..........
الصور الأربع المتقدّمة و إنّما تسلّم في خصوص الصورة الأخيرة، لوضوح أنّ الاحتياط في الثلاث الاولى موافقة تفصيليّة، لأنّه فيما يحتمل الوجوب إنّما يأتي به بداعي امتثال الأمر به بعينه على تقدير وجوبه في الواقع، و في الإتيان بما جامع المحتملات في مسألة الجهل بحكم الأجزاء من حيث الوجوب و الاستحباب إنّما يأتي بالمأمور به بداعي الأمر به بعينه.
غاية الأمر أنّه على تقدير عدم وجوب جميع الأجزاء إنّما أتى بعين المأمور به مع زيادة، و في الإتيان بما احتمل كون وجوبه على التعيين إنّما يأتي بنفس المأمور به بداعي الأمر به المردّد بين التعيين و التخيير-: أنّ شبهة كفاية الموافقة الإجماليّة في الامتثال إمّا ترجع إلى الشكّ في صدق الإطاعة و الامتثال على الموافقة الإجماليّة، أو إلى الشكّ في الكيفيّة المطلوبة من الامتثال بحسب جعل الآمر، على معنى أنّ الإطاعة و الامتثال المطلق و إن كان يصدق على الموافقة الإجماليّة كما يصدق على الموافقة التفصيليّة غير أنّ الشكّ في خصوص المقام في أنّ الامتثال في لحاظ الآمر هل قصد مطلقا أو مقيّدا بجهة التفصيل؟
و بعبارة اخرى: أنّ الشكّ في أنّ الامتثال المقصود من الأمر هل يتأتّى بالموافقة الإجماليّة أو لا يتأتّى إلّا بالموافقة التفصيليّة و عدم الاجتزاء بالموافقة الإجماليّة؟
و أيّا ما كان فهي ليست في محلّها، إذ الإطاعة و الامتثال ممّا لا يعقل له معنى إلّا أداء المأمور به على حسبما امر به بداعي الأمر به، و هذا المعنى صادق في جميع صور الاحتياط حتّى صورة التكرار، لأنّه عند الإتيان بالفعلين المتعاقبين إنّما يقصد بإتيانهما أداء المأمور به منهما على حسب ما امر به بداعي الأمر به لا غير، و هذا المعنى بعد فرض صدقه مع الموافقة الإجماليّة ممّا لا يقبل التقييد في لحاظ الأمر بجهة التفصيل، لما نجد بالعيان و شهادة الوجدان المغني عن مئونة إقامة البرهان أنّ الآمر في لحاظ الأمر غير متعرّض لتقييد ما قصده من الامتثال بجهة التفصيل، و ليس هذا إلّا من جهة أنّ غرضه حصول أداء المأمور به على حسبما امر به في الخارج من غير نظر إلى جهتي الإجمال و التفصيل اللاحقين بالامتثال، و من غير خصوصيّة لجهة التفصيل تعلّق غرضه بها، بل يقبح عليه في نظر العقل مؤاخذة المقتصر على الموافقة الإجماليّة بعد إحراز حصول أداء المأمور به على حسب ما امر به في الخارج لمجرّد إخلاله بجهة التفصيل في الامتثال.
و هذا كلّه آية أنّ تلك الخصوصيّة ملغاة في نظر العقل و العرف و الشرع.
و إن شئت فاستوضح ذلك بالصلاة إلى القبلة فيمن صلّاها إلى جهتين يقطع بكون
..........
إحداهما قبلة و هو متمكّن من تحصيل العلم بها و يتركه اكتفاء منه في أداء الصلاة إلى القبلة بالاحتياط المقتضي للجمع و التكرار، حيث إنّ الامتثال في نحو المثال صادق مع الموافقة الإجماليّة و لا يصحّ المؤاخذة على تفويت الموافقة التفصيليّة مع إمكانها.
و بالتأمّل فيما ذكرناه يظهر بطلان ما قد يفصّل في المقام من أنّه إن قلنا بكون الامتثال من قيود المأمور به في نحو قوله تعالى:أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ*فالأقرب الاكتفاء بالامتثال الإجمالي تمسّكا بإطلاق الأمر بالقياس إلى قسمي الامتثال، و إن قلنا بكونه من أغراض الآمر فلا سبيل إلى التمسّك بالإطلاق.
و حينئذ فالأحوط بل المتعيّن مراعاة الامتثال التفصيلي و لو ظنّا عملا بقاعدة الاشتغال، فإنّ كون الامتثال من قيود المأمور به غير معقول، إلّا أن يفسّر بغير ما فسّرناه و هو غير واضح، و مع فرض كونه من قبيل الأغراض فقد عرفت أنّه حاصل و صادق مع الموافقة الإجماليّة و لا يقبل التخصيص بالجهة.
و أمّا الثالث و الرابع: فلأنّه قد تقرّر في محلّه من مباحث الواجب من باب الأوامر من الكتاب عدم اعتبار شيء من قصد الوجه و معرفته في صحّة العبادة على أن يكونا من قيود المأمور به- و يكفي في نفي اعتبارهما الأصل و الإطلاق مع عدم دليل مخرج عنهما- و لا على أن يكونا من شروط صدق الامتثال، بل الدليل ناهض بخلافه و هو السيرة القطعيّة المتّصلة بأعصار أهل العصمة من النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)الكاشفة عن رضاهم.
و تمام الكلام في تقرير السيرة عند تحقيق المسألة في الفقه أوردناه في مباحث نيّة الوضوء من كتاب الطهارة[1]مع أنّ قصد الوجه على ما يظهر من دليل معتبريه إنّما اعتبر لكونه من شروط الامتثال لا من قيود العمل، و القدر المسلّم من مدخليّته في الامتثال إنّما هو حيث يتوقّف عليه التعيين الّذي هو في الحقيقة من شروط الامتثال، فقصد الوجوب أو الندب المتوقّف عليه التعيين المتوقّف عليه الامتثال إنّما يجب بشرطين أحدهما: اشتراك العبادة، و ثانيهما: انحصار مميّز العبادة المشتركة في ذلك القصد.
و أمّا إذا كان هناك مميّز آخر- و لو نحو العنوان الّذي وجبت أو استحبّت لأجله أو بسببه العبادة- فقصد هذا المميّز كاف في التعيين و صدق الامتثال و لا حاجة معه إلى قصد الوجوب و الندب، مثلا لو وجب على الإنسان ركعتان من الصلاة احتياطا أو بسبب النذر
[1]ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام (مخطوط).
..........
و استحبّت اخريان نافلة أو لأجل الحاجة فيشترط في صحّة عمله قصد ما يميّزه في الخارج، و يكفي فيه قصد الاحتياط أو النذر في الأوّل و قصد النفل أو الحاجة في الثاني.
نعم لو وجبت عليه ركعتان و استحبّت اخريان من دون معلوميّة مميّز غير وجوب الأوّل و ندب الثاني اتّجه لزوم قصد الوجوب و الندب، و هذا لا يمنع من الاجتزاء بسلوك طريقة الاحتياط حيث لا اشتراك أو لا انحصار لمميّز المشتركة على تقدير الاشتراك في قصد الوجه، لعدم ابتناء الاحتياط في شيء من صوره الأربع على فرض الاشتراك فضلا عن ابتنائه على انحصار مميّز العمل في قصد الوجه.
و أمّا الخامس: فلمنع الإطلاق المتوهّم في الإجماعات المنقولة بحيث تشمل المحتاط، بل هي عند التحقيق منصرفة إلى تارك الطريقين الغير المراعي في عباداته طريقة الاحتياط، مع احتمال كون معقدها الجاهل الّذي لم يطابق عمله الواقع أو لم يحرز في عمله بسبب جهله القربة.
فتلخّص ممّا ذكرناه: أنّه لا دليل من عقل و لا شرع على بطلان أعمال المحتاط، و لا على انحصار طريق الإطاعة و صحّة الأعمال في الاجتهاد و التقليد، بل الدليل على ما بيّنّاه ناهض بخلافه.
و أمّا ما يوهم الانحصار ممّا في كلامهم من تقسيم المكلّف إلى مجتهد و مقلّد فقابل للحمل على أن يكون المراد منهما من شأنه و وظيفته الاجتهاد باعتبار بلوغه رتبته، أو التقليد باعتبار عدم بلوغه رتبة الاجتهاد، و المحتاط على ما شرحناه في عنوان المسألة و جعلنا عنوانه تارك الطريقين غير خارج عنهما.
أو يقال: إنّ نظرهم في التقسيم المفيد للحصر إلى مورد الوجوب على التعيين، بناء على أنّ الاحتياط طريق لا يجب سلوكه لا عينا و لا على أنّه أحد فردي الواجب التخييري.
فالحصر المستفاد من التقسيم على التقديرين لا ينفي طريقة الاحتياط، فإذا حصل كان مسقطا لما هو واجب بعينه من سلوك أحد الطريقين.
و إذا ثبت جواز العمل بطريقة الاحتياط في تحصيل الإطاعة و امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال فلا يتفاوت الحال فيه بين العمل بها في جميع المسائل المحتاج إليها بترك الطريقين رأسا و العمل بها في الجملة على وجه التلفيق بينه و بين أحد الطريقين، بسلوكها في جملة من المسائل و سلوك أحدهما في اخرى.
..........
و ينبغي التنبيه على امور من باب التفريع:
أحدهما: أنّ المسألة الّتي عرفت البحث فيها لكونها نظريّة- مبنيّة على دليل نظري لا يتمّ إلّا بدفع الاحتمالات القادحة فيه- إنّما يتيسّر التكلّم فيها للعلماء المجتهدين المتمكّنين من النظر و إقامة الدليل النظري، و تتميمه بدفع معارضاته و الاحتمالات القادحة فيه، و عليه ففائدة جواز العمل بالاحتياط على وجه يقطع به العامل إنّما يظهر للمحتاط العالم البالغ رتبة الاجتهاد، و أمّا العامي الغير البالغ رتبته الّذي وظيفته التقليد فلا يتيسّر له إثباته بطريق النظر، لعجزه عن إقامة دليله أو تتميمه و عدم تمكّنه من دفع الاحتمالات القادحة فيه المانعة من إنتاجه الّتي منها احتمال مدخليّة قصد الوجه و معرفته في صحّة العبادة إذا التفت إليه بملاحظة القول به، بل و احتمال اعتبارهما أيضا في أجزاء العبادة الّتي كثيرا ما تختلف بالوجوب و الندب حيثما التفت إليه و إن لم نقف على قائل به، ضرورة عدم تيسّر دفع جميع ذلك إلّا لصاحب ملكة الاستنباط العارف بالاصول و القواعد الّتي عليها يبتنى تتميم هذا الأصل، و عليه فلا يسوغ له العمل بالاحتياط و لا محيص له من اختيار التقليد و الاقتصار عليه في الفروع، لأنّه المبرئ اليقيني للذمّة في نظره مع شكّه في جواز الاحتياط الّذي مرجعه إلى الشكّ في كونه مبرئ للذمّة، أو لا بدّ و أن يبنى في جواز العمل به على تقليد من يجوّزه ممّن له أهليّة الفتوى و يصلح للتقليد ثمّ بعد تقليده في هذه المسألة يحتاط في الفروع.
و ربّما يستغني عن التقليد إذا كان متجزّيا بناء على صحّته و كان اجتهاده في النيّة و فروعها فظهر عليه أنّه لا يعتبر قصد الوجه و لا معرفته مطلقا في العبادة و أجزائها، فبعد إثباته جواز العمل بالاحتياط بطريق القطع يعمل به في المسائل الغير المجتهد فيها الّتي وظيفته فيها التقليد.
فدفع إشكال العمل بالاحتياط بالنسبة إلى العامي من الجهة الّتي أشرنا إليها هيّن، إذ أقصى مراتبه البناء في سلوك اختياره على تقليد من يجوّزه حسبما عرفت.
نعم هاهنا إشكال آخر بالنسبة إليه ربّما يكون دفعه من المعضلات و هو: أنّ العمل بالاحتياط لا يتأتّى إلّا بعد تشخيص موارده و إحراز شروطه الّتي منها عدم احتمال الحرمة الذاتيّة في الواقعة، و مرجعه إلى عدم دوران الأمر فيها بين المحذورين مع معرفة كيفيّته الدائرة بين الصور الأربع المتقدّمة الّتي يختلف فيها الموارد.
و هذا كلّه كما ترى ممّا لا يتيسّر إلّا لصاحب ملكة الاستنباط المتمكّن من استفراغ
..........
الوسع في تتبّع اصول المسائل و فروعها الجزئيّة لضبط موارده و معرفة كيفيّته و إحراز انتفاء احتمال الحرمة الذاتيّة في كلّ مسألة حاول فيها العمل بالاحتياط، و معرفة عدم كون الاحتياط في كلّ مورد في ترك الاحتياط، و لو سلّم عدم الحاجة في إحراز جميع ذلك إلى وجود ملكة الاستنباط فلا أقلّ من أن يكون ممّن له حظّ وافر من العلم.
فتلخّص من ذلك أنّ العامي البحت لا حظّ له في العمل بالاحتياط على الوجه الكلّي، و رجوعه إلى مجتهد أو عالم آخر لإحراز الامور بتلقين ذلك المجتهد و تعليمه إيّاه يوجب العدول من الطريق الأسهل إلى الأشقّ، ضرورة أنّ التقليد الكلّي أسهل بمراتب من هذا الأخذ و التعلّم الّذي هو مقدّمة للعمل بالاحتياط كما لا يخفى.
و ثانيها: أنّه قد عرفت على ما برهنّاه على جواز العمل بالاحتياط أنّ الجهة المجوّزة له في نظر العقل كونه براءة يقينيّة و امتثالا علميّا، فليكن هذا هو معيار العمل لمن حاوله، و عليه فيعتبر فيه كونه بحيث يطمئنّ على نفسه بعدم الخطأ في تشخيص مورده و كيفيّته لئلّا يعمل به في غير مورده أو على غير كيفيّته، بأن يقطع في كلّ واقعة عمد إلى العمل به فيها بكونها مورده، و يقطع أيضا بالكيفيّة الخاصّة الّتي هي كيفيّته الواقعيّة في خصوص المورد، و لم يحتمل في حقّه الخطأ في المقامين، و إلّا لم يكن ما يستعمله براءة يقينيّة فلا يجوز الاجتزاء به عن طريقه المجعول الّذي هو مبرئ يقيني أعني الاجتهاد أو التقليد، و لا يجوز أن يقاس في محلّ عدم الأمن من الخطأ على طريق الاجتهاد الّذي هو أيضا غير مأمون من الخطأ بتوهّم أنّ الخطأ كما أنّه معفوّ و مغتفر في الاجتهاد فكذلك في طريق الاحتياط، لوضوح الفرق بين المقامين بقيام الدلالة القاطعة على العفو و الاغتفار في المقيس عليه دون المقيس، لكون الدليل على مشروعيّته هو العقل و حكمه بها منوط بكونه براءة يقينيّة، فمع احتمال الخطأ لا حكم للعقل بسلوكه فضلا عن حكمه بالعفو و اغتفار الخطأ على تقدير وقوعه.
و ثالثها: أنّ ما عرفته من عنوان المسألة و تحقيق الحال فيها إنّما هو في الشبهات الحكميّة الّتي يرجع فيها إلى الاجتهاد أو التقليد، و الظاهر أنّه لا فرق في مشروعيّة الاحتياط و جواز سلوكه بينها و بين الشبهات الموضوعيّة، فمن اشتبه عليه القبلة و كانت مردّدة بين جهتين معيّنتين بحيث يقطع بعدم خروجها عنهما و تمكّن من الاجتهاد المورث للظنّ بها يجوز له العدول من الاجتهاد إلى العمل بالاحتياط بتكرار الصلاة إلى الجهتين لأنّه براءة يقينيّة و مؤدّ إلى المأمور به الواقعي، و كذلك الكلام في مسألة اشتباه الثوب الطاهر بالثوب
..........
النجس مع إمكان التمييز بينهما أو إمكان تطهيرهما فيعدل عنهما إلى الأخذ بالاحتياط بتكرار الصلاة فيهما معا، و كذا في سائر الموارد من الشبهات الموضوعيّة الّتي يمكن رفع الشبهة بطريق علمي أو ظنّي حيث يعتبر الظنّ، و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه.
و لكن يشكل الحال في مسألة اشتباه القبلة الّذي يصلّى فيه إلى الجوانب الأربع بالنظر إلى أنّ ظاهر كلام الأصحاب كون مشروعيّة الصلاة إلى الجوانب مرتّبة على العجز عن الاجتهاد و تحصيل المظنّة، فيلزم كونها مع عدم العجز بدعة محرّمة، كما حكي التصريح به عن بعض الأجلّة في الرياض مستظهرا للإجماع عليه، و يظهر الارتضاء به أيضا من السيّد حيث نقل عن بعض الأجلّة قوله: «و هل له الاجتهاد إذا أمكنه الصلاة إلى أربع جهات، الظاهر إجماع المسلمين على تقديمه وجوبا على الأربع قولا و فعلا و إنّ فعل الأربع حينئذ بدعة» إلى ما نقله، ثمّ عقّبه بقوله: «و نعم ما قال».
فالخروج عن ظاهر كلام الأصحاب مع عدم خلوصه عن وصمة مخالفة الإجماع بالعدول إلى الأربع مطلقا مشكل، و طرح القاعدة العقليّة المقتضية لجواز العدول على ما بيّنّاه أشكل.
و يمكن الذبّ بمنع كون تقديم الاجتهاد على الأربع مخالفا للقاعدة العقليّة لكون الصلاة إلى الأربع حكما تعبّديا ثبت بالنصّ و ليس مبناه على أنّها براءة يقينيّة لعدم اتّفاق حصول العلم بكون إحدى الأربع هي الصلاة إلى القبلة الواقعيّة، إلّا في بعض الفروض النادرة و هو ما لو علم المكلّف بعدم خروج القبلة عن الجوانب الأربع، و هو غير معتبر في موضوع ذلك الحكم بل المعتبر عدم العلم بخروجها عنها و هو لا يلازم العلم المذكور، بل الغالب فيه عدم العلم بكون إحدى الأربع هي الصلاة إلى القبلة الواقعيّة.
و إن شئت فاستوضح ذلك برسم دائرة بعد محيطها عن مركزها كما بين محلّ سجود المصلّي و موقفه، ثمّ اقسمها بخطّين متقاطعين عند المركز على زوايا قوائم، فإنّ مبدأ كلّ من الخطّين و منتهاه ممّا يلي محيط الدائرة هي الجوانب الأربع، و لا يعتبر محاذاة أحدها نقطة القبلة و لا العلم بها بل لا يتّفق ذلك إلّا في بعض الفروض النادرة، و عليه فالمصلّي في غالب حالاته بفعله الأربع ليس على يقين من الصلاة إلى القبلة الواقعيّة، فكان عدوله عن الاجتهاد مع إمكانه إليها بدعة محرّمة كما نقله السيّد عن بعض الأجلّة، و عليه فالوجه هو وجوب تقديم الاجتهاد و لا يلزم به خرم القاعدة العقليّة.
و رابعها: أنّ الاحتياط الّذي فتحنا بابه إنّما يحسن سلوكه و يثمر في إدراك الواقع إذا
..........
لم يصادف ما يقتضي بطلان العبادة و لو ظاهرا، أو لم يكن هو بنفسه مخلّا بشرط من شروط صحّتها و مفوّتا له و إلّا فلا جهة لسلوكه و لا يبعد اندراجه حينئذ في عنوان التشريع، و من أمثلته المكلّف بالطهارة للصلاة المبتلى بالإناءين المشتبهين أحدهما نجس و لم يتمكّن من ماء آخر يتطهّر به عن الحدث و لكن أمكنه الصلاة المتيقّنة باستعمال الإناءين معا، بأن يتطهّر أوّلا بأحدهما و صلّى ثمّ يتطهّر بالآخر بعد ما غسل ما لاقاه الأوّل من أعضائه و صلّى ثانيا، فقد يسبق إلى الوهم أنّ ذلك من مقتضى الاحتياط اللازم أو الراجح، لأنّ المكلّف قبل إقدامه على إيجاد الوضوءين على الوجه المذكور يعلم أنّ أحدهما يقع بماء طاهر على محلّ طاهر، فيعلم أنّ إحدى الصلاتين تقع جامعة لشرطي الطهارة الحدثيّة و الخبثيّة معا و إن لم يعلم أنّها أيّ الصلاتين.
و فيه- بعد الإغماض عن أنّ استعمال النجس الواقعي المعلوم بالإجمال في الشبهة المحصورة حرام و هو مقتض لوجوب اجتناب الإناءين معا و مانع من الاحتياط المذكور-:
أنّ هذا الاحتياط غير مثمر في حصول البراءة الواقعيّة، لمقارنة الصلاة الاولى لاستصحاب الحدث باعتبار الشكّ في كون الوضوء الأوّل رافعا للحدث المتيقّن فيستصحب بقاؤه، و مقارنة الصلاة الثانية لاستصحاب النجاسة باعتبار أنّ الغسل المتخلّل بين الوضوءين أوجب اليقين بطروّ النجاسة لأعضاء الوضوء، و هو مع ذلك مردّد بين كونه مقتضيا لطروّ تلك النجاسة على تقدير كون النجس الواقعي هو الإناء الثاني أو رافعا للنجاسة الطارئة على تقدير كونه الإناء الأوّل، و إن لم نقل بأنّ أصالة التأخّر بالنسبة إلى طروّ النجاسة المتيقّن حدوثه المشكوك في بدو زمان حدوثه ممّا يعيّن الأوّل فلا أقلّ من إنكار أصل آخر يعيّن الثاني، و هذا يوجب الشكّ في ارتفاع النجاسة بعد الغسل المفروض و الاستصحاب يقتضي بقاءها.
و من المعلوم أنّ الحدث و النجاسة المستصحبين كالحدث و النجاسة المتيقّنين في اقتضاء بطلان الصلاة فتقع كلّ من الصلاتين باطلة، أمّا الاولى فبالحدث المستصحب، و أمّا الثانية فبالنجاسة المستصحبة، و معه فكيف ينفع الاحتياط المتوهّم في حصول يقين البراءة؟
و لئن سلّمنا أنّ المكلّف يقطع أنّ أحد الاستصحابين مخالف لمصادفته انتقاض حالته السابقة و إن لم يعلمها بالخصوص، فيكون أحد الوضوءين مؤثّرا في حصول الطهارة الحدثيّة واردا على محلّ طاهر، و يلزم منه العلم بكون الصلاة المتعقّب لهذا الوضوء صحيحة باعتبار
..........
اجتماعها الطهارتين حدثيّة و خبثيّة، نقول: إنّ كلّ استصحاب بالقياس إلى الصلاة المقارنة له ممّا يقتضي بطلان تلك الصلاة ظاهرا و إن لم يطابق الواقع في إحدى الصلاتين.
و لا ريب أنّ هذا البطلان الظاهري في كلّ صلاة مانع من النيّة و قصد القربة، فهو في كلّ منهما يؤدّي إلى البطلان واقعا باعتبار انتفاء النيّة في كلّ من الصلاتين و هي من شروط الصحّة، و لعلّه لهذا كلّه أو بعضه صرّح جماعة من أساطين الطائفة في مفروض المسألة بمنع استعمال الإناءين و تعيّن العدول إلى التيمّم أيضا.
و في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف في الحكم المذكور».
و أمّا ما قيل في المقام من أنّ الأقوى وجوب الجمع بين الوضوءين مع التيمّم على تقدير إمكان غسل العضو الملاقي لأوّل الماءين ثمّ الصلاة عقيب كلّ وضوء لا وجه له إلّا الاحتياط المتوهّم.
و يدفعه: أنّ المصحّح للصلاة حينئذ هو التيمّم من غير تأثير للوضوءين في الصحّة، لاقتران كلّ منهما بما يقتضي بطلان الصلاة معه ظاهرا بل واقعا أيضا باعتبار فوات النيّة لو لا التيمّم، فيكون وجودهما بمنزلة عدمهما، فهما مع التيمّم المفروض ليسا إلّا كالحجر الموضوع في جنب الإنسان.
فإن قلت: إنّ بطلان الصلاتين باعتبار انتفاء النيّة إنّما هو إذا اعتبرنا أفراد كلّ صلاة بنيّة على حدة و هذا ليس بلازم، بل يكفي نيّة واحدة مقارنة لهما معا، و المفروض من حين قصده الإتيان بالصلاتين المتعقّبتين للوضوءين المتخلّل بينهما غسل الأعضاء إنّما ينوي أداء المأمور به الواقعي من الصلاتين و هو الصلاة الجامعة للطهارتين بداعي الأمر بها، و هذه نيّة واحدة مستمرّة من حين الشروع في الأعمال المذكورة إلى الفراغ عن الصلاة الأخيرة، و هي كافية في صحّة ما جامع من الصلاتين للطهارتين في الواقع و إن لم يعلمها بالخصوص، و انضمام التيمّم حينئذ إلى الوضوءين إنّما هو للخروج عن شبهة الحرمة الذاتيّة في التطهّر بالماء النجس الموجبة لسقوط الأمر بالمائيّة، لعدم إمكانها بعد فرض وجوب الاجتناب عن الجميع من باب المقدّمة العلميّة للاجتناب الواجب الثابت وجوبه بالقياس إلى النجس الواقعي، فيكون الوجه في وجوب الجمع حينئذ هو الاحتياط الواجب في نظائر المقام.
قلت: إنّ الالتزام بذلك الاحتياط رعاية لتحصيل الطهارة الحدثيّة على وجه اليقين ترك للاحتياط بالقياس إلى رعاية الطهارة الخبثيّة، لما عرفت من أنّ الغسل المتخلّل بين