الصغرى أو الكبرى، فالخطأ في البرهانيّات الّتي تتألّف من اليقينيّات- المستندة تارة إلى العقل المستقلّ، و اخرى إلى الوجدان، و ثالثة إلى الحسّ، و رابعة إلى الحدس، و خامسة إلى التجربة، و سادسة إلى التواتر- إنّما ينشأ من عدم تحقيق الملزوم لا من قصور الملازمة مع تحقّق الملزوم، كيف لا و استلزام القياس الصحيح الصورة للنتيجة على ما بيّنّاه ضروريّ الثبوت، فالطالب للعلم بالنتيجة النظريّة لا بدّ له من الاجتهاد و بذل الجهد و استفراغ الوسع في تحقيق الملزوم الّذي يرجع إلى إحراز الصغرى و إحراز الكبرى.

فدليل نبوّة نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)مثلا هو قولنا: «إنّ محمّدا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)آت بالمعجزة، و كلّ آت بالمعجزة نبيّ» فمن لم يبلغ اجتهاده إلى الإذعان به(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)فلا جرم يكون عدم بلوغه لضرب من المسامحة و المساهلة في الطلب الّذي مرجعه إلى التقصير في تحصيل الصغرى المذكورة، فمن تردّد النبوّة الخاصّة في نظره ابتداء بعد التفطّن و الالتفات و احتمالها في محمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أيضا يجب عليه بذل الجهد و استفراغ الوسع بالرجوع إلى المسلمين و مزاولة كتبهم الموضوعة في الكلام و في الأخبار و غيرها، و ممارسة القرآن و مجالسة علمائهم و مسألتهم و عرض الشبهات الّتي قرعت سمعه عليهم لرجاء تحصيل الصغرى فيهم بالاطّلاع على معجزاته و خوارق عاداته(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و من لم يفعل ذلك مع الاحتمال المذكور حتّى استقرّ الشكّ في نفسه أو ترجّح في نظره نبوّة موسى أو عيسى(عليهما السلام)كان متسامحا في طلبه متساهلا في نظره و اجتهاده، و ظاهر أنّ المتسامح و المتساهل في الشيء الفائت منه مقصّر في طلب ذلك الشيء.

و هذا معنى ما في احتجاج الجمهور و جماعة من أساطين أصحابنا من «أنّ اللّه تعالى كلّف بالعلم و نصب عليه دليلا قاطعا فالمخطئ له مقصّر فيبقى في العهدة» فما عليه الجمهور من إثبات التقصير على المجتهد المخطئ». للدليل المنصوب على الحقّ هو الأوفق بالصواب، فيكون بتقصيره تاركا للمأمور به و هو العلم من غير عذر، فيكون آثما و مستحقّا للعذاب الدائم.


صفحه 311

..........

فإن قلت: إنّ التقصير في امتثال التكليف إنّما يستتبع الإثم إذا كان المكلّف المقصّر متفطّنا بتقصيره دون غيره لقبح تكليف الغافل، فإنّه قد يقصّر في مقدّمات النظر واقعا و لا يتفطّن بتقصيره.

قلت: إنّ الغفلة عن التقصير ممّا لم نتحقّق معناه، فإنّ مفروض المسألة أنّ اللّه تعالى كلّف بالعلم و تمكّن المكلّف من تحصيله بالتمكّن من الاطّلاع على الأدلّة الموجودة الموصولة إليه، و لم يؤدّ من استقصاء النظر في طلبه و استفراغ الوسع للاطّلاع على الأدلّة الموصلة إليه اختيارا- مع إمكانه و احتمال وجودها- حقّه، و هو الّذي يعبّر عنه بالتقصير و يلزم منه أنّه ترك الامتثال اختيارا و لو باعتبار كونه متولّدا من الترك الاختياري على حدّ الأفعال التوليديّة، فيكون آثما و يعاقب عليه.

و بالجملة استفراغ الوسع في طلب العلم بالمعارف الحقّة لا يتأدّى حقّه إلّا بالرجوع إلى أدلّة ما احتمل كونه حقّا من الأديان الّتي منها دين الإسلام، فمن ترجّح في نظره بعد الاجتهاد دين اليهود و النصارى أو غيرهما بعد ما احتمل حقّيّة دين الإسلام فرّط في نظره و قصّر في اجتهاده لا محالة، حيث لم يرجع إلى المسلمين و لم يستوف النظر في أدلّتهم و لم يسأل علماءهم ليرفعوا شبهاته أو لم يعمّق التأمّل في أدلّتهم أو لم يخل نفسه عن الأضداد و الأنداد، نظرا إلى أنّ خلوّ الذهن عن الضدّ المنافر قبل النظر في الدليل شرط في حصول العلم أو معين فيه على رأي، بخلاف الضدّ الغير المنافر كظنّ المطلوب قبل النظر فإنّه معين في حصول العلم به بالاستدلال، و إلّا لوجب وصوله إلى الواقع و حصول العلم له بالحقّ و هو دين الإسلام كما كان يتّفق كثيرا في المائلين من الملل الباطلة إليه من زمن الأئمّة(عليهم السلام)إلى زماننا هذا.

و من ذلك ما رواه الكليني في اصول الكافي بإسناده عن هشام بن الحكم، قال: كان بمصر زنديق يبلغه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أشياء فخرج إلى المدينة يناظره، فلم يصادفه بها، و قيل له: إنّه خارج بمكّة فخرج إلى مكّة، و نحن مع أبي عبد اللّه(عليه السلام)فصادفنا و نحن مع أبي عبد اللّه(عليه السلام)في الطواف، فكان اسمه عبد الملك و كنيته أبو عبد اللّه، فضرب كتفه كتف أبي عبد اللّه(عليه السلام)فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): ما اسمك؟ فقال: اسمي عبد الملك، قال: و ما كنيتك؟ قال:

كنيتي أبو عبد اللّه، فقال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): فمن هذا الملك الّذي أنت عبده أ من ملوك الأرض أم من ملوك السماء؟ و أخبرني عن ابنك عبد إله السماء أم عبد إله الأرض؟ قل ما شئت


صفحه 312

..........

تخصم قال هشام بن الحكم فقلت للزنديق: أما ترد عليه؟ قال: فقبّح قولي، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): إذا فرغت من الطواف فأتنا، فلمّا فرغ أبو عبد اللّه(عليه السلام)أتاه الزنديق فقعد بين يدي أبي عبد اللّه(عليه السلام)و نحن مجتمعون عنده، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام)للزنديق: أتعلم أنّ للأرض تحتا و فوقا؟ قال: نعم، قال: فدخلت تحتها؟ قال: لا، قال: فما يدريك ما تحتها؟ قال:

لا أدري إلّا أنّي أظنّ أن ليس تحتها شيء، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): فالظنّ عجز لما لا تستيقن.

ثمّ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): أ فصعدت السماء؟ قال: لا، قال: فتدري ما فيها؟

قال: لا، قال: عجبا لك لم تبلغ المشرق و لم تبلغ المغرب و لم تنزل الأرض و لم تصعد السماء و لم تجز[1]هناك فتعرف ما خلقهنّ و أنت جاحد بما فيهنّ، و هل يجحد العاقل ما لا يعرف؟

قال الزنديق: ما كلّمني بهذا أحد غيرك، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): فأنت من ذلك في شكّ فلعلّه هو و لعلّه ليس هو؟

فقال الزنديق: و لعلّ ذلك.

فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم و لا حجّة للجاهل، قال: يا أخا أهل مصر تفهم عنّي فأنّا لا نشكّ في اللّه أبدا، أ ما ترى الشمس و القمر و الليل و النهار يلجان فلا يشتبهان و يرجعان، قد اضطرّا ليس لهما مكان إلّا مكانهما، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان، و إن كان غير مضطرّين فلم لا يصير الليل نهارا و النهار ليلا؟ اضطرّا و اللّه يا أخا أهل مصر إلى دوامهما، و الّذي اضطرّهما أحكم منهما.

فقال الزنديق: صدقت.

ثمّ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): يا أخا أهل مصر إنّ الّذي يذهبون إليه و يظنّون أنّه الدهر إن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردّهم؟ و إن كان يردّهم لم لا يذهب بهم القوم مضطرّون يا أخا مصر أم السماء مرفوعة و الأرض موضوعة، لم لا تسقط السماء على الأرض؟ لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها؟ فلما يتماسكان و لا يتماسك من عليهما؟

قال الزنديق: أمسكهما اللّه ربّهما و سيّدهما.

قال: فآمن الزنديق على يدي أبي عبد اللّه(عليه السلام)، فقال له حمران: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك فقد آمن الكفّار على يدي أبيك.

[1]من الجواز بمعنى العبور (منه).