..........
يؤخذ به على وجه الطريقيّة كما هو مفاد إناطة الأمر بالأقربيّة.
و يدفعه: أنّ أخذ قول الغير من حيث هو في معنى التقليد للتنبيه على أنّ المقلّد في أخذه بذلك القول لا يتحرّى في طلب الدليل التفصيلي الّذي نشأ منه ذلك القول، و اللازم منه كون وسطه كونه قولا للغير، و أخذ الأقربيّة في محلّ التقليد إنّما هو لنفي اعتبار الأبعد كقول غير الفقيه الجامع للشرائط، مع التنبيه على عدم كون مصلحة الواقع في جعل قول الفقيه مرجعا للمقلّد ملغاة في نظر الشرع و العقل و هذا لا ينافي الموضوعيّة، لا بمعنى أن يحدث بسبب قيام أمارة الفتوى بالواقعة مصلحة فيها مقابلة لمصلحة الواقع مغيّرة للحكم ليلزم منه التصويب الباطل، بل بمعنى أنّه قصد من الأمر بسلوكها إدراك مصلحة الواقع و الوصول إليه مع اشتماله على مصلحة يتدارك بها ما فات من مصلحة الواقع على تقدير عدم إصابتها الواقع، كما هو الحال في الأمارات المجعولة للمجتهد لئلّا يلزم الظلم على الشارع بتفويته مصلحة الواقع على المكلّف بلا مصلحة متدارك بها، كما يلزم ذلك على تقدير جعلها من باب الطريقيّة، و هذا هو المراد من اعتبارها من باب الموضوعيّة.
و إن شئت سمّه بشبه الموضوعيّة من حيث كونه برزخا بين الموضوعيّة و الطريقيّة كما أومأنا إليه في المباحث المتقدّمة.
و بالجملة فرق واضح بين معقد اصطلاحهم في التقليد و مورد الأدلّة المقامة على مشروعيّته، و يختلف الحال في ذلك باعتبار الحيثيّة، فقول المجتهد إن اخذ من حيث ذاته و مع قطع النظر عن الدليل الّذي هو مدرك القول و منشأه كان داخلا في مفهوم التقليد بحسب العرف و الاصطلاح، و إن اخذ من حيث وصفه و هو الأقربيّة كان موردا للأدلّة المقامة على مشروعيّة التقليد من العقل و الشرع، و مرجعه إلى أنّ أدلّة مشروعيّة التقليد إنّما قضت بجواز الأخذ بقول الغير من غير دليله التفصيلي إذا كان أقرب إلى الواقع لا مطلقا، و لا يكون ذلك إلّا قول المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء، فلا تدافع بين الاعتبارين.
و ثالثها: [في من يشرع له التقليد]
أنّ التقليد المشروع- على ما ظهر من تضاعيف المسألة- مخصوص بالمكلّف الغير البالغ رتبة الاجتهاد، عاميّا كان أو فاضلا عارفا بطرف من العلوم، و أمّا غيره البالغ رتبته المعبّر عنه بصاحب ملكة الاستنباط فإن كان بحيث اجتهد في المسائل فعلا و كان مطلقا فلا إشكال في أنّه لا يجوز له التقليد قولا واحدا و عليه الإجماع بقسميه من المحصّل و المنقول مستفيضا، و مدركه الكبرى المتحصّلة للمجتهد بموجب الأدلّة القاطعة الناطقة
..........
بحجّية ظنّه و مؤدّى اجتهاده المعبّر عنها: «بأنّ كلّما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي» فإنّها في اقتضاء المنع من التقليد من القضايا الّتي قياساتها معها، ضرورة أنّ كون مؤدّى اجتهاده حكم اللّه في حقّه معناه وجوب بناء العمل عليه و حرمة مخالفته، و الرجوع إلى الغير في محلّ الخلاف مخالفة و طرح له فيكون حراما.
و إن كان متجزّيا فلا إجماع على منع التقليد فيه كما لا إجماع على جواز عمله بظنّ نفسه لمكان الخلاف، غير أنّ الأقوى جواز العمل له بظنّه لكونه أقرب إلى الواقع بالقياس إلى ظنّ غيره، و قد يعلّل بأنّه عمل عن معرفة و التقليد عمل لا عن معرفة.
و لا ريب في رجحان الأوّل و حسنه في نظر العقل، كحسن تحصيل ملكة الاستنباط فيمن يقدر عليه و هو مردّد بينه و بين التقليد.
و لا خفاء في ضعفه، لأنّ حسن العمل عن معرفة إنّما يسلّم في العمل المشروع، و ما شكّ في مشروعيّته لا حسن فيه بل العقل مستقلّ بقبحه كما يظهر بأدنى تأمّل.
هذا إذا كان الناظر في حكم المتجزّي غيره من العلماء الأزكياء و أمّا إذا كان الناظر هو المتجزّي نفسه لاستعلام حكمه فلمّا كان أمره دائرا بين المحذورين حرمة التقليد و حرمة العمل بالظنّ- لاندراجه في كلّ من عمومات المنع من التقليد و عمومات المنع من العمل بالظنّ بل منع العمل بما وراء العلم- فالمتعيّن في حقّه اتّباع العلم و انتهاء عمله إليه في المسألة الفرعيّة أو الاصوليّة أو العمل بالاحتياط و لا محيص له عن أحد هذه الامور، فإن أدّى اجتهاده في المسألة الفرعيّة إلى العلم بالحكم الواقعي فلا إشكال، و إلّا تأمّل في المسألة الاصوليّة فإن وصل إلى قاطع يقضي بجواز بنائه على ظنّه و أخذه بمؤدّى اجتهاده أو بجواز رجوعه إلى غيره فلا إشكال أيضا، و إلّا فلا مناص له من العمل بالاحتياط، و إن كان لم يجتهد فعلا أصلا ففي جواز التقليد له أو وجوب العمل بالاحتياط خلاف.
و التحقيق هنا أيضا أنّ الحكم الواقعي في حقّه أحد الأمرين من الاجتهاد و العمل بمؤدّاه أو الأخذ بالاحتياط بعد معرفته و معرفة موارده، و لا يسوغ له العدول إلى التقليد لعموم أدلّة منعه و حرمته و استقلال العقل برجحان الاجتهاد و حسنه.
هذا إذا أمكنه الاجتهاد، و أمّا إذا لم يمكنه لضيق وقت أو فقد كتب أو مانع آخر فمقتضى الأصل و القاعدة تعيّن العمل بالاحتياط و عدم جواز التقليد له، لكن ظاهر العلماء هنا جواز التقليد و عدم وجوب الاحتياط لعدم كونه ممّا أوجب الشارع سلوكه بعينه في امتثال أحكامه.
..........
و قد سبق البحث مشروحا في جميع هذه المسائل في مباحث الاجتهاد و لا حاجة هنا إلى الإعادة و التكرار.
و رابعها: [في مشروعيّة الاحتياط لتارك طريقي الاجتهاد و التقليد]
أنّ التقليد المشروع للعامي و من بحكمه هل هو على التخيير بينه و بين العمل بالاحتياط مع إمكانه كما هو الأصحّ، أو على التعيين؟ فلا يجزيه الاحتياط و لا يجوز البناء عليه كما عن ظاهر الأكثر، و يوهمه إطلاق إجماعاتهم المنقولة على بطلان عبادات الجاهل و عمل تارك طريقي الاجتهاد و التقليد، و على وجوب معرفة واجبات الصلاة و مستحبّاتها ليقع كلّ على وجهه، و ما عن المتكلّمين من إطباقهم على وجوب معرفة واجب كلّ عبادة و مستحبّه ليقع كلّ على وجهه.
و هذا هو الكلام في الجهة الثانية من الجهتين المتقدّم إليهما الإشارة، غير أنّه لا يختصّ بالمقلّد بل يجري في المجتهد أعني صاحب ملكة الاستنباط الّذي طريقه المشروع هو الاجتهاد، فيقال: هل هو على التخيير بينه و بين العمل بالاحتياط أو على التعيين؟ فالعنوان العامّ الجامع لهما هو أنّ المكلّف بسلوك أحد الطريقين هل يجوز له ترك هذا الطريق و سلوك مسلك الاحتياط أو لا؟
و إنّما قيّدنا العنوان بتارك الطريقين إذ لا إشكال بل لا خلاف لأحد في غير صورة الترك في حسن الاحتياط و رجحانه بل وجوبه أيضا في بعض الأحيان، كالمجتهد في المسائل المتردّد فيها لفقد نصّ أو إجماله أو تعارضه، و كالمتجزّئ إذا لم يؤدّ اجتهاده في المسألة الفرعيّة إلى القطع بالحكم و عجزه عن إقامة الدلالة القاطعة في المسألة الاصوليّة على عمله بظنّه و لا ظنّ غيره، و كالمطلق بعد فراغه من الاستنباط أو المقلّد له بعد استكماله التقليد فيحسن لهما الأخذ بطريقة الاحتياط في مظانّ مخالفة الفتوى له.
و على هذه الصورتين ينزّل القضيّة المشهورة المتسالم فيها المعبّر عنها: «بأنّ الاحتياط حسن على كلّ حال» دفعا لمنافاتها الإشكال و الخلاف الّذي عنون لأجله المسألة إن كان.
ثمّ من الظاهر اختصاص الإشكال أو الخلاف- على فرض ثبوته- بالاحتياط المعمول به في العبادات بالمعنى الأخصّ و هو ما اعتبر في صحّته النيّة و قصد القربة، و أمّا المعاملات بالمعنى المقابل لها سواء كان ممّا بنى مشروعيّته على ورود الأمر به إيجابا أو ندبا كالواجبات و المندوبات التوصّلية أو لا كالعقود و الإيقاعات فينبغي القطع بجواز ترك الطريقين و سلوك طريقة الاحتياط فيها، فالمريد لغسل المتنجّس مثلا يحتاط فيغسله مرّتين، و القاصد لإجراء
..........
عقد النكاح يحتاط فيجمع بين صيغتي العقد و هكذا، لأنّها أسباب لمسبّبات معيّنة لم يعتبر في ترتّبها عليها نيّة القربة حتّى يستشكل من جهة تعذّر إحراز النيّة من الجاهل، و لم يقل أحد فيها باشتراط قصد الوجه و لا العلم به حتّى يستشكل تمسّكا بانتفاء الشرط، كما أنّ من الظاهر أيضا اختصاص جريان الاحتياط في العبادات بكلّ واقعة لم يحتمل فيها الحرمة الذاتيّة لعدم إمكانه مع احتمالها.
و أمّا الحرمة التشريعيّة فلا تنافي الاحتياط بل هو رافع لموضوعها، لأنّه عبارة عن الإتيان بما لم يعلم كونه من الشرع لرجاء كونه من الشرع، و يتأتّى معه نيّة القربة لو كانت عبادة أو احتمل كونها كذلك و يرتفع به موضوع التشريع، سواء أخذناه بمعناه الأعمّ و هو إدخال ما لم يعلم دخوله في الدين فيه، أو بمعناه الأخصّ و هو إدخال ما علم خروجه من الدين فيه كما هو واضح.
و لا ينافيه أيضا قوله تعالى:أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ* وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ*لأنّه ليس قولا على اللّه بل هو أخذ بما لعلّه من اللّه.
ثمّ إنّ صور الاحتياط بأجمعها و مواردها مقصورة على أربع يختلف باختلافها كيفيّته، ففي محتمل الوجوب أو الحرمة يتأتّى باختيار الفعل في الأوّل و الترك في الثاني، و فيما يشكّ كون وجوبه على التعيين أو التخيير بينه و بين غيره يتأتّى بإتيان ما احتمل التعيين، و فيما يشكّ في جزئيّة شيء أو شرطيّته للعبادة يتأتّى بالإتيان بها مع المشكوك فيه جزءا أم شرطا، و فيما يتردّد المكلّف به بين المتباينين كالظهر و الجمعة و القصر و الإتمام يتأتّى بالجمع و التكرار، فهل يشرع في الجميع، أو لا في الجميع، أو شرع في الصورة الاولى خاصّة، أو في الصورتين الاوليين كذلك، أو في الصور الثلاث الاولى دون الأخيرة؟ و منشؤه الاستشكال في صحّة العمل اكتفاء بالامتثال الإجمالي- و هو ما لا يعلم أنّ موافقة الأمر بأيّ شيء حصل- مع إمكان الامتثال التفصيلي بمعرفة الحكم الفعلي بطريق الاجتهاد و لو ظنّا أو التقليد و لو تعبّدا، و المراد من مشروعيّة الاحتياط- على ما نبّهنا عليه في عنوان المسألة- كونه طريقا مجعولا ليكون في مقابلة كلّ من الطريقين أحد فردي الواجب التخييري، بناء على أنّه يشاركهما في المصلحة الباعثة على جعلهما طريقين و هو إدراك مصلحة الواقع أو مثل مصلحة الواقع.
و من الاصول العقليّة أنّ الشيئين المتشاركين في المصلحة يقبح إيجاب أحدهما على
..........
التعيين، كما أنّ الشيء ما لم يشارك الواجب في المصلحة الباعثة على إيجابه يقبح أخذه طرفا للتخيير و جعله بدلا عن الواجب.
و هاهنا احتمال آخر على تقدير عدم كونه طريقا مجعولا ليكون أحد فردي الواجب التخييري، بناء على أنّ الأدلّة النافية للعسر و الحرج كما تنفي وجوبه تعيينا كذلك تنفي وجوبه تخييرا، و هو أنّه هل يكون مسقطا عن الطريق المجعول لكونه محصّلا لأصل المقصود أو لا؟ فالمشروعيّة المبحوث عنها في المقام قد يراد بها كون الاحتياط أحد فردي الواجب التخييري، و قد يراد بها كونه مسقطا عمّا هو واجب بعينه، و ليس بين الاعتبارين فائدة يعتدّ بها على الظاهر إلّا في ترتّب الثواب على الفعل الاحتياطي لتحقّق الاحتياط به و عدمه إن قلنا به في الواجبات الغيريّة، و في جواز قصد الوجوب التخييري به من حيث تأدّي الاحتياط الواجب به و عدمه كما نبّه عليه بعض الفضلاء.
و كيف كان فالأصحّ الأقوى جوازه لتارك الطريقين مطلقا حتّى في نحو الصورة الأخيرة.
لنا: أنّه براءة يقينيّة و امتثال علمي فليكن مبرئ للذمّة و مخرجا عن العهدة.
و توضيحه: أنّه طريق يتضمّن إدراك الواقع في العمل و إن لم يوجب إدراكه في العلم قبل العمل فكان أولى بالإجزاء بالقياس إلى الطريقين، لوضوح أنّ مؤدّى الاجتهاد في عمل المجتهد و مؤدّى التقليد في عمل المقلّد إنّما يؤخذ به على أنّه هو الواقع مع عدم مصادفته في بعض الأحيان على وجه يشتمل سلوك هذا الطريق في صورة عدم المصادفة على مثل مصلحة الواقع ليتدارك به ما يفوت من مصلحة الواقع، و العمل بالاحتياط أخذ بنفس الواقع دائما.
هذا مضافا إلى أنّه قد تقدّم عند تقرير دليل الانسداد في غير موضع أنّ قضيّة الأصل العقلي في محلّ الاشتغال اليقيني بأحكام اللّه المعلومة بالإجمال اعتبار الامتثال العلمي التفصيلي، و مع تعذّره اعتبار الامتثال العلمي الإجمالي، و مع تعذّر أو سقوط اعتباره شرعا- و لو للتوسعة في الشريعة السمحة السهلة- اعتبار الامتثال الاجتهادي أو التقليدي، فالعدول إلى أحد الطريقين إنّما هو في مرتبة متأخّرة عن مرتبة الاحتياط، و معه كيف يعقل عدم كونه مجزيا.
و أقصى مفاد دليل عدم اعتباره إنّما هو عدم وجوب سلوكه على التعيين في نظر الشارع، و هو لا ينافي جواز سلوكه على أنّه أحد فردي الواجب التخييري.
و لو سلّم قضاء أدلّة نفي العسر و الحرج أو غيرها بعدم وجوبه مطلقا حتّى تخييرا فهو
..........
لا ينافي أيضا جوازه و حصول الإجزاء به بل حسنه و رجحانه، إذ ليس مفاد هذه الأدلّة حرمته و المنع من سلوكه، و مرجعه على تقدير صحّة الفرض إلى كونه مسقطا عن الطريق المجعول و إن لم يكن بنفسه طريقا مجعولا يجب سلوكه تعيينا أو تخييرا، بناء على أنّ وجوب سلوك أحد الطريقين غيريّ قصد به إدراك مصلحة الواقع، أو إدراك مثل مصلحة الواقع المتدارك به مصلحة الواقع و إذا كان هناك طريق آخر غير مجعول أفاد إدراك نفس الواقع دائما لم يعقل عدم كونه مجزيا و مسقطا عن الطريق المجعول.
مع أنّه لا نجد في الوجوه العقليّة و لا الشرعيّة عدا أمور ربّما يتخيّل كونها وجها للمنع، من الأصل المعبّر عنه بأصالة التعيين في واجب دار الأمر فيه بين التعيين و التخيير، أو التشكيك في كفاية الموافقة الإجماليّة في الامتثال الواجب في موضع الاشتغال اليقيني مع إمكان الموافقة التفصيليّة حسبما أشرنا إليه، أو لزوم قصد الوجه بمعنى الوجوب و الندب في صحّة العبادة، أو اعتبار معرفة الوجه على أنّها بنفسها من شروط الصحّة لا على أنّها مقدّمة لقصد الوجه على تقدير وجوبه، أو إطلاق الإجماعات المنقولة على عدم معذوريّة الجاهل و بطلان عباداته الّتي منها ما ادّعاه السيّد الرضيّ و قرّره عليه أخوه السيّد المرتضى(قدّس سرّهما)في مسألة جاهل المقصّر إذا صلّى تماما المحكوم عليه في المشهور بصحّة صلاته، حيث سئل عن هذه المسألة فقال: «الإجماع منعقد على أنّ من صلّى صلاة لا يعلم أحكامها فهي غير مجزية، و الجهل بأعداد الركعات جهل بأحكامها فلا تكون مجزية».
و أجاب المرتضى(رحمه اللّه)عنه: بجواز تغيّر الحكم الشرعي بسبب الجهل و إن كان الجاهل غير معذور.
و لا خفاء في وهن الجميع:
أمّا الأوّل: فلأنّ الأصل النافي للاجتزاء بغير ما احتمل كونه واجبا على التعيين و إن صحّ في مظانّه غير أنّ المقام ليس من مظانّه، إذ لا مدرك له سوى قاعدة الاشتغال فيدور في جريانه مدار هذه القاعدة، و ظاهر أنّها لا تجري إلّا في موضع الشكّ في البراءة لو لا العمل بما يوجب اليقين، و قد ظهر ببياناتنا المتقدّمة أنّ العقل مستقلّ بإدراك الامتثال و الخروج عن العهدة فلا شكّ في البراءة على تقدير العمل بالاحتياط فيخرج المقام عن مجرى القاعدة، كيف و لا موجب للشكّ إلّا أحد الوجوه الباقية و ستعرف عدم صلاحية شيء منها منشأ له.
و أمّا الثاني:- فمع توجّه المنع إلى إطلاق دعوى الموافقة الإجماليّة بالقياس إلى جميع
..........
الصور الأربع المتقدّمة و إنّما تسلّم في خصوص الصورة الأخيرة، لوضوح أنّ الاحتياط في الثلاث الاولى موافقة تفصيليّة، لأنّه فيما يحتمل الوجوب إنّما يأتي به بداعي امتثال الأمر به بعينه على تقدير وجوبه في الواقع، و في الإتيان بما جامع المحتملات في مسألة الجهل بحكم الأجزاء من حيث الوجوب و الاستحباب إنّما يأتي بالمأمور به بداعي الأمر به بعينه.
غاية الأمر أنّه على تقدير عدم وجوب جميع الأجزاء إنّما أتى بعين المأمور به مع زيادة، و في الإتيان بما احتمل كون وجوبه على التعيين إنّما يأتي بنفس المأمور به بداعي الأمر به المردّد بين التعيين و التخيير-: أنّ شبهة كفاية الموافقة الإجماليّة في الامتثال إمّا ترجع إلى الشكّ في صدق الإطاعة و الامتثال على الموافقة الإجماليّة، أو إلى الشكّ في الكيفيّة المطلوبة من الامتثال بحسب جعل الآمر، على معنى أنّ الإطاعة و الامتثال المطلق و إن كان يصدق على الموافقة الإجماليّة كما يصدق على الموافقة التفصيليّة غير أنّ الشكّ في خصوص المقام في أنّ الامتثال في لحاظ الآمر هل قصد مطلقا أو مقيّدا بجهة التفصيل؟
و بعبارة اخرى: أنّ الشكّ في أنّ الامتثال المقصود من الأمر هل يتأتّى بالموافقة الإجماليّة أو لا يتأتّى إلّا بالموافقة التفصيليّة و عدم الاجتزاء بالموافقة الإجماليّة؟
و أيّا ما كان فهي ليست في محلّها، إذ الإطاعة و الامتثال ممّا لا يعقل له معنى إلّا أداء المأمور به على حسبما امر به بداعي الأمر به، و هذا المعنى صادق في جميع صور الاحتياط حتّى صورة التكرار، لأنّه عند الإتيان بالفعلين المتعاقبين إنّما يقصد بإتيانهما أداء المأمور به منهما على حسب ما امر به بداعي الأمر به لا غير، و هذا المعنى بعد فرض صدقه مع الموافقة الإجماليّة ممّا لا يقبل التقييد في لحاظ الأمر بجهة التفصيل، لما نجد بالعيان و شهادة الوجدان المغني عن مئونة إقامة البرهان أنّ الآمر في لحاظ الأمر غير متعرّض لتقييد ما قصده من الامتثال بجهة التفصيل، و ليس هذا إلّا من جهة أنّ غرضه حصول أداء المأمور به على حسبما امر به في الخارج من غير نظر إلى جهتي الإجمال و التفصيل اللاحقين بالامتثال، و من غير خصوصيّة لجهة التفصيل تعلّق غرضه بها، بل يقبح عليه في نظر العقل مؤاخذة المقتصر على الموافقة الإجماليّة بعد إحراز حصول أداء المأمور به على حسب ما امر به في الخارج لمجرّد إخلاله بجهة التفصيل في الامتثال.
و هذا كلّه آية أنّ تلك الخصوصيّة ملغاة في نظر العقل و العرف و الشرع.
و إن شئت فاستوضح ذلك بالصلاة إلى القبلة فيمن صلّاها إلى جهتين يقطع بكون
..........
إحداهما قبلة و هو متمكّن من تحصيل العلم بها و يتركه اكتفاء منه في أداء الصلاة إلى القبلة بالاحتياط المقتضي للجمع و التكرار، حيث إنّ الامتثال في نحو المثال صادق مع الموافقة الإجماليّة و لا يصحّ المؤاخذة على تفويت الموافقة التفصيليّة مع إمكانها.
و بالتأمّل فيما ذكرناه يظهر بطلان ما قد يفصّل في المقام من أنّه إن قلنا بكون الامتثال من قيود المأمور به في نحو قوله تعالى:أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ*فالأقرب الاكتفاء بالامتثال الإجمالي تمسّكا بإطلاق الأمر بالقياس إلى قسمي الامتثال، و إن قلنا بكونه من أغراض الآمر فلا سبيل إلى التمسّك بالإطلاق.
و حينئذ فالأحوط بل المتعيّن مراعاة الامتثال التفصيلي و لو ظنّا عملا بقاعدة الاشتغال، فإنّ كون الامتثال من قيود المأمور به غير معقول، إلّا أن يفسّر بغير ما فسّرناه و هو غير واضح، و مع فرض كونه من قبيل الأغراض فقد عرفت أنّه حاصل و صادق مع الموافقة الإجماليّة و لا يقبل التخصيص بالجهة.
و أمّا الثالث و الرابع: فلأنّه قد تقرّر في محلّه من مباحث الواجب من باب الأوامر من الكتاب عدم اعتبار شيء من قصد الوجه و معرفته في صحّة العبادة على أن يكونا من قيود المأمور به- و يكفي في نفي اعتبارهما الأصل و الإطلاق مع عدم دليل مخرج عنهما- و لا على أن يكونا من شروط صدق الامتثال، بل الدليل ناهض بخلافه و هو السيرة القطعيّة المتّصلة بأعصار أهل العصمة من النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)الكاشفة عن رضاهم.
و تمام الكلام في تقرير السيرة عند تحقيق المسألة في الفقه أوردناه في مباحث نيّة الوضوء من كتاب الطهارة[1]مع أنّ قصد الوجه على ما يظهر من دليل معتبريه إنّما اعتبر لكونه من شروط الامتثال لا من قيود العمل، و القدر المسلّم من مدخليّته في الامتثال إنّما هو حيث يتوقّف عليه التعيين الّذي هو في الحقيقة من شروط الامتثال، فقصد الوجوب أو الندب المتوقّف عليه التعيين المتوقّف عليه الامتثال إنّما يجب بشرطين أحدهما: اشتراك العبادة، و ثانيهما: انحصار مميّز العبادة المشتركة في ذلك القصد.
و أمّا إذا كان هناك مميّز آخر- و لو نحو العنوان الّذي وجبت أو استحبّت لأجله أو بسببه العبادة- فقصد هذا المميّز كاف في التعيين و صدق الامتثال و لا حاجة معه إلى قصد الوجوب و الندب، مثلا لو وجب على الإنسان ركعتان من الصلاة احتياطا أو بسبب النذر
[1]ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام (مخطوط).