..........
إليه عند المناقشة في الاستصحاب.
و لكن يمكن الذبّ عنه: بأنّ هذا إنّما يتوجّه أن لو كان المخرج لظنّ المجتهد المخصّص للعمومات منحصرا في الإجماع و ليس كذلك، بل العمدة من مخرجه إنّما هو العقل بملاحظة مقدّمات دليل الانسداد، فإنّه بملاحظة تعذّر العلم تفصيلا و سقوط اعتبار العلم إجمالا يلزم المكلّف- مجتهدا و مقلّدا- بالأخذ بما هو أقرب إلى العلم و إلى إصابة الواقع، و ليس إلّا الظنّ الناشئ من الأدلّة الاجتهاديّة المتعارفة.
و لا ريب أنّ العقل في إلزامه بذلك و حكمه بكون ما ظنّه المجتهد حكما فعليّا لا نظر له إلى خصوصيّات الوقائع بل يحكم به على الوجه الكلّي، و المفروض أنّ مدرك المسألة من دليل أو أصل إنّما أفاد مؤدّاه لموضوع المسألة على الوجه الكلّي المتساوي نسبته إلى جزئيّاته، و دليل حجّية ذلك المدرك أو اعتباره أفاد الحجّية و الاعتبار على الوجه الكلّي.
و اللازم من ذلك كلّه خروج ظنّ المجتهد من أدلّة المنع بجميع أحواله.
و لو سلّم كون حكم العقل على وجه القضيّة المهملة بالقياس إلى أحوال ظنّ أو أزمان العمل عليه و الإفتاء به، فيكفي في جعله من باب المحصورة الكلّيّة قاعدة نفي العسر و الحرج.
حجّة القول بوجوب التجديد عند نسيان دليل المسألة
أمران:
أحدهما: العمومات المانعة من الأخذ بالظنّ، خرج منها صورة تذكّر الدليل لما دلّ على حجّية ذلك الدليل و وجوب الأخذ بمقتضاه و يبقى الباقي تحتها.
و ثانيهما: أنّ من لم يذكر دليل المسألة لم يكن حكمه فيها مستندا إلى الدليل فيكون محظورا لوضوح حرمة الحكم من غير دليل.
و فيهما معا: أنّ قضيّة دليل حجّية الأدلّة الاجتهاديّة اعتبار وجود دليل في كلّ مسألة و استناد ظنّ المجتهد و حكمه إلى ذلك الدليل الموجود باجتهاده في الواقع تذكّره أو لا، من غير فرق بين ما لو قلنا بحجّية ذلك الدليل على وجه الطريقيّة أو الموضوعيّة.
و لا ريب في خروج الحكم المفروض على التقدير المذكور من عنوان الحكم من غير دليل، لعدم مدخليّة تذكّر الدليل في نظر العقل و العرف في صدق قضيّة استناد الحكم في المسألة إلى الدليل كما هو واضح.
حجّة القول بوجوب التجديد مع ازدياد قوّة الاستنباط
أمران:
أحدهما: أنّ ازدياد القوّة بسبب كثرة الممارسة يوجب قوّة احتمال اطّلاعه على ما لم
..........
يطّلع عليه في الاجتهاد الأوّل فلا يبقى له ظنّ بصحّة ما حكم به أوّلا.
و ثانيهما: أنّ ظنّ صاحب القوّة القويّة أقرب إلى إصابة الواقع من غيره، و لذا يقدّم الأفضل على المفضول في التقليد، فيكون المتّبع ظنّه الحاصل من الاجتهاد الثاني فلا بدّ لتحصيله من ذلك الاجتهاد.
و قد يجاب عن الأوّل: بدفع احتمال الاطّلاع بأصالة عدمه.
و الأولى أن يجاب: بمنع مصادمة الاحتمال المذكور بالظنّ السابق، مع أنّه عبارة اخرى لاحتمال وجود المعارض الّذي لا مدخل في قيامه لازدياد القوّة، مع عدم مصادمته للظنّ الحاصل بالاجتهاد، و إن صحّ الفرض في بعض الأحيان فلا كلام.
و الجواب عن الثاني: بأنّ وجوب الأخذ بالظنّ الأقرب إنّما يسلّم في الظنّ الفعلي المخالف لغيره، و حصول ظنّ مخالف للظنّ الأوّل بالاجتهاد الثاني غير معلوم، و مجرّد احتماله لا يؤثّر في وجوب اجتهاد آخر بعد سقوط التكليف به بالاجتهاد الأوّل، و بالتأمّل في ذلك يظهر بطلان المقايسة على تقديم الأفضل في التقليد، فإنّه إنّما يسلّم في موضع العلم بمخالفة المفضول للأفضل في الرأي لا مطلقا.
و ينبغي التنبيه على امور:
أحدها: أنّ الاجتهاد في الموضوعات حيثما كان مشروعا كالاجتهاد في الأحكام في عدم وجوب التكرير فيه عند تجدّد الواقعة،
كما إذا اجتهد في طلب القبلة لصلاة فحضرت اخرى، أو في طلب الماء للتيمّم مرّة لصلاة أيضا فحضرت اخرى أو غير ذلك، للأصل و استصحاب الآثار المترتّب على الموضوع المحرز بالاجتهاد الأوّل إلّا أن يقوم عليه دليل في خصوص مورد، و النظر في وجوده و العدم في خصوص الموارد من وظيفة الفقيه، و الظاهر عدم ابتناء وجوبه فيها على القول بوجوب تجديد النظر في الأحكام- و إن كان قد يحكى القول بوجوبه هنا على القول بوجوبه ثمّة، و عدم وجوبه هنا على القول بعدم وجوبه ثمّة- لوضوح منع الملازمة كما نصّ عليه بعض الأفاضل[1].
ثانيها: لا ينبغي التأمّل في جواز تجديد النظر و تكرير الاجتهاد في المسائل المجتهد فيها
و لو مرارا على القول المختار- من عدم وجوبه- للأصل و عدم دليل على المنع بل الظاهر أنّه موضع وفاق، بل عن النهاية و شرح الزبدة للفاضل الجواد دعوى الإجماع عليه.
[1]هداية المسترشدين 3: 705.
..........
نعم لو وجب الاجتهاد في باقي المسائل الغير المجتهد فيها لم يجز التكرار في المسائل المجتهد فيها إلّا بعد الفراغ من الاجتهاد في باقي المسائل، و لو كان هناك مسائل لم يجتهد فيها مع عدم قيام المقتضي لوجوبه فيها فعلا من جهة عدم تحقّق الابتلاء بها بالفعل فالظاهر جواز الأمرين من تكرير الاجتهاد فيما اجتهد فيه و ابتداء الاجتهاد فيما لم يجتهد فيه.
و لا يبعد القول بكون الثاني أرجح توطئة و تمهيدا لرفع الحاجة المحتمل طروّها فيما بعد، لاحتمال حصول الابتلاء بها لأحد من المكلّفين.
و في المفاتيح أيضا احتمال ترجيحه، نظرا إلى إطلاق كلامهم في الحكم بوجوب الاجتهاد في باقي المسائل.
ثالثها: إذا جدّد النظر و اجتهد ثانيا فإن وافق اجتهاده الأوّل فلا كلام،
و إن أدّى اجتهاده هذا إلى خلاف ما أفتى به أوّلا وجب عليه الرجوع إلى مقتضى اجتهاده الثاني و الأخذ به بلا خلاف، و يجب على مقلّده أيضا إذا عرف منه الرجوع العدول عن تقليده في فتواه الاولى بلا خلاف أيضا، بل عن شرح المبادئ الإجماع على الحكم في المقامين.
ثمّ إنّ المقلّد على الخيار بين العدول إلى مجتهد آخر موافق لذلك المجتهد في فتواه الاولى- و مرجعه إلى البقاء على الالتزام بتلك الفتوى لكن بتقليد آخر- و العدول إلى مجتهد آخر أيضا موافق لهذا المجتهد في فتواه الثانية المرجوع إليها، و العدول إلى الفتوى الثاني لذلك المجتهد.
و بالجملة المقلّد مخيّر بين ثلاث خصال، و لم يتعيّن عليه العدول إلى الفتوى الثانية الّذي مرجعه إلى البقاء على تقليد ذلك المجتهد في فتواه الثانية، و لعلّه على ما بيّنّاه من التخيير بين الصور الثلاث ينطبق ما عن شرح المبادئ المدّعى عليه الإجماع المتقدّم إليه الإشارة، قائلا: «إذا اجتهد في مسألة فأدّاه اجتهاده إلى حكم ثمّ اجتهد ثانيا في تلك المسألة فأدّاه اجتهاده إلى غير ذلك الحكم فإنّه يجب عليه الرجوع إلى ما أدّاه اجتهاده ثانيا إليه إجماعا، و يجب على المستفتي العمل بما أدّاه إليه اجتهاده ثانيا أو الرجوع عن الأوّل إجماعا».
و في بعض النسخ: «و الرجوع عن الأوّل» و عليه فظاهر عبارته لا يخلو عن مناقشة، حيث أفاد تعيّن الأخذ عليه بفتواه الثانية كما فهمه بعض الأفاضل، و لكنّ الخطب فيه سهل بعد وضوح الحكم و ظهور حقيقة المراد من العبارة و إن قصر ظاهرها عن إفادته.
..........
ثمّ الظاهر بالنظر إلى إطلاق ما تقدّم من الإجماع المنقول عدم الفرق في وجوب عدول المقلّد إلى الفتوى الثانية بين ما لو كان رجوع المجتهد إليها على سبيل القطع أو على سبيل الظنّ، بل ينبغي القطع بذلك لبطلان الفتوى الاولى و خروجها عن كونها حكما فعليّا بالرجوع فلا يجوز البقاء عليها مطلقا، خلافا لكاشف الغطاء فجعل العدول في الثاني أقوى مؤذنا بأنّ فيه وجها لعدم العدول، قائلا- على ما حكي-: «و إن علم عدوله عن حكم مخصوص بطريق علمي عدل عمّا كان عليه أوّلا إلى ما صار إليه أخيرا، و إن كان ظنّيا كان الأقوى ذلك أيضا» انتهى.
و في كلام بعض الأفاضل- بعد المناقشة فيه بنحو ما ذكرناه-: «فالوجه المقابل للأقوى ضعيف جدّا».
و هل يجب على المفتي بعد رجوعه إعلام من قلّده برجوعه إذا كان غافلا أو غير عالم به؟ وجهان بل قولان عزى أوّلهما إلى ظاهر العلّامة في غير واحد من كتبه.
و ثانيهما إلى ظاهر المحقّق و العميدي، حيث إنّ الأوّل جعل التعريف أولى و الثاني جعله أليق.
و المنقول من حجّة القول الأوّل وجهان:
أحدهما: أنّ المقلّد إنّما عمل في المسألة بقول المفتي و المفروض رجوعه عنه فلو استمرّ لبقي عاملا من غير دليل و لا فتوى مفت.
و فيه- بعد ملاحظة استناد عمل المقلّد في ابتدائه إلى فتوى المفتي، و في الاستمرار عليه إلى الاستصحاب و أصالة عدم الرجوع كما هو الحال فيما لو شكّ المقلّد في رجوع المفتي- منع واضح مع فرض كون نحو هذا الاستصحاب حجّة في حقّه.
و ثانيهما: ما روي عن ابن مسعود أنّه كان يقول باشتراط الدخول في تحريم أمّ الزوجة فلقى أصحاب رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و ذاكرهم فكرهوا، فرجع ابن مسعود إلى من أفتاه بذلك، قال: سألت أصحابي فكرهوا.
و فيه أوّلا: منع أصل الحكاية لبلوغها بواسطة نقل الآحاد.
و ثانيا: منع حجّية فعل ابن مسعود.
و ثالثا: منع دلالته على الوجوب، لجواز ابتنائه على ضرب من الاستحباب أو مطلق الرجحان.
[تعليقة: في التقليد]
أصل و التقليد (1)
و رابعا: جواز كون فتواه أوّلا من باب الإفتاء من غير علم، كما يشعر به قوله: «سألت أصحابي فكرهوا».
و لا ريب في وجود الردع في مثل ذلك لقبح الإضلال و الإغراء بالجهل.
و قد يستدلّ أيضا بقوله تعالى:وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْو قوله: والَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰو قوله:وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ.
و بأنّ في ترك إعلام المقلّد إغراء بالجهل.
و في الكلّ منع واضح بعد ملاحظة اعتماد المقلّد على طريقة الاستصحاب، أمّا الأخير فواضح، و أمّا الآيات فلاختصاصها بمن ليس له طريق شرعي أصلا أو انصرافها إليه، و عليه فالأصل السليم عن معارضة الدليل عدم وجوب الإعلام.
و يؤيّده لزوم الضيق و الحرج في بعض الأحيان من وجوب الإعلام سيّما مع تشتّت المقلّدين و انتشارهم في البلدان، و ما ادّعي من ظاهر السيرة المستمرّة الجارية بين العلماء لشيوع تجدّد الآراء و عدم معهوديّة تعرّضهم الإعلام على وجه الالتزام، مع أنّه قد يوجب ارتفاع وثوق العامّة عن الخاصّة و يبعث على فتح باب الكلام من أهل الجهالة و العناد على الشريعة المبتنية على طريقة الاجتهاد.
فالأقوى حينئذ عدم الوجوب، و إن كان الإعلام حيث يمكن أحوط و أقرب إلى طريق النجاة.
و من الفضلاء من قال: «و لو قيل بالفرق بين ما لو قطع بالبطلان فيجب الإعلام بقدر الإمكان و بين ما إذا لم يقطع به فلا يجب كان قريبا» انتهى.
و سنورد بعض الكلام في ذلك أيضا في مباحث شرائط التقليد المعتبرة فيه من حيث المسألة المقلّد فيها.
(1) كون التقليد في الأصل تفعيلا من القلادة يعطي كونه لغة لخصوص جعل القلادة في العنق، يقال: قلّدته قلادة أي جعلتها في عنقه، لكنّ الاستعمالات الدائرة في العرف و الواردة في كتب اللغة ترشد إلى كونه لجعل مطلق الشيء في العنق و الرقبة، و منه: تقليد الهدي، و قلّدته السيف، و قلّدته الدعاء أو الزيارة، و قلّده القضاء- كما في كلام الفقهاء- لو قلّد المفضول القضاء.
..........
و ما في حديث الخلافة: «فقلّدها رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)عليّا(عليه السلام)» أي جعلها في رقبته، و كأنّه بحسب الاستعمال استعارة فيه باعتبار المادّة، لكون ما يجعل في العنق و الرقبة لازما له، كلزوم القلادة له، كما ربّما يومئ إليه كلام الفيّومي في المصباح المنير قال: «و تقليد العامل توليته كأنّه جعل قلادة في عنقه» و لعلّه إنّما يسمّى المعنى العرفي الّذي ستعرفه تقليدا لأنّ المقلّد بالتزامه لفتوى المجتهد في كلّ مسألة يجعلها كالقلادة في عنقه، أو لأنّه لتعويله في امتثال أحكام اللّه تعالى على قول المجتهد بجعلها كالقلادة في عنق ذلك المجتهد، فلو قلت: قلّدت المجتهد مريدا به المعنى اللغوي أمكن كون تقديره: جعلت فتاويه قلادة على عنقي، أو جعلت أحكامي قلادة على عنقه.
ثمّ الظاهر أنّ تعديته إلى مفعولين- كما ظهر في الأمثلة المذكورة- ليست لمجرّد التضعيف و نقل مجرّده إلى باب التفعيل كما قد يتوهّم، لعدم كون مجرّده من المعاني الحدثيّة فضلا عن تعدّيه بنفسه إلى مفعول واحد، بل لضرب من التضمين على حدّ الأفعال الغير المتعدّية بأنفسها إلى مفعولين الّتي يضمّن في مفاهيمها معنى ما يتعدّى من الأفعال إليهما كالجعل و الإعطاء و ما يقرب منهما، و قد يجعل من هذا الباب البيع و الإجارة و الهبة و الرهن و غيره حيث تقع متعدّية إلى مفعولين مع عدم اقتضاء شيء منها بحسب وضعه و مفهومه اللغوي التعدّي إليهما، و ليس هذا إلّا من جهة تضمين معنى الإعطاء في مفاهيمها.
فحاصل معنى «بعتك داري أو آجرتك إيّاها أو وهبتها أو رهنتك إيّاها»: أعطيتك داري على وجه البيعيّة أو الإجارة أو على جهة الهبة أو الرهن، فمفاهيم هذه الأفعال بأنفسها وجوه و جهات للإعطاء، فإنّ إعطاء شيء شيئا له وجوه و جهات فقد يتحقّق على وجه البيعيّة، و قد يحصل على جهة الإجارة، و قد يتأتّى بعنوان الهبة و هكذا.
و لو قلت: «أعطيته جبّة» كان مدلوله الإعطاء المطلق من دون تنبيه على وجهه و عنوانه.
و لعلّ من جملة وجوهه كون المعطى الّذي هو المفعول الثاني قلادة على عنق المعطى له الّذي هو المفعول الأوّل، و يعبّر عنه بهذا الوجه و العنوان بالتقليد. فمعنى «قلّده القضاء» أعطاه القضاء على وجه يكون قلادة في عنقه لازما على رقبته، و كذا معنى قوله(عليه السلام): «قلّد الخلافة عليّا»، و حيث إنّ الإعطاء يرد في الاستعمالات تارة بحذف مفعوله الأوّل و اخرى بحذف مفعوله الثاني و ثالثة بذكر مفعوليه فكذا ما تضمّنه، «فقلّده القضاء» من باب ذكر المفعولين «و قلّدت البعير» من باب حذف المفعول الثاني، و «قلّدت السيف» من باب حذف
[معنى التقليد لغة و عرفا]
هو العمل بقول الغير من غير حجّة (1)
المفعول الأوّل، و «قلّدت المجتهد» من محتمل الوجهين، لكنّ الأظهر كون التقليد ما ضمن في مفهومه معنى الجعل، فليتدبّر.
(1) هذا هو معناه العرفي الفقهائي بل المتشرّعي، و أخذ العمل في تعريفه كما صنعه جماعة.
و في تعريف غير واحد التعبير ب«الأخذ» مكان العمل.
و في كلام آخرين التعبير بالقبول، و هو الأمر النفساني و العقد القلبي الّذي يعبّر عنه بالالتزام بالشيء.
و الظاهر أنّ هذا مجرّد تغيير في العبارة و اختلاف في التعبير فالمعنى العرفي واحد عنه الجميع لا أنّه اختلاف في المعنى لتكون المسألة خلافيّة، بدليل أنّهم في شرح هذه التعريفات يعبّرون بكلّ من هذه الألفاظ مكان الآخر، بل في شرح ما أخذ فيه «العمل» يعبّر عنه تارة بالأخذ كما في كلام المصنّف و غيره، و اخرى بالقبول كما في محكيّ الإحكام و النهاية، فيراد من الأخذ و العمل ما يرجع إلى القبول و هو الالتزام بفتوى الفقيه لحقه العمل- بمعنى الحركات و السكنات اللتين هما من الأكوان الأربع- أو لا.
فحمل «العمل» في تعريف من عبّر به على هذا المعنى ثمّ إرجاع القبول إليه ليكون المعنى المراد منه الالتزام المستتبع للعمل بعيد.
و أبعد منه جعل المسألة خلافيّة حيث لم ينبّه أحد على الخلاف فيها.
و يظهر ثمرة الوفاق و الخلاف هنا فيما لو أخذ التقليد في معاقد الإجماعات المنقولة في أبواب التقليد، كما لو نقل العلّامة مثلا الإجماع على عدم جواز العدول عن تقليد المجتهد، أو على عدم جواز تقليد الميّت، أو على عدم جواز تقليد المفضول أو نحو ذلك.
فعلى تقدير الخلاف فلا بدّ في معرفة معقد الإجماع من استعلام مذهب ناقله ليجري الأحكام المستفادة منه عليه بحسب مذهبه، و على تقدير عدمه كان الإجماع منقولا على المعنى الواحد المتّفق عليه فيجري الأحكام المستفادة منه على المعنى الواحد.
و تحقيق المقام: أنّ المكلّف الّذي وظيفته التقليد له في لحاظ التقليد حالات أربع مترتّبة، و هي السؤال المعبّر عنه بالاستفتاء، و علمه بفتوى المفتي، و التزامه بما علمه، و تطبيق الحركات و السكنات الخارجيّة على ما التزم به.
و لا ينبغي التأمّل في عدم انعقاد التقليد بالأوّل و لا بالثاني، و هل ينعقد بالثالث أو لا بدّ
..........
من الرابع؟ وجهان بل قولان أظهرهما الأوّل، لا بمعنى أنّ العمل بالمعنى المذكور غير واجب على المكلّف حيث وجب عليه التقليد، كيف و هو المقصود بالأصالة من إيجاب التقليد، بل بمعنى عدم كونه مأخوذا في مفهومه و معناه العرفي، لأنّه المعنى المنساق منه في الاستعمالات المبحوث عنه في أكثر المباحث الآتية المأخوذ في معاقد الإجماعات المنقولة على مشروعيّة التقليد و حسنه، الّتي منها محكيّ السيّد في الذريعة قائلا: «و الّذي يدلّ على حسن تقليد العامي أنّه لا خلاف بين الامّة قديما و حديثا في وجوب رجوع العامي إلى المفتي، و أنّه يلزمه قبول قوله لأنّه غير متمكّن من العلم بأحكام الحوادث، و من خالف في ذلك كان خارقا للإجماع، و ليس يمكن للمخالف في ذلك رفع الإجماع على الرجوع إلى الفتوى، و يؤوّل هذا الرجوع بما هو بعيد فيقول: هو رجوع للتنبيه على النظر و الاستدلال.
و هذا التأويل غير معلوم بل المعلوم ضرورة خلافه، و أنّ العامي لا يستفتي على وجه طلب التنبيه على النظر بل ليلتزم» إلى آخر كلامه رفع مقامه[1].
مع أنّ المناسب للمعنى اللغوي المتقدّم و الاستعمالات العرفيّة المتقدّمة هو الالتزام لا العمل بالمعنى المذكور، مع مقابلة التقليد للاجتهاد و كونهما طريقين إلى العمل و امتثال أحكام اللّه تعالى فالاجتهاد للمتمكّنين منه و التقليد لغيرهم يعطي كونهما في غير جهة المقابلة على نمط واحد، و كما أنّ الاجتهاد لم يؤخذ في مفهومه العمل بل هو مقدّمة له و وجوبه مقدّمي فكذلك التقليد، فالعمل واجب أصلي يتوصّل إليه بأحد الأمرين من الاجتهاد و التقليد.
هذا مع أنّه ليس للقول باعتبار العمل فيه إلّا أنّهم ذكروا للتقليد شروطا ترجع إليه بمعنى العمل كاجتهاد المقلّد بالفتح و إسلامه و عدالته، أو إجماعهم قائم على أنّه لو أخذ من الكافر أو الفاسق ثمّ أسلم أو عدل جاز العمل، فلو أنّها كانت شروطا له بمعنى مجرّد الأخذ و القبول لم يكن جائزا إلّا بعد الإسلام و العدالة، و أيضا لو أخذ من مجتهد ثمّ عدل المجتهد عن الفتوى أو حصل له التردّد في المسألة أو زالت ملكته لكان ذلك الأخذ كافيا في انعقاد التقليد مع أنّه يمكن دعوى إجماعهم على بطلانه.
و فيه: أنّ جواز الأخذ و القبول من فاقد الشروط و الالتزام بما قاله ما دام فاقدا أوّل المسألة.
و دعوى إجماعهم على ذلك غير مسموعة، و جواز العمل بعد وجدانها إنّما هو لحصول مقدّمته و لو على وجه غير مشروع، فإنّ بناء ما ذكرناه على كون التقليد مقدّمة للعمل لا أنّه نفس العمل.
[1]الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 796.