بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 342

[أدلّة القول بالتصويب]

..........

حجّة المصوّبة- على ما في نهاية العلّامة- كثيرة و نحن نقتصر منها على جملة يظهر بملاحظتها حال البواقي.

منها: ما ملخّصه: أنّه لو كان للّه تعالى في الواقعة المبحوث عنها حكم معيّن لكان ما أنزل اللّه هو ذلك الحكم، فيكون الحاكم بغيره عند الخطأ في الاجتهاد حاكما بغير ما أنزل اللّه فيكون فاسقا بل كافرا، لقوله تعالى:وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَو قوله أيضا:وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَو التالي باطل للإجماع على عدم كفره و لا فسقه، و المقدّم مثله.

و الجواب: أنّه لو لم يكن للّه تعالى في الواقعة المبحوث عنها حكم معيّن لكان الخطاب في الآيتين و نحوهما لغوا، إذ المفروض انتفاء حكم منزّل من اللّه فيها ليجب الحكم به و يلزم كون الحكم بغيره حكما بغير ما أنزل اللّه فلا مصداق لموضوع الآيتين، و هذا معنى ما ذكرناه من لزوم كون الخطاب لغوا، و التالي باطل و المقدّم مثله.

فإن قيل: يكفي في تحقّق مصداق للآيتين وجود الحكم المجعول للعالمين به أو حدوث الحكم للمجتهدين بعد اجتهادهم و استقرار ظنّهم من مقتضى الأمارة القائمة بالواقعة، فكلّ من الفريقين إذا أفتى بغير ما علمه من الحكم المجعول في حقّه كان حاكما بغير ما أنزل اللّه فيكون فاسقا و كافرا.

قلنا: الاعتراف بذلك نقض لأصل الاستدلال و جواب عنه، لأنّ مرجعه إلى أنّ الخطاب في الآيتين ليس مع المجتهدين قبل اجتهادهم، لعدم علمهم بالحكم المنزّل من اللّه في الواقعة ليلزم من حكمهم بغيره الفسق و الكفر، و محصّله: أنّ الظاهر المنساق منهما الحكم بالفسق و الكفر على من حكم بغير ما أنزل اللّه مع علمه بما أنزل اللّه.

هذا مع أنّ لنا أن نقول: إنّ من الحكم من اللّه[1]إنّما هو وجوب البناء على الظنّ و الأخذ بالمظنون على أنّه الواقع، و إذا حكم به المجتهد أو أفتى به لمقلّده كان حكما بما أنزل اللّه لا بغيره، و عدم الحكم بغيره على تقدير مخالفة الظنّ للواقع إنّما هو من جهة العذر و هو الجهل به فلا يكون آثما ليوجب الفسق و الكفر.

و منها: أنّه لو أخطأ المجتهد لزمه العمل بمقتضى ظنّه، و حينئذ فإمّا أن يلزمه ذلك مع بقاء الحكم الواقعي في حقّه فيلزم التكليف بالمحال أو اجتماع الضدّين و كلاهما محالان،

[1]كذا في الأصل، و الصواب: «إنّ من الحكم بما أنزل اللّه» الخ.


صفحه 343

..........

أو بدونه فيلزم أن يكون العمل بالحكم الخطأ واجبا و بالصواب حراما و هو أيضا محال.

و الجواب: أنّ معنى لزوم العمل بمقتضى الظنّ عند المخطّئة وجوب تطبيق العمل- بمعنى الحركات و السكنات الخارجيّة- على الظنّ، و الالتزام بالمظنون و ترتيب الآثار عليه على أنّه الواقع، و حينئذ فإن صادف الواقع كان المجتهد مصيبا و كشف إصابته عن تعلّق الحكم الواقعي به فلا يلزم شيء من التكليف بالمحال و لا اجتماع الضدّين و لا غيرهما، و إن لم يصادفه كان مخطئا و كشف خطائه- باعتبار الجهل الّذي هو عذر عقلي- عن عدم تعلّق الحكم الواقعي به، فلا يلزم وجوب العمل بالحكم الخطأ و حرمة العمل بالحكم الصواب، لأنّ القبيح إنّما هو إيجاب العمل بالخطإ من حيث هو خطأ و تحريم العمل بالصواب من حيث هو صواب و هاهنا لا تحريم بالنسبة إلى الصواب.

و المفروض إيجاب العمل بالمظنون الّذي هو خطأ في الواقع على أنّه هو الواقع و الصواب، لا على أنّه خلاف الواقع و من حيث إنّه خطأ و هذا ممّا لا قبح فيه ليكون محالا.

على أنّا نقول: إنّ إيجاب الشارع لم يتعلّق بالمظنون الّذي هو خطأ في الواقع بالخصوص، بل إنّما تعلّق بالمظنون الّذي قد يكون في الواقع صوابا و هو الأغلب، و قد يكون خطأ على أنّه هو الصواب و هو في نظر المجتهد الظانّ ما دام ظانّا صواب دائما، لأنّه يعتقده ظنّا حكما واقعيّا فأوجب الشارع العمل به على أنّه حكم واقعي.

و لا ريب أنّ هذا الإيجاب إذا لوحظ معه الوصول إلى مصلحة الواقع أو إلى مصلحة اخرى يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع في نفس العمل- لا الفعل المظنون حكمه في صورتي المصادفة و عدمها- حسن لا أنّه قبيح.

و بالتأمّل فيما ذكرناه يظهر ما هو الحقّ من شقّي الترديد المأخوذ في الدليل بالنسبة إلى بقاء الحكم الواقعي و عدم بقائه في حقّ المجتهد إذا أخطأ.

و توضيحه: أنّه إن اريد من بقاء الحكم الواقعي في حقّه تعلّق الحكم المجعول للواقعة به حال كونه جاهلا به نختار عدم البقاء، لأنّ جهله به عذر مانع عن تعلّقه به لئلّا يلزم التكليف بالمحال، و هذا ليس من تحريم العمل بالصواب كما هو واضح.

و إن اريد وجوده معلّقا تعلّقه به على زوال جهله به نختار البقاء من غير أن يلزم مع فرض وجوب العمل بالظنّ بالمعنى المتقدّم تكليف بالمحال و لا اجتماع الضدّين كما لا يخفى.

فإن قلت: فأيّ فائدة لجعله مع فرض عدم تعلّقه بل لا يكون إلّا لغوا.

قلت: يكفي في خروجه عن اللغويّة تعلّقه بالعالمين به، و إنّما يلزم لو فرض اختصاص


صفحه 344

[ثمرات البحث عن التخطئة و التصويب]

فلا أرى للبحث في ذلك بعد الحكم بعدم التأثيم كثير طائل*. فلا جرم كان ترك الاشتغال بتقرير حججهم على ما فيها من الإشكال أوفق بمقتضى الحال.

جعله بالجاهلين لا إذا فرض بحيث يشترك فيه العالم و الجاهل و يتساوى نسبته إلى الجميع مع اشتراط فعليّته و تعلّقه بالعلم بذلك المجعول.

و منها: أنّ الإجماع منعقد على أنّ المجتهد مأمور بالعمل على وفق ظنّه، و لا نعني بحكم اللّه تعالى إلّا ما أمر بالعمل به، فإذا كان مأمورا بالعمل بمقتضى ظنّه و عمل به كان مصيبا للقطع على أنّه عمل بما أمره اللّه تعالى به، فكلّ مجتهد مصيب. و يظهر الجواب عنه بالتأمّل في الجواب عن سابقه.

و توضيحه: أنّ المسلّم إنّما هو الإجماع على أنّ المجتهد مأمور بالعمل بمقتضى ظنّه على أنّه الحكم الواقعي المجعول في الواقعة مع قطع النظر عن الاجتهاد، و هذا بمجرّده لا يستلزم كونه مصيبا و إنّما يصير مصيبا إذا صادف ظنّه الواقع لا مطلقا.

و الحاصل: أنّ مجرّد الأمر بالعمل على مقتضى الظنّ أعمّ من الإصابة و عدمها.

و إن شئت قلت: إنّ هذا الأمر أمر ظاهري و العمل به في صورة عدم مصادفة الظنّ للواقع ليس من الإصابة بالمعنى المتنازع فيه و إلّا عاد النزاع لفظيّا كما لا يخفى.

و منها: قوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»[1]فإنّه لو كان بعضهم مخطئا لما حصل الهدى في متابعته إذ العمل بغير حكمه تعالى ضلال.

و الجواب أوّلا: منع سند الحديث، بل هو يشبه بكونه من موضوعات المخالفين المعاندين للحجّة المنصوبة في تصرّفاته فتوى و حكومة.

و ثانيا: منع كون أصحابه مجتهدين بل هم كانوا يتلقّون الأحكام عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)فكانوا عالمين بها، فكون الاقتداء بهم اهتداء إنّما هو باعتبار ما لزمه من الوصول إلى الأحكام الواقعيّة.

و ثالثا: أنّ متابعة المجتهد في الحكم الظاهري أيضا نوع من الهدى، و كونه عملا بغير حكم اللّه واضح الدفع بأنّ الأحكام الظاهريّة في موضوعاتها أيضا أحكام اللّه تعالى.

(1) ظاهره أنّه لو لا حكمهم بعدم التأثيم على التخطئة أيضا الّذي هو في معنى الإجماع

[1]لا يوجد هذا الحديث في مجامعنا الروائيّة، و انما أوردوها العامّة في كتبهم عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و هو يشبه بكونه من موضوعات المخالفين كما نبّه عليه الماتن(قدّس سرّه).


صفحه 345

..........

عليه كانت الفائدة المترتّبة على القولين في المسألة هو الإثم و عدمه و ليس للنزاع فيها ما عدا ذلك ثمرة معتدّ بها في الفروع و لا في غيرها، و هذه الفائدة أيضا منتفية بالإجماع على العدم.

و قضيّة هذا كلّه أن لا يكون للبحث فيها كثير طائل، لكنّ الشهيد الثاني في تمهيد القواعد- على ما حكي عنه- ذكر للمسألة فروعا:

منها: أنّ المجتهد في القبلة إذا ظهر خطائه هل يجب عليه الإعادة أو القضاء أو لا؟

وجهان مبنيّان على القولين، فعلى التخطئة يجب الإعادة في الوقت و القضاء في خارجه، و على التصويب لا يجب لحصول أداء المأمور به الواقعي.

و منها: ما لو صلّى من يرى وجوب السورة أو التسليم في الصلاة- باجتهاد أو تقليد- خلف من لا يرى وجوبهما و لم يفعله، ففي صحّة الائتمام و عدمه وجهان مترتّبان على القولين، نظرا إلى أنّ من شروط صحّة صلاة المأموم صحّة صلاة الإمام و هي على التصويب صحيحة بخلافه على التخطئة.

و منها: إنفاذ مجتهد حكم مجتهد آخر يخالفه في مأخذ الحكم، كما إذا رأى كفاية الشهادة العمليّة أو شاهد و يمين في تماميّة البيّنة أو استماع شاهد الفرع مع عدم تعذّر شاهد الأصل و المجتهد الأوّل لا يرى شيئا من ذلك، ففي جوازه أيضا وجهان مترتّبان على القولين.

و في الكلّ نظر.

أمّا الأوّل: فلخروج الاجتهاد في الموضوعات و الأحكام الجزئيّة عن موضوع المسألة و اختصاص النزاع بالمجتهد في الأحكام على ما بيّنّاه سابقا، مع أنّ أئمّتنا المعصومين(سلام اللّه عليهم أجمعين)قد بيّنوا لنا المخلص في خصوص الاشتباه في القبلة على ما استفيد من أخبارهم من التفصيل بين ما لو كان الاشتباه فيما بين المشرق أو المغرب فلا إعادة و لا قضاء، أو في نفس المشرق أو المغرب فعليه الإعادة مع بقاء الوقت و مع خروجه لا قضاء، أو في دبر القبلة فعليه الإعادة في الوقت و القضاء في خارجه كما هو الأقوى من أقوال المسألة، فلا حاجة معه إلى النظر في مسألة التخطئة و التصويب، مع أنّ جعل ما ذكر من فروع مسألة الإجزاء أولى من جعله من فروع هذه المسألة.

و أمّا الثاني: فلعدم الفرق بين القولين في عدم صحّة الائتمام، أمّا على التخطئة فواضح، و أمّا على التصويب فلأنّ الشرط في صحّة الائتمام إنّما هو صحّة صلاة الإمام عند المأموم في


صفحه 346

..........

مذهبه و لا يكفي صحّتها في مذهب الإمام فقط، و ضابط الصحّة عند المأموم أن يكون صحّة صلاة الإمام منوطة بكيفيّة لو صلّاها المأموم بانفراده بهذه الكيفيّة كانت مجزئة عنه، و مفروض المقام ليس كذلك.

و أمّا الثالث: فلعدم الفرق أيضا بين القولين في جواز إنفاذ الحكم المذكور، فإنّه إجماعيّ حتّى على التخطئة ما لم يعلم بطلان الحكم أو مخالفته الدليل القطعي.

فالإنصاف: أنّ المسألة لا تثمر في المسائل الفرعيّة شيئا يعتدّ به.

نعم ربّما يذهب إلى الوهم ظهور فائدتها في جعل الأمارت الّذي يندرج في مسائل الاصول، إذ على القول بالتصويب يتّجه القول بالجعل الموضوعي بخلافه على القول بالتخطئة.

و فيه أيضا: أنّ الظاهر ابتناء هذه المسألة على مسألة الجعل لا العكس كما يعلم بالتأمّل.

- تعليقة- [في وجوب تجديد النظر و عدمه]

المشهور بين الاصوليّين من أصحابنا و العامّة- كما أومأ إليه بعض الأفاضل ناقلا لحكايته- أنّه يجوز للمجتهد في عمل نفسه بالحكم الثابت بالاجتهاد و إفتائه لغيره ممّن استفتاه بذلك الحكم البناء على اجتهاده السابق عند تجدّد الواقعة الّتي اجتهد في حكمها، فلا يجب عليه تجديد النظر و تكرير الاجتهاد مطلقا ما لم يتغيّر اجتهاده الأوّل أو لم ينس الحكم الحاصل بذلك الاجتهاد.

و قيل: بوجوب تجديد النظر عليه مطلقا.

و قيل: بالتفصيل بين نسيان دليل المسألة فيجب عليه تجديد النظر و تكرير الاجتهاد، و عدمه فلا يجب، ذهب إليه المحقّق.

و عن النهاية نسبته إلى قوم، و حكى القول به عن الإمام و الآمدي.

و في كلام بعض الأفاضل نسبته إلى السيّد العميدي و إلى العلّامة في قواعده أنّه تفصيل حسن يقرب من قواعدهم الفقهيّة.

و في الأوّل نظر، لأنّه على ما وجدناه من عبارته نسب القول بعدم جواز الفتوى مع نسيان الدليل إلى قوم و عقّبه بنقل القول بالجواز و لم يرجّح شيئا.

و هاهنا تفصيل آخر بين ما إذا قويت قوّته في الاستنباط لكثرة الممارسة و الاطّلاع


صفحه 347

..........

على وجوه الأدلّة و دلالالتها فيجب و عدمها فلا يجب، و عزى نفي البعد عنه إلى الزبدة و الميل إليه إلى الفاضل الجواد في شرحها.

و هذه المسألة ممّا عنونه المصنّف في عداد شرائط المفتي من حيث إفتائه حيث عبّر عنها فيما يأتي بقوله: «ذهب العلّامة في التهذيب إلى جواز بناء المجتهد في الفتوى بالحكم على الاجتهاد السابق، و منع من ذلك المحقّق فعدّ في شرائط تسويغ الفتوى أن يكون المفتي بحيث إذا سئل عن لمّية الحكم في كلّ واقعة يفتى بها أتى به و بجميع اصوله الّتي يبنى عليها» إلى آخره.

و لكنّ الأنسب كما صنعه جماعة إيرادها في أحكام الاجتهاد بل المجتهد من حيث عمل نفسه و إفتائه لغيره، لوضوح اشتراك الجهة النافية لوجوب تجديد النظر و المقتضية لوجوبه بينهما و عدم تعقّل اختصاصها بمقام الإفتاء.

و أوضح ما يكشف عن اشتراك الجهة ما استند إليه القائل بوجوب تجديد النظر مطلقا ممّا يرجع إلى فقد المقتضي لجواز الإفتاء من دون تجديد [النظر] و هو ارتفاع ظنّه و عدم بقائه، نظرا إلى احتمال تغيّر اجتهاده بعد تجديد نظره كما يكثر وقوعه في المسائل الظنّية.

و قد يتمسّك له بما يرجع إلى وجود المانع و هو عموم الأدلّة الدالّة بإطلاقها على المنع من العمل بالظنّ، خرج منه ظنّ من جدّد نظره و كرّر اجتهاده بالإجماع و بقي الباقي تحته و منه ظنّ من لم يجدّد النظر.

و هذان الوجهان على تقدير تماميّتهما يوجبان المنع من البناء على الاجتهاد السابق بالقياس إلى العمل و الإفتاء معا و تساوي نسبتهما في اقتضاء المنع و عدمه إليهما.

و من هنا ربّما أمكن أن يقال: إنّ مرجع النزاع في المسألة إلى اشتراط حجّية الاجتهاد بتكرّره و تجديد النظر فيه و عدمه، كما أنّ بذلك يعلم أن ليس المراد من الوجوب المأخوذ في عنوان المسألة نفيا و إثباتا هو الوجوب الشرعي التكليفي بل الوجوب الشرطي، على معنى كون تجديد النظر و تكرّر الاجتهاد شرطا في جواز العمل و الإفتاء بالحكم المستنبط من الأدلّة بالاجتهاد.

و لكن يبقى الإشكال في وجه تخصيص هذا الحكم عند القائلين به مطلقا أو في الجملة بالوقائع المتجدّدة و عدم الالتزام به في الواقعة الاولى على ما يستفاد من كلام جماعة، و عليه مبنى جوابهم بطريق النقض عن استدلال القائل بوجوب التجديد مطلقا


صفحه 348

..........

باحتمال تغيّر الاجتهاد بعد تجديد النظر فنقض بقيام هذا الاحتمال قبل إفتائه في الواقعة الاولى أيضا، فلو صحّ ما ذكر لزم تكرار النظر بالنسبة إليها أيضا و هو باطل كما في كلام بعض الأفاضل[1]و عن العضدي أيضا حكاه السيّد في مفاتيحه.

ثمّ قال: «و قد أشار إلى هذا الجواب في النهاية و شرح الجواد على الزبدة» بل الفاضل المتقدّم استظهر من ملاحظة كلماتهم الاتّفاق على بطلان اللازم بعد ما نسب التنصيص عليه إلى العضدي، و عبارته- على ما حكاها السيّد في المفاتيح عند نقله الجواب عن الاستدلال المذكور عنه-: «أنّه لو كان السبب في وجوب تكراره احتمال تغيّر الاجتهاد لوجب أبدا، لأنّ التغيّر يحتمل أبدا و لم يتقيّد بوقت تكرار الواقعة و ذلك باطل بالاتّفاق» انتهى.

[أدلّة القول بعدم وجوب تجديد النظر]

و كيف كان فالأقوى بل الحقّ الّذي لا محيص عنه هو عدم وجوب تجديد النظر مطلقا.

لنا: أنّ وجوب التجديد إن اريد به الوجوب التكليفي النفسي الّذي يعاقب على مخالفته من حيث هو مخالفته فالأصل براءة الذمّة عنه و عن العقاب المحتمل ترتّبه على تركه، لعدم قيام دليل عليه من عقل أو نقل، و ما اعتمد عليه الخصم- إن صحّحناه- لا يفيد ذلك كما عرفت.

و إن اريد به الوجوب التكليفي الغيري على معنى مطلوبيّة تجديد النظر حتما على أنّه مقدّمة لتحصيل ما يوجب العمل به و تطبيق الحركات و السكنات الخارجيّة عليه للخروج عن عهدة الأحكام الواقعيّة المعلومة بالإجمال إمّا لاتّفاق امتثالها أو لحصول المسقط لها، بناء على أنّ موافقة الحكم الظاهري إمّا امتثال للحكم الواقعي في صورة المطابقة أو مسقطة له عن الذمّة على تقدير عدم المطابقة لمن لم ينكشف عنده ذلك.

ففيه: منع مقدميّة تجديد النظر و تكرير الاجتهاد لتحصيل الحكم الظاهري، بل المسلّم ممّا ثبت كونه مقدّمة بالعقل بل الإجماع إنّما هو الاجتهاد الأوّل و إلّا لم يكن الحكم الثابت به حكما ظاهريّا و التالي باطل، و لذا كان العمل عليه و الإفتاء به جائزا.

و دعوى اختصاصه بالواقعة الاولى و عدم تناوله للوقائع المتجدّدة.

يدفعها: أنّ مدرك المسألة من الدليل أو الأصل إنّما أفاد أصل الحكم لكلّي موضوعها، الّذي يتساوى نسبته إلى جزئيّاته الّتي هي الوقائع من دون اختصاص له بواقعة دون اخرى، لا بطريق التخصيص و لا بطريق التخصّص.

و المفروض أنّ دليل حجّية ذلك الدليل أو اعتبار هذا الأصل من العقل و النقل بل

[1]هداية المسترشدين 3: 701.


صفحه 349

..........

الإجماع أيضا إنّما أفاد كون مؤدّاهما حكما ظاهريّا يجب بناء العمل عليه و الإفتاء به على الوجه الكلّي من دون نظر فيه إلى واقعة دون اخرى.

و المفروض أيضا أنّه لم يطرأه من الامور الوجوديّة و لا العدميّة ما يوجب زوال وصف الظاهريّة عنه، حتّى أنّه لو فرض طروّ نسيان الدليل أو زيادة قوّة الاستنباط لم يكن له تأثير في زوال الوصف، لأنّ المعتبر في الحكم الظاهري وجود الدليل و علمه باستناد ثبوته إليه باجتهاده لا تذكّره و العلم به بعينه عند كلّ واقعة، و زيادة القوّة محتملة للتأكيد و التأسيس فلا تنهض رافعة للوصف و لو بحكم الاستصحاب، كيف و هي في حقّ المشتغل الغير التارك تتزايد يوما فيوما و تتكامل حينا بعد حين، فلو كانت له مدخليّة في الوصف وجودا و عدما لوجب التجديد و تكرير الاجتهاد مدّة العمر.

و هذا مع أنّه ممّا لم يقل به أحد يستلزم من العسر و الحرج ما لا يتحمّل عادة.

و إن اريد به الوجوب الوضعي الّذي يعبّر عنه بالوجوب الشرطي بالمعنى المتقدّم.

ففيه: أنّ الشرطيّة ممّا لا دليل عليه و الأصل عدمها، مع أنّ شرطيّة تكرير الاجتهاد ليس له معنى محصّل إلّا كون المجموع من الاجتهاد الأوّل و الاجتهاد الثاني علّة مركّبة للحكم الظاهري الّذي يجوز العمل و الإفتاء به، و هذا خلاف مقتضى مدرك المسألة من دليل أو أصل، و خلاف مقتضى دليل حجّية ذلك المدرك أو اعتباره، فليتدبّر.

حجّة القول المختار عدا ما بيّنّاه على ما عثرنا عليه محصّلا و محكيّا امور:

أحدها: استصحاب الحكم السابق الثابت بالاجتهاد الأوّل، فإنّه يقتضي جواز العمل و الإفتاء به عند كلّ واقعة.

و هذا بظاهره حسن إلّا أنّه قد يناقش فيه: بأنّ الاستصحاب إنّما يكون حجّة عند عدم قيام دليل شرعي على خلافه و لو ظاهر عموم أو إطلاق.

و لا ريب أنّ قضيّة العمومات و الإطلاقات المانعة من العمل بالظنّ هو عدم جواز الأخذ به في شيء من الأحوال و الأزمان، خرج من ذلك ظنّ المجتهد المطلق حال الابتلاء بالواقعة الاولى عقيب الاجتهاد بالإجماع، و أمّا ظنّه حال الابتلاء بالوقائع المتجدّدة فممّا لا إجماع على خروجه، فقضيّة أصالة العموم أو الإطلاق بالقياس إليه هو المنع من الأخذ به، و هذا كما ترى أصل لفظي لا مجرى معه للاستصحاب.

و إن شئت قلت: إنّ مرجع ذلك إلى التمسّك بالعموم الأحوالي المنساق من الأدلّة