بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 379

..........

المنوطة بإفادتها الظنّ بالواقع؟ قولان، أقواهما الأوّل وفاقا لجمع، و هو ظاهر إطلاق الأكثر بجواز التقليد للعامي أو وجوب رجوع من لم يبلغ رتبة الاجتهاد إلى المجتهد، بل ظاهر إطلاق معاقد الإجماعات المنقولة.

لنا على ذلك: أنّ معنى التقليد- على ما بيّنّاه في توجيه تعريفه- أن لا يعتبر فيه حصول الظنّ للمقلّد من فتوى المجتهد، و لو اتّفق حصوله في بعض الأحيان كان في خلوّه عن الفائدة كالحجر الموضوع في جنب الإنسان، و ذلك أنّ الأخذ بقول الغير من دون دليل على خصوص ذلك القول معناه أن يكون مستند الآخذ في أخذه نفس ذلك القول.

و هذا يقتضي أن لا يكون لظنّ الآخذ مدخليّة فيه، و إلّا كان مستنده هو ظنّه الحاصل بالقول لا نفس القول الّذي يعبّر عنه في المقام بالفتوى، و هو بهذا المعنى مورد للأدلّة المتقدّمة المقامة على مشروعيّته و وجوب رجوع العامي إلى المجتهد، و منها قوله(عليه السلام): «فللعوام أن يقلّدوه» و قوله(عليه السلام)أيضا: «فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» و هو معقد الإجماعات المنقولة.

و قضيّة ذلك أن لا يحتاج المقلّد لعمله في المسائل إلى أزيد من إحراز فتوى مجتهده بطريق العلم أو ما يقوم مقامه، كما يشهد به القياس المعروف المنتظم من القطعيّتين المقام على جواز عمله في كلّ مسألة ترد عليه و يقلّد فيها، المقرّر: «بأنّ هذا ما أفتى به المفتي، و كلّما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي» حيث اكتفى في حدّ الوسط بفتوى المفتي و لم يؤخذ معها ظنّ المستفتي.

و لو سلّم عدم مساعدة معنى التقليد على نفي اعتبار ما عدا الفتوى كفانا لإثبات نفي اعتبار الظنّ إطلاق الأدلّة و معاقد الإجماعات المنقولة حسبما أشرنا إليه، مضافا إلى صريح معقد الإجماع العملي و هو سيرة المسلمين، فإنّ الفتوى في غالب مواردها و إن كانت تصادف حصول الظنّ و الاطمئنان للمستفتي بالمفتي لكثرة وثوقه به و اعتماده عليه، غير أنّه ليس من الظنّ بالواقع في كلّ مسألة، و لو سلّم فحصوله ليس على وجه الالتزام و التقييد بحيث يكون مدار عمل المستفتين بفتاوى المفتين على مراعاة الظنّ الفعلي بالحكم.

نعم ربّما يسبق إلى الوهم أنّ التمسّك بالدليل العقلي الّذي مرجعه إلى دليل الانسداد المنتج للظنّ المطلق يقضي بابتناء التقليد أيضا على الظنّ المطلق.

و لكن يزيّفه: ما بيّنّاه في مباحث الاجتهاد من أنّ العقل بعد ملاحظة تعذّر الامتثال العلمي التفصيلي لفرض انسداد باب العلم و سقوط اعتبار الامتثال العلمي الإجمالي- المبنيّ على


صفحه 380

..........

العمل بالاحتياط عقلا لتعذّره، أو شرعا لأدائه إلى العسر و الحرج العظيم الّذي لا يتحمّل مثله عادة، أو للإجماع بل الضرورة على أنّه ليس مبنى امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال في الشريعة على طريقة الاحتياط على التعيين- لا يحكم بتعيّن الظنّ أو غيره أوّلا و بالذات، بل إنّما يحكم بتعيّن العمل بما هو أقرب إلى الامتثال العلمي تفصيلا أو إجمالا ممّا لا يستتبع محذوريهما و لا محذور آخر، و إنّما صار نتيجته للمجتهد العمل بالظنّ لأنّ الأقرب إلى الامتثال العلمي في حقّ المجتهد هو الامتثال الاجتهادي المبنيّ على الأخذ بالظنون الاجتهاديّة، و مرجعه إلى الأخذ بالمظنونات على أنّها أحكام فعليّة يجب بناء العمل و ترتيب آثار الواقع عليها.

و لا ريب أنّ الأقرب إلى الامتثال العلمي بكلا قسميه بعد تعذّره و تعذّر الامتثال الاجتهادي في حقّ المقلّد هو الامتثال التقليدي المبنيّ على العمل بفتاوى المجتهد، و مرجعه إلى الأخذ بالأحكام المفتى بها في امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال على أنّها أحكام فعليّة يجب بناء العمل و ترتيب آثار الواقع عليها.

و هذا كما ترى ممّا لا مدخل لظنّ المقلّد فيه أصلا و لا نظر للعقل في حكمه بتعيّنه إلى اعتبار حصول ظنّ له.

بل نقول: إنّ الأحكام المفتى بها بالنسبة إلى المقلّد هي بعينها المظنونات بالظنون الاجتهاديّة بالنسبة إلى المجتهد، و كما أنّ المجتهد لا يعتبر في عمله أزيد من علمه بمظنوناته الحاصل له باجتهاده، فكذلك المقلّد لا يعتبر في عمله أزيد من علمه بمظنونات مجتهده الحاصل له بالإفتاء.

و قضيّة ذلك أن يكون وجه اعتبار الأحكام المفتى بها لعمل المقلّد هو وجه اعتبار تلك الأحكام في عمل المجتهد بعينه، و هو كونها مظنوناته و مؤدّيات اجتهاده الّتي دلّ القاطع من العقل و الشرع على كونها أحكاما فعليّة يجب عليهما بناء العمل عليها و ترتيب آثار الواقع عليها، كما يشير إليه القياس المنتظم لعمل المجتهد بظنّه في كلّ مسألة، المقرّر في كلامهم من غير خلاف: «بأنّ هذا ما أدّى إليه اجتهادي، و كلّ ما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي و حقّ مقلّدي» حيث أخذ المجتهد و المقلّد معا في جانب الأكبر، و مرجعه إلى كونهما معا موضوعين لحكم اللّه الفعلي.

و بالجملة كون مظنونات المجتهد و مؤدّيات اجتهاده أحكام اللّه الفعليّة نسبته واحدة


صفحه 381

..........

فيما بينه و بين مقلّديه، و معه لا يعقل في عمل المقلّد اعتبار أزيد من فتوى المجتهد، و الأصل في وحدة النسبة- حسبما بيّنّاه- كون الاجتهاد و تحصيل مقدّماته واجبا كفائيّا، فإذا حصل ممّن قام به الكفاية و هو المجتهد كان مسقطا عن سائر المكلّفين الغير البالغين رتبة الاجتهاد، و إنّما لم يسقط من البالغين رتبة الاجتهاد لقيام القاطع من العقل و الشرع على عدم كون مؤدّيات اجتهاد مجتهد أحكاما فعليّة في حقّهم.

فإن قلت: إذا كان مبنى الدليل العقلي المقام على حجّية ظنّ المجتهد له و فتواه لمقلّده على تعيّن الأخذ بالأقرب كما ذكرت.

فنحن نقول: إنّ الفتوى المفيدة للظنّ للمقلّد أقرب إلى الواقع من الفتوى الغير المفيدة له، فتعيّن الأخذ بالاولى و لا يسوغ العدول عنها إلى الثانية أخذا بموجب الدليل العقلي.

قلت: هذه الأقربيّة على فرض اطّراد إمكان حصول الظنّ للمقلّد من فتوى المجتهد ملغاة في نظر العقل، و غير مؤثّرة في تعيين الأخذ بما أفاد الظنّ و منع الأخذ بما لم يفده، سواء فرضت الاختلاف في إفادتها إيّاه و عدم إفادتها له بين مقلّدين لمجتهد واحد بأن أفاد فتواه في المسألة لأحدهما الظنّ و لم تفده للآخر، أو بين مجتهدين لمقلّد واحد بأن حصل له الظنّ في المسألة من فتوى أحدهما دون فتوى الآخر، و ليست هذه الأقربيّة إلّا كالأقربيّة المتوهّمة في البيّنة المفيدة للظنّ للحاكم في واقعة حكمه قبالا لبيّنة اخرى موافقة لها و مساوية لها في اجتماع شرائط الحجّية و الاعتبار غير مفيدة للظنّ، مع أنّه لا ريب في كونها ملغاة في نظر العقل و الشرع، لبناء البيّنات على التعبّد الصرف فيكون الظنّ المفروض مع بيّنته في لحاظ الحاكم و قضيّة الحكم كالحجر الموضوع في جنب الإنسان.

و الضابط في مؤثّرية الأقربيّة كونها موجبة لصيرورة مورد الأقرب حكما فعليّا بالخصوص مقرونا بالشكّ في فعليّة مورد الغير الأقرب، أو القطع بعدم فعليّته أي عدم كونه الحكم الفعلي الّذي يجب التديّن به، و ذلك كفتوى المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء قبالا لفهم المقلّد نفسه و ظنّه الحاصل له من غير جهة الفتوى أو قول غيره ممّن ليس بمجتهد جامع الشرائط كأبيه أو أمّه أو معلّمه أو عالم آخر غير فقيه، و إن اتّفق حصول الظنّ له بأحد هذه المذكورات و لم يحصل من فتوى المجتهد الجامع للشرائط.

و لا ريب أنّ الأوّل نوعا أقرب إلى الواقع باعتبار غلبة مصادفته الواقع، و كلّ من مقابلاته أبعد عن الواقع نوعا باعتبار غلبة عدم مصادفة الواقع، و لذا كان ما يفسد المقلّد


صفحه 382

..........

منها أكثر ممّا يصلحه، فيحكم العقل المستقلّ بملاحظة هذه الأقربيّة بتعيّن الأخذ بالأوّل و يمنعه من الأخذ بمقابلاته.

و قضيّة ذلك كون أحكامه الفعليّة الّتي يجب عليه التديّن بها فتاوى المجتهد دون غيرها.

و لا ريب أنّ هذه الأقربيّة غير موجودة في فتوى المجتهد المفيدة للظنّ قبالا لغير المفيدة له في شيء من الصورتين المتقدّمتين.

أمّا في الصورة الاولى: فلأنّ المفروض كون مؤدّيات اجتهاد المجتهد الواحد أحكاما فعليّة يجب بناء العمل عليها، و هذه نسبته واحدة بينه و بين كلّ مقلّد له و هو من شأنه التقليد باعتبار عدم بلوغه رتبة الاجتهاد، و لا تختلف هذه النسبة باتّفاق حصول الظنّ من فتواه لمقلّد دون آخر، ضرورة أنّ من لم يحصل له الظنّ لا محيص له أيضا من تقليد هذا المجتهد.

و أمّا في الصورة الثانية: فلأنّ المفروض كون مؤدّيات اجتهاد كلّ من المجتهدين أحكاما فعليّة في حقّه و حقّ مقلّديه، و هذه أيضا نسبة واحدة بينه و بين كلّ من شأنه و وظيفته التقليد، سواء رجع إلى أحدهما المعيّن أو اختلفوا في الرجوع بأن اختار طائفة أحدهما و اخرى الآخر، لا يتفاوت الحال في ذلك بين اتّفاق حصول الظنّ من فتوى أحدهما في مسألة دون فتوى الآخر و عدمه.

و قضيّة ذلك كون الأحكام الفعليّة لكلّ مقلّد قبل اختياره أحدهما مخيّرا فيها بين فتاوى هذا المجتهد أو فتاوى ذاك المجتهد، فأيّهما اختار تعيّن عليه مختاره، و الأصل في ذلك تساوي المجتهدين في غلبة مصادفة فتاوى كلّ منهما نوعا للواقع و إن اختلفوا في خصوصيّات المسائل المختلف فيها.

و مرجع هذا التساوي إلى كون فتاوى أحد المجتهدين مع فتاوى صاحبه متشاركتين في المصلحة، فتعيّن إحداهما أحكاما فعليّة للمقلّد في ابتداء أمره دون الاخرى ترجيح بلا مرجّح و هو محال، و ما قد يتّفق حصوله له في شخص مسألة من الظنّ من فتوى أحدهما في هذه المسألة لا يصلح مرجّحا للنوع، و إناطة الأمر بالظنّ الفعلي في خصوصيّات المسائل الموجب لتعيّن تقليد كلّ منهما في مسألة حصل الظنّ فيها من فتواه توجب عدم انتظام أمر التقليد و في ذلك عسر عظيم و حرج شديد لا يتحمّل عادة.

نعم لو كان المجتهدان مع اختلافهما في الرأي متفاضلين- بكون أحدهما فاضلا و الآخر مفضولا و مرجعه إلى اختلافهما في الأعلميّة و غيرها- أمكن القول بكون فتوى الأعلم


صفحه 383

..........

أقرب إلى الواقع من فتوى غير الأعلم بالأقربيّة المؤثّرة في كون مؤدّيات اجتهاده أحكاما فعليّة للمقلّد المتمكّن من الرجوع إليهما باعتبار كونها أغلب مصادفة للواقع من فتاوى غير الأعلم و إن كانت هي في حدّ أنفسها أيضا غالب المصادفة له، فيحكم العقل بتعيّن الأخذ بها و لو باعتبار كونها القدر المتيقّن من الحكم الفعلي، لمكان الشكّ في كون فتوى غير الأعلم أيضا حكما فعليّا في حقّه و عدمه، إلّا أن يكون هناك صارف لهذه الأقربيّة عن التأثير، نظير صارف أقربيّة الاحتياط عن التأثير في تعيّن العمل به من تعذّره لكثير و تعسّره للباقين فسقط اعتباره مع دوام إصابته الواقع، فأمكن إجراء نحوه في المقام بأن يقال: إنّ الأخذ بهذا الأقرب يتوقّف على تشخيص الأعلم و معرفته و تمكّن الوصول إليه و هو متعذّر لأكثر العوامّ و متعسّر للباقين، فتأمّل و تمام البحث يأتي في محلّه.

ثمّ لو فرض عدم كون نتيجة الدليل العقلي الأخذ بالأقرب، نقول: كونه منتجا للظنّ المطلق إنّما يسلّم مع تعدّد الأمارات و أسباب الظنّ نوعا كما هو الحال في أمارات المجتهد، و أمّا مع اتّحاد الأمارة و انحصارها في واحد- كما فيما نحن فيه لكون فتوى المجتهد بالقياس إلى عمل المقلّد بحسب النوع امرأة واحدة- فنتيجته الظنّ الخاصّ على معنى كون اعتبارها من هذا الباب، و مرجعه إلى اعتبار ذات سبب الظنّ و إن يفده لا الظنّ الحاصل منه بالخصوص كما تنبّه عليه بعض مشايخنا(قدّس سرّه)، و اعتبار الوحدة في النوع ممّا يدفع توهّم كون المجتهدين المختلفين في الرأي بالنسبة إلى المقلّد أمارتين متعارضتين فوجب الترجيح بينهما بالظنّ، فيلزم كون الدليل منتجا للظنّ المطلق، فإنّ فتوى المجتهد بالمعنى الجنسي في كلّ من المضاف و المضاف إليه نوع واحد تتعدّد تارة جزئيّاته الإضافيّة و اخرى جزئيّاته الحقيقيّة، و لا ينافي شيء منهما لوحدته النوعيّة كما في خبر الواحد.

غاية الأمر أنّه لو وقع التعارض بين الإضافيّين أو فردين منهما بنى على التخيير في المتساويين لاستحالة الترجيح من غير مرجّح، و على الترجيح في المتفاضلين بالأعلميّة أو الأورعيّة إن قلنا به، و إلّا فعلى التخيير مطلقا.

ثمّ بقي في المقام شيء و هو أنّه قد يتوهّم أنّ أخذ الأقربيّة و الأكمليّة في محلّ التقليد على ما هو نتيجة الدليل العقلي كما ذكرناه أوّلا ينافي ما تقدّم سابقا في معنى التقليد من أنّه الأخذ بقول الغير من حيث إنّه قوله، على أن يكون الوسط كونه قوله لا غير، فإنّ قضيّة هذا البيان كون قول الغير مأخوذا فيه على وجه الموضوعيّة، و قضيّة الدليل العقلي كونه


صفحه 384

..........

يؤخذ به على وجه الطريقيّة كما هو مفاد إناطة الأمر بالأقربيّة.

و يدفعه: أنّ أخذ قول الغير من حيث هو في معنى التقليد للتنبيه على أنّ المقلّد في أخذه بذلك القول لا يتحرّى في طلب الدليل التفصيلي الّذي نشأ منه ذلك القول، و اللازم منه كون وسطه كونه قولا للغير، و أخذ الأقربيّة في محلّ التقليد إنّما هو لنفي اعتبار الأبعد كقول غير الفقيه الجامع للشرائط، مع التنبيه على عدم كون مصلحة الواقع في جعل قول الفقيه مرجعا للمقلّد ملغاة في نظر الشرع و العقل و هذا لا ينافي الموضوعيّة، لا بمعنى أن يحدث بسبب قيام أمارة الفتوى بالواقعة مصلحة فيها مقابلة لمصلحة الواقع مغيّرة للحكم ليلزم منه التصويب الباطل، بل بمعنى أنّه قصد من الأمر بسلوكها إدراك مصلحة الواقع و الوصول إليه مع اشتماله على مصلحة يتدارك بها ما فات من مصلحة الواقع على تقدير عدم إصابتها الواقع، كما هو الحال في الأمارات المجعولة للمجتهد لئلّا يلزم الظلم على الشارع بتفويته مصلحة الواقع على المكلّف بلا مصلحة متدارك بها، كما يلزم ذلك على تقدير جعلها من باب الطريقيّة، و هذا هو المراد من اعتبارها من باب الموضوعيّة.

و إن شئت سمّه بشبه الموضوعيّة من حيث كونه برزخا بين الموضوعيّة و الطريقيّة كما أومأنا إليه في المباحث المتقدّمة.

و بالجملة فرق واضح بين معقد اصطلاحهم في التقليد و مورد الأدلّة المقامة على مشروعيّته، و يختلف الحال في ذلك باعتبار الحيثيّة، فقول المجتهد إن اخذ من حيث ذاته و مع قطع النظر عن الدليل الّذي هو مدرك القول و منشأه كان داخلا في مفهوم التقليد بحسب العرف و الاصطلاح، و إن اخذ من حيث وصفه و هو الأقربيّة كان موردا للأدلّة المقامة على مشروعيّة التقليد من العقل و الشرع، و مرجعه إلى أنّ أدلّة مشروعيّة التقليد إنّما قضت بجواز الأخذ بقول الغير من غير دليله التفصيلي إذا كان أقرب إلى الواقع لا مطلقا، و لا يكون ذلك إلّا قول المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء، فلا تدافع بين الاعتبارين.

و ثالثها: [في من يشرع له التقليد]

أنّ التقليد المشروع- على ما ظهر من تضاعيف المسألة- مخصوص بالمكلّف الغير البالغ رتبة الاجتهاد، عاميّا كان أو فاضلا عارفا بطرف من العلوم، و أمّا غيره البالغ رتبته المعبّر عنه بصاحب ملكة الاستنباط فإن كان بحيث اجتهد في المسائل فعلا و كان مطلقا فلا إشكال في أنّه لا يجوز له التقليد قولا واحدا و عليه الإجماع بقسميه من المحصّل و المنقول مستفيضا، و مدركه الكبرى المتحصّلة للمجتهد بموجب الأدلّة القاطعة الناطقة


صفحه 385

..........

بحجّية ظنّه و مؤدّى اجتهاده المعبّر عنها: «بأنّ كلّما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي» فإنّها في اقتضاء المنع من التقليد من القضايا الّتي قياساتها معها، ضرورة أنّ كون مؤدّى اجتهاده حكم اللّه في حقّه معناه وجوب بناء العمل عليه و حرمة مخالفته، و الرجوع إلى الغير في محلّ الخلاف مخالفة و طرح له فيكون حراما.

و إن كان متجزّيا فلا إجماع على منع التقليد فيه كما لا إجماع على جواز عمله بظنّ نفسه لمكان الخلاف، غير أنّ الأقوى جواز العمل له بظنّه لكونه أقرب إلى الواقع بالقياس إلى ظنّ غيره، و قد يعلّل بأنّه عمل عن معرفة و التقليد عمل لا عن معرفة.

و لا ريب في رجحان الأوّل و حسنه في نظر العقل، كحسن تحصيل ملكة الاستنباط فيمن يقدر عليه و هو مردّد بينه و بين التقليد.

و لا خفاء في ضعفه، لأنّ حسن العمل عن معرفة إنّما يسلّم في العمل المشروع، و ما شكّ في مشروعيّته لا حسن فيه بل العقل مستقلّ بقبحه كما يظهر بأدنى تأمّل.

هذا إذا كان الناظر في حكم المتجزّي غيره من العلماء الأزكياء و أمّا إذا كان الناظر هو المتجزّي نفسه لاستعلام حكمه فلمّا كان أمره دائرا بين المحذورين حرمة التقليد و حرمة العمل بالظنّ- لاندراجه في كلّ من عمومات المنع من التقليد و عمومات المنع من العمل بالظنّ بل منع العمل بما وراء العلم- فالمتعيّن في حقّه اتّباع العلم و انتهاء عمله إليه في المسألة الفرعيّة أو الاصوليّة أو العمل بالاحتياط و لا محيص له عن أحد هذه الامور، فإن أدّى اجتهاده في المسألة الفرعيّة إلى العلم بالحكم الواقعي فلا إشكال، و إلّا تأمّل في المسألة الاصوليّة فإن وصل إلى قاطع يقضي بجواز بنائه على ظنّه و أخذه بمؤدّى اجتهاده أو بجواز رجوعه إلى غيره فلا إشكال أيضا، و إلّا فلا مناص له من العمل بالاحتياط، و إن كان لم يجتهد فعلا أصلا ففي جواز التقليد له أو وجوب العمل بالاحتياط خلاف.

و التحقيق هنا أيضا أنّ الحكم الواقعي في حقّه أحد الأمرين من الاجتهاد و العمل بمؤدّاه أو الأخذ بالاحتياط بعد معرفته و معرفة موارده، و لا يسوغ له العدول إلى التقليد لعموم أدلّة منعه و حرمته و استقلال العقل برجحان الاجتهاد و حسنه.

هذا إذا أمكنه الاجتهاد، و أمّا إذا لم يمكنه لضيق وقت أو فقد كتب أو مانع آخر فمقتضى الأصل و القاعدة تعيّن العمل بالاحتياط و عدم جواز التقليد له، لكن ظاهر العلماء هنا جواز التقليد و عدم وجوب الاحتياط لعدم كونه ممّا أوجب الشارع سلوكه بعينه في امتثال أحكامه.


صفحه 386

..........

و قد سبق البحث مشروحا في جميع هذه المسائل في مباحث الاجتهاد و لا حاجة هنا إلى الإعادة و التكرار.

و رابعها: [في مشروعيّة الاحتياط لتارك طريقي الاجتهاد و التقليد]

أنّ التقليد المشروع للعامي و من بحكمه هل هو على التخيير بينه و بين العمل بالاحتياط مع إمكانه كما هو الأصحّ، أو على التعيين؟ فلا يجزيه الاحتياط و لا يجوز البناء عليه كما عن ظاهر الأكثر، و يوهمه إطلاق إجماعاتهم المنقولة على بطلان عبادات الجاهل و عمل تارك طريقي الاجتهاد و التقليد، و على وجوب معرفة واجبات الصلاة و مستحبّاتها ليقع كلّ على وجهه، و ما عن المتكلّمين من إطباقهم على وجوب معرفة واجب كلّ عبادة و مستحبّه ليقع كلّ على وجهه.

و هذا هو الكلام في الجهة الثانية من الجهتين المتقدّم إليهما الإشارة، غير أنّه لا يختصّ بالمقلّد بل يجري في المجتهد أعني صاحب ملكة الاستنباط الّذي طريقه المشروع هو الاجتهاد، فيقال: هل هو على التخيير بينه و بين العمل بالاحتياط أو على التعيين؟ فالعنوان العامّ الجامع لهما هو أنّ المكلّف بسلوك أحد الطريقين هل يجوز له ترك هذا الطريق و سلوك مسلك الاحتياط أو لا؟

و إنّما قيّدنا العنوان بتارك الطريقين إذ لا إشكال بل لا خلاف لأحد في غير صورة الترك في حسن الاحتياط و رجحانه بل وجوبه أيضا في بعض الأحيان، كالمجتهد في المسائل المتردّد فيها لفقد نصّ أو إجماله أو تعارضه، و كالمتجزّئ إذا لم يؤدّ اجتهاده في المسألة الفرعيّة إلى القطع بالحكم و عجزه عن إقامة الدلالة القاطعة في المسألة الاصوليّة على عمله بظنّه و لا ظنّ غيره، و كالمطلق بعد فراغه من الاستنباط أو المقلّد له بعد استكماله التقليد فيحسن لهما الأخذ بطريقة الاحتياط في مظانّ مخالفة الفتوى له.

و على هذه الصورتين ينزّل القضيّة المشهورة المتسالم فيها المعبّر عنها: «بأنّ الاحتياط حسن على كلّ حال» دفعا لمنافاتها الإشكال و الخلاف الّذي عنون لأجله المسألة إن كان.

ثمّ من الظاهر اختصاص الإشكال أو الخلاف- على فرض ثبوته- بالاحتياط المعمول به في العبادات بالمعنى الأخصّ و هو ما اعتبر في صحّته النيّة و قصد القربة، و أمّا المعاملات بالمعنى المقابل لها سواء كان ممّا بنى مشروعيّته على ورود الأمر به إيجابا أو ندبا كالواجبات و المندوبات التوصّلية أو لا كالعقود و الإيقاعات فينبغي القطع بجواز ترك الطريقين و سلوك طريقة الاحتياط فيها، فالمريد لغسل المتنجّس مثلا يحتاط فيغسله مرّتين، و القاصد لإجراء