..........
على أخذه عنوان التقليد كما عرفت، فكذلك إرشاده الغير إلى مأخوذاته كإرشاد الآخذ من المجتهد غيره و إن صدق عليه عنوان الإنذار مطلقا أو في بعض الفروض، و كما أنّ قبول الغير من الثاني ليس تقليدا له في العرف فكذلك قبول الغير من الأوّل فإنّه قد لا يكون تقليدا له، فالإنذار حينئذ أشبه شيء بالرواية بل قد يكون عينها و إن لم يصرّح المنذر بالنقل عن النبيّ.
ألا ترى أنّ الواسطة في نقل فتوى المجتهد لو قال لمقلّده: «افعل كذا و لا تفعل كذا» أو «أنّ الشيء الفلاني واجب و الشيء الفلاني حرام» ينساق منه في العرف كونه ناقلا عن المجتهد، و كما أنّ الأخذ بقول الواسطة هنا أخذ بقول الأصل بواسطة هذا النقل فكذلك الأخذ بقول الواسطة ثمّة.
و هذا هو السرّ في استدلال كثير من العلماء بالآية لإثبات حجّية خبر الواحد، فالاعتراض عليهم بأنّها لا تتناول الرواية لظهورها في الفتوى غير صحيح.
و أمّا قصور آية الكتمان: فلأنّ وجوب إظهار الحقّ و إن استلزم وجوب القبول صونا لكلام الحكيم عن منافاة الحكمة، نظرا إلى أنّه لو لا القبول فائدة مقصودة من إظهار الحقّ لكان إيجابه أمرا بالفعل اللغو الخالي عن الفائدة و هو قبيح مناف لحكمة الحكيم، غير أنّه لكونه قضيّة معنويّة استفيدت من القضيّة الملفوظة بواسطة الملازمة المذكورة لا عموم فيها وضعا و لا إطلاقا بحيث يشمل صورتي حصول العلم و عدمه، فوجوب القبول إنّما يثبت على طريقة القضيّة المهملة، فيجوز اختصاصه بصورة العلم الحاصل عقيب إظهار الحقّ ممّن انكشف عنده الحقّ و لو بمعونة القرائن أو تعاضد بعض ببعض كما في التواتر، و يكفي ذلك في رفع محذور اللغويّة و منافاة الحكمة.
مع إمكان أن يقال: إنّ الفائدة في الإظهار إنّما هي المدخليّة في حصول العلم ليترتّب عليه القبول.
و لا ريب أنّ الإظهار من كلّ واحد له مدخليّة في ذلك و لو فرضنا العلم حاصلا مع المجموع كما في التواتر، فإنّ كلّ واحد على هذا التقدير جزء للسبب المفيد للعلم فيجب الإظهار على كلّ، لأنّ له مدخليّة إمّا لكونه سببا تامّا أو جزء للسبب، فلا ينتفي الفائدة لا من المجموع و لا من كلّ واحد، و على هذا فيجوز اختصاص مورد الآية باصول الدين، و يكون المراد من البيّنات علامات النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و شواهد نبوّته الّتي بيّنها اللّه تعالى لليهود و النصارى في التوراة و الإنجيل.
و أمّا آية السؤال: فلأنّها- بعد الإغماض عن منع كون المراد من أهل الذكر مطلق أهل
..........
العلم لاستفاضة الأخبار المفسّرة له بالأئمّة(عليهم السلام)- بموجب تعليق إيجاب السؤال على عدم العلم المتناول الصورة الظنّ و الشكّ و الوهم تدلّ على وجوب السؤال طلبا للعلم بالقضيّة المجهولة ليعمل فيها بالعلم، لا التعبّد بها تعويلا على قول الغير.
و قضيّة ذلك بحسب متفاهم العرف بقاء وجوب السؤال إلى أن يحصل العلم و لو لضابطة تكرّر الأمر المعلّق على علّة بتكرّر العلّة، فيكون الخطاب حينئذ متوجّها إلى المتمكّنين من طلب العلم و لو في الفروع، فلا يندرج فيه نحو موضوع المسألة.
ثمّ ينبغي أن يعلم أنّ الاستدلال بالوجوه المذكورة حتّى الآيات- على تقدير تماميّة دلالتها- إنّما يستقيم أن لو كان الناظر فيها من العلماء و المجتهدين، فإنّهم إذا حاولوا استعلام حكم العامي صحّ لهم النظر في هذه الوجوه المنتجة للحكم المذكور المانعة من رجوع المقلّد إلى غير المجتهد، و أمّا المقلّد نفسه إذا حاول معرفة حكمه فلا سبيل له إلى الاستدلال بها، فإنّه لمكان كونه عاميّا لا يعرف كتابا و لا سنّة و لا إجماعا، بل لا سبيل له إلى الاستدلال بالدليل العقلي لإثبات عموم هذا المطلب، لكون أكثر مقدّماته نظريّة لا يتأتّى إحرازها إلّا من المجتهد، بل قد يقال: إنّه- بناء على تقريره بالوجه الثاني- ليس بحيث يوصله دائما إلى أنّه لا بدّ و أن يرجع إلى المجتهد لأنّه من أهل الخبرة، بل ربّما يوصله إلى العمل بظنّ نفسه إذا اتّفق حصوله له في واقعة مخصوصة، أو إلى العمل بقول أمّه أو أبيه أو معلّمه لاعتقاده بكون هذا القول أقرب إلى الواقع و أنّ هؤلاء أكمل بالقياس إليه، بل ربّما يأخذ بقول غير الأكمل مع وجود الأكمل و معرفته له لمجرّد اعتقاده بأنّ حكم اللّه واحد لا يختلف باختلاف القائل.
و بالجملة فالمكلّف الّذي وظيفته التقليد إمّا أن يلتفت إلى أكمل أهل زمانه من المجتهدين أو لا.
و على الأوّل إمّا أن يكون مقصّرا في تحصيل معرفة الأكمل أو قاصرا، و الدليل العقلي إنّما يفضيه إلى الأكمل على الأوّل.
و أمّا على الأخيرين فربّما يفضيه إلى ظنّه أو غيره ممّن يعتقد كونه أكمل و لو أمّه، فهو على ذلك لا ينتج له الأخذ بقول المجتهد الّذي هو حكمه الواقعي.
لكنّ الإنصاف: أنّ قصور نظر العامي عن الاستدلال بالآيات و الروايات و الإجماع بقسميه ممّا لا خفاء فيه و لا شبهة تعتريه، و كذلك إمكان الاستدلال بالدليل العقلي و إنتاجه لأصل المطلب للعامي الملتفت إلى موضوع المسألة و هو رجوع العامي الغير البالغ حدّ
..........
الاجتهاد إلى العالم الفقيه المجتهد، و كذلك إمكانه و إنتاجه لغير الملتفت إليه بالخصوص مع التفاته إلى عنوان رجوع الجاهل إلى العالم و أخذ الناقص من الكامل، فإنّ حسن رجوع الجاهل الناقص إلى العالم الكامل من ضروريّات قاطبة العوامّ و القضايا المركوزة في أذهانهم حتّى النسوان و الصبيان، لكون بقاء التكليف و قبح التكليف بما لا يطاق اللازم من إيجاب تحصيل العلم أو إيجاب الاجتهاد بالنظر في الأدلّة النظريّة في تحصيل الأحكام علما أو ظنّا و انحصار طريق الامتثال في الرجوع إلى العالم الكامل من ضروريّاتهم، بناء على أنّ دفع احتمالي الرجوع إلى أصل البراءة و الاحتياط و إن كان من النظريّات الّتي لا تتأتّى إلّا من العلماء و المجتهدين، إلّا أنّ الالتفات إلى هذين الاحتمالين عند النظر في الدليل العقلي أيضا ممّا يختصّ بالعلماء و المجتهدين لأنّهم يلتفتون إليها و ربّما يذكرونهما في المناقشة في الدليل العقلي دون العوامّ و الأذهان الصافية و الخالية عن الاحتمالات الغير الواردة و الشبهات المندفعة بحسب الواقع.
و لا ريب أنّ اختلاف الأنظار في الالتفات إلى بعض الاحتمالات المندفعة لا يوجب قدحا في الدليل و إنتاجه، و لو تطرّق إلى بعضهم احتمال الاحتياط أيضا فهو ليس بحيث يحتاج في دفعه إلى النظر في القضايا النظريّة كقاعدة نفي العسر و الحرج المستفادة من الكتاب و السنّة، لأنّ عدم كون الاحتياط طريقا يجب الرجوع إليه على التعيين في الشريعة لامتثال أحكام اللّه تعالى من ضروريّات الدين.
و لا ريب أنّ الاستدلال بالدليل العقلي الّذي يحرز مقدّماته بطريق الضرورة و البداهة ممّا يتأتّى و يتيسّر للعوامّ بعد التفاتهم إلى التكليف و عنوان رجوع الجاهل إلى العالم، كيف و لو لا ذلك لانسدّ باب إثبات مشروعيّة التقليد لهم، لتعذّر إثباته بطريق النظر و الاستدلال و التقليد فيه أيضا غير ممكن لإفضائه إلى الدور.
غاية الأمر أنّه ينتج لبعضهم الرجوع إلى عالم فقيه، و لبعضهم إلى عالم غير فقيه، و لثالث إلى غير عالم من أمّه أو أبيه أو معلّمه أو غيرهم ممّن لا أهليّة له لأن يقلّد لمجرّد اعتقاده بكونه العالم الكامل.
و لا ريب أنّه في الأوّل منتج لأصل المطلب بخلاف البواقي، فيكون الرجوع فيها إلى الغير من التقليد الفاسد الغير المشروع بحسب الواقع، و هذا لا يوجب قصورا في أصل الدليل العقلي و لا و هنا فيه، لأنّه دليل مفاده حكم كبروي و لا قصور فيه من هذه الجهة،
..........
و اختلاف النتيجة إنّما ينشأ من التباس موضوعي و اشتباه صغروي و مثله غير عزيز في استدلالات العلماء فضلا عن العوامّ.
نعم ربّما يتكلّم في حكم التقليد اللازم في غير الصورة الاولى من حيث إنّه يجزي لصاحبه أو لا يجزي؟ و هذا كلام آخر يأتي تحقيقه في مسألة الجاهل في العبادات.
و بما قرّرناه ظهر أنّ المسألة في جواز تقليد العامي الغير البالغ حدّ الاجتهاد في المسائل اجتهاديّة و مدركها العقل القاطع، و لا سبيل للتقليد فيها و لا يكفي فيها الدليل الظنّي لئلّا يلزم الدور، و لو فرض عاميّ عجز عن النظر و الاجتهاد في تلك المسألة بحيث لم يتمكّن عن تتميم الدليل العقلي على الوجه الّذي قرّرناه أيضا فلا بدّ و أن يجتهد في جواز التقليد في تلك المسألة وحدها الّتي هي مسألة اصوليّة أو كلاميّة كما هو الأظهر، و طريقه أن يقال: إنّ جواز التقليد في الفروع للعامي أو وجوب الاجتهاد عليه فيها أيضا مسألة، و لا بدّ للعامي إمّا من الاجتهاد فيها بإقامة دليل واقعي على أحد الطرفين أو من تقليد الغير، و لا سبيل له إلى الأوّل لتعذّره عليه فيقبح التكليف به بحكم العقل المستقلّ، فتعيّن الثاني و حينئذ يرجع إلى مجتهد يجوّز التقليد في الفروع و يقلّده فيه لا إلى من يوجب الاجتهاد فيه، و إلّا رجع تقليده له إلى الالتزام بوجوب أمر غير مقدور و هو قبيح.
و بالجملة مسألة جواز التقليد في الفروع للعامي لا بدّ و أن تكون اجتهاديّة- بأن يستند في تقليده فيها إلى اجتهاد نفسه في جواز ذلك التقليد- أو منتهية إلى الاجتهاد بأن يستند في تقليده في الفروع إلى تقليده في مسألة جواز التقليد في الفروع و فيه إلى اجتهاد نفسه القاضي بحكم العقل المستقلّ بتعيّن هذا التقليد.
و لو فرض أنّ عاميّا لقصور نظره و ضعف فطنته عجز عن الاجتهاد في المقامين، فإن لم يكن ملتفتا إلى مسألة جواز التقليد أصلا و مع ذلك قلّد من له أهليّة التقليد في الفروع صحّ تقليده لمصادفته الواقع، و إن كان ملتفتا شاكّا في جواز التقليد و قلّد مع ذلك من له أهليّة التقليد فإن لم يكن شكّه هنا مخلّا بقصد التقرّب في عباداته صحّ تقليده أيضا لمصادفته الواقع، و إن أخلّ به كان في تقليده كمن لم يقلّد أصلا لشكّه في جوازه، فهو إن تيسّر له الاحتياط و التفت إليه أيضا كان حكمه الواقعي هو الاحتياط، و إن لم يتيسّر له ذلك أو كان غافلا عنه بالمرّة فمقتضى قواعد العدليّة كونه كمن لا تكليف عليه أصلا، لقبح خطابه بكلّ من الطرق الثلاث المعمولة في الفروع من الاجتهاد و التقليد و الاحتياط
..........
فيقبح خطابه في الفروع أيضا.
و ينبغي التنبيه على امور:
أحدها: [في موضوع التقليد]
أنّه لا فرق في جواز التقليد لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في المسائل الفرعيّة بين أن يكون المسألة اجتهاديّة مبتنية على الأمارات الظنّية أو لا، بأن يكون عليها دلالة قاطعة كما عن المعارج و المبادئ و التهذيب و شرح المبادي لفخر الإسلام، و هو ظاهر الأصحاب في إطلاق تجويزهم التقليد له.
و في المفاتيح دعوى الشهرة العظيمة و ظهور عدم الخلاف بين أصحابنا القائلين بجواز التقليد.
و عن أبي عليّ الجبائي القول بالفرق، فجوّز التقليد في المسائل الاجتهاديّة دون ما عليه دلالة قاطعة، محتجّا بأنّ الحقّ فيما ليس من مسائل الاجتهاد واحد فتجويز التقليد فيه يستلزم عدم الأمن من التقليد في خلاف الحقّ، بخلاف مسائل الاجتهاد لتصويب كلّ مجتهد فيها.
و يدفعه: إطلاق الأدلّة و لا سيّما الإجماعات المنقولة، بل تحقّق الإجماع العملي على التقليد فيهما معا، و يكفي في ضعفه أنّ تشخيص موارد وجود الدلالة القاطعة عن غيرها لا يتأتّى إلّا من المجتهد، لابتنائه على اجتهاد تامّ يستغرق برهة من وقت العمر، و هو متعذّر لكثير من العوامّ و متعسّر للباقين، مع قصور أكثر العوامّ عن إعمال النظر في الأدلّة القطعيّة و إحراز ما له دخل في قطعيّتها من المقدّمات بعد تشخيص موارد وجودها، إلّا أن يراد من الدلالة القاطعة ما ليس من القطعيّات النظريّة كالضرورة و نحوها.
و يرد عليه حينئذ: أنّ مثل هذه الدلالة القاطعة خارجة عن مورد التقليد خروجا موضوعيّا، و لا يعقل فيه الإخراج الحكمي ليكون قولا بالفرق في المسألة، هذا مع وضوح فساد مستنده.
أمّا أوّلا: فلبطلان التصويب في مسائل الاجتهاد، و على التخطئة- كما هو الصواب- فعدم الأمن من التقليد في خلاف الحقّ مشترك اللزوم.
و أمّا ثانيا: فلقيام احتمال الإفتاء بخلاف الحقّ في مسائل الاجتهاد أيضا، لجواز ترك الاجتهاد فيها رأسا أو التقصير فيه أو الإفتاء بغير ما أدّى إليه اجتهاده لكذب أو سهو أو نسيان أو نحو ذلك ممّا يوجب عدم الأمن من التقليد في خلاف الحقّ في مسائل الاجتهاد أيضا حتّى على التصويب، إلّا أن يدفع ذلك بعدالة المفتي و غيرها من الاصول النافية لنحو الاحتمالات المذكورة.
..........
و أمّا ثالثا: فلأنّ الدلالة إن اريد بها ما يلازم الواقع لذاته بدوام مصادفته له فالإفتاء من جهته إفتاء بالحقّ لا محالة فيكون الأخذ به تقليدا في الحقّ لا غير، و إن اريد بها ما لا يلازم الواقع لقبوله الخطأ و اختلاف النظر بحيث احتمل في حقّ العامي الناظر فيه أيضا عدم إصابة الحقّ، فالأخذ بمؤدّاه حينئذ يستلزم عدم الأمن من الوقوع في خلاف الحقّ بالاجتهاد، و هذا ليس بأولى من التقليد في خلاف الحقّ.
و لو قيل: بأنّه إذا كان مجتهدا فهو معذور في خطائه، قلنا: كلّما كان المجتهد معذورا في خطائه كان مقلّده في هذا الخطأ معذورا بالإجماع، بل ربّما لا يكون المجتهد معذورا كما لو كان مقصّرا في اجتهاده و كان مقلّده معذورا.
و قضيّة ذلك أن يكون التقليد في خلاف الحقّ أهون من الوقوع في خلاف الحقّ بالاجتهاد.
و لو قيل: بأنّه إذا حصل له القطع بما فرض في المسألة من وجود الدلالة القاطعة فهو لا يجوّز في حقّ نفسه الوقوع في خلاف الحقّ حتّى لا يأمن في عمله من الوقوع في خلاف الحقّ بخلاف ما لو قلّد في ذلك.
قلنا: نفرض مورد النقض قبل الدخول في المسألة و إعمال النظر في الدلالة القاطعة الموجودة فيها بالفرض، فهو حينئذ كما يجوّز في تقليده على تقدير البناء عليه كونه تقليدا في خلاف الحقّ التفاتا منه إلى احتمال خطأ المفتي، فكذلك يجوّز في حقّه الوقوع في خلاف الحقّ التفاتا منه قبل العثور على الدلالة القاطعة احتمال عدم إصابة الواقع، فهو حينئذ في اختيار كلّ من الأمرين لا يأمن من الوقوع في خلاف الحقّ، فإن كان ذلك مانعا من اختيار التقليد وجب كونه مانعا من اختيار النظر أيضا و إلّا فلا، و الفرق بين المقامين تحكّم واضح.
و أمّا رابعا: فلأنّ خوف الوقوع في خلاف الحقّ إنّما يصلح وجها للمنع من التقليد لو اعتبرنا فتوى المفتي في حقّ المقلّد من باب الطريقيّة الكاشفة عن الواقع بعنوان القطع لا من باب الموضوعيّة بالمعنى الّذي نقرّره- كما هو الحقّ- أو الطريقيّة الظنّية كما قيل.
و ثانيها: [في اشتراط حجّيّة قول المجتهد للمقلّد بإفادته الظنّ و عدمه]
أنّ قول المفتي و فتوى المجتهد بالنسبة إلى عمل المقلّد هل هو من الأمارات التعبّديّة الغير المنوط اعتبارها بحصول الظنّ بالواقع كالبيّنة و اليد حتّى أنّه لو ظنّ المقلّد بخطإ المجتهد في الحكم أو دليله جاز له تقليده، أو هي من قبيل الأمارات الاجتهاديّة
..........
المنوطة بإفادتها الظنّ بالواقع؟ قولان، أقواهما الأوّل وفاقا لجمع، و هو ظاهر إطلاق الأكثر بجواز التقليد للعامي أو وجوب رجوع من لم يبلغ رتبة الاجتهاد إلى المجتهد، بل ظاهر إطلاق معاقد الإجماعات المنقولة.
لنا على ذلك: أنّ معنى التقليد- على ما بيّنّاه في توجيه تعريفه- أن لا يعتبر فيه حصول الظنّ للمقلّد من فتوى المجتهد، و لو اتّفق حصوله في بعض الأحيان كان في خلوّه عن الفائدة كالحجر الموضوع في جنب الإنسان، و ذلك أنّ الأخذ بقول الغير من دون دليل على خصوص ذلك القول معناه أن يكون مستند الآخذ في أخذه نفس ذلك القول.
و هذا يقتضي أن لا يكون لظنّ الآخذ مدخليّة فيه، و إلّا كان مستنده هو ظنّه الحاصل بالقول لا نفس القول الّذي يعبّر عنه في المقام بالفتوى، و هو بهذا المعنى مورد للأدلّة المتقدّمة المقامة على مشروعيّته و وجوب رجوع العامي إلى المجتهد، و منها قوله(عليه السلام): «فللعوام أن يقلّدوه» و قوله(عليه السلام)أيضا: «فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» و هو معقد الإجماعات المنقولة.
و قضيّة ذلك أن لا يحتاج المقلّد لعمله في المسائل إلى أزيد من إحراز فتوى مجتهده بطريق العلم أو ما يقوم مقامه، كما يشهد به القياس المعروف المنتظم من القطعيّتين المقام على جواز عمله في كلّ مسألة ترد عليه و يقلّد فيها، المقرّر: «بأنّ هذا ما أفتى به المفتي، و كلّما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي» حيث اكتفى في حدّ الوسط بفتوى المفتي و لم يؤخذ معها ظنّ المستفتي.
و لو سلّم عدم مساعدة معنى التقليد على نفي اعتبار ما عدا الفتوى كفانا لإثبات نفي اعتبار الظنّ إطلاق الأدلّة و معاقد الإجماعات المنقولة حسبما أشرنا إليه، مضافا إلى صريح معقد الإجماع العملي و هو سيرة المسلمين، فإنّ الفتوى في غالب مواردها و إن كانت تصادف حصول الظنّ و الاطمئنان للمستفتي بالمفتي لكثرة وثوقه به و اعتماده عليه، غير أنّه ليس من الظنّ بالواقع في كلّ مسألة، و لو سلّم فحصوله ليس على وجه الالتزام و التقييد بحيث يكون مدار عمل المستفتين بفتاوى المفتين على مراعاة الظنّ الفعلي بالحكم.
نعم ربّما يسبق إلى الوهم أنّ التمسّك بالدليل العقلي الّذي مرجعه إلى دليل الانسداد المنتج للظنّ المطلق يقضي بابتناء التقليد أيضا على الظنّ المطلق.
و لكن يزيّفه: ما بيّنّاه في مباحث الاجتهاد من أنّ العقل بعد ملاحظة تعذّر الامتثال العلمي التفصيلي لفرض انسداد باب العلم و سقوط اعتبار الامتثال العلمي الإجمالي- المبنيّ على
..........
العمل بالاحتياط عقلا لتعذّره، أو شرعا لأدائه إلى العسر و الحرج العظيم الّذي لا يتحمّل مثله عادة، أو للإجماع بل الضرورة على أنّه ليس مبنى امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال في الشريعة على طريقة الاحتياط على التعيين- لا يحكم بتعيّن الظنّ أو غيره أوّلا و بالذات، بل إنّما يحكم بتعيّن العمل بما هو أقرب إلى الامتثال العلمي تفصيلا أو إجمالا ممّا لا يستتبع محذوريهما و لا محذور آخر، و إنّما صار نتيجته للمجتهد العمل بالظنّ لأنّ الأقرب إلى الامتثال العلمي في حقّ المجتهد هو الامتثال الاجتهادي المبنيّ على الأخذ بالظنون الاجتهاديّة، و مرجعه إلى الأخذ بالمظنونات على أنّها أحكام فعليّة يجب بناء العمل و ترتيب آثار الواقع عليها.
و لا ريب أنّ الأقرب إلى الامتثال العلمي بكلا قسميه بعد تعذّره و تعذّر الامتثال الاجتهادي في حقّ المقلّد هو الامتثال التقليدي المبنيّ على العمل بفتاوى المجتهد، و مرجعه إلى الأخذ بالأحكام المفتى بها في امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال على أنّها أحكام فعليّة يجب بناء العمل و ترتيب آثار الواقع عليها.
و هذا كما ترى ممّا لا مدخل لظنّ المقلّد فيه أصلا و لا نظر للعقل في حكمه بتعيّنه إلى اعتبار حصول ظنّ له.
بل نقول: إنّ الأحكام المفتى بها بالنسبة إلى المقلّد هي بعينها المظنونات بالظنون الاجتهاديّة بالنسبة إلى المجتهد، و كما أنّ المجتهد لا يعتبر في عمله أزيد من علمه بمظنوناته الحاصل له باجتهاده، فكذلك المقلّد لا يعتبر في عمله أزيد من علمه بمظنونات مجتهده الحاصل له بالإفتاء.
و قضيّة ذلك أن يكون وجه اعتبار الأحكام المفتى بها لعمل المقلّد هو وجه اعتبار تلك الأحكام في عمل المجتهد بعينه، و هو كونها مظنوناته و مؤدّيات اجتهاده الّتي دلّ القاطع من العقل و الشرع على كونها أحكاما فعليّة يجب عليهما بناء العمل عليها و ترتيب آثار الواقع عليها، كما يشير إليه القياس المنتظم لعمل المجتهد بظنّه في كلّ مسألة، المقرّر في كلامهم من غير خلاف: «بأنّ هذا ما أدّى إليه اجتهادي، و كلّ ما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي و حقّ مقلّدي» حيث أخذ المجتهد و المقلّد معا في جانب الأكبر، و مرجعه إلى كونهما معا موضوعين لحكم اللّه الفعلي.
و بالجملة كون مظنونات المجتهد و مؤدّيات اجتهاده أحكام اللّه الفعليّة نسبته واحدة