بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 336

[أدلّة القول بالتخطئة]

..........

و إذا تمهّد هذا كلّه فاعلم: أنّ الأقوى بل الحقّ الّذي لا محيص عنه هو القول بالتخطئة بالمعنى الّذي عليه أصحابنا، و هو أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما مخصوصا، و أنّ أحكام جميع الوقائع مخزونة عند أهل بيت العصمة(عليهم السلام)، و أنّ كلّ حكم اقتضت المصلحة إظهاره للامّة أظهروه و إن اقتضت إخفاءه لم يظهروه، و أنّ كثيرا ممّا أظهروه ذهبت عنّا بالحوادث و الأسباب الخارجيّة و أنّ من المجتهدين من صادف شيئا ممّا أظهروه فهو مصيب، و من صادف غيره مخطئ و لكنّه معذور غير آثم إذا استفرغ وسعه و بذل جهده و إن كان عليه دليل قاطع إذا لم يظفر به لو لم يكن في نظره قاطعا و لو لشبهة سبقت إليه، و أنّه لا يجب أن يكون عليه دليل ظنّي في الظاهر فضلا عن القطعي.

و العمدة من دليله وجوه:

منها: الضرورة الكاشفة عن صدق الدعوى و مطابقة المدّعى للواقع، المستكشفة بكون وجود حكم للّه تعالى في كلّ شيء من القضايا المركوزة في الأذهان، حتّى العوام و النسوان و الصبيان تراهم يقولون عن اعتقاد يقيني في موارد كثيرة: أنّ حكم اللّه واحد، و يتناكرون تعدّده بحسب الواقع، فتكون القضيّة من الضروريّات الّتي قد تختفي على النظر لشدّة الضرورة فيها.

و منها: الآيات الكتابيّة يكفي منها قوله عزّ من قائل:الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْفإنّ إكمال الدين لا يتمّ إلّا ببيان جميع ماله مدخليّة في الدين و منه حكم كلّ واقعة، و ظاهر أنّ بيان الحكم مسبوق بجعله فيدلّ بالالتزام على أنّه تعالى جعل لكلّ واقعة حكما، و قوله تعالى:مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍو فيه تبيان كلّ شيء يدلّ و لو بمعونة الأخبار المفسّرة على ورود حكم كلّ شيء في الكتاب و إن لم يبلغ إلى أكثرها الأفهام القاصرة.

و منها: الأخبار المتكاثرة على اختلاف طوائفها مع استفاضة كلّ طائفة منها بل تواترها، كالنبويّ المرويّ بطرق الفريقين من قوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا» فإنّ المراد من التمسّك بهما هو التمسّك في استعلام الأحكام- اصوليّة و فروعيّة- فلولا أنّه لكلّ شيء حكم وارد في الكتاب مستودع عند العترة الطاهرة لم يكن التمسّك بهما كافيا في الحفظ عن الضلال.

و الأخبار المدّعى تواترها الواردة على اختلاف ألفاظها: «بأنّ لكلّ شيء حكما حتّى أرش الخدش فما دونه».


صفحه 337

..........

و الأخبار القريبة من التواتر بل المتواترة معنى الواردة في الطعن على القائسين و أصحاب الرأي و أهل الاجتهاد من المخالفين، المعلّلة باستكمال الدين المنزل من اللّه على نبيّه لجميع أحكامه، و قد تقدّم أكثرها في احتجاج الأخباريّين على نفي الظنّ و الاجتهاد.

و من ذلك المرويّ عن نهج البلاغة من قول مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام)في ذمّ اختلاف علمائهم في الفتيا مع صراحته في نفي التصويب قال(عليه السلام): «يرد على أحدكم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم بها برأيه، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة عند الإمام الّذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا، و إلههم واحد و نبيّهم واحد و كتابهم واحد فأمرهم اللّه بالاختلاف فأطاعوه أو نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل اللّه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى؟ أم أنزل للّه دينا تامّا فقصّر رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)عن تبليغه و أدائه، و اللّه سبحانه يقول:

مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍو فيه تبيان كلّ شيء».

و منها: الأدلّة السمعيّة الدالّة على أصل البراءة فيما لا نصّ فيه، و غيره من عمومات الكتاب و السنّة كقوله تعالى:وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًاولٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰاو قوله(عليه السلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» و «الناس في سعة ما لم يعلموا» و «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون» و «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» إذ يستفاد من مجموعها أنّ في الوقائع المجهولة الحكم للّه تعالى حكما لو لا كونه مجهولا لترتّب عليه التكليف الفعلي من المؤاخذة و استحقاق العقوبة على المخالفة، و لو انضمّ إليها أخبار التوقّف و أخبار الاحتياط لاستفيد من المجموع أنّ الجهالة في الوقائع المجعولة توجب التوقّف عن حكمها الخاصّ ثمّ البناء في العمل على البراءة أو الاحتياط و لا يتمّ ذلك إلّا على تقدير وجود حكم خاصّ للّه تعالى في كلّ واحد.

لا يقال: إنّ غاية ما ثبت من هذه الأدلّة وجود الأحكام الواقعيّة في الوقائع لذواتها للعالمين بها، و هذا ليس بمحلّ كلام بل الكلام في كون الحكم المجعول للعالمين مشتركا بينهم و بين الجاهلين به الّذين منهم المجتهدون، و الأدلّة المذكورة ساكتة عن إفادة هذا المعنى.

لأنّا نقول: مع أنّ بعض ما سبق يدلّ على ثبوت الحكم الواقعي في كلّ واقعة على وجه العموم، أنّ العموم يثبت بأدلّة الاشتراك في التكليف من الإجماع و الضرورة و الأخبار المتواترة الناطقة بأنّ: «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة» و «أنّ حكم اللّه


صفحه 338

..........

على الأوّلين و الآخرين سواء» و غير ذلك ممّا يقف عليه الخبير البصير.

و استدلّ عليه أيضا بوجوه اخر:

منها: ما اعتمد عليه بعض الفضلاء من: «أنّه قد تقرّر عند العدليّة أنّ أحكامه تعالى تابعة لمصالح واقعيّة في موارد لاحقة لذواتها أو لوجوه و اعتبارات طارئة عليها، و إن كان لحوق تلك الأحكام لها مشروطا بعلم المكلّف أو ما في حكمه، و حينئذ فما من واقعة إلّا و لها حكم معيّن يتوقّف تعلّقه بالمكلّف على زوال جهله به، و لا نعني بالحكم الواقعي إلّا ذلك».

أقول: هذا لا ينهض ردّا على من كان من المصوّبة من الأشاعرة المنكرين لتبعيّة الأحكام بالصفات الكامنة القائلين بكون حسن الأشياء و قبحها بالشرع.

نعم إنّما ينهض ردّا على العدليّة منهم، فإنّ الصفة الكامنة في كلّ شيء تؤثّر في جعل حكم للواقعة من حيث هي، متوقّف تعلّقه بالمكلّف و صيرورته حكما فعليّا عليه على علمه به.

لا يقال: إنّ هذا لا يتمّ على مذهب العدليّة أيضا القائلين بكون الصفة الكامنة في الشيء قد يكون بالوجوه و الاعتبارات بناء على كون العلم و الجهل منها.

لأنّ كون العلم و الجهل من الصفات الموجبة لتبدّل الأحكام الواقعيّة و إن سبق إلى بعض الأوهام احتمالا أو اختيارا غير أنّه عند التحقيق و في النظر الدقيق ممّا لا يرجع إلى محصّل، إذ لو اريد بمدخليّة الجهل في الحكم الواقعي أنّ الجهل بالحكم الواقعي المجعول في الواقعة للعالمين به علّة تامّة لحدوث حكم واقعي آخر للجاهل بجعل إلهي فهو غير معقول، لأنّ غاية ما يسلّم من تأثير الجهل عند العقل إنّما هو منع شمول الحكم الواقعي المتعلّق بالعالمين به للجاهل، و لا يعقل تأثيره في حدوث حكم معيّن آخر من الأحكام الباقية بعد فرض عدم شمول الحكم الأوّل له كائنا ما كان كما هو واضح، و لو اريد بها كونه جزء للعلّة التامّة المفروض كونها المجموع من أمر عدمي- و هو عدم العلم بالحكم المفروض عدم شموله للجاهل من باب رفع المانع- و أمر وجودي و هو قيام أمارة ظنّية أو تعبّديّة بالواقعة، فيؤثّر المجموع في حدوث مؤدّى تلك الأمارة حكما واقعيّا للجاهل بجعل إلهي.

ففيه: أنّ الجهل و إن كان يؤثّر في منع شمول الحكم الواقعي المجعول للعالمين به، إلّا أنّه ليس معناه أنّه يمنع من مجعوليّة ذلك الحكم بالقياس إلى الجاهل، ليكون مفاده اختصاص ذلك الحكم بالعالمين به المبنيّ على أخذ قيد في موضوعه يوجب ذلك الاختصاص من


صفحه 339

..........

حيث الجعل، فإنّه ممّا لا قاضي به من العقل و النقل، بل غاية ما يساعد عليه العقل باعتبار قبح تكليف الغافل و إلزام الجاهل إنّما هو منع فعليّة المجعول و تعلّقه بالجاهل بحيث يصير تكليفا فعليّا عليه، و هو لا يقتضي منع شمول أصل الجعل و تساوي نسبة[1]المجعول إلى كلّ مكلّف.

بل نقول: إنّ من الجائز عقلا أنّ الشارع جعل لكلّ واقعة بمقتضى الصفة الكامنة فيها حكما مشتركا يتساوى نسبته إلى كلّ مكلّف، مشروط تعلّقه- الّذي عليه مدار فعليّة الحكم الفعلي بكلّ مكلّف- بعلمه به، فمن علم به تعلّق به و من جهله لم يتعلّق به مع وجوده في الواقع باعتبار كونه مجعولا، و هذا هو معنى اختصاص الحكم الواقعي بالعالمين به لا أنّ جعله يختصّ بهم.

كيف و أنّه لا يتأتّى باعتبار الجعل إلّا بتقييد و أخذ قيد في موضوعه و الأصل ينفيه، مع أنّه خلاف مقتضى أدلّة الاشتراك في التكليف.

نعم يبقى الكلام- بعد نفي تعلّق الحكم الواقعي المتعلّق بالعالمين به بالجاهل- في أنّ قيام الأمارة بالواقعة للجاهل الناظر فيها المتأدّي اجتهاده إلى مؤدّاها هل أثّر في حدوث ذلك المؤدّى حكما واقعيّا في حقّه؟ و هل الشارع جعله بعد تأدّي اعتقاده إليه حكما واقعيّا له خاصّة أو لا؟

و هذا أيضا لم ينهض به برهان و لم يشهد له شاهد من عقل و لا نقل، فالأصل ينفيه.

منها: ما ذكره الفاضل المتقدّم من: «أنّه لو أصاب كلّ مجتهد لزم الجمع بين المتنافيين و هو قطعه بالحكم ما دام ظانّا، و الظنّ و القطع متنافيان لا يتواردان على محلّ واحد، و لا يلزم ذلك على المخطّئة لتغاير المحلّ عندهم، إذ مورد الظنّ نفس الحكم و مورد القطع وجوب البناء عليه، أو مورد الظنّ الحكم الواقعي و مورد القطع الحكم الظاهري».

و فيه: منع الملازمة على التصويب أيضا بتغاير محلّيهما على ما قدّمناه من أنّ المقطوع به إنّما هو الحكم الواقعي المتعلّق بالمكلّف و هو مصداق الوجوب مثلا بالمعنى الإنشائي المتعلّق بالمكلّف، و المظنون أحد الامور الثلاث من مفهوم الوجوب، و ما يصير حكما بجعل لاحق، و حكم العالمين به.

و منها: ما في تهذيب العلّامة من «أنّ إحدى الأمارتين إن ترجّحت على الاخرى تعيّنت للعمل و المخالف لها مخطئ، و إن لم تترجّح كان اعتقاد كلّ واحد من المجتهدين

[1]و في الأصل: «نسبته» و الصواب ما أثبتناه في المتن.


صفحه 340

..........

لرجحان أمارته خطأ.»[1]

و توضيحه: أنّ اختلاف المجتهدين في المسألة إنّما ينشأ من اختلاف الأمارتين و تعارضهما فإمّا أن تكونا من التراجيح أو من التعادل، فعلى الأوّل كان الآخذ بالأمارة المرجوحة مخطئا، لاستلزامه اعتقاد رجحان الأمارة المرجوحة و هو خلاف الواقع.

و على الثاني كان الآخذ بكلّ منهما مخطئا، لاستلزامه اعتقاد رجحان الأمارة الغير الراجحة و هو أيضا خلاف الواقع.

و فيه:- مع ابتنائه على كون المدار في الترجيح على رجحان الأمارة في نظر المجتهد بحسب نفس الأمر لا مطلقا و لعلّه موضع منع عند الخصم، فيمنع معه كون اعتقاد الرجحان في الصورتين خطأ- منع الملازمة بين خطأ ذلك الاعتقاد المتعلّق برجحان الأمارة و خطأ الاجتهاد المتعلّق بالمسألة الفرعيّة و الكلام إنّما هو فيه، فإنّ اعتقاد الرجحان في الأمارة و إن كان خلاف الواقع أوجب الظنّ بمؤدّاها و هو على مفروضهم يؤثّر في حدوث ذلك المؤدّى حكما واقعيّا للمجتهد الناظر فيها.

فدعوى كونه مخطئا إن اريد به كونه كذلك في المسألة الفرعيّة لا يخلو عن مصادرة، إلّا أن يقال: إنّ مؤثّر حدوث الحكم إنّما هو الظنّ المطابق لا مطلقا.

و يدفعه: مع أنّه غير معهود من المصوّبة، أنّ اعتبار المطابقة في الظنّ مع خلوّ الواقعة قبل اجتهاد المجتهد عن الحكم- كما عليه مبنى القول بالتصويب- غير معقول، فلا ينقسم الظنّ المستند إلى الأمارة عندهم إلى المطابق و غير المطابق، إلّا أن يلاحظ المطابقة و العدم بالقياس إلى حكم العالمين به، أو إلى ما يسمّى عند فريق منهم بالأشبه.

و يرد عليه حينئذ: أنّ اعتبار المطابقة على رأيهم يوجب استحالة التصويب فيما هو موضوع مسألة التخطئة و التصويب و هو المسائل الخلافيّة، لاستحالة مطابقة كلّ من الأمارات المتعارضة الموجودة في مسألة واحدة- الّتي يستند إليها الآراء المختلفة- لأحد الأمرين حكم العالمين أو الأمر المسمّى بالأشبه، فلا بدّ و أن يكون كلّ من الظنّ المطابق و غير المطابق مؤثّرا عندهم في حدوث حكم للظانّ فبطل اعتبار المطابقة.

و منها: ما في التهذيب أيضا من: «أنّ المكلّف إن كلّف لا على طريق كان حكما في الدين إمّا تشهّيا أو بما لا يطاق، و إن كان عن طريق فإن خلا عن المعارض تعيّن و إلّا

[1]تهذيب الوصول إلى علم الاصول: 102.


صفحه 341

..........

فالراجح، فإن عدم الرجحان فالحكم إمّا التساقط أو التخيير أو الرجوع إلى غيرهما. و على كلّ تقدير فالحكم معيّن فالمخالف له مخطئ فالمصيب واحد»[1].

و المنساق من هذا الدليل أنّه فرض التخطئة في الحكم الاصولي الّذي هو واحد على كلّ تقدير، إذ مع خلوّ الأمارة الموجودة في المسألة عن المعارض وجب العمل بها بعينها، و مع رجحانها على معارضها على تقدير وجوده وجب العمل بها أيضا كذلك، و مع التساوي فالحكم إمّا التخيير أو التساقط و الرجوع إلى الأصل، أو التوقّف و الرجوع إليه أيضا على الخلاف في مسألة تعادل الأمارتين.

و قضيّة ذلك أن يكون المخالف في جميع التقادير مخطئا.

و يشكل ذلك: بأنّ ظاهر كلماتهم اختصاص النزاع بالمسائل الفرعيّة الاجتهاديّة و خروج المسائل الاصوليّة عنه، لاتّفاق الكلّ فيها على التخطئة كما أومأنا إليه سابقا، و إن أراد من الاستدلال بيان أنّ الخطأ في الحكم الاصولي على جميع تقاديره يستلزم [الخطاء] في الحكم الفرعي المتفرّع في المسألة الفرعيّة على ذلك الحكم الاصولي.

فيدفعه: منع الملازمة بالتقريب المتقدّم، إذ المخالف إنّما يخالف الحكم الاصولي المفروض في جميع تقاديره لحكم اصولي آخر هو الراجح في نظره، فإذا صلح الأوّل منشأ لحكم فرعي صلح ذلك أيضا منشأ لحكم فرعي، فيكون كلّ منهما حكما واقعيّا لصاحبه فيكون كلّ من المجتهدين مصيبا، على أنّ المخالف إنّما يخالفه لأمارة أو أصل ترجّح في نظره العمل بها فيحدث مؤدّاهما حكما واقعيّا في حقّه، و إن كان جعل مؤدّى الأصل حكما واقعيّا لا يخلو عن إشكال بل لا وجه له.

هذا مع ما يرد على ما ذكره في الترديد الأوّل من: «أنّ المكلّف إن كلّف لا عن طريق» من أنّه لا يدري إنّ المكلّف به المفروض هل هو معرفة الحكم أو الاجتهاد؟

و الأوّل خلاف مفروض المصوّبة من خلوّ الواقعة قبل الاجتهاد عن حكم مخصوص.

و الثاني لا يلائمه تفريع الأمرين عليه من لزوم التكليف بما لا يطاق إذا كان الحكم معيّنا عند اللّه غير معيّن عند المكلّف، أو القول بالحكم في الدين لمجرّد التشهّي إذا لم يكن معيّنا عند اللّه أيضا، فإنّ الّذي يلزم على تقدير التكليف بالاجتهاد من غير طريق إنّما هو التكليف بما لا يطاق لا غير، فليتدبّر.

[1]تهذيب الوصول إلى علم الاصول: 102.


صفحه 342

[أدلّة القول بالتصويب]

..........

حجّة المصوّبة- على ما في نهاية العلّامة- كثيرة و نحن نقتصر منها على جملة يظهر بملاحظتها حال البواقي.

منها: ما ملخّصه: أنّه لو كان للّه تعالى في الواقعة المبحوث عنها حكم معيّن لكان ما أنزل اللّه هو ذلك الحكم، فيكون الحاكم بغيره عند الخطأ في الاجتهاد حاكما بغير ما أنزل اللّه فيكون فاسقا بل كافرا، لقوله تعالى:وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَو قوله أيضا:وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَو التالي باطل للإجماع على عدم كفره و لا فسقه، و المقدّم مثله.

و الجواب: أنّه لو لم يكن للّه تعالى في الواقعة المبحوث عنها حكم معيّن لكان الخطاب في الآيتين و نحوهما لغوا، إذ المفروض انتفاء حكم منزّل من اللّه فيها ليجب الحكم به و يلزم كون الحكم بغيره حكما بغير ما أنزل اللّه فلا مصداق لموضوع الآيتين، و هذا معنى ما ذكرناه من لزوم كون الخطاب لغوا، و التالي باطل و المقدّم مثله.

فإن قيل: يكفي في تحقّق مصداق للآيتين وجود الحكم المجعول للعالمين به أو حدوث الحكم للمجتهدين بعد اجتهادهم و استقرار ظنّهم من مقتضى الأمارة القائمة بالواقعة، فكلّ من الفريقين إذا أفتى بغير ما علمه من الحكم المجعول في حقّه كان حاكما بغير ما أنزل اللّه فيكون فاسقا و كافرا.

قلنا: الاعتراف بذلك نقض لأصل الاستدلال و جواب عنه، لأنّ مرجعه إلى أنّ الخطاب في الآيتين ليس مع المجتهدين قبل اجتهادهم، لعدم علمهم بالحكم المنزّل من اللّه في الواقعة ليلزم من حكمهم بغيره الفسق و الكفر، و محصّله: أنّ الظاهر المنساق منهما الحكم بالفسق و الكفر على من حكم بغير ما أنزل اللّه مع علمه بما أنزل اللّه.

هذا مع أنّ لنا أن نقول: إنّ من الحكم من اللّه[1]إنّما هو وجوب البناء على الظنّ و الأخذ بالمظنون على أنّه الواقع، و إذا حكم به المجتهد أو أفتى به لمقلّده كان حكما بما أنزل اللّه لا بغيره، و عدم الحكم بغيره على تقدير مخالفة الظنّ للواقع إنّما هو من جهة العذر و هو الجهل به فلا يكون آثما ليوجب الفسق و الكفر.

و منها: أنّه لو أخطأ المجتهد لزمه العمل بمقتضى ظنّه، و حينئذ فإمّا أن يلزمه ذلك مع بقاء الحكم الواقعي في حقّه فيلزم التكليف بالمحال أو اجتماع الضدّين و كلاهما محالان،

[1]كذا في الأصل، و الصواب: «إنّ من الحكم بما أنزل اللّه» الخ.


صفحه 343

..........

أو بدونه فيلزم أن يكون العمل بالحكم الخطأ واجبا و بالصواب حراما و هو أيضا محال.

و الجواب: أنّ معنى لزوم العمل بمقتضى الظنّ عند المخطّئة وجوب تطبيق العمل- بمعنى الحركات و السكنات الخارجيّة- على الظنّ، و الالتزام بالمظنون و ترتيب الآثار عليه على أنّه الواقع، و حينئذ فإن صادف الواقع كان المجتهد مصيبا و كشف إصابته عن تعلّق الحكم الواقعي به فلا يلزم شيء من التكليف بالمحال و لا اجتماع الضدّين و لا غيرهما، و إن لم يصادفه كان مخطئا و كشف خطائه- باعتبار الجهل الّذي هو عذر عقلي- عن عدم تعلّق الحكم الواقعي به، فلا يلزم وجوب العمل بالحكم الخطأ و حرمة العمل بالحكم الصواب، لأنّ القبيح إنّما هو إيجاب العمل بالخطإ من حيث هو خطأ و تحريم العمل بالصواب من حيث هو صواب و هاهنا لا تحريم بالنسبة إلى الصواب.

و المفروض إيجاب العمل بالمظنون الّذي هو خطأ في الواقع على أنّه هو الواقع و الصواب، لا على أنّه خلاف الواقع و من حيث إنّه خطأ و هذا ممّا لا قبح فيه ليكون محالا.

على أنّا نقول: إنّ إيجاب الشارع لم يتعلّق بالمظنون الّذي هو خطأ في الواقع بالخصوص، بل إنّما تعلّق بالمظنون الّذي قد يكون في الواقع صوابا و هو الأغلب، و قد يكون خطأ على أنّه هو الصواب و هو في نظر المجتهد الظانّ ما دام ظانّا صواب دائما، لأنّه يعتقده ظنّا حكما واقعيّا فأوجب الشارع العمل به على أنّه حكم واقعي.

و لا ريب أنّ هذا الإيجاب إذا لوحظ معه الوصول إلى مصلحة الواقع أو إلى مصلحة اخرى يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع في نفس العمل- لا الفعل المظنون حكمه في صورتي المصادفة و عدمها- حسن لا أنّه قبيح.

و بالتأمّل فيما ذكرناه يظهر ما هو الحقّ من شقّي الترديد المأخوذ في الدليل بالنسبة إلى بقاء الحكم الواقعي و عدم بقائه في حقّ المجتهد إذا أخطأ.

و توضيحه: أنّه إن اريد من بقاء الحكم الواقعي في حقّه تعلّق الحكم المجعول للواقعة به حال كونه جاهلا به نختار عدم البقاء، لأنّ جهله به عذر مانع عن تعلّقه به لئلّا يلزم التكليف بالمحال، و هذا ليس من تحريم العمل بالصواب كما هو واضح.

و إن اريد وجوده معلّقا تعلّقه به على زوال جهله به نختار البقاء من غير أن يلزم مع فرض وجوب العمل بالظنّ بالمعنى المتقدّم تكليف بالمحال و لا اجتماع الضدّين كما لا يخفى.

فإن قلت: فأيّ فائدة لجعله مع فرض عدم تعلّقه بل لا يكون إلّا لغوا.

قلت: يكفي في خروجه عن اللغويّة تعلّقه بالعالمين به، و إنّما يلزم لو فرض اختصاص