..........
و ينبغي التنبيه على امور من باب التفريع:
أحدهما: أنّ المسألة الّتي عرفت البحث فيها لكونها نظريّة- مبنيّة على دليل نظري لا يتمّ إلّا بدفع الاحتمالات القادحة فيه- إنّما يتيسّر التكلّم فيها للعلماء المجتهدين المتمكّنين من النظر و إقامة الدليل النظري، و تتميمه بدفع معارضاته و الاحتمالات القادحة فيه، و عليه ففائدة جواز العمل بالاحتياط على وجه يقطع به العامل إنّما يظهر للمحتاط العالم البالغ رتبة الاجتهاد، و أمّا العامي الغير البالغ رتبته الّذي وظيفته التقليد فلا يتيسّر له إثباته بطريق النظر، لعجزه عن إقامة دليله أو تتميمه و عدم تمكّنه من دفع الاحتمالات القادحة فيه المانعة من إنتاجه الّتي منها احتمال مدخليّة قصد الوجه و معرفته في صحّة العبادة إذا التفت إليه بملاحظة القول به، بل و احتمال اعتبارهما أيضا في أجزاء العبادة الّتي كثيرا ما تختلف بالوجوب و الندب حيثما التفت إليه و إن لم نقف على قائل به، ضرورة عدم تيسّر دفع جميع ذلك إلّا لصاحب ملكة الاستنباط العارف بالاصول و القواعد الّتي عليها يبتنى تتميم هذا الأصل، و عليه فلا يسوغ له العمل بالاحتياط و لا محيص له من اختيار التقليد و الاقتصار عليه في الفروع، لأنّه المبرئ اليقيني للذمّة في نظره مع شكّه في جواز الاحتياط الّذي مرجعه إلى الشكّ في كونه مبرئ للذمّة، أو لا بدّ و أن يبنى في جواز العمل به على تقليد من يجوّزه ممّن له أهليّة الفتوى و يصلح للتقليد ثمّ بعد تقليده في هذه المسألة يحتاط في الفروع.
و ربّما يستغني عن التقليد إذا كان متجزّيا بناء على صحّته و كان اجتهاده في النيّة و فروعها فظهر عليه أنّه لا يعتبر قصد الوجه و لا معرفته مطلقا في العبادة و أجزائها، فبعد إثباته جواز العمل بالاحتياط بطريق القطع يعمل به في المسائل الغير المجتهد فيها الّتي وظيفته فيها التقليد.
فدفع إشكال العمل بالاحتياط بالنسبة إلى العامي من الجهة الّتي أشرنا إليها هيّن، إذ أقصى مراتبه البناء في سلوك اختياره على تقليد من يجوّزه حسبما عرفت.
نعم هاهنا إشكال آخر بالنسبة إليه ربّما يكون دفعه من المعضلات و هو: أنّ العمل بالاحتياط لا يتأتّى إلّا بعد تشخيص موارده و إحراز شروطه الّتي منها عدم احتمال الحرمة الذاتيّة في الواقعة، و مرجعه إلى عدم دوران الأمر فيها بين المحذورين مع معرفة كيفيّته الدائرة بين الصور الأربع المتقدّمة الّتي يختلف فيها الموارد.
و هذا كلّه كما ترى ممّا لا يتيسّر إلّا لصاحب ملكة الاستنباط المتمكّن من استفراغ
..........
الوسع في تتبّع اصول المسائل و فروعها الجزئيّة لضبط موارده و معرفة كيفيّته و إحراز انتفاء احتمال الحرمة الذاتيّة في كلّ مسألة حاول فيها العمل بالاحتياط، و معرفة عدم كون الاحتياط في كلّ مورد في ترك الاحتياط، و لو سلّم عدم الحاجة في إحراز جميع ذلك إلى وجود ملكة الاستنباط فلا أقلّ من أن يكون ممّن له حظّ وافر من العلم.
فتلخّص من ذلك أنّ العامي البحت لا حظّ له في العمل بالاحتياط على الوجه الكلّي، و رجوعه إلى مجتهد أو عالم آخر لإحراز الامور بتلقين ذلك المجتهد و تعليمه إيّاه يوجب العدول من الطريق الأسهل إلى الأشقّ، ضرورة أنّ التقليد الكلّي أسهل بمراتب من هذا الأخذ و التعلّم الّذي هو مقدّمة للعمل بالاحتياط كما لا يخفى.
و ثانيها: أنّه قد عرفت على ما برهنّاه على جواز العمل بالاحتياط أنّ الجهة المجوّزة له في نظر العقل كونه براءة يقينيّة و امتثالا علميّا، فليكن هذا هو معيار العمل لمن حاوله، و عليه فيعتبر فيه كونه بحيث يطمئنّ على نفسه بعدم الخطأ في تشخيص مورده و كيفيّته لئلّا يعمل به في غير مورده أو على غير كيفيّته، بأن يقطع في كلّ واقعة عمد إلى العمل به فيها بكونها مورده، و يقطع أيضا بالكيفيّة الخاصّة الّتي هي كيفيّته الواقعيّة في خصوص المورد، و لم يحتمل في حقّه الخطأ في المقامين، و إلّا لم يكن ما يستعمله براءة يقينيّة فلا يجوز الاجتزاء به عن طريقه المجعول الّذي هو مبرئ يقيني أعني الاجتهاد أو التقليد، و لا يجوز أن يقاس في محلّ عدم الأمن من الخطأ على طريق الاجتهاد الّذي هو أيضا غير مأمون من الخطأ بتوهّم أنّ الخطأ كما أنّه معفوّ و مغتفر في الاجتهاد فكذلك في طريق الاحتياط، لوضوح الفرق بين المقامين بقيام الدلالة القاطعة على العفو و الاغتفار في المقيس عليه دون المقيس، لكون الدليل على مشروعيّته هو العقل و حكمه بها منوط بكونه براءة يقينيّة، فمع احتمال الخطأ لا حكم للعقل بسلوكه فضلا عن حكمه بالعفو و اغتفار الخطأ على تقدير وقوعه.
و ثالثها: أنّ ما عرفته من عنوان المسألة و تحقيق الحال فيها إنّما هو في الشبهات الحكميّة الّتي يرجع فيها إلى الاجتهاد أو التقليد، و الظاهر أنّه لا فرق في مشروعيّة الاحتياط و جواز سلوكه بينها و بين الشبهات الموضوعيّة، فمن اشتبه عليه القبلة و كانت مردّدة بين جهتين معيّنتين بحيث يقطع بعدم خروجها عنهما و تمكّن من الاجتهاد المورث للظنّ بها يجوز له العدول من الاجتهاد إلى العمل بالاحتياط بتكرار الصلاة إلى الجهتين لأنّه براءة يقينيّة و مؤدّ إلى المأمور به الواقعي، و كذلك الكلام في مسألة اشتباه الثوب الطاهر بالثوب
..........
النجس مع إمكان التمييز بينهما أو إمكان تطهيرهما فيعدل عنهما إلى الأخذ بالاحتياط بتكرار الصلاة فيهما معا، و كذا في سائر الموارد من الشبهات الموضوعيّة الّتي يمكن رفع الشبهة بطريق علمي أو ظنّي حيث يعتبر الظنّ، و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه.
و لكن يشكل الحال في مسألة اشتباه القبلة الّذي يصلّى فيه إلى الجوانب الأربع بالنظر إلى أنّ ظاهر كلام الأصحاب كون مشروعيّة الصلاة إلى الجوانب مرتّبة على العجز عن الاجتهاد و تحصيل المظنّة، فيلزم كونها مع عدم العجز بدعة محرّمة، كما حكي التصريح به عن بعض الأجلّة في الرياض مستظهرا للإجماع عليه، و يظهر الارتضاء به أيضا من السيّد حيث نقل عن بعض الأجلّة قوله: «و هل له الاجتهاد إذا أمكنه الصلاة إلى أربع جهات، الظاهر إجماع المسلمين على تقديمه وجوبا على الأربع قولا و فعلا و إنّ فعل الأربع حينئذ بدعة» إلى ما نقله، ثمّ عقّبه بقوله: «و نعم ما قال».
فالخروج عن ظاهر كلام الأصحاب مع عدم خلوصه عن وصمة مخالفة الإجماع بالعدول إلى الأربع مطلقا مشكل، و طرح القاعدة العقليّة المقتضية لجواز العدول على ما بيّنّاه أشكل.
و يمكن الذبّ بمنع كون تقديم الاجتهاد على الأربع مخالفا للقاعدة العقليّة لكون الصلاة إلى الأربع حكما تعبّديا ثبت بالنصّ و ليس مبناه على أنّها براءة يقينيّة لعدم اتّفاق حصول العلم بكون إحدى الأربع هي الصلاة إلى القبلة الواقعيّة، إلّا في بعض الفروض النادرة و هو ما لو علم المكلّف بعدم خروج القبلة عن الجوانب الأربع، و هو غير معتبر في موضوع ذلك الحكم بل المعتبر عدم العلم بخروجها عنها و هو لا يلازم العلم المذكور، بل الغالب فيه عدم العلم بكون إحدى الأربع هي الصلاة إلى القبلة الواقعيّة.
و إن شئت فاستوضح ذلك برسم دائرة بعد محيطها عن مركزها كما بين محلّ سجود المصلّي و موقفه، ثمّ اقسمها بخطّين متقاطعين عند المركز على زوايا قوائم، فإنّ مبدأ كلّ من الخطّين و منتهاه ممّا يلي محيط الدائرة هي الجوانب الأربع، و لا يعتبر محاذاة أحدها نقطة القبلة و لا العلم بها بل لا يتّفق ذلك إلّا في بعض الفروض النادرة، و عليه فالمصلّي في غالب حالاته بفعله الأربع ليس على يقين من الصلاة إلى القبلة الواقعيّة، فكان عدوله عن الاجتهاد مع إمكانه إليها بدعة محرّمة كما نقله السيّد عن بعض الأجلّة، و عليه فالوجه هو وجوب تقديم الاجتهاد و لا يلزم به خرم القاعدة العقليّة.
و رابعها: أنّ الاحتياط الّذي فتحنا بابه إنّما يحسن سلوكه و يثمر في إدراك الواقع إذا
..........
لم يصادف ما يقتضي بطلان العبادة و لو ظاهرا، أو لم يكن هو بنفسه مخلّا بشرط من شروط صحّتها و مفوّتا له و إلّا فلا جهة لسلوكه و لا يبعد اندراجه حينئذ في عنوان التشريع، و من أمثلته المكلّف بالطهارة للصلاة المبتلى بالإناءين المشتبهين أحدهما نجس و لم يتمكّن من ماء آخر يتطهّر به عن الحدث و لكن أمكنه الصلاة المتيقّنة باستعمال الإناءين معا، بأن يتطهّر أوّلا بأحدهما و صلّى ثمّ يتطهّر بالآخر بعد ما غسل ما لاقاه الأوّل من أعضائه و صلّى ثانيا، فقد يسبق إلى الوهم أنّ ذلك من مقتضى الاحتياط اللازم أو الراجح، لأنّ المكلّف قبل إقدامه على إيجاد الوضوءين على الوجه المذكور يعلم أنّ أحدهما يقع بماء طاهر على محلّ طاهر، فيعلم أنّ إحدى الصلاتين تقع جامعة لشرطي الطهارة الحدثيّة و الخبثيّة معا و إن لم يعلم أنّها أيّ الصلاتين.
و فيه- بعد الإغماض عن أنّ استعمال النجس الواقعي المعلوم بالإجمال في الشبهة المحصورة حرام و هو مقتض لوجوب اجتناب الإناءين معا و مانع من الاحتياط المذكور-:
أنّ هذا الاحتياط غير مثمر في حصول البراءة الواقعيّة، لمقارنة الصلاة الاولى لاستصحاب الحدث باعتبار الشكّ في كون الوضوء الأوّل رافعا للحدث المتيقّن فيستصحب بقاؤه، و مقارنة الصلاة الثانية لاستصحاب النجاسة باعتبار أنّ الغسل المتخلّل بين الوضوءين أوجب اليقين بطروّ النجاسة لأعضاء الوضوء، و هو مع ذلك مردّد بين كونه مقتضيا لطروّ تلك النجاسة على تقدير كون النجس الواقعي هو الإناء الثاني أو رافعا للنجاسة الطارئة على تقدير كونه الإناء الأوّل، و إن لم نقل بأنّ أصالة التأخّر بالنسبة إلى طروّ النجاسة المتيقّن حدوثه المشكوك في بدو زمان حدوثه ممّا يعيّن الأوّل فلا أقلّ من إنكار أصل آخر يعيّن الثاني، و هذا يوجب الشكّ في ارتفاع النجاسة بعد الغسل المفروض و الاستصحاب يقتضي بقاءها.
و من المعلوم أنّ الحدث و النجاسة المستصحبين كالحدث و النجاسة المتيقّنين في اقتضاء بطلان الصلاة فتقع كلّ من الصلاتين باطلة، أمّا الاولى فبالحدث المستصحب، و أمّا الثانية فبالنجاسة المستصحبة، و معه فكيف ينفع الاحتياط المتوهّم في حصول يقين البراءة؟
و لئن سلّمنا أنّ المكلّف يقطع أنّ أحد الاستصحابين مخالف لمصادفته انتقاض حالته السابقة و إن لم يعلمها بالخصوص، فيكون أحد الوضوءين مؤثّرا في حصول الطهارة الحدثيّة واردا على محلّ طاهر، و يلزم منه العلم بكون الصلاة المتعقّب لهذا الوضوء صحيحة باعتبار
..........
اجتماعها الطهارتين حدثيّة و خبثيّة، نقول: إنّ كلّ استصحاب بالقياس إلى الصلاة المقارنة له ممّا يقتضي بطلان تلك الصلاة ظاهرا و إن لم يطابق الواقع في إحدى الصلاتين.
و لا ريب أنّ هذا البطلان الظاهري في كلّ صلاة مانع من النيّة و قصد القربة، فهو في كلّ منهما يؤدّي إلى البطلان واقعا باعتبار انتفاء النيّة في كلّ من الصلاتين و هي من شروط الصحّة، و لعلّه لهذا كلّه أو بعضه صرّح جماعة من أساطين الطائفة في مفروض المسألة بمنع استعمال الإناءين و تعيّن العدول إلى التيمّم أيضا.
و في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف في الحكم المذكور».
و أمّا ما قيل في المقام من أنّ الأقوى وجوب الجمع بين الوضوءين مع التيمّم على تقدير إمكان غسل العضو الملاقي لأوّل الماءين ثمّ الصلاة عقيب كلّ وضوء لا وجه له إلّا الاحتياط المتوهّم.
و يدفعه: أنّ المصحّح للصلاة حينئذ هو التيمّم من غير تأثير للوضوءين في الصحّة، لاقتران كلّ منهما بما يقتضي بطلان الصلاة معه ظاهرا بل واقعا أيضا باعتبار فوات النيّة لو لا التيمّم، فيكون وجودهما بمنزلة عدمهما، فهما مع التيمّم المفروض ليسا إلّا كالحجر الموضوع في جنب الإنسان.
فإن قلت: إنّ بطلان الصلاتين باعتبار انتفاء النيّة إنّما هو إذا اعتبرنا أفراد كلّ صلاة بنيّة على حدة و هذا ليس بلازم، بل يكفي نيّة واحدة مقارنة لهما معا، و المفروض من حين قصده الإتيان بالصلاتين المتعقّبتين للوضوءين المتخلّل بينهما غسل الأعضاء إنّما ينوي أداء المأمور به الواقعي من الصلاتين و هو الصلاة الجامعة للطهارتين بداعي الأمر بها، و هذه نيّة واحدة مستمرّة من حين الشروع في الأعمال المذكورة إلى الفراغ عن الصلاة الأخيرة، و هي كافية في صحّة ما جامع من الصلاتين للطهارتين في الواقع و إن لم يعلمها بالخصوص، و انضمام التيمّم حينئذ إلى الوضوءين إنّما هو للخروج عن شبهة الحرمة الذاتيّة في التطهّر بالماء النجس الموجبة لسقوط الأمر بالمائيّة، لعدم إمكانها بعد فرض وجوب الاجتناب عن الجميع من باب المقدّمة العلميّة للاجتناب الواجب الثابت وجوبه بالقياس إلى النجس الواقعي، فيكون الوجه في وجوب الجمع حينئذ هو الاحتياط الواجب في نظائر المقام.
قلت: إنّ الالتزام بذلك الاحتياط رعاية لتحصيل الطهارة الحدثيّة على وجه اليقين ترك للاحتياط بالقياس إلى رعاية الطهارة الخبثيّة، لما عرفت من أنّ الغسل المتخلّل بين
..........
الوضوءين مورث لليقين بطروّ النجاسة مع الشكّ في ارتفاعها، و محرز لموضوع استصحاب النجاسة المتيقّنة إلى أن يقارن الوضوء و الصلاة الثانيين للنجاسة المستصحبة في العضو، و معه لا يعقل كونهما بعضا من العدد المندرج فيه المأمور به الواقعي، فالأقوى حينئذ الاكتفاء بصلاة واحدة مع التيمّم، و هل يحتاط بانضمام الوضوء إليه بأحد الإنائين؟ قيل:
نعم ترجيحا للصلاة مع الطهارة الاحتماليّة عليها مع الحدث المتيقّن.
و فيه: أنّ استصحاب الحدث قائم مقام يقينه و معه لا ينفع احتمال زواله، فهذا المكلّف مع الوضوء المذكور محدث شرعا كما أنّه بدونه كان محدثا عقلا، فإلزامه على الوضوء إيقاع له في مشقّة خالية عن الفائدة.
- تعليقة- في عبادات الجاهل الغير المراعي للاحتياط
و اعلم أنّه قد ذكرنا أنّ الاجتهاد و التقليد لا مدخليّة لهما في صدق الامتثال، و أنّ قصد الوجه و معرفته لا مدخليّة لهما في صحّة الأعمال، و هذا لا يختصّ بالمحتاط بل يجري في العمل إذا وقع لا عن احتياط بشرط مطابقته الواقع و صدوره على وجه القربة عن تارك الطريقين كما هو عنوان مسألة عبادات الجاهل، فإنّه إذا أتى بما طابق الواقع و أحرز فيه قصد القربة.- و بعبارة اخرى: إذا أتى بالمأمور به الواقعي بداعي الأمر به لا غير اعتمادا على ظنّه الغير المعتبر أو على ما لا يجوز الأخذ به من قول أبيه أو أمّه أو معلّمه أو غيرهم ممّن لا أهليّة له في الإفتاء شرعا- كان عمله صحيحا مجزيا مخرجا عن العهدة، و لا يجب عليه بعد ذلك إعادة و لا قضاء سواء فرضته قاصرا في جهله و عدم تحصيله المعرفة أو مقصّرا فيه.
و بالجملة لا فرق بين العبادات بعد إحراز قصد القربة فيها و بين المعاملات في كون الصحّة فيهما مراعى بمطابقة الواقع، و لا مدخليّة لخصوص أحد الطريقين في الصحّة، بل وجه اعتبارهما إنّما هو وجه الطريقيّة، فإنّما يعتبران لتشخيص مورد الصحّة عن غيره و تمييز العمل الصحيح عن غيره، فمتى تبيّن فيها مطابقة الواقع صحّت بعد ما أحرز فيها قصد القربة الّذي هو المائز بينها و بين المعاملات وفاقا لجماعة من محقّقي المتأخّرين.
و منهم المحقّق الأردبيلي على ما هو المعروف منه من فرقه في عبادات الجاهل بين
..........
المطابقة و عدمها بالمعذوريّة في الأوّل دون الثاني.
و من الأعاظم من نسب إليه المعذوريّة في القاصر مع المطابقة و غيره.
و من الأعلام من فصّل بين كونه مقصّرا أو قاصرا فخصّ المعذوريّة بالثاني دون الأوّل، و نسب هذا القول إلى شارح الوافية السيّد صدر الدين خلافا لمن أطلق القول بعدم المعذوريّة كما عن الأكثر.
و في كلام غير واحد أنّه المشهور، فقالوا: إنّ الناس في غير زمان حضور الإمام صنفان إمّا مجتهد أو مقلّد له، و من لم يكن من أحد الصنفين فعباداته باطلة.
و قد يحكى في المسألة قول بالمعذوريّة مطلقا و نسبه بعض الأعاظم إلى الجزائري، و هذا على فرض ثبوته مع سابقه على تقدير كونه على الإطلاق واقعان في طرفي الإفراط و التفريط، و لكن يمكن منع ثبوت الثاني من أصله و لذا تركه غير واحد من المتعرّضين لنقل الخلاف في المسألة.
و الجزائري ربّما يستشمّ عن عبارته المحكيّة عنه الميل إلى التفصيل بين القاصر و المقصّر، كما يفوح رائحة ذلك من كلام المجلسي حيث إنّه حكم بكون المستضعفين من الكفّار ممّن لم يقم عليه الحجّة من العوامّ و من بعد من بلاد الإسلام ممّن ترجى لهم النجاة.
و نفى الجزائري عنه الاستبعاد بعد اعترافه بكونه مخالفا لكلام الأكثر، و منع إطلاق الأوّل بدعوى خروجه مخرج الغالب، نظرا إلى أنّ الغالب في تارك الطريقين الغير المراعي للاحتياط وقوع خلل في أعماله و عباداته، باعتبار الإخلال في بعض الامور المعتبرة في المأمور به من أجزائه أو شرائطه الّتي هي قيود للعمل أو في امتثال الأمر به و إن لم تكن من قيود العمل كقصد القربة و نحوه، و لا ينافيه ما في بعض العبائر من التصريح بالبطلان و إن طابق الواقع، لأنّ المراد به موافقة المأتيّ به للمأمور به الواقعي باحتوائه لأجزائه و شروطه الّتي هي من قيوده، و يجوز فيه مع ذلك البطلان بالإخلال في بعض شروط الامتثال، و يجوز شمول هذا العنوان مع التوجيه المذكور للقاصر أيضا حتّى على القول بكون الأمر الظاهري العقلي أمرا في الحقيقة، بناء على أنّ المراد من الصحّة الّتي تراعى بمطابقة الواقع إنّما هو الصحّة بمعنى ترتّب الأثر الّذي هو في العبادات عبارة عن الإجزاء بمعنى إسقاط الإعادة و القضاء، و يقابلها البطلان و هو لا ينافي الصحّة بمعنى موافقة الأمر كما لا يخفى.
و أمّا على القول بعدم كونه أمرا في الحقيقة كما هو الحقّ المحقّق في محلّه فاندراجه فيه واضح.
..........
و ربّما عزى إلى الأكثر كلام آخر و هو: أنّ الجاهل في الحكم الشرعي غير معذور إلّا في مسألة الجهر و الإخفات و مسألة الإتمام في محلّ القصر.
و يظهر من بعض الأعلام و غيره رجوع ما تقدّم إلى هذا العنوان، و كأنّه أراد به كونه أحد أفراده كما يرشد إليه استثناء المسألتين و إلّا فلا ينبغي الاسترابة في الفرق بينهما بالعموم و الخصوص، فإنّ هذا العنوان كما قيل يشمل الواجبات و المحرّمات و ماهيّات العبادات و كيفيّاتها، فإنّ الجاهل قد يترك ما هو بحسب الواقع من الواجبات التعبّدية أو توصّلية، و قد يرتكب ما هو بحسب الواقع من المحرّمات لجهله بالحكم الشرعي، و قضيّة عموم هذا العنوان أن لا يكون معذورا على معنى عدم رفع مؤاخذة ترك الواجب و فعل الحرام عنه، نظرا إلى أنّ العذر عبارة عن رفع المؤاخذة فنفيه يفيد ثبوتها، بخلاف ما تقدّم فإنّه مقصور على ما لو وقع العبادة بمعناه الأخصّ من الجاهل مع نوع خلل فيها لجهله بتفاصيل ما اعتبر فيها شرعا.
و من هنا ربّما أمكن فرق آخر بين العنوانين باعتبار حكم القضيّتين، فإنّ ما تقدّم مسوق لإثبات الإعادة و القضاء في العبادة الباطلة الّذي هو من قبيل الوضع المترتّب على انتفاء الصحّة من غير نظر فيه إلى المؤاخذة بإثبات أو نفي و لذا يعمّ القاصر أيضا، و هذا مسوق لإثبات المؤاخذة على مخالفة الواقع الّذي هو من لوازم الحكم التكليفي.
و على هذا فينبغي اختصاصه بالجاهل المقصّر، لقبح مؤاخذة القاصر على مخالفة الواقع باعتبار قبح خطاب الغافل، بل قولهم: «الجاهل في الحكم الشرعي غير معذور» بظاهر هذا العنوان أيضا لا يشمل القاصر، فلا يقدح فيه كونه معذورا في مخالفته الواقع على معنى كونه مرفوعا عنه المؤاخذة، فإنّ معنى هذا العنوان أنّ الجاهل بجهله لا يعذر، و معناه: أنّ الجهل ليس من الأعذار الرافعة للتكليف المانعة من المؤاخذة على مخالفة [الواقع]، و القاصر حيثما يعذر إنّما يعذر لعجزه عن الامتثال و عدم قدرته على الإطاعة بسبب غفلته.
و لا ريب أنّ العجز و عدم القدرة على الامتثال عذر عقلي رافع للمؤاخذة على مخالفة الواقع، و لا ينافيه عدم كون الجهل المصادف له بوصف كونه جهلا عذرا، فلا مانع من تعميم العنوان بحيث يندرج فيه القاصر من حيث جهله المحكوم عليه بعدم كونه عذرا، فهو من حيث جهله غير معذور و إن كان من حيث قصوره معذورا.
هذا و لكنّ الإنصاف أنّ هذا العنوان أعمّ من العنوان الأوّل موضوعا و حكما، على معنى