بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 318

..........

ضروريّا من الدين أو المذهب- فالمخطئ فيها عن نظر و اجتهاد قد يتكلّم في حكمه من حيث الكفر و عدمه، و قد يتكلّم فيه من حيث [الإصابة] و عدمه.

و أمّا الكلام في الإصابة و الخطأ فهو مستغنى عنه، لأنّ الواقع في غير الامور الجعليّة ممّا لا يقبل التعدّد و لا الاختلاف، فلئلّا يلزم اجتماع النقيضين و لا الضدّين لا بدّ و أن يكون المصيب من المختلفين في المسائل المذكورة واحدا و غيره مخطئا. و أمّا كفر المخطئ فينبغي القطع بعدمه، لما أشرنا إليه من أنّ إنكار الحقّ في أمثال هذه المسائل لا يوجب بالذات كفر منكره، و لا يخرج بإنكاره من حيث هو عن ربقة المسلمين، و أمّا الإثم و عدمه فيدوران على التقصير في النظر و الاجتهاد و عدمه، فالحكم الكبروي بعد تحقّق موضوعه من التقصير و القصور واضح لا ينبغي التأمّل فيه، فالمقصّر آثم لا محالة كما أنّ القاصر لا إثم عليه بالضرورة، و إنّما يتحقّق القصور هنا كثيرا من تعارض أدلّة أكثر هذه المسائل و ظنّيتها، و من شأن الأدلّة المتعارضة و الأدلّة الظنّية بعثها على خطاء الناظر فيها كثيرا.

و أمّا التكلّم في تقصير المخطئ فيها كلّيا أو قصوره كذلك، أو التقصير في الجملة و القصور كذلك الّذي هو كلام في الصغرى فممّا لم يحم حوله أحد.

و الّذي يظهر من طريقة الأصحاب إمساكهم عن الحكم بالإثم لمجرّد ذلك مع قطع النظر عن موجباته الاخر، كيف و لزم منه إثبات التقصير على فحول علمائنا الصالحين و أعيان فضلاء مجتهدينا الماضين المختلفين في كثير من تفاصيل المعارف، و هو في معنى تفسيقهم بل تكفيرهم في بعض الأحيان، و هو كما ترى ممّا لم يعهد الجرأة عليه من أحد.

ألا ترى أنّه قد وقع بين الشيخ المفيد و علم الهدى(قدّس سرّهما)من الاختلاف في العقائد ما يقرب من مائتين على ما ضبطوه، و ظاهر أنّ المحقّ منهما في الجميع أحدهما و لم يحكم أحد بفسق واحد منهما.

المسألة الثانية في التخطئة و التصويب في العقليّات الاصوليّة

أعني مسائل اصول الفقه، و حيث إنّها أيضا من الامور الواقعيّة الغير المنوطة بالجعل فالواقع فيها أيضا ممّا لا يتحمّل التعدّد و لا الاختلاف، و لا يتكثّر على حسب كثرة الآراء و الاعتقادات، فمن أدركه في المسائل الخلافيّة فهو مصيب و غيره مخطئ، لا أنّ الجميع مصيب دفعا لاجتماع المتناقضين أو المتضادّين.


صفحه 319

..........

و ينبغي القطع بعدم كون المخطئ فيها كافرا، إذ ليس فيها ما يوجب إنكاره أو القول به الكفر إذا كان خلاف الواقع لا بالذات و لا لعارض، لعدم كون شيء منها ممّا أخذ الاعتقاد به في الإيمان، و لا ممّا يستلزم إنكاره إنكار أصل من اصول الدين.

و توهّم أنّ بعض مسائل الحجّية كحجّية ظواهر الكتاب أو خبر الواحد أو نحوه إذا علم كونه ممّا أتى به الرسول فإنكاره يوجب الكفر لاستلزامه تكذيب الرسول.

يدفعه: أنّ شرط لزوم الكفر من هذه الجهة أن يعلم المنكر كونه ممّا جاء به الرسول فأنكره كما في إنكار الضروريّات، و هذا الفرض في المسائل الخلافيّة غير متحقّق من منكر الحجّية لو كان هو المخطئ، لأنّ مرجع إنكاره إلى إنكار كونه ممّا جاء به النبيّ لا إنكار كونه حكم اللّه مع الإذعان و الإقرار بكونه ما أخبر به النبيّ، و هذا واضح.

نعم لو اتّفق من أنكره على الوجه الثاني أو رجع إنكاره إلى الامتناع من التديّن به و بالأحكام المستفادة منه فلا إشكال في الكفر إلّا أنّه خارج من مفروض المسألة لأنّه معاند.

و هل يأثم المخطئ فيها إذا كان مقصّرا في اجتهاده و استقصائه النظر؟ فالوجه العدم، لأنّ الإثم المستتبع للعقاب فرع على الخطاب، لأنّه عبارة عن مخالفة الخطاب في الواجبات النفسيّة و المحرّمات الذاتيّة.

و لا ريب أنّ مسائل اصول الفقه ليست موردا لخطاب الشرع على وجه يكون معرفتها و تحصيلها من الواجبات النفسيّة الّتي يعاقب على تركها لا إلى بدل و من غير عذر، ليكون التقصير في الاجتهاد المؤدّي إلى الوقوع في مخالفة الواقع فيها في معنى ترك المعرفة الواجبة اختيارا.

لا يقال: إنّ معرفة اصول الفقه- على ما تقدّم في بيان شروط الاجتهاد- من مبادئ الاجتهاد و مقدّمات الاستنباط، فمن وجب عليه الاستنباط عينا أو كفاية وجب استحصال مقدّماته الّتي منها معرفة هذا العلم، فيلزم الإثم بالتقصير في تحصيلها.

لمنع كونها من مقدّمات أصل الاستنباط الّذي يقال له الاجتهاد، بل هو كسائر الشروط- على ما بيّنّاه سابقا- من شروط الاجتهاد الملكي، فالملكة الّتي يقتدر بها على الاستنباط موقوفة على هذه المعرفة، و أمّا نفس الاستنباط فهو موقوف على إعمال مسائل هذا العلم


صفحه 320

..........

بعد معرفتها كلّ في الموضع اللائق به.

و لو سلّم كونها أيضا ممّا يتوقّف عليه الاستنباط، غاية الأمر كونها شرطا بالواسطة، بضابطة: أنّ شرط الشرط شرط، و القائل بوجوب المقدّمة لا يخصّ الوجوب بمقدّمات نفس الواجب بل يعمّه بالقياس إلى مقدّمات المقدّمات و مقدّمات مقدّماتها و هكذا.

لكن نقول: إنّ هذا الوجوب- على تقدير تسليمه المبنيّ على تسليم وجوب الاستنباط على فاقد الملكة أيضا- غيريّ مقدّمي، و قد تقرّر في محله أنّ الواجبات الغيريّة الصرفة الّتي منها مقدّمات الواجبات لا يستحقّ الثواب بفعلها و لا العقاب بتركها من حيث هو، فلا إثم على ترك المعرفة من حيث هو.

نعم هذا المقصّر إذا استنبط أحكاما فلا تكون مستنبطاته أحكاما فعليّة له و لا لغيره ممّن أراد تقليده، لأنّ الّذي ظهر من أدلّة حجّية مستنبطات المجتهد إنّما هو كون مستنبطات المجتهد الغير المقصّر في مقدّمات اجتهاده أحكاما فعليّة في حقّه و حقّ مقلّديه لا غير.

و حينئذ فلو أفتى بتلك المستنبطات كان من الإفتاء بما لا يعلم، و من الحكم بغير ما أنزل اللّه، و هذا حرام بنصّ الآيات و الروايات بل بالأدلّة الأربعة، و لو عمل بها لنفسه كان من التديّن بما لا يعلم كونه من قبل المولى و هو قبيح عقلا و فاعله مستحقّ للذمّ و العقاب.

و هذا كلّه و إن كان من الإثم المستتبع للعقاب غير أنّه ليس من الإثم على المخطئ في مسائل اصول الفقه من تقصير في النظر من حيث إنّه مقصّر فيها كما هو واضح.

و يجري هذا الكلام بعينه في سائر مبادئ الاستنباط و مقدّماته لو فرض المخطئ فيها مقصّرا.

و ربّما يشكل الحال في نفي الإثم من جهة إطلاق بعض الإجماعات المنقولة على إثم المخطئ في العقليّات كما تقدّم عن الشهيد في تمهيد القواعد بعين عبارته.

إلّا أن يدفع: بدعوى انصرافه إلى ما يكون من العقليّات موردا للوجوب النفسي كالمعارف.

و يقوى الإشكال- مع عدم جريان هذا الوجه- بالنظر إلى كلام الشيخ في العدّة المصرّح بكون المخطئ ضالّا فاسقا حتّى في نحو قولنا: «الظلم و العبث و الكذب قبيح» و «إنّ شكر المنعم و ردّ الوديعة و الإنصاف حسن» كما تقدّم أيضا بعين عبارته، بل الإشكال في كلامه من وجهين فتارة: باعتبار إثبات التقصير على المخطئ هنا إذ القاصر لا إثم عليه، و اخرى: من جهة إثبات الاثم على المقصّر كما هو لازم الفسق، لكون مسألة التحسين


صفحه 321

..........

و التقبيح العقليّين من اصول الفقه بالمعنى الأعمّ الّذي قد ذكرنا أنّه لا مقتضي للإثم فيه.

و يمكن الذبّ عن الأوّل: بأنّ الحسن و القبح في الأشياء المذكورة و غيرها ممّا يندرج في مسألة التحسين و التقبيح ممّا يدركهما العقل بالاستقلال بشهادة العيان و بداهة الوجدان، فهما من اليقينيّات المستندة إلى الوجدان و إنكارهما تكذيب للعيان و مكابرة للوجدان فيكون المنكر مقصّرا.

كما يمكن الذبّ عن الثاني: بأنّ الحكم العقلي من الحسن و القبح يلازم الحكم الشرعي من إيجاب أو تحريم أو غيرهما بملازمة بيّنة إجماعيّة، على ما تقدّم في محلّه من أنّها ما يسلّمها الأشاعرة المنكرون للتحسين و التقبيح العقليّين على تقدير ثبوت الملزوم، فالتقصير في نفي الملزوم يرجع إلى التقصير في نفي اللازم، و هو في معنى تغيير حكم اللّه و تحليل حرامه فيكون قبيحا عقلا و نقلا و لو باعتبار اندراجه في الحكم بغير ما أنزل اللّه.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه كلام الشيخ.

و يمكن الالتزام من قبله بالإثم في منكر الملازمة بين العقل و الشرع مع القول بثبوت الملزوم كما تقدّم عن الفاضل التوني و من تبعه، و في منكر حجّيّة إدراكات العقل كما عليه جماعة من الأخباريّة، بناء على أنّ الحقّ في المسألتين لا يكاد يخفى على المتأمّل المراعي للإنصاف المجانب عن الاعتساف لكون الملازمة بيّنة، كحجّية إدراكات العقل إذا كانت بعنوان القطع و اليقين فيكون عبارة عن انكشاف الواقع عند العقل فنفي حجّيته يؤول إلى التناقض و تجويز اجتماع المتناقضين.

و بالجملة فهاهنا مسائل ثلاث كلّها من قبيل المقدّمات الأوّليّة و القضايا الّتي قياساتها معها، فالقول بكون مخالف الحقّ فيها مقصّرا غير معذور ليس ببعيد عن الصواب.

المسألة الثالثة في التخطئة و التصويب في العقليّات الفروعيّة،

و هذا العنوان ممّا ليس له معنى محصّل إلّا الفرعيّات المستندة إلى العقل، و هي الأحكام الفرعيّة الّتي مدركها العقل، فإن كان خطائه في المسألة الفرعيّة باعتبار الخطأ في المسألة الاصوليّة العقليّة فمع التقصير في الاصوليّة كان مقصّرا غير معذور في الفرعيّة و مع عدمه معذور.

و إن كان خطائه باعتبار الإهمال في إعمال الأصل العقلي الحاضر عنده فالظاهر كونه غير معذور أيضا.


صفحه 322

و أمّا الأحكام الشرعيّة فإن كان عليها دليل قاطع (1)

و إن كان باعتبار خطائه في التفريع بأن فرّع ما هو من جزئيّات أصل مخصوص على أصل آخر، كما لو تمسّك فيما هو من جزئيّات الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار- على القول به- بقبح التكليف بما لا يطاق، و فيما هو من جزئيّات الصدق الضارّ بحسن أصل الصدق، أو ما هو من جزئيّات الكذب النافع بقبح أصل الكذب للغفلة عن جهتي الضرر و النفع، فإثبات التقصير عليه بقول مطلق مشكل، و القول بالمعذوريّة فيه مطلقا غير بعيد.

و إن كان باعتبار تعويله على أصل غير معوّل عليه كالمقدّمات العقليّة- بناء على عدم اعتبار الظنّ العقلي- فالقول بالتقصير و عدم المعذوريّة مطلقا غير بعيد.

المسألة الرابعة في التخطئة و التصويب في الشرعيّات الضروريّة

كضروريّات الدين أو المذهب، و سنذكر حكمها مع المسألتين الباقيتين في تلو شرح عبارة المصنّف.

(1) قرينة المقابلة بينه و بين القسم الآخر الّذي عبّر عنه بقوله: «و إن كان ممّا يفتقر إلى النظر و الاجتهاد» تعطي إرادة ما لا يفتقر إلى النظر و الاجتهاد من الدليل القاطع، و هذا بظاهره لا ينطبق إلّا على الضرورة، فيختصّ هذا القسم بالأحكام الضروريّة دينا أو مذهبا.

فيرد عليه حينئذ- مع ما في إطلاق الدليل على الضرورة من المسامحة-: قصور العبارة، حيث أهملت ذكر قسم القطعيّات النظريّة و هي عنوان المسألة الخامسة على ما أشرنا إليها، و احتمال اندراجها في القسم الآخر- بتقريب: أنّ النظر و الاجتهاد فيما يفتقر إليهما قد يؤدّي إلى القطع بالحكم و قد يؤدّي إلى الظنّ به- يأباه اختصاص النزاع الآتي الّذي موضوعه القسم الآخر على ما هو ظاهر العبارة بالظنّيات على ما سنبيّنه.

نعم يمكن أن يقال- في توجيه العبارة-: أنّ المعتبر فيما يفتقر إلى النظر و الاجتهاد مجموع الأمرين من النظر و الاجتهاد و هو استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم، فيعتبر في مقابلة أحد الأمرين إمّا النظر كما في الضروريّات، أو الاجتهاد بالمعنى المذكور كما في القطعيّات النظريّة، و عليه فيحمل الدليل القاطع على ما لا يفتقر إلى النظر أو الاجتهاد بطريقة الانفصال الحقيقي.

و كيف كان فالعبارة لا تخلو عن شيء.


صفحه 323

فالمصيب فيها أيضا واحد و المخطئ غير معذور (1)

(1) تضمّنت العبارة بالنسبة إلى القطعيّات- ضروريّة أو نظريّة- حكمين:

أحدهما: كون المصيب فيها واحدا و غيره مخطئا، و ظاهره كظاهر غيره كون التخطئة هنا وفاقيّا حتّى من المصوّبة في الظنّيات، و مرجعه إلى اتّفاق الفريقين على أنّ للّه تعالى في القطعيّات حكما معيّنا فمن أدركه فهو مصيب و من لم يدركه مخطئ.

و لعلّ السرّ في ذلك بالقياس إلى الضروريّات أنّ الضرورة العارضة للحكم متأخّرة عن تعيينه، فهي حيثما تحقّقت كاشفة عن تعيين الحكم، و بالقياس إلى النظريّات أنّ انتصاب القاطع متأخّر عن تعيين الحكم فيكشف عنه و معه يستحيل تصويب الكلّ.

و ثانيهما: كون المخطئ في المسألتين آثما و عدم كونه معذورا، حيث إنّ الإثم مبنيّ على التقصير، فإثباته في الضروريّات غير بعيد، بتقريب: أنّ الضرورة في الضروري يقتضي اطّلاع من عاش بين المسلمين و عاشرهم و لا سيّما العلماء المجتهدين عليها إذا طلبها، فمن اجتهد و أخطأ في اجتهاده و لم يطّلع على الضرورة الموصلة إلى الواقع فقد قصّر في طلبه، و أمّا غيرها فكون المقصّر آثما واضح.

و أمّا إنّ كلّ من أخطأ فقد قصّر في طلب الدليل القاطع أو في نظره كما هو قضيّة إطلاق الحكم بعدم المعذوريّة، ففيه خفاء، إلّا أن يراد بالقاطع ما لا يخفى على أحد لو طلبه، و من لم يجده و أخطأ في نظره فقد قصّر في طلبه.

نعم يبقى الكلام في الحكم بعدم المعذوريّة مع التقصير في طلب القاطع أيضا، لأنّ ذلك إنّما يستقيم لو وجب تحصيل القطع بالحكم الّذي قام عليه القاطع، و هو مع فرض انسداد باب العلم في غالب الأحكام غير واضح، لبنائه على كفاية الظنّ مطلقا المسقطة لوجوب تحصيل القطع فيما أمكن تحصيله فيه، كما هو المصرّح به في كلام القائلين بالظنّ المطلق، إلّا أن يفرّق بين العلم بوجود قاطع في المسألة إجمالا و بين احتمال وجوده، فعلى الظنّ المطلق لا يجب طلب العلم في موضع الاحتمال لا في موضع العلم بوجود القاطع على الإجمال.

و أمّا كفر المخطئ و المخالف للحقّ في الضروريّات لضابطة أنّ منكرها كافر فينبغي القطع بانتفائه هنا، لخروج موضوع البحث- باعتبار ما اخذ فيه من الخطأ الغير المجامع للعلم بكون ما أخطأه ممّا أتى به النبيّ- عن عنوان منكر الضروريّات المأخوذ فيه العلم بكون ما أنكره ما أتى به النبيّ، سواء كان الكفر اللازم منه باعتبار رجوعه إلى تكذيب


صفحه 324

و إن كانت ممّا يفتقر إلى النظر و الاجتهاد فالواجب على المجتهد استفراغ الوسع فيها و لا إثم عليه حينئذ قطعا بغير خلاف يعبأ به (1). نعم اختلف الناس في التصويب.

النبيّ أو باعتبار كونه سببا مستقلّا للكفر، فلا ينبغي التكلّم عن حكمه من هذه الجهة.

(1) و ظاهر بعض كلماتهم أنّ المعذوريّة و عدم الاثم في المخطئ هنا اتّفاق من المخطئة و إن كان على الحكم المعيّن دليل قاطع في بعض الأحيان إذا لم يصادفه، أو لم يكن قاطعا عنده و لو لشبهة سبقت إليه، إلّا من بشر المريسي[1]الذاهب إلى أنّه يستحقّ الإثم لزعمه قيام دليل قاطع على الحكم المعيّن المجعول للواقعة كما ستعرفه، و لكنّه لشذوذه لا يعبأ بقوله كما أشار إليه المصنّف.

و لكنّ العلّامة في النهاية نسب القول بعدم الإثم إلى الأكثر، و القول الآخر إلى بعض الإماميّة و الظاهريّة و بشر المريسيّ و ابن عليّة و أبي بكر الأصمّ.

ثمّ نقل احتجاج هذا القول بإنكار الصحابة بعضهم بعضا في العمل بالرأي و الاجتهاد في المسائل الفقهيّة، و بأنّ الحكم واحد معيّن و عليه دليل يتمكّن كلّ مكلّف من الوصول إليه لئلّا يلزم تكليف ما لا يطاق، و كلّ مكلّف بالحكم مكلّف بإقامة الدليل المنصوب عليه فخطاء المخطئ إمّا أن يكون لتقصيره في الاجتهاد فيكون مأثوما بترك ما كلّف به، أو لعدم تمكّنه من الوصول إلى الحكم و هو محال لاستلزامه التكليف بما لا يطاق.

و في الوجهين ما لا يخفى، إذ الإنكار لا يستلزم التأثيم، و المسلّم من التكليف في الحكم المنصوب عليه الدليل بعد تصحيحه إنّما هو التكليف بسلوك ذلك الطريق المنصوب و هو لا يستلزم دوام التوصّل، كما أنّ عدم التوصّل لا يلازم التقصير لجواز خفاء الدلالة و الاشتغال بالتعارض و نحو ذلك، فينكشف عند تبيّن الخطأ مع عدم التقصير عدم التكليف بأصل الحكم المعيّن ليلزم التكليف بما لا يطاق.

[1]المريسيّ- بفتح الميم و كسر الراء و سكون الياء المثنّاة من تحتها و بعدها سين مهملة- هذه النسبة إلى مريس و هي قرية بمصر.

و بشر المريسيّ هو: أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسيّ، الفقيه الحنفي، أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف الحنفي، إلّا أنّه اشتغل بالكلام و كان مرجئا و إليه تنسب الطائفة المريسيّة من المرجئة، و توفّي في ذي الحجّة لسنة ثماني عشرة و قيل: تسع عشرة و مائتين ببغداد. راجع [وفيات الاعيان 1: 277]


صفحه 325

فقيل: كلّ مجتهد مصيب (1) بمعنى أنّه لا حكم معيّنا للّه تعالى فيها، بل حكم اللّه تعالى فيها تابع لظنّ المجتهد. فما ظنّه فيها كلّ مجتهد فهو حكم اللّه فيها في حقّه و حقّ مقلّده.

و قيل: إنّ المصيب فيها واحد، لأنّ للّه تعالى فيها حكما معيّنا، فمن أصابه فهو المصيب، و غيره مخطئ معذور.

و هذا القول هو الأقرب إلى الصواب. و قد جعله العلّامة في النهاية رأي الاماميّة. و هو مؤذن بعدم الخلاف بينهم فيه. و كيف كان

(1) و هو على ما حكاه في النهاية و المنية و غيرهما لأكثر المتكلّمين من العامّة كأبي الحسن الأشعري و القاضي و أبي بكر من الأشاعرة و أبي الهذيل العلّاف و أبي علي و أبي هاشم و أتباعهم من المعتزلة، و بنوا الخلاف على أنّ للّه تعالى في كلّ مسألة اجتهاديّة قبل اجتهاد المجتهد حكما معيّنا في الواقع فمن أدركه مصيب و من لم يدركه مخطئ، أو أنّه ليس له تعالى حكم معيّن بل الحكم تابع لظنّ المجتهد و مؤدّى اجتهاده فالمخطئة على الأوّل و المصوّبة على الثاني.

و اتّفق أصحابنا على التخطئة فقالوا- كما في النهاية و المنية و غيرهما-: أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما معيّنا و أنّ عليه دليلا ظاهرا، و أنّ المخطئ فيه معذور و إنّ قضاء القاضي لا ينقض به.

و في النهاية أكّد قوله: «ظاهرا» بقوله: «لا قطعيّا» و الأولى تركه و ترك قيد الظاهر، لأنّ الدليل القائم على الحكم في المسائل الظنّية قد يكون قطعيّا كما هو واضح، كما أنّ الأولى ترك الالتزام بقيام الدليل عليه، إذ لا دليل على لزومه على الوجه الكلّي كما يشهد به وفور ما لا نصّ فيه أو ما فيه نصّ مجمل و غير ذلك من موارد الاصول العمليّة في الفرعيّات، و لعلّه لذا كلّه عبّر بعض الفضلاء عمّا اختاره من مذهب الأصحاب: «بأنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما معيّنا مخزونا عند أهله و هم أهل العصمة(عليهم السلام)، فالمجتهد إن أدركه فقد أصاب و إلّا فقد أخطأ، و أنّه غير آثم في خطائه بعد بذل وسعه و إن كان عليه دليل قاطع إذا لم يصادفه أو لم يكن عنده قاطعا و لو لشبهة سبقت إليه، و أنّه لا يلزم أن يكون عليه دليل ظنّي في الظاهر فضلا عن القطعي» انتهى.

و أمّا المخطّئة من العامّة فقد صاروا فرقا مختلفة.