..........
و التقبيح العقليّين من اصول الفقه بالمعنى الأعمّ الّذي قد ذكرنا أنّه لا مقتضي للإثم فيه.
و يمكن الذبّ عن الأوّل: بأنّ الحسن و القبح في الأشياء المذكورة و غيرها ممّا يندرج في مسألة التحسين و التقبيح ممّا يدركهما العقل بالاستقلال بشهادة العيان و بداهة الوجدان، فهما من اليقينيّات المستندة إلى الوجدان و إنكارهما تكذيب للعيان و مكابرة للوجدان فيكون المنكر مقصّرا.
كما يمكن الذبّ عن الثاني: بأنّ الحكم العقلي من الحسن و القبح يلازم الحكم الشرعي من إيجاب أو تحريم أو غيرهما بملازمة بيّنة إجماعيّة، على ما تقدّم في محلّه من أنّها ما يسلّمها الأشاعرة المنكرون للتحسين و التقبيح العقليّين على تقدير ثبوت الملزوم، فالتقصير في نفي الملزوم يرجع إلى التقصير في نفي اللازم، و هو في معنى تغيير حكم اللّه و تحليل حرامه فيكون قبيحا عقلا و نقلا و لو باعتبار اندراجه في الحكم بغير ما أنزل اللّه.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه كلام الشيخ.
و يمكن الالتزام من قبله بالإثم في منكر الملازمة بين العقل و الشرع مع القول بثبوت الملزوم كما تقدّم عن الفاضل التوني و من تبعه، و في منكر حجّيّة إدراكات العقل كما عليه جماعة من الأخباريّة، بناء على أنّ الحقّ في المسألتين لا يكاد يخفى على المتأمّل المراعي للإنصاف المجانب عن الاعتساف لكون الملازمة بيّنة، كحجّية إدراكات العقل إذا كانت بعنوان القطع و اليقين فيكون عبارة عن انكشاف الواقع عند العقل فنفي حجّيته يؤول إلى التناقض و تجويز اجتماع المتناقضين.
و بالجملة فهاهنا مسائل ثلاث كلّها من قبيل المقدّمات الأوّليّة و القضايا الّتي قياساتها معها، فالقول بكون مخالف الحقّ فيها مقصّرا غير معذور ليس ببعيد عن الصواب.
المسألة الثالثة في التخطئة و التصويب في العقليّات الفروعيّة،
و هذا العنوان ممّا ليس له معنى محصّل إلّا الفرعيّات المستندة إلى العقل، و هي الأحكام الفرعيّة الّتي مدركها العقل، فإن كان خطائه في المسألة الفرعيّة باعتبار الخطأ في المسألة الاصوليّة العقليّة فمع التقصير في الاصوليّة كان مقصّرا غير معذور في الفرعيّة و مع عدمه معذور.
و إن كان خطائه باعتبار الإهمال في إعمال الأصل العقلي الحاضر عنده فالظاهر كونه غير معذور أيضا.
و أمّا الأحكام الشرعيّة فإن كان عليها دليل قاطع (1)
و إن كان باعتبار خطائه في التفريع بأن فرّع ما هو من جزئيّات أصل مخصوص على أصل آخر، كما لو تمسّك فيما هو من جزئيّات الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار- على القول به- بقبح التكليف بما لا يطاق، و فيما هو من جزئيّات الصدق الضارّ بحسن أصل الصدق، أو ما هو من جزئيّات الكذب النافع بقبح أصل الكذب للغفلة عن جهتي الضرر و النفع، فإثبات التقصير عليه بقول مطلق مشكل، و القول بالمعذوريّة فيه مطلقا غير بعيد.
و إن كان باعتبار تعويله على أصل غير معوّل عليه كالمقدّمات العقليّة- بناء على عدم اعتبار الظنّ العقلي- فالقول بالتقصير و عدم المعذوريّة مطلقا غير بعيد.
المسألة الرابعة في التخطئة و التصويب في الشرعيّات الضروريّة
كضروريّات الدين أو المذهب، و سنذكر حكمها مع المسألتين الباقيتين في تلو شرح عبارة المصنّف.
(1) قرينة المقابلة بينه و بين القسم الآخر الّذي عبّر عنه بقوله: «و إن كان ممّا يفتقر إلى النظر و الاجتهاد» تعطي إرادة ما لا يفتقر إلى النظر و الاجتهاد من الدليل القاطع، و هذا بظاهره لا ينطبق إلّا على الضرورة، فيختصّ هذا القسم بالأحكام الضروريّة دينا أو مذهبا.
فيرد عليه حينئذ- مع ما في إطلاق الدليل على الضرورة من المسامحة-: قصور العبارة، حيث أهملت ذكر قسم القطعيّات النظريّة و هي عنوان المسألة الخامسة على ما أشرنا إليها، و احتمال اندراجها في القسم الآخر- بتقريب: أنّ النظر و الاجتهاد فيما يفتقر إليهما قد يؤدّي إلى القطع بالحكم و قد يؤدّي إلى الظنّ به- يأباه اختصاص النزاع الآتي الّذي موضوعه القسم الآخر على ما هو ظاهر العبارة بالظنّيات على ما سنبيّنه.
نعم يمكن أن يقال- في توجيه العبارة-: أنّ المعتبر فيما يفتقر إلى النظر و الاجتهاد مجموع الأمرين من النظر و الاجتهاد و هو استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم، فيعتبر في مقابلة أحد الأمرين إمّا النظر كما في الضروريّات، أو الاجتهاد بالمعنى المذكور كما في القطعيّات النظريّة، و عليه فيحمل الدليل القاطع على ما لا يفتقر إلى النظر أو الاجتهاد بطريقة الانفصال الحقيقي.
و كيف كان فالعبارة لا تخلو عن شيء.
فالمصيب فيها أيضا واحد و المخطئ غير معذور (1)
(1) تضمّنت العبارة بالنسبة إلى القطعيّات- ضروريّة أو نظريّة- حكمين:
أحدهما: كون المصيب فيها واحدا و غيره مخطئا، و ظاهره كظاهر غيره كون التخطئة هنا وفاقيّا حتّى من المصوّبة في الظنّيات، و مرجعه إلى اتّفاق الفريقين على أنّ للّه تعالى في القطعيّات حكما معيّنا فمن أدركه فهو مصيب و من لم يدركه مخطئ.
و لعلّ السرّ في ذلك بالقياس إلى الضروريّات أنّ الضرورة العارضة للحكم متأخّرة عن تعيينه، فهي حيثما تحقّقت كاشفة عن تعيين الحكم، و بالقياس إلى النظريّات أنّ انتصاب القاطع متأخّر عن تعيين الحكم فيكشف عنه و معه يستحيل تصويب الكلّ.
و ثانيهما: كون المخطئ في المسألتين آثما و عدم كونه معذورا، حيث إنّ الإثم مبنيّ على التقصير، فإثباته في الضروريّات غير بعيد، بتقريب: أنّ الضرورة في الضروري يقتضي اطّلاع من عاش بين المسلمين و عاشرهم و لا سيّما العلماء المجتهدين عليها إذا طلبها، فمن اجتهد و أخطأ في اجتهاده و لم يطّلع على الضرورة الموصلة إلى الواقع فقد قصّر في طلبه، و أمّا غيرها فكون المقصّر آثما واضح.
و أمّا إنّ كلّ من أخطأ فقد قصّر في طلب الدليل القاطع أو في نظره كما هو قضيّة إطلاق الحكم بعدم المعذوريّة، ففيه خفاء، إلّا أن يراد بالقاطع ما لا يخفى على أحد لو طلبه، و من لم يجده و أخطأ في نظره فقد قصّر في طلبه.
نعم يبقى الكلام في الحكم بعدم المعذوريّة مع التقصير في طلب القاطع أيضا، لأنّ ذلك إنّما يستقيم لو وجب تحصيل القطع بالحكم الّذي قام عليه القاطع، و هو مع فرض انسداد باب العلم في غالب الأحكام غير واضح، لبنائه على كفاية الظنّ مطلقا المسقطة لوجوب تحصيل القطع فيما أمكن تحصيله فيه، كما هو المصرّح به في كلام القائلين بالظنّ المطلق، إلّا أن يفرّق بين العلم بوجود قاطع في المسألة إجمالا و بين احتمال وجوده، فعلى الظنّ المطلق لا يجب طلب العلم في موضع الاحتمال لا في موضع العلم بوجود القاطع على الإجمال.
و أمّا كفر المخطئ و المخالف للحقّ في الضروريّات لضابطة أنّ منكرها كافر فينبغي القطع بانتفائه هنا، لخروج موضوع البحث- باعتبار ما اخذ فيه من الخطأ الغير المجامع للعلم بكون ما أخطأه ممّا أتى به النبيّ- عن عنوان منكر الضروريّات المأخوذ فيه العلم بكون ما أنكره ما أتى به النبيّ، سواء كان الكفر اللازم منه باعتبار رجوعه إلى تكذيب
و إن كانت ممّا يفتقر إلى النظر و الاجتهاد فالواجب على المجتهد استفراغ الوسع فيها و لا إثم عليه حينئذ قطعا بغير خلاف يعبأ به (1). نعم اختلف الناس في التصويب.
النبيّ أو باعتبار كونه سببا مستقلّا للكفر، فلا ينبغي التكلّم عن حكمه من هذه الجهة.
(1) و ظاهر بعض كلماتهم أنّ المعذوريّة و عدم الاثم في المخطئ هنا اتّفاق من المخطئة و إن كان على الحكم المعيّن دليل قاطع في بعض الأحيان إذا لم يصادفه، أو لم يكن قاطعا عنده و لو لشبهة سبقت إليه، إلّا من بشر المريسي[1]الذاهب إلى أنّه يستحقّ الإثم لزعمه قيام دليل قاطع على الحكم المعيّن المجعول للواقعة كما ستعرفه، و لكنّه لشذوذه لا يعبأ بقوله كما أشار إليه المصنّف.
و لكنّ العلّامة في النهاية نسب القول بعدم الإثم إلى الأكثر، و القول الآخر إلى بعض الإماميّة و الظاهريّة و بشر المريسيّ و ابن عليّة و أبي بكر الأصمّ.
ثمّ نقل احتجاج هذا القول بإنكار الصحابة بعضهم بعضا في العمل بالرأي و الاجتهاد في المسائل الفقهيّة، و بأنّ الحكم واحد معيّن و عليه دليل يتمكّن كلّ مكلّف من الوصول إليه لئلّا يلزم تكليف ما لا يطاق، و كلّ مكلّف بالحكم مكلّف بإقامة الدليل المنصوب عليه فخطاء المخطئ إمّا أن يكون لتقصيره في الاجتهاد فيكون مأثوما بترك ما كلّف به، أو لعدم تمكّنه من الوصول إلى الحكم و هو محال لاستلزامه التكليف بما لا يطاق.
و في الوجهين ما لا يخفى، إذ الإنكار لا يستلزم التأثيم، و المسلّم من التكليف في الحكم المنصوب عليه الدليل بعد تصحيحه إنّما هو التكليف بسلوك ذلك الطريق المنصوب و هو لا يستلزم دوام التوصّل، كما أنّ عدم التوصّل لا يلازم التقصير لجواز خفاء الدلالة و الاشتغال بالتعارض و نحو ذلك، فينكشف عند تبيّن الخطأ مع عدم التقصير عدم التكليف بأصل الحكم المعيّن ليلزم التكليف بما لا يطاق.
[1]المريسيّ- بفتح الميم و كسر الراء و سكون الياء المثنّاة من تحتها و بعدها سين مهملة- هذه النسبة إلى مريس و هي قرية بمصر.
و بشر المريسيّ هو: أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسيّ، الفقيه الحنفي، أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف الحنفي، إلّا أنّه اشتغل بالكلام و كان مرجئا و إليه تنسب الطائفة المريسيّة من المرجئة، و توفّي في ذي الحجّة لسنة ثماني عشرة و قيل: تسع عشرة و مائتين ببغداد. راجع [وفيات الاعيان 1: 277]
فقيل: كلّ مجتهد مصيب (1) بمعنى أنّه لا حكم معيّنا للّه تعالى فيها، بل حكم اللّه تعالى فيها تابع لظنّ المجتهد. فما ظنّه فيها كلّ مجتهد فهو حكم اللّه فيها في حقّه و حقّ مقلّده.
و قيل: إنّ المصيب فيها واحد، لأنّ للّه تعالى فيها حكما معيّنا، فمن أصابه فهو المصيب، و غيره مخطئ معذور.
و هذا القول هو الأقرب إلى الصواب. و قد جعله العلّامة في النهاية رأي الاماميّة. و هو مؤذن بعدم الخلاف بينهم فيه. و كيف كان
(1) و هو على ما حكاه في النهاية و المنية و غيرهما لأكثر المتكلّمين من العامّة كأبي الحسن الأشعري و القاضي و أبي بكر من الأشاعرة و أبي الهذيل العلّاف و أبي علي و أبي هاشم و أتباعهم من المعتزلة، و بنوا الخلاف على أنّ للّه تعالى في كلّ مسألة اجتهاديّة قبل اجتهاد المجتهد حكما معيّنا في الواقع فمن أدركه مصيب و من لم يدركه مخطئ، أو أنّه ليس له تعالى حكم معيّن بل الحكم تابع لظنّ المجتهد و مؤدّى اجتهاده فالمخطئة على الأوّل و المصوّبة على الثاني.
و اتّفق أصحابنا على التخطئة فقالوا- كما في النهاية و المنية و غيرهما-: أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما معيّنا و أنّ عليه دليلا ظاهرا، و أنّ المخطئ فيه معذور و إنّ قضاء القاضي لا ينقض به.
و في النهاية أكّد قوله: «ظاهرا» بقوله: «لا قطعيّا» و الأولى تركه و ترك قيد الظاهر، لأنّ الدليل القائم على الحكم في المسائل الظنّية قد يكون قطعيّا كما هو واضح، كما أنّ الأولى ترك الالتزام بقيام الدليل عليه، إذ لا دليل على لزومه على الوجه الكلّي كما يشهد به وفور ما لا نصّ فيه أو ما فيه نصّ مجمل و غير ذلك من موارد الاصول العمليّة في الفرعيّات، و لعلّه لذا كلّه عبّر بعض الفضلاء عمّا اختاره من مذهب الأصحاب: «بأنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما معيّنا مخزونا عند أهله و هم أهل العصمة(عليهم السلام)، فالمجتهد إن أدركه فقد أصاب و إلّا فقد أخطأ، و أنّه غير آثم في خطائه بعد بذل وسعه و إن كان عليه دليل قاطع إذا لم يصادفه أو لم يكن عنده قاطعا و لو لشبهة سبقت إليه، و أنّه لا يلزم أن يكون عليه دليل ظنّي في الظاهر فضلا عن القطعي» انتهى.
و أمّا المخطّئة من العامّة فقد صاروا فرقا مختلفة.
..........
فمنهم من قال: بأنّ ذلك الحكم المعيّن ليس عليه أمارة و لا دلالة كما عن جماعة من الفقهاء و المتكلّمين، قالوا: و هذا الحكم مثل دفين يعثر عليه الطالب اتّفاقا، فلمن عثر عليه أجران و لمن اجتهد و لم يصبه أجر واحد على ما تحمّله من الكدّ و المشقّة في الطلب.
و منهم من قال: إنّ عليه أمارة كما عن جماعة، و لكنّهم اختلفوا فقال بعضهم: إنّ المجتهد لم يكلّف بإصابة ذلك الدليل الظنّي لخفائه و غموضه، و لهذا عذّر المخطئ و اجر عليه، عزى إلى الفقهاء كافّة و الشافعي و أبي حنيفة.
و قال آخرون: بأنّه مأمور بطلبه أوّلا فإن أخطأ و غلب على ظنّه شيء آخر انقلب التكليف و صار مأمورا بالعمل بمقتضى ظنّه و سقط عنه الإثم تخفيفا.
و منهم من قال: بأنّ عليه دلالة أعني دليلا قطعيّا، فهؤلاء اتّفقوا على أنّ المجتهد مأمور بطلبه لكنّهم اختلفوا في موضعين:
أحدهما: أنّ المخطئ هل يستحقّ الإثم أو لا؟ فذهب بشر المريسي[1]إلى أنّه يستحقّ الإثم و نفاه الباقون.
و ثانيهما: هل ينقض قضاء القاضي فيه أو لا؟ قال أبو بكر الأصمّ: ينتقض، و خالف فيه الباقون.
و أمّا المصوّبة فهم أيضا اختلفوا فمنهم من قال بالأشبه و هو: أنّه و إن لم يوجد في الواقعة حكم إلّا أنّه يوجد فيها ما لو حكم اللّه تعالى بحكم لما حكم إلّا به، و هو منسوب إلى كثير من المصوّبين.
و منهم من لم يقل بذلك أيضا كما عن باقي المصوّبين هكذا نقل المذاهب في النهاية و المنية، و ربّما خفي المراد بالأشبه بالمعنى المذكور في كلام قائليه، و الظاهر أنّ المراد به الأشبه بالقواعد و الاصول المتلقّاة من الشارع، كما يرشد إليه تعبير العضدي: «بما هو أليق بالاصول و أنسب بما عهد من الشارع اعتباره».
و بما شرحناه من معنى القول بالأشبه انقدح أنّ ما ذكره بعض الفضلاء بعد حكاية هذا القول من: «أنّ هذا قريب من القول بالتخطئة بل ربّما كان راجعا إليه» ليس على ما ينبغي كما يظهر بأدنى تأمّل.
كما أنّ بما بيّنّاه- من أنّ المصوّبة بعد اتّفاقهم على نفي وجود الحكم في كلّ واقعة اختلفوا في القول بالأشبه و عدم القول به- يظهر أنّ النفي في قولهم: «بأنّه ليس للّه تعالى في الواقعة قبل اجتهاد المجتهد حكم معيّن» راجع إلى أصل الحكم الّذي لو كان موجودا
[1]المريسي من المريسة- كسكينة- قرية (منه).
..........
لوجد بوصف التعيّن، لأنّ المراد به مصداق الحكم كالوجوب بالمعنى الإنشائي و الطلب الفعلي المنقدح في نفس الحاكم مثلا، فإنّه بهذا المعنى لا يكون إلّا متعيّنا فيراد به الحكم المخصوص، لا إلى قيده[1]و هو التعيين فقط مع وجود أصل الحكم من غير تعيين بالقياس إلى المجتهدين قبل اجتهادهم و لازمه التعدّد على حسب تعدّد آرائهم، بل هذا المعنى ممّا لا يتحمّله كلامهم الدائر بين القول بالأشبه و عدم القول به، فلا حاجة لتصوير القول بالتصويب إلى تكلّف ما ذكره في الضوابط من أنّه يتصوّر على وجوه:
الأوّل: أنّ الحكم تابع للحسن و القبح و إنّهما يختلفان بالوجوه و الاعتبارات الّتي منها العلم و الجهل، فعروض العلم و الجهل يوجب حدوث صفة يتبعها الحكم، فيكون رأي المجتهد علّة محدثة للحكم.
الثاني: أنّه تعالى أوجد في الواقعة أحكاما مقصودة بالأصالة ثمّ صادفها آراء المجتهدين بإجباره تعالى كلّا منهم بأداء اجتهاده إلى أحدها قهرا عليه.
الثالث: أنّه تعالى أوجد أحكاما واقعيّة فصادفها آراء المجتهدين من باب الاتّفاق.
الرابع: أنّه تعالى لمّا علم بعلمه الأزلي بالمجتهدين و عدد آرائهم فجعل أحكاما واقعيّة على حسب تعدّد آراء المجتهدين من غير أن يعيّن كلّا لكلّ، فتأدّى اجتهاد كلّ إلى أحدها.
لابتناء[2]ما عدا الأوّل منها إلى توهّم رجوع النفي إلى القيد لا إلى أصل المقيّد، و قد عرفت أنّه ممّا لا يتحمّله كلام المصوّبة.
لا يقال: لو لا اعتبار وجود حكم مجعول غير معيّن بالنسبة إلى آحاد المجتهدين في الواقعة قبل اجتهاد المجتهد استحال صدق الاجتهاد بالمعنى المأخوذ فيه طلب الظنّ بالحكم الشرعي على فعل المجتهد، لأنّ طلب الشيء يقتضي سبق وجود المطلوب على الطلب و إلّا استحال طلبه.
لأنّ هذا إنّما يتّجه لو كان المطلوب بالاجتهاد هو نفس الحكم و ليس كذلك، لأنّ المأخوذ في مفهوم الاجتهاد هو طلب الظنّ بالحكم لا طلب الحكم، و يكفي في صحّة طلب الظنّ إمكان حصوله، و لا يعتبر سبق حصوله، بل يعتبر عدم سبق حصوله لاستحالة طلب الحاصل، و إنّما يستحيل طلب الظنّ الغير الحاصل مع امتناع حصوله بعنوان القطع.
فإن قلت: إنّ طلب الظنّ المتعلّق بالحكم يقتضي سبق وجود الحكم على الظنّ و على
[1]عطف على قوله: «يظهر انّ النفي في قولهم ... راجع إلى أصل الحكم» الخ.
[2]تعليل لقوله: «فلا حاجة لتصوير القول بالتصويب إلى تكلّف ما ذكره في الضوابط».
..........
طلبه، لتأخّر المتعلّق بالكسر عن متعلّقه.
قلت: فرق واضح بين ظنّ المجتهد بما هو حكم له و لمقلّده بالفعل و ظنّه بما يصير حكما له و لمقلّده و هو الأشبه أو ما هو حكم السلف من النبيّ و الصحابة و غيرهم من العالمين به.
و بهذا البيان أيضا يندفع الدور المتوهّم في المقام من جهة أنّ الظنّ لكونه علّة محدثة للحكم يتوقّف عليه الحكم، و الحكم لكونه متعلّقا للظنّ يتوقّف عليه الظنّ، نظير الدور الّذي توهّمه العلّامة في جعلهم العلم شرطا للتكليف، فأنكر الشرطيّة دفعا لمحذور الدور.
و وجه الاندفاع: تغاير طرفي التوقّف، و حاصله: أنّ المظنون هو حكم العالمين به و المجعول بعد الظنّ هو حكم الجاهل، فإنّ ظنّه يتعلّق أوّلا بحكم العالمين ثمّ يحدث بسببه مثل ذلك الحكم الحاصل، و هذا قريب ممّا أشرنا إليه بل راجع إليه كما يظهر بأدنى تأمّل.
و بهذا البيان يندفع توهّم التناقض على مذهب المصوّبة باعتبار أنّ الظنّ و القطع مفهومان متناقضان فلا يجتمعان في محلّ واحد، و اللازم من مذهبهم اجتماعهما في محلّ واحد و هو الحكم، لأنّ ما ظنّه المجتهد حكما يقطع بكونه حكما، فالحكم أمر واحد توارد عليه الظنّ و المقطوع.
و وجه الاندفاع: اختلاف القضيّتين بكون المظنون هو الأشبه أو حكم السلف من النبيّ و غيره من العالمين به و المقطوع هو الحكم الفعلي في حقّ المجتهد.
ثمّ إنّ من الظاهر أنّ اختلاف الأحكام الكلّية الواقعيّة باعتبار اختلاف موضوعاتها و تعدّدها على حسب تعدّدها- كالصحيح و المريض و الحاضر و المسافر و القادر و العاجز و المختار و المضطرّ و ما أشبه ذلك، بالقياس إلى وجوب صيام رمضان و حرمته أو جواز إفطاره و وجوب التقصير في الصلاة و إتمامها و وجوب القيام فيها و جواز العدول عن القيام إلى القعود و حرمة أكل الميتة و إباحتها- ليس من باب التصويب، لكون محلّ النزاع هو الواقعة الواحدة الّتي يتعدّد فيها الأحكام الواقعيّة على حسب تعدّد آراء المجتهدين على هذا القول.
كما أنّ الظاهر أنّه ليس من التصويب تعدّد الأحكام الظاهريّة في المسائل الاجتهاديّة الظنّية، على معنى الأحكام الفعليّة و هي مظنونات المجتهدين الّتي يجب عليهم و على مقلّديهم بناء العمل عليها و التديّن بها ما لم ينكشف الخلاف، بل هو من لوازم القول بالتخطئة، و لذا يجب التديّن بما انكشف كونه الحكم الواقعي فيما انكشف مخالفته الواقع، لا بالمظنون الّذي كان حكما ظاهريّا سقط بارتفاع موضوعه.
فآل الكلام إلى أن يقال: إنّ النزاع إنّما هو في تعدّد الحكم الواقعي التابع للآراء و اتّحاده، لا في تعدّد الأحكام الظاهريّة التابعة للآراء فإنّه ممّا لا ينكره المصوّبة.