..........
المخالف و لو ظنّا، أو بأحد الأمرين على وجه التخيير، أو أحدهما على وجه الترتيب، على معنى كون تكليفه بالاعتقاد المخالف معلّقا على فوات العلم و عدم اتّفاق حصوله.
فإن اريد الأوّل فهو و إن كان صحيحا غير أنّ نفي التكليف بنقيض الاجتهاد لا يوافقه إلّا إذا اريد به نفي بقاء التكليف بالعلم، لئلّا يلزم من بقائه التكليف بما لا يطاق، و مرجعه إلى دعوى سقوط التكليف بالعلم.
و لا ريب أنّ السقوط لا بدّ له من مسقط، و هو إمّا حصول الامتثال، أو حصول العصيان بناء على سقوط الخطاب في زمان المعصية بنفس المعصية، أو طروّ العذر.
و الأوّل خلاف الفرض، فإنّ الامتثال إنّما يحصل بأداء المكلّف به و لم يحصل هنا.
و الثاني يثبت المطلوب، و هو الإثم الناشئ عن التقصير المفضي إلى العذاب الدائم، فإنّ عدم اتّفاق حصول العلم مع وفور الأدلّة الموصلة إليه و وضوحها يكشف عن تسامحه في طلبه و استفراغ الوسع لتحصيله فيكون مقصّرا، و هذا في معنى تركه الامتثال اختيارا كتارك الخروج مع الرفقة بعد الاستطاعة الّذي هو في معنى ترك الحجّ في موسمه، فهذا هو الإثم الموجب للعذاب الدائم المستلزم لسقوط الخطاب، إذ لا معنى لبقائه في زمان المعصية.
غاية الأمر أنّ سقوطه قارن تأدية الاجتهاد المقصّر فيه إلى طروّ الاعتقاد المخالف، و هو لا يرفع الإثم المتحقّق بل و لا حكمه و هو استحقاق العذاب الدائم.
و الثالث يدفعه: أنّ العذر الطارئ إن كان فقد المقتضي للوصول إلى الواقع فقد عرفت وجود الأدلّة القاطعة المفيدة للعلم و وفورها و وضوح دلالاتها، و إن كان انتفاء شرط اقتضائه فإن كان الشرط أمرا اختياريا كالنظر و طلب الدليل و استفراغ الوسع في طلبه فانتفاؤه مستند إلى اختيار المكلّف، و القول به التزام بالتقصير المفوّت للامتثال الملازم للإثم و هو المطلوب، و إن كان أمرا خارجا من الاختيار كالقدرة على النظر و التمكّن من استفراغ الوسع ففرض انتفائه خروج من مفروض المسألة، إذ الكلام في المجتهد الجامع لشروط الاختيار المتمكّن من النظر كما هو حقّه.
و إن كان وجود المانع من الاقتضاء كسبق الشبهة و هو الاعتقاد المخالف المفروض حصوله.
ففيه: أنّ طروّ هذا المانع مسبوق بالتقصير المتحقّق من جهة التسامح في الاستنباط فيكون تحقّق الإثم سابقا على طروّ الشبهة، و من الظاهر أنّ العذر اللاحق لا يرفع الإثم
..........
السابق و لا أثره و لو فرضت الشبهة سابقة على الاجتهاد، فعدم زوالها بالاجتهاد أيضا يكشف عن عدم استفراغ الوسع كما هو حقّه و لو بالرجوع إلى أهل العلم و غيرهم ممّن لم يسبقه هذه الشبهة كما رجع الزنديق إلى الإمام(عليه السلام)فزالت شبهته.
و إن اريد الثاني ففيه: أنّه لم نقف من العلماء على من التزم بوقوع التكليف في المعارف على الاعتقاد المخالف خاصّة و لو ظنّا، فهو باطل لعدم قائل به مع مخالفة الأدلّة القاطعة القاضية بإناطة التكليف في اصول الدين بالعلم.
نعم ربّما يظهر من الكلمات المتقدّمة في الاعتراض على ثاني تقريري حجّة الجمهور وجود القول بوقوع التكليف على الظنّ و إن لم يطابق، حيث قيل فيه: «بمنع نصب الأدلّة القاطعة و تمكّن العقلاء من معرفتها، و لو سلّم فهو لا يقتضي أمرهم بالعلم، فجاز كونهم مأمورين بالظنّ الغالب سواء كان مطابقا أو لا فيعذر الآتي به، و يدلّ على أنّ التكليف إنّما وقع بالظنّ إنّ اليقين التامّ المتولّد من البديهيّتين متعسّرا لا يصل إليه إلّا الآحاد فلا يقع التكليف به لجميع الخلق لقوله(عليه السلام): «بعثت بالشريعة السهلة السمحة» و لا حرج أعظم من تكليف الإنسان في لحظة واحدة بمعرفة ما عجز الخلق عن معرفته في خمسمائة سنة، و لأنّا نعلم أنّ الصحابة لم يكونوا عالمين بهذه الأدلّة و الدقائق و الجواب عن شبهات الفلاسفة» انتهى ملخّصا.
و الجواب: أنّ تجويز وقوع التكليف في الاصول بالظنّ- و إن لم يطابق- طرح للآيات المتكاثرة الواردة في ذمّ متّبعي الظنّ في الاصول، مع كون موردها الكفّار و اشتمال بعضها على التعليل بأنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا، فيفيد مطلوبيّة العلم فيها و عدم مطلوبيّة الظنّ أصلا، إمّا لأنّ معناه: أنّ الظنّ ليس بدائم المصادفة للواقع بناء على كون المراد من الحقّ هو الواقع، أو لأنّ معناه أنّ الظنّ لا يقوم مقام العلم بناء على كون المراد من الحقّ هو العلم.
و أمّا الاستدلال على الجواز بتعسّر اليقين التامّ المتولّد من البديهيّتين، ففيه: أنّا لا نعتبر اليقين بل نكتفي بالعلم و هو متيسّر الحصول لجميع الخلق مع انتفاء القصور، و لو اعتبرنا اليقين فلا نعتبر فيه كونه متولّدا من البديهيّتين بالخصوص بل نعمّمه بالقياس إليه و ممّا تولّد من النظريّتين و بديهيّة و نظريّة فلا تعسّر فيه أيضا، و لم يقل أحد بوجود تحصيل المعارف كلّها في لحظة واحدة بل في زمان يسعه، و يختلف على حسب اختلاف الأشخاص و الأفهام و مراتب الإدراك، و ما ليس فيها ما يقتضي عجز الخلق عن معرفتها في شهر أو
..........
سنة فضلا عن خمسمائة سنة.
و أمّا الاستدلال بعدم علم الصحابة بتلك الأدلّة و الدقائق و الجواب عن شبهات الفلاسفة.
ففيه: أنّه إن اريد من الصحابة الجبت و الطاغوت و أتباعهما فهم لم يكونوا عالمين بها بل بما دونها، و إن اريد بهم الوصيّ و أبا ذر و سلمان و مقداد و أضرابهم فهم كانوا عالمين بها بل بما فوقها فلا اعتداد بعدم علم الطائفة الاولى، على أنّ في أصل إيمان هؤلاء بل و إسلامهم ألف كلام.
و بالجملة نحو الكلمات المذكورة في الضعف و السقوط بمثابة لا ينبغي الإصغاء إليها.
و إذا ظهر بطلان الوجه الثاني يظهر منه بطلان الوجهين الآخرين أيضا إذا التخيير بين العلم و خلافه غير معقول، لأن غير الواقع في اصول الدين ممّا لم يتعلّق بالاعتقاد به غرض الشارع أيضا فيقبح أخذه طرفا للتخيير، غاية ما هنالك أنّ من لم يتمكّن من العلم لقصوره و نحوه لا تكليف عليه في اصول الدين، لا أنّ تكليفه في الاعتقاد المخالف جزما أو ظنّا.
و من هنا ظهر سقوط احتمال الوجه الأخير، إذ غاية ما يلزم من عدم التمكّن من العلم في الواقع إنّما هو سقوط التكليف رأسا لا تعلّقه بما ليس بمطلوب للشارع أصلا، فالقاصرون من الكفّار لعدم تماميّة الحجّة عليهم لا تكليف عليهم في موارد قصورهم بالواقع لا أنّهم مكلّفون بخلاف الواقع.
فظهر أنّ ما عليه الجمهور من إثبات الإثم على المخطئ في العقائد عن نظر و اجتهاد لتقصيره و عدم استيفائه النظر و عدم استفراغه الوسع في طلب الأدلّة القاطعة الموصلة إلى الواقع أوفق بالصواب.
لكن هذا كلّه في كلّيات المعارف و اصولها الكلّية من نحو وجود الباري عزّ و جلّ و توحيده و صفات كماله الراجعة إلى العلم و القدرة و نفي الحدوث، و الحاجة بنبوّة نبيّنا و ما جاء به من اللّه، و إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)و معاد الآخرة في الجملة و غير ذلك ممّا يمتاز به فرق الكفر عن أهل الإسلام، و أمّا جزئيّاتها و تفاصيلها الّتي يختصّ الخلاف بها بالمسلمين على فرقهم المختلفة كتجرّده تعالى و عينيّة صفاته و عدم إمكان رؤيته و عدم جسميّته و عدم كونه خالقا لأفعال العباد، و صفات النبيّ و الوصيّ و غير ذلك ممّا لا يحكم بكفر مخالف الواقع و منكر الحقّ فيها بالذات- و إن كان قد يكفر لعارض مثل صيرورته
..........
ضروريّا من الدين أو المذهب- فالمخطئ فيها عن نظر و اجتهاد قد يتكلّم في حكمه من حيث الكفر و عدمه، و قد يتكلّم فيه من حيث [الإصابة] و عدمه.
و أمّا الكلام في الإصابة و الخطأ فهو مستغنى عنه، لأنّ الواقع في غير الامور الجعليّة ممّا لا يقبل التعدّد و لا الاختلاف، فلئلّا يلزم اجتماع النقيضين و لا الضدّين لا بدّ و أن يكون المصيب من المختلفين في المسائل المذكورة واحدا و غيره مخطئا. و أمّا كفر المخطئ فينبغي القطع بعدمه، لما أشرنا إليه من أنّ إنكار الحقّ في أمثال هذه المسائل لا يوجب بالذات كفر منكره، و لا يخرج بإنكاره من حيث هو عن ربقة المسلمين، و أمّا الإثم و عدمه فيدوران على التقصير في النظر و الاجتهاد و عدمه، فالحكم الكبروي بعد تحقّق موضوعه من التقصير و القصور واضح لا ينبغي التأمّل فيه، فالمقصّر آثم لا محالة كما أنّ القاصر لا إثم عليه بالضرورة، و إنّما يتحقّق القصور هنا كثيرا من تعارض أدلّة أكثر هذه المسائل و ظنّيتها، و من شأن الأدلّة المتعارضة و الأدلّة الظنّية بعثها على خطاء الناظر فيها كثيرا.
و أمّا التكلّم في تقصير المخطئ فيها كلّيا أو قصوره كذلك، أو التقصير في الجملة و القصور كذلك الّذي هو كلام في الصغرى فممّا لم يحم حوله أحد.
و الّذي يظهر من طريقة الأصحاب إمساكهم عن الحكم بالإثم لمجرّد ذلك مع قطع النظر عن موجباته الاخر، كيف و لزم منه إثبات التقصير على فحول علمائنا الصالحين و أعيان فضلاء مجتهدينا الماضين المختلفين في كثير من تفاصيل المعارف، و هو في معنى تفسيقهم بل تكفيرهم في بعض الأحيان، و هو كما ترى ممّا لم يعهد الجرأة عليه من أحد.
ألا ترى أنّه قد وقع بين الشيخ المفيد و علم الهدى(قدّس سرّهما)من الاختلاف في العقائد ما يقرب من مائتين على ما ضبطوه، و ظاهر أنّ المحقّ منهما في الجميع أحدهما و لم يحكم أحد بفسق واحد منهما.
المسألة الثانية في التخطئة و التصويب في العقليّات الاصوليّة
أعني مسائل اصول الفقه، و حيث إنّها أيضا من الامور الواقعيّة الغير المنوطة بالجعل فالواقع فيها أيضا ممّا لا يتحمّل التعدّد و لا الاختلاف، و لا يتكثّر على حسب كثرة الآراء و الاعتقادات، فمن أدركه في المسائل الخلافيّة فهو مصيب و غيره مخطئ، لا أنّ الجميع مصيب دفعا لاجتماع المتناقضين أو المتضادّين.
..........
و ينبغي القطع بعدم كون المخطئ فيها كافرا، إذ ليس فيها ما يوجب إنكاره أو القول به الكفر إذا كان خلاف الواقع لا بالذات و لا لعارض، لعدم كون شيء منها ممّا أخذ الاعتقاد به في الإيمان، و لا ممّا يستلزم إنكاره إنكار أصل من اصول الدين.
و توهّم أنّ بعض مسائل الحجّية كحجّية ظواهر الكتاب أو خبر الواحد أو نحوه إذا علم كونه ممّا أتى به الرسول فإنكاره يوجب الكفر لاستلزامه تكذيب الرسول.
يدفعه: أنّ شرط لزوم الكفر من هذه الجهة أن يعلم المنكر كونه ممّا جاء به الرسول فأنكره كما في إنكار الضروريّات، و هذا الفرض في المسائل الخلافيّة غير متحقّق من منكر الحجّية لو كان هو المخطئ، لأنّ مرجع إنكاره إلى إنكار كونه ممّا جاء به النبيّ لا إنكار كونه حكم اللّه مع الإذعان و الإقرار بكونه ما أخبر به النبيّ، و هذا واضح.
نعم لو اتّفق من أنكره على الوجه الثاني أو رجع إنكاره إلى الامتناع من التديّن به و بالأحكام المستفادة منه فلا إشكال في الكفر إلّا أنّه خارج من مفروض المسألة لأنّه معاند.
و هل يأثم المخطئ فيها إذا كان مقصّرا في اجتهاده و استقصائه النظر؟ فالوجه العدم، لأنّ الإثم المستتبع للعقاب فرع على الخطاب، لأنّه عبارة عن مخالفة الخطاب في الواجبات النفسيّة و المحرّمات الذاتيّة.
و لا ريب أنّ مسائل اصول الفقه ليست موردا لخطاب الشرع على وجه يكون معرفتها و تحصيلها من الواجبات النفسيّة الّتي يعاقب على تركها لا إلى بدل و من غير عذر، ليكون التقصير في الاجتهاد المؤدّي إلى الوقوع في مخالفة الواقع فيها في معنى ترك المعرفة الواجبة اختيارا.
لا يقال: إنّ معرفة اصول الفقه- على ما تقدّم في بيان شروط الاجتهاد- من مبادئ الاجتهاد و مقدّمات الاستنباط، فمن وجب عليه الاستنباط عينا أو كفاية وجب استحصال مقدّماته الّتي منها معرفة هذا العلم، فيلزم الإثم بالتقصير في تحصيلها.
لمنع كونها من مقدّمات أصل الاستنباط الّذي يقال له الاجتهاد، بل هو كسائر الشروط- على ما بيّنّاه سابقا- من شروط الاجتهاد الملكي، فالملكة الّتي يقتدر بها على الاستنباط موقوفة على هذه المعرفة، و أمّا نفس الاستنباط فهو موقوف على إعمال مسائل هذا العلم
..........
بعد معرفتها كلّ في الموضع اللائق به.
و لو سلّم كونها أيضا ممّا يتوقّف عليه الاستنباط، غاية الأمر كونها شرطا بالواسطة، بضابطة: أنّ شرط الشرط شرط، و القائل بوجوب المقدّمة لا يخصّ الوجوب بمقدّمات نفس الواجب بل يعمّه بالقياس إلى مقدّمات المقدّمات و مقدّمات مقدّماتها و هكذا.
لكن نقول: إنّ هذا الوجوب- على تقدير تسليمه المبنيّ على تسليم وجوب الاستنباط على فاقد الملكة أيضا- غيريّ مقدّمي، و قد تقرّر في محله أنّ الواجبات الغيريّة الصرفة الّتي منها مقدّمات الواجبات لا يستحقّ الثواب بفعلها و لا العقاب بتركها من حيث هو، فلا إثم على ترك المعرفة من حيث هو.
نعم هذا المقصّر إذا استنبط أحكاما فلا تكون مستنبطاته أحكاما فعليّة له و لا لغيره ممّن أراد تقليده، لأنّ الّذي ظهر من أدلّة حجّية مستنبطات المجتهد إنّما هو كون مستنبطات المجتهد الغير المقصّر في مقدّمات اجتهاده أحكاما فعليّة في حقّه و حقّ مقلّديه لا غير.
و حينئذ فلو أفتى بتلك المستنبطات كان من الإفتاء بما لا يعلم، و من الحكم بغير ما أنزل اللّه، و هذا حرام بنصّ الآيات و الروايات بل بالأدلّة الأربعة، و لو عمل بها لنفسه كان من التديّن بما لا يعلم كونه من قبل المولى و هو قبيح عقلا و فاعله مستحقّ للذمّ و العقاب.
و هذا كلّه و إن كان من الإثم المستتبع للعقاب غير أنّه ليس من الإثم على المخطئ في مسائل اصول الفقه من تقصير في النظر من حيث إنّه مقصّر فيها كما هو واضح.
و يجري هذا الكلام بعينه في سائر مبادئ الاستنباط و مقدّماته لو فرض المخطئ فيها مقصّرا.
و ربّما يشكل الحال في نفي الإثم من جهة إطلاق بعض الإجماعات المنقولة على إثم المخطئ في العقليّات كما تقدّم عن الشهيد في تمهيد القواعد بعين عبارته.
إلّا أن يدفع: بدعوى انصرافه إلى ما يكون من العقليّات موردا للوجوب النفسي كالمعارف.
و يقوى الإشكال- مع عدم جريان هذا الوجه- بالنظر إلى كلام الشيخ في العدّة المصرّح بكون المخطئ ضالّا فاسقا حتّى في نحو قولنا: «الظلم و العبث و الكذب قبيح» و «إنّ شكر المنعم و ردّ الوديعة و الإنصاف حسن» كما تقدّم أيضا بعين عبارته، بل الإشكال في كلامه من وجهين فتارة: باعتبار إثبات التقصير على المخطئ هنا إذ القاصر لا إثم عليه، و اخرى: من جهة إثبات الاثم على المقصّر كما هو لازم الفسق، لكون مسألة التحسين
..........
و التقبيح العقليّين من اصول الفقه بالمعنى الأعمّ الّذي قد ذكرنا أنّه لا مقتضي للإثم فيه.
و يمكن الذبّ عن الأوّل: بأنّ الحسن و القبح في الأشياء المذكورة و غيرها ممّا يندرج في مسألة التحسين و التقبيح ممّا يدركهما العقل بالاستقلال بشهادة العيان و بداهة الوجدان، فهما من اليقينيّات المستندة إلى الوجدان و إنكارهما تكذيب للعيان و مكابرة للوجدان فيكون المنكر مقصّرا.
كما يمكن الذبّ عن الثاني: بأنّ الحكم العقلي من الحسن و القبح يلازم الحكم الشرعي من إيجاب أو تحريم أو غيرهما بملازمة بيّنة إجماعيّة، على ما تقدّم في محلّه من أنّها ما يسلّمها الأشاعرة المنكرون للتحسين و التقبيح العقليّين على تقدير ثبوت الملزوم، فالتقصير في نفي الملزوم يرجع إلى التقصير في نفي اللازم، و هو في معنى تغيير حكم اللّه و تحليل حرامه فيكون قبيحا عقلا و نقلا و لو باعتبار اندراجه في الحكم بغير ما أنزل اللّه.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه كلام الشيخ.
و يمكن الالتزام من قبله بالإثم في منكر الملازمة بين العقل و الشرع مع القول بثبوت الملزوم كما تقدّم عن الفاضل التوني و من تبعه، و في منكر حجّيّة إدراكات العقل كما عليه جماعة من الأخباريّة، بناء على أنّ الحقّ في المسألتين لا يكاد يخفى على المتأمّل المراعي للإنصاف المجانب عن الاعتساف لكون الملازمة بيّنة، كحجّية إدراكات العقل إذا كانت بعنوان القطع و اليقين فيكون عبارة عن انكشاف الواقع عند العقل فنفي حجّيته يؤول إلى التناقض و تجويز اجتماع المتناقضين.
و بالجملة فهاهنا مسائل ثلاث كلّها من قبيل المقدّمات الأوّليّة و القضايا الّتي قياساتها معها، فالقول بكون مخالف الحقّ فيها مقصّرا غير معذور ليس ببعيد عن الصواب.
المسألة الثالثة في التخطئة و التصويب في العقليّات الفروعيّة،
و هذا العنوان ممّا ليس له معنى محصّل إلّا الفرعيّات المستندة إلى العقل، و هي الأحكام الفرعيّة الّتي مدركها العقل، فإن كان خطائه في المسألة الفرعيّة باعتبار الخطأ في المسألة الاصوليّة العقليّة فمع التقصير في الاصوليّة كان مقصّرا غير معذور في الفرعيّة و مع عدمه معذور.
و إن كان خطائه باعتبار الإهمال في إعمال الأصل العقلي الحاضر عنده فالظاهر كونه غير معذور أيضا.
و أمّا الأحكام الشرعيّة فإن كان عليها دليل قاطع (1)
و إن كان باعتبار خطائه في التفريع بأن فرّع ما هو من جزئيّات أصل مخصوص على أصل آخر، كما لو تمسّك فيما هو من جزئيّات الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار- على القول به- بقبح التكليف بما لا يطاق، و فيما هو من جزئيّات الصدق الضارّ بحسن أصل الصدق، أو ما هو من جزئيّات الكذب النافع بقبح أصل الكذب للغفلة عن جهتي الضرر و النفع، فإثبات التقصير عليه بقول مطلق مشكل، و القول بالمعذوريّة فيه مطلقا غير بعيد.
و إن كان باعتبار تعويله على أصل غير معوّل عليه كالمقدّمات العقليّة- بناء على عدم اعتبار الظنّ العقلي- فالقول بالتقصير و عدم المعذوريّة مطلقا غير بعيد.
المسألة الرابعة في التخطئة و التصويب في الشرعيّات الضروريّة
كضروريّات الدين أو المذهب، و سنذكر حكمها مع المسألتين الباقيتين في تلو شرح عبارة المصنّف.
(1) قرينة المقابلة بينه و بين القسم الآخر الّذي عبّر عنه بقوله: «و إن كان ممّا يفتقر إلى النظر و الاجتهاد» تعطي إرادة ما لا يفتقر إلى النظر و الاجتهاد من الدليل القاطع، و هذا بظاهره لا ينطبق إلّا على الضرورة، فيختصّ هذا القسم بالأحكام الضروريّة دينا أو مذهبا.
فيرد عليه حينئذ- مع ما في إطلاق الدليل على الضرورة من المسامحة-: قصور العبارة، حيث أهملت ذكر قسم القطعيّات النظريّة و هي عنوان المسألة الخامسة على ما أشرنا إليها، و احتمال اندراجها في القسم الآخر- بتقريب: أنّ النظر و الاجتهاد فيما يفتقر إليهما قد يؤدّي إلى القطع بالحكم و قد يؤدّي إلى الظنّ به- يأباه اختصاص النزاع الآتي الّذي موضوعه القسم الآخر على ما هو ظاهر العبارة بالظنّيات على ما سنبيّنه.
نعم يمكن أن يقال- في توجيه العبارة-: أنّ المعتبر فيما يفتقر إلى النظر و الاجتهاد مجموع الأمرين من النظر و الاجتهاد و هو استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم، فيعتبر في مقابلة أحد الأمرين إمّا النظر كما في الضروريّات، أو الاجتهاد بالمعنى المذكور كما في القطعيّات النظريّة، و عليه فيحمل الدليل القاطع على ما لا يفتقر إلى النظر أو الاجتهاد بطريقة الانفصال الحقيقي.
و كيف كان فالعبارة لا تخلو عن شيء.