بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 354

..........

نعم لو وجب الاجتهاد في باقي المسائل الغير المجتهد فيها لم يجز التكرار في المسائل المجتهد فيها إلّا بعد الفراغ من الاجتهاد في باقي المسائل، و لو كان هناك مسائل لم يجتهد فيها مع عدم قيام المقتضي لوجوبه فيها فعلا من جهة عدم تحقّق الابتلاء بها بالفعل فالظاهر جواز الأمرين من تكرير الاجتهاد فيما اجتهد فيه و ابتداء الاجتهاد فيما لم يجتهد فيه.

و لا يبعد القول بكون الثاني أرجح توطئة و تمهيدا لرفع الحاجة المحتمل طروّها فيما بعد، لاحتمال حصول الابتلاء بها لأحد من المكلّفين.

و في المفاتيح أيضا احتمال ترجيحه، نظرا إلى إطلاق كلامهم في الحكم بوجوب الاجتهاد في باقي المسائل.

ثالثها: إذا جدّد النظر و اجتهد ثانيا فإن وافق اجتهاده الأوّل فلا كلام،

و إن أدّى اجتهاده هذا إلى خلاف ما أفتى به أوّلا وجب عليه الرجوع إلى مقتضى اجتهاده الثاني و الأخذ به بلا خلاف، و يجب على مقلّده أيضا إذا عرف منه الرجوع العدول عن تقليده في فتواه الاولى بلا خلاف أيضا، بل عن شرح المبادئ الإجماع على الحكم في المقامين.

ثمّ إنّ المقلّد على الخيار بين العدول إلى مجتهد آخر موافق لذلك المجتهد في فتواه الاولى- و مرجعه إلى البقاء على الالتزام بتلك الفتوى لكن بتقليد آخر- و العدول إلى مجتهد آخر أيضا موافق لهذا المجتهد في فتواه الثانية المرجوع إليها، و العدول إلى الفتوى الثاني لذلك المجتهد.

و بالجملة المقلّد مخيّر بين ثلاث خصال، و لم يتعيّن عليه العدول إلى الفتوى الثانية الّذي مرجعه إلى البقاء على تقليد ذلك المجتهد في فتواه الثانية، و لعلّه على ما بيّنّاه من التخيير بين الصور الثلاث ينطبق ما عن شرح المبادئ المدّعى عليه الإجماع المتقدّم إليه الإشارة، قائلا: «إذا اجتهد في مسألة فأدّاه اجتهاده إلى حكم ثمّ اجتهد ثانيا في تلك المسألة فأدّاه اجتهاده إلى غير ذلك الحكم فإنّه يجب عليه الرجوع إلى ما أدّاه اجتهاده ثانيا إليه إجماعا، و يجب على المستفتي العمل بما أدّاه إليه اجتهاده ثانيا أو الرجوع عن الأوّل إجماعا».

و في بعض النسخ: «و الرجوع عن الأوّل» و عليه فظاهر عبارته لا يخلو عن مناقشة، حيث أفاد تعيّن الأخذ عليه بفتواه الثانية كما فهمه بعض الأفاضل، و لكنّ الخطب فيه سهل بعد وضوح الحكم و ظهور حقيقة المراد من العبارة و إن قصر ظاهرها عن إفادته.


صفحه 355

..........

ثمّ الظاهر بالنظر إلى إطلاق ما تقدّم من الإجماع المنقول عدم الفرق في وجوب عدول المقلّد إلى الفتوى الثانية بين ما لو كان رجوع المجتهد إليها على سبيل القطع أو على سبيل الظنّ، بل ينبغي القطع بذلك لبطلان الفتوى الاولى و خروجها عن كونها حكما فعليّا بالرجوع فلا يجوز البقاء عليها مطلقا، خلافا لكاشف الغطاء فجعل العدول في الثاني أقوى مؤذنا بأنّ فيه وجها لعدم العدول، قائلا- على ما حكي-: «و إن علم عدوله عن حكم مخصوص بطريق علمي عدل عمّا كان عليه أوّلا إلى ما صار إليه أخيرا، و إن كان ظنّيا كان الأقوى ذلك أيضا» انتهى.

و في كلام بعض الأفاضل- بعد المناقشة فيه بنحو ما ذكرناه-: «فالوجه المقابل للأقوى ضعيف جدّا».

و هل يجب على المفتي بعد رجوعه إعلام من قلّده برجوعه إذا كان غافلا أو غير عالم به؟ وجهان بل قولان عزى أوّلهما إلى ظاهر العلّامة في غير واحد من كتبه.

و ثانيهما إلى ظاهر المحقّق و العميدي، حيث إنّ الأوّل جعل التعريف أولى و الثاني جعله أليق.

و المنقول من حجّة القول الأوّل وجهان:

أحدهما: أنّ المقلّد إنّما عمل في المسألة بقول المفتي و المفروض رجوعه عنه فلو استمرّ لبقي عاملا من غير دليل و لا فتوى مفت.

و فيه- بعد ملاحظة استناد عمل المقلّد في ابتدائه إلى فتوى المفتي، و في الاستمرار عليه إلى الاستصحاب و أصالة عدم الرجوع كما هو الحال فيما لو شكّ المقلّد في رجوع المفتي- منع واضح مع فرض كون نحو هذا الاستصحاب حجّة في حقّه.

و ثانيهما: ما روي عن ابن مسعود أنّه كان يقول باشتراط الدخول في تحريم أمّ الزوجة فلقى أصحاب رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و ذاكرهم فكرهوا، فرجع ابن مسعود إلى من أفتاه بذلك، قال: سألت أصحابي فكرهوا.

و فيه أوّلا: منع أصل الحكاية لبلوغها بواسطة نقل الآحاد.

و ثانيا: منع حجّية فعل ابن مسعود.

و ثالثا: منع دلالته على الوجوب، لجواز ابتنائه على ضرب من الاستحباب أو مطلق الرجحان.


صفحه 356

[تعليقة: في التقليد]

أصل و التقليد (1)

و رابعا: جواز كون فتواه أوّلا من باب الإفتاء من غير علم، كما يشعر به قوله: «سألت أصحابي فكرهوا».

و لا ريب في وجود الردع في مثل ذلك لقبح الإضلال و الإغراء بالجهل.

و قد يستدلّ أيضا بقوله تعالى:وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْو قوله: والَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰو قوله:وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ.

و بأنّ في ترك إعلام المقلّد إغراء بالجهل.

و في الكلّ منع واضح بعد ملاحظة اعتماد المقلّد على طريقة الاستصحاب، أمّا الأخير فواضح، و أمّا الآيات فلاختصاصها بمن ليس له طريق شرعي أصلا أو انصرافها إليه، و عليه فالأصل السليم عن معارضة الدليل عدم وجوب الإعلام.

و يؤيّده لزوم الضيق و الحرج في بعض الأحيان من وجوب الإعلام سيّما مع تشتّت المقلّدين و انتشارهم في البلدان، و ما ادّعي من ظاهر السيرة المستمرّة الجارية بين العلماء لشيوع تجدّد الآراء و عدم معهوديّة تعرّضهم الإعلام على وجه الالتزام، مع أنّه قد يوجب ارتفاع وثوق العامّة عن الخاصّة و يبعث على فتح باب الكلام من أهل الجهالة و العناد على الشريعة المبتنية على طريقة الاجتهاد.

فالأقوى حينئذ عدم الوجوب، و إن كان الإعلام حيث يمكن أحوط و أقرب إلى طريق النجاة.

و من الفضلاء من قال: «و لو قيل بالفرق بين ما لو قطع بالبطلان فيجب الإعلام بقدر الإمكان و بين ما إذا لم يقطع به فلا يجب كان قريبا» انتهى.

و سنورد بعض الكلام في ذلك أيضا في مباحث شرائط التقليد المعتبرة فيه من حيث المسألة المقلّد فيها.

(1) كون التقليد في الأصل تفعيلا من القلادة يعطي كونه لغة لخصوص جعل القلادة في العنق، يقال: قلّدته قلادة أي جعلتها في عنقه، لكنّ الاستعمالات الدائرة في العرف و الواردة في كتب اللغة ترشد إلى كونه لجعل مطلق الشيء في العنق و الرقبة، و منه: تقليد الهدي، و قلّدته السيف، و قلّدته الدعاء أو الزيارة، و قلّده القضاء- كما في كلام الفقهاء- لو قلّد المفضول القضاء.


صفحه 357

..........

و ما في حديث الخلافة: «فقلّدها رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)عليّا(عليه السلام)» أي جعلها في رقبته، و كأنّه بحسب الاستعمال استعارة فيه باعتبار المادّة، لكون ما يجعل في العنق و الرقبة لازما له، كلزوم القلادة له، كما ربّما يومئ إليه كلام الفيّومي في المصباح المنير قال: «و تقليد العامل توليته كأنّه جعل قلادة في عنقه» و لعلّه إنّما يسمّى المعنى العرفي الّذي ستعرفه تقليدا لأنّ المقلّد بالتزامه لفتوى المجتهد في كلّ مسألة يجعلها كالقلادة في عنقه، أو لأنّه لتعويله في امتثال أحكام اللّه تعالى على قول المجتهد بجعلها كالقلادة في عنق ذلك المجتهد، فلو قلت: قلّدت المجتهد مريدا به المعنى اللغوي أمكن كون تقديره: جعلت فتاويه قلادة على عنقي، أو جعلت أحكامي قلادة على عنقه.

ثمّ الظاهر أنّ تعديته إلى مفعولين- كما ظهر في الأمثلة المذكورة- ليست لمجرّد التضعيف و نقل مجرّده إلى باب التفعيل كما قد يتوهّم، لعدم كون مجرّده من المعاني الحدثيّة فضلا عن تعدّيه بنفسه إلى مفعول واحد، بل لضرب من التضمين على حدّ الأفعال الغير المتعدّية بأنفسها إلى مفعولين الّتي يضمّن في مفاهيمها معنى ما يتعدّى من الأفعال إليهما كالجعل و الإعطاء و ما يقرب منهما، و قد يجعل من هذا الباب البيع و الإجارة و الهبة و الرهن و غيره حيث تقع متعدّية إلى مفعولين مع عدم اقتضاء شيء منها بحسب وضعه و مفهومه اللغوي التعدّي إليهما، و ليس هذا إلّا من جهة تضمين معنى الإعطاء في مفاهيمها.

فحاصل معنى «بعتك داري أو آجرتك إيّاها أو وهبتها أو رهنتك إيّاها»: أعطيتك داري على وجه البيعيّة أو الإجارة أو على جهة الهبة أو الرهن، فمفاهيم هذه الأفعال بأنفسها وجوه و جهات للإعطاء، فإنّ إعطاء شيء شيئا له وجوه و جهات فقد يتحقّق على وجه البيعيّة، و قد يحصل على جهة الإجارة، و قد يتأتّى بعنوان الهبة و هكذا.

و لو قلت: «أعطيته جبّة» كان مدلوله الإعطاء المطلق من دون تنبيه على وجهه و عنوانه.

و لعلّ من جملة وجوهه كون المعطى الّذي هو المفعول الثاني قلادة على عنق المعطى له الّذي هو المفعول الأوّل، و يعبّر عنه بهذا الوجه و العنوان بالتقليد. فمعنى «قلّده القضاء» أعطاه القضاء على وجه يكون قلادة في عنقه لازما على رقبته، و كذا معنى قوله(عليه السلام): «قلّد الخلافة عليّا»، و حيث إنّ الإعطاء يرد في الاستعمالات تارة بحذف مفعوله الأوّل و اخرى بحذف مفعوله الثاني و ثالثة بذكر مفعوليه فكذا ما تضمّنه، «فقلّده القضاء» من باب ذكر المفعولين «و قلّدت البعير» من باب حذف المفعول الثاني، و «قلّدت السيف» من باب حذف


صفحه 358

[معنى التقليد لغة و عرفا]

هو العمل بقول الغير من غير حجّة (1)

المفعول الأوّل، و «قلّدت المجتهد» من محتمل الوجهين، لكنّ الأظهر كون التقليد ما ضمن في مفهومه معنى الجعل، فليتدبّر.

(1) هذا هو معناه العرفي الفقهائي بل المتشرّعي، و أخذ العمل في تعريفه كما صنعه جماعة.

و في تعريف غير واحد التعبير ب«الأخذ» مكان العمل.

و في كلام آخرين التعبير بالقبول، و هو الأمر النفساني و العقد القلبي الّذي يعبّر عنه بالالتزام بالشيء.

و الظاهر أنّ هذا مجرّد تغيير في العبارة و اختلاف في التعبير فالمعنى العرفي واحد عنه الجميع لا أنّه اختلاف في المعنى لتكون المسألة خلافيّة، بدليل أنّهم في شرح هذه التعريفات يعبّرون بكلّ من هذه الألفاظ مكان الآخر، بل في شرح ما أخذ فيه «العمل» يعبّر عنه تارة بالأخذ كما في كلام المصنّف و غيره، و اخرى بالقبول كما في محكيّ الإحكام و النهاية، فيراد من الأخذ و العمل ما يرجع إلى القبول و هو الالتزام بفتوى الفقيه لحقه العمل- بمعنى الحركات و السكنات اللتين هما من الأكوان الأربع- أو لا.

فحمل «العمل» في تعريف من عبّر به على هذا المعنى ثمّ إرجاع القبول إليه ليكون المعنى المراد منه الالتزام المستتبع للعمل بعيد.

و أبعد منه جعل المسألة خلافيّة حيث لم ينبّه أحد على الخلاف فيها.

و يظهر ثمرة الوفاق و الخلاف هنا فيما لو أخذ التقليد في معاقد الإجماعات المنقولة في أبواب التقليد، كما لو نقل العلّامة مثلا الإجماع على عدم جواز العدول عن تقليد المجتهد، أو على عدم جواز تقليد الميّت، أو على عدم جواز تقليد المفضول أو نحو ذلك.

فعلى تقدير الخلاف فلا بدّ في معرفة معقد الإجماع من استعلام مذهب ناقله ليجري الأحكام المستفادة منه عليه بحسب مذهبه، و على تقدير عدمه كان الإجماع منقولا على المعنى الواحد المتّفق عليه فيجري الأحكام المستفادة منه على المعنى الواحد.

و تحقيق المقام: أنّ المكلّف الّذي وظيفته التقليد له في لحاظ التقليد حالات أربع مترتّبة، و هي السؤال المعبّر عنه بالاستفتاء، و علمه بفتوى المفتي، و التزامه بما علمه، و تطبيق الحركات و السكنات الخارجيّة على ما التزم به.

و لا ينبغي التأمّل في عدم انعقاد التقليد بالأوّل و لا بالثاني، و هل ينعقد بالثالث أو لا بدّ


صفحه 359

..........

من الرابع؟ وجهان بل قولان أظهرهما الأوّل، لا بمعنى أنّ العمل بالمعنى المذكور غير واجب على المكلّف حيث وجب عليه التقليد، كيف و هو المقصود بالأصالة من إيجاب التقليد، بل بمعنى عدم كونه مأخوذا في مفهومه و معناه العرفي، لأنّه المعنى المنساق منه في الاستعمالات المبحوث عنه في أكثر المباحث الآتية المأخوذ في معاقد الإجماعات المنقولة على مشروعيّة التقليد و حسنه، الّتي منها محكيّ السيّد في الذريعة قائلا: «و الّذي يدلّ على حسن تقليد العامي أنّه لا خلاف بين الامّة قديما و حديثا في وجوب رجوع العامي إلى المفتي، و أنّه يلزمه قبول قوله لأنّه غير متمكّن من العلم بأحكام الحوادث، و من خالف في ذلك كان خارقا للإجماع، و ليس يمكن للمخالف في ذلك رفع الإجماع على الرجوع إلى الفتوى، و يؤوّل هذا الرجوع بما هو بعيد فيقول: هو رجوع للتنبيه على النظر و الاستدلال.

و هذا التأويل غير معلوم بل المعلوم ضرورة خلافه، و أنّ العامي لا يستفتي على وجه طلب التنبيه على النظر بل ليلتزم» إلى آخر كلامه رفع مقامه[1].

مع أنّ المناسب للمعنى اللغوي المتقدّم و الاستعمالات العرفيّة المتقدّمة هو الالتزام لا العمل بالمعنى المذكور، مع مقابلة التقليد للاجتهاد و كونهما طريقين إلى العمل و امتثال أحكام اللّه تعالى فالاجتهاد للمتمكّنين منه و التقليد لغيرهم يعطي كونهما في غير جهة المقابلة على نمط واحد، و كما أنّ الاجتهاد لم يؤخذ في مفهومه العمل بل هو مقدّمة له و وجوبه مقدّمي فكذلك التقليد، فالعمل واجب أصلي يتوصّل إليه بأحد الأمرين من الاجتهاد و التقليد.

هذا مع أنّه ليس للقول باعتبار العمل فيه إلّا أنّهم ذكروا للتقليد شروطا ترجع إليه بمعنى العمل كاجتهاد المقلّد بالفتح و إسلامه و عدالته، أو إجماعهم قائم على أنّه لو أخذ من الكافر أو الفاسق ثمّ أسلم أو عدل جاز العمل، فلو أنّها كانت شروطا له بمعنى مجرّد الأخذ و القبول لم يكن جائزا إلّا بعد الإسلام و العدالة، و أيضا لو أخذ من مجتهد ثمّ عدل المجتهد عن الفتوى أو حصل له التردّد في المسألة أو زالت ملكته لكان ذلك الأخذ كافيا في انعقاد التقليد مع أنّه يمكن دعوى إجماعهم على بطلانه.

و فيه: أنّ جواز الأخذ و القبول من فاقد الشروط و الالتزام بما قاله ما دام فاقدا أوّل المسألة.

و دعوى إجماعهم على ذلك غير مسموعة، و جواز العمل بعد وجدانها إنّما هو لحصول مقدّمته و لو على وجه غير مشروع، فإنّ بناء ما ذكرناه على كون التقليد مقدّمة للعمل لا أنّه نفس العمل.

[1]الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 796.


صفحه 360

كأخذ العاميّ و المجتهد بقول مثله (1).

و دعوى كفاية الأخذ عن المجتهد قبل عدوله أو تردّده أو زوال ملكته في انعقاد التقليد ممّا لا ينبغي الإصغاء إليها.

غاية الأمر أنّه بعد طروّ هذه الحالات يصير تقليدا فاسدا لا يترتّب عليه أثر جواز العمل كالأخذ من غير المجتهد، و أخذ المجتهد ممّن هو مثله فيجب العدول عنه و يحرم البقاء على الالتزام بما أخذه.

و لبعض الفضلاء في الاستدلال على نفي اعتبار العمل في انعقاد التقليد كلام يعجبني نقله حيث قال: «و اعلم أنّه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه، لأنّ العمل مسبوق بالعلم فلا يكون سابقا عليه، و لئلّا يلزم الدور في العبادات من حيث إنّ وقوعها يتوقّف على قصد القربة و هو يتوقّف على العلم بكونها عبادة، فلو توقّف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دورا».

و فيه: أنّ مبنى القول باعتبار العمل في ثبوت التقليد على جعله مقوّما لماهيّته لا شرطا خارجا عن الماهيّة، و في كلامه(قدّس سرّه)حزازة اخرى حيث يفهم منه كون التقليد بحسب الاصطلاح عبارة عن العلم لا الالتزام بالفتوى و هو غير صحيح، و كما لا يعتبر العمل في تحقّق التقليد فكذا لا مدخليّة له في لزوم حكمه حتّى على القول بجواز العدول عن التقليد، إذ دليل هذا القول إن تمّ قاض بالجواز مع العمل و بدونه خلافا للفاضل المتقدّم ذكره فاعتبره في لزوم حكمه على القول المذكور و وجهه غير واضح.

(1) ذكر ذلك تبعا لجماعة كالعضدي و الآمدي و العلّامة، و مبناه على توهّم عود الضمير المجرور في الظرف المقدّر- أعني عليه- إلى جنس التعريف و هو العمل أو مرادفاه لا إلى «القول» كما هو الأظهر، مع كون الظرف المذكور باعتبار العامل المقدّر حالا من الجنس على التقديرين، فتقدير التعريف على ما فهموه: أنّ التقليد هو الأخذ بقول الغير حال كونه حاصلا من غير دليل على ذلك الأخذ أي على جوازه، و على ما ذكرناه: أنّه الأخذ بقول الغير حال كونه حاصلا من غير دليل على ذلك القول أي على خصوصه، و معناه: أنّه لم يعتبر معه في لحاظ الأخذ به دليل يستدلّ به عليه و لا حجّة يحتجّ بها عليه و إن ذكر معه دليل- كما قد يتّفق أنّ المفتي يورد فتواه عند الاستفتاء مع دليلها، و كذا ما لو أخذ المستفتي فتوى مجتهده من كتبه الاستدلاليّة- لكنّه ليس بحيث يعتبر ذلك الدليل في لحاظ الأخذ


صفحه 361

..........

بأن يستند إليه الأخذ و يعتمد عليه في أخذه به، بل كان مستنده و الوسط الّذي يحتجّ به في أخذه هو نفس ذلك القول، حتّى أنّه لو سئل من وجه أخذه و عمله به علّله بقوله: قول فلان، أو أنّه قال به فلان.

فالفرق بين التقديرين أنّ التعريف على الأوّل لا ينطبق إلّا على أخذ العامي من مثله و أخذ المجتهد من مثله أو من العامي في الفروع أو الاصول، و يخرج عنه أخذ العامي من المجتهد في الفروع بل الاصول أيضا على القول بجواز التقليد في اصول الدين لقيام الدليل فيهما على جواز الأخذ، و على الثاني يتناول جميع الأقسام الثمانية و لا يخرج عنه القسمان الأخيران، فكلّ واحد منها على هذا التقدير تقليد على وجه الحقيقة.

غاية الأمر أنّه في بعضها مشروع و في الباقي غير مشروع لعدم دليل على جوازه بل قيام الدليل على المنع، و خرج عنه الأخذ بقول الغير من دليل عليه بالخصوص على وجه يكون مستند الأخذ في أخذه ذلك الدليل لا مجرّد كونه قول الغير، كما يتّفق للفقهاء في المسائل الخلافيّة حيث يختار المتأخّر منهم قول من تقدّمه لمساعدة دليل عليه، حيث يصدق على اختياره ذلك القول أنّه أخذ بقول الغير لكنّه لا لكونه قول الغير بل لمساعدة الدليل عليه، و الظاهر أنّ هذا هو الّذي قصد إخراجه من التعريف بالقيد الأخير لعدم كونه من المعرّف بحسب العرف.

و لا ينتقض بأخذ العامي من المجتهد بدعوى أنّ له دليلا عليه و هو الّذي ينتظم عنده من القياس المعبّر عنه: «بأنّ هذا ما أفتى به المفتي، و كلّما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي» لأنّ هذا ليس دليلا على حكم المسألة بالخصوص ممّا يستعمله المجتهد عند استنباطه الحكم الخاصّ منه، بل هو دليل على اعتبار قول المفتي و حجّيّة فتواه المقتضية لجواز الأخذ به، و وجه دلالته: أنّه بحكم الكلّية الكبرى يقتضي كون الحكم المفتى به حكما فعليّا على المقلّد يجب الأخذ و الالتزام به على أنّه حكم اللّه الّذي يجب التديّن به، على أنّ المراد من القول المأخوذ هو الحكم الخاصّ الّذي أفتى به المفتي، و إطلاق القول عليه في لسان الفقهاء و الاصوليّين شائع، فهذا الدليل العامّ دليل على جواز الأخذ و العمل لا على خصوص الحكم المفتى به.

و ممّا يؤيّد جميع ما بيّنّاه أنّ المقلّد يقال على ما قابل الفقيه الّذي هو عبارة عن الآخذ بالأحكام من الأدلّة التفصيليّة، فالمقلّد هو الّذي يأخذ في المسائل بالأحكام من غير دليل تفصيلي في كلّ مسألة مسألة يدلّ على حكم المسألة بالخصوص، و ما يتراءى في كلماتهم