..........
التكليف، على معنى صيرورة الخطابات المعلومة بالإجمال تكاليف فعليّة على المكلّف شاغلة لذمّته على وجه يترتّب على موافقتها و مخالفتها الثواب و العقاب.
و بالجملة شرط تنجّز التكليف و ترتّب الآثار عليه في نظر العقل و العرف إنّما هو العلم الإجمالي بصدور الخطاب من المولى مع التمكّن من العلم التفصيلي بخصوص الحكم المسوق لإفادته هذا الخطاب كما تنبّه عليه بعض الفضلاء، و لذا يحسّن العقل المستقلّ مؤاخذة العالم بالإجمال المتمكّن من التفصيل على مخالفته الحكم الواقعي المندرج في معلوماته بالإجمال و يصحّحها، و يرشد إليه من جهة العرف مثال الطومار الصادر من السلطان إلى رعيّته مع اطّلاع البعض على صدوره و عدم رجوعه إليه لمعرفة تفاصيله و عدم اطّلاع بعض آخر عليه أصلا فصادف مخالفتهما لبعض الأحكام المندرجة فيه حيث يصحّ مؤاخذة الأوّل دون الثاني، و ليس هذا إلّا لإقامة الحجّة على الأوّل باعتبار تحقّق شرط تنجّز التكليف في حقّه دون الثاني.
و يدلّ عليه أيضا من جهة الشرع ما عليه العدليّة و نطق به الكتاب و السنّة من كون الكفّار مكلّفين بفروع الشريعة كما أنّهم مكلّفون باصولها، فيعاقبون عليها كما يعاقبون على الاصول مع جهلهم بتفاصيل أكثر الفروع بل كلّها، و لو لا الاكتفاء بالعلم الإجمالي مع التمكّن من العلم التفصيلي لما صحّ ذلك.
و يستفاد ذلك أيضا من الروايات الواردة في موارد خاصّة:
منها: ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّ رجلا جاء إليه فقال له: إنّ لي جيرانا لهم جواز تغنّين و يضربن بالعود، فربّما دخلت المخرج فاطيل الجلوس استماعا لهنّ، فقال(عليه السلام): لا تفعل، فقال: و اللّه ما هو شيء أتيته برجلي إنّما هو سماع منّي أسمعه باذني، فقال(عليه السلام): أنت أ ما سمعت اللّه يقول:إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًاو قال الرجل: كأنّي لا أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه عزّ و جلّ من عربي و لا عجمي، لا جرم فإنّي قد تركتها و إنّي أستغفر اللّه، فقال(عليه السلام): «قم فاغتسل و صلّ ما بدا لك، فلقد كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك، استغفر اللّه و اسأله التوبة من كلّ ما يكره، فإنّه لا يكره إلّا القبيح فالقبيح دعه لأهله، فإنّ لكلّ أهلا».
فانظر في صراحة دلالة هذا في مواضع متكرّرة على كون الرجل مقيما على معصية عظيمة مع جهله بخصوص الحكم، و ليس هذا إلّا لتمكّنه من المعرفة و السؤال
..........
و تركه له تقصيرا بعد علمه إجمالا.
و بالجملة فالجاهل المقصّر لعلمه الإجمالي بأنّ في الشريعة خطابات إلزاميّة إيجابيّة و تحريميّة يترتّب المؤاخذة و العقوبة على مخالفتها لا يأمن في تروكه من الوقوع في ترك واجب و لا في أفعاله من الوقوع في فعل محرّم، فكأنّه لتركه تحصيل المعرفة و العلم التفصيلي مع إمكانه أقدم اختيارا على مخالفة تلك الخطابات المعلومة بالإجمال، فأصل المعصية بالنسبة إلى كلّ واقعة واقعة و إن حصل في زماني الترك و الفعل، إلّا أنّ اختيار تلك المعصية بحسب الواقع حصل في زمان ترك تحصيل المعرفة و العلم.
و إن شئت قلت: إنّه ترك حكمي للواجب و فعل حكمي للحرام، نظير ما قيل في مقدّمات الواجب إذا ترك قبل مجيء وقته من أنّه ترك حكمي له فيستحقّ العقاب عليه من حين تركها لعلمه بأنّه يفضي إلى تركه في وقته.
و بالجملة فالأصل في تنجّز التكليف كائنا ما كان كفاية العلم الإجمالي مع التمكّن من العلم التفصيلي، إلّا ما دلّ الدليل على اعتبار العلم التفصيلي في تنجّزه بالخصوص، و قد جعل بعض الفضلاء من هذا الباب معذوريّة الجاهل و لو مقصّرا في مسألتي الجهر و الإخفات و الإتمام في موضع القصر، و فيها وجوه اخر تقدّم ذكرها في بحث الضدّ و لعلّ أظهرها ما رجّحه كاشف الغطاء فراجع و تأمّل.
و لنا على معذوريّة القاصر فيما يتحقّق منه من مخالفة الأحكام الواقعيّة أنّه غافل، و تكليف الغافل قبيح، و مؤاخذته على مخالفته أقبح، و هذا أوضح.
و أمّا المقام الثاني: فلنا على ما اخترناه من الفرق بين مطابقة الواقع فالصحّة و مخالفته فالبطلان- مضافا إلى ما قرّرناه في مسألة الإجزاء من اقتضاء الأمر الواقعي الاختياري و الأمر الواقعي الاضطراري و الأمر الظاهري الشرعي في كثير من صوره الإجزاء دون الأمر الظاهري العقلي مطلقا- تتبّع الأخبار الغير المحصورة المأثورة عن أهل بيت العصمة الواردة في جميع أبواب العبادات من الطهارات الثلاث و الصلوات المفروضات و المسنونات و غيرها في وقائع وقعت بمقتضى الأسئلة الموجودة فيها الآمرة تارة بالإعادة و القضاء و النافية اخرى لهما أو للبأس بألفاظ مترادفة و عبارات متقاربة، فإنّها في القسم الأوّل ردّ على من أطلق القول بالمعذوريّة، و في القسم الثاني على من أطلق القول بعدم المعذوريّة، فهي بأجمعها حجّة على الفريقين في إطلاقهما، إذ لا يعقل جهة للأوّل إلّا مراعاة عدم وقوع
..........
العمل على طبق الواقع، و لا للثاني إلّا مراعاة وقوعه على طبق الواقع، فلو كان لخصوص أحد الطريقين أو خصوص الأخذ من الحجّة مدخليّة في الصحّة لوجب الأمر بالإعادة أو القضاء في الجميع، كما أنّه لو لم يعتبر المطابقة للواقع في الحكم بالصحّة لوجب نفي الإعادة و القضاء و البأس في الجميع، و التفصيل على التقديرين غير معقول.
و أمّا تعميم الحكمين بالقياس إلى القاصر و المقصّر فإمّا بواسطة ترك الاستفصال المفيد للعموم في الجواب لو اندرج المقام في ضابطه، أو بالفحوى بناء على ظهورها في الجاهل المقصّر إمّا باعتبار ظهور أسئلتها في صورة التمكّن من السؤال، أو لأنّ الغالب في الناس هو التقصير فينصرف إليه الإطلاق سؤالا و جوابا ثمّ يثبت الحكم بالصحّة مع المطابقة في القاصر بطريق الأولويّة، فاحتمال اختصاصها بالقاصر مدفوع بأحد الأمرين من العموم باعتبار ترك الاستفصال أو الظهور باعتبار السياق أو الغلبة.
و يدلّ على المختار أيضا ما روي من أنّ عمّارا أصابته جنابة فتمعّك في التراب، فقال له رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كذلك يتمرّغ الحمار، أ فلا صنعت كذا؟ فعلّمه التيمّم»[1]فإنّ قوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
«أ فلا صنعت كذا؟» تنديم على عدم إتيانه بالتيمّم بتلك الكيفيّة، فدلّ على أنّه لو تيمّم كذلك و لو من غير سؤال لأجزأه و لم يتوجّه إليه تنديم.
و ما يقال في منع الدلالة من أنّ التنديم يرجع إلى تقصيره في عدم السؤال حتّى يفعل صحيحا كما في كلام بعض الأعلام.
ففيه: أنّه خروج عن الظاهر لمكان قوله: «أ فلا صنعت كذا» دون «أ فلا سألت» فليتدبّر.
و بما قرّرناه هنا مضافا إلى ما حقّقناه في المسألة السابقة تعرف أنّ السالك لطريقة الاحتياط و إن كان جاهلا بمعنى تارك الطريقين غير أنّه معذور تكليفا و وضعا فلا مؤاخذة عليه و لا إعادة و لا قضاء، لأنّه باعتبار سلوكه لطريقة الاحتياط في كلّ ما يحتمل الوجوب أو الحرمة مأمون في تروكه و أفعاله عن مخالفة تكليف فعلي إيجابا أو تحريما، و لكون هذه الطريقة موصلة إلى الواقع دائما فلا جرم تقع أعماله و عباداته مطابقة للواقع.
فيبقى تحت موضوع المسألة المتسامح في دينه المقيم في المسائل على طريق غير مشروع لتسامحه لا لجهله باعتبار التفاته إلى عدم مشروعيّته اعتقادا أو احتمالا مع معرفته للطريق المشروع المبرئ للذمّة أو تمكّنه من معرفته و الرجوع إليه كقول المجتهد
[1]الوسائل: الباب 9 من أبواب التيمّم الحديث 8.
..........
الجامع لشرائط الإفتاء و نحوه، و الغافل المقيم على طريق غير مشروع لغفلته و عدم التفاته أصلا إلى احتمال المشروعيّة و عدمها و لا إلى احتمال وجود طريق آخر هو المشروع لا الّذي أقام عليه، و السالك لطريق غير مشروع بحسب الواقع باعتقاد المشروعيّة على خلاف الواقع من باب الجهل المركّب سواء كان جهلا بالحكم كما لو عوّل على ظنّه أو أخذ عن غير مجتهد أو مجتهد غير جامع للشرائط باعتقاد الجواز مع العلم بالموضوع، أو جهلا بالموضوع كما لو عوّل على رأيه و ظنّه باعتقاد الاجتهاد لنفسه أو أخذ عن غير مجتهد باعتقاد الاجتهاد، أو عن مجتهد غير جامع باعتقاد الاجتماع، و الأوّل هو المقصّر و الثاني قاصر، و كذلك الثالث لأنّه ما دام معتقدا بخلاف الواقع غافل عن احتمال الخلاف و إلّا لم يكن قاطعا، فيكون تكليفه بخلاف معتقده تكليف بالمحال من باب تكليف الغافل بما غفل عنه فيكون قبيحا، و اللازم من ذلك أن لا يصحّ مؤاخذته على ما يتحقّق منه من مخالفة الواقع بترك واجب أو ارتكاب محرّم إذا أدّاه طريقه إلى عدم الوجوب أو التحريم.
و قد يتوهّم اندراجه في المقصّر لتمكّنه في جميع الصور المذكورة من إزالة الجهل عن نفسه بفحص و سؤال و نحوهما و قد تركه عن تقصير، و هذا غير واضح إذ الجاهل بالجهل المركّب لا يرى اعتقاده جهلا بل يراه مطابقا للواقع فكيف يتصوّر في حقّه التمكّن من إزالة الجهل بالفحص و السؤال.
نعم هي مقدورة خارجا لا ذهنا، بمعنى أنّه بحيث لو فحص و سأل لزال جهله إلّا أنّه لا يفحص و لا يسأل لعدم احتماله الخلاف في اعتقاده، و اعتقاده المخالف الّذي يراه مطابقا فهو الصارف له عن الفحص و السؤال، فلا يندرج تركه في حدّ التقصير، و إنّما يندرج في حدّ التقصير لو كان اعتقاده المفروض في الصور المذكورة على وجه الظنّ المجامع لاحتمال الخلاف مع التفاته إلى الاحتمال، إلّا أنّه على هذا التقدير يرجع إلى القسم الأوّل و هو الجاهل المتسامح.
نعم قد يكون مقصّرا في ترك الفحص و السؤال الموصلين إلى الطريق المشروع أو عدم مشروعيّة الطريق المسلوك قبل حصول الاجتهاد المفروض تسامحا، و لا يبعد استحقاقه العقوبة على ما يتحقّق منه من مخالفة الواقع جهلا باعتبار كون تركه الفحص و السؤال مع احتمال إفضائه إلى المخالفة في معنى الإقدام على تلك المخالفة اختيارا، فهو نحو من الترك الحكمي للواجب أو الفعل الحكمي للحرام.
..........
و ممّا يندرج في القاصر ما لو عوّل المقلّد على نقل ثقة فانكشف له الخلاف بكذب الناقل أو خطأه في النقل، و ما لو عوّل على ظاهر كلام المفتي أو الناقل ثمّ انكشف له عدم إرادته، فيحكم على التقديرين بفساد العمل لمخالفته الواقع.
حجّة القائلين بعدم معذوريّة الجاهل وجوه:
أحدها: أنّ التكاليف معلومة الثبوت بالضرورة، و الأصل حرمة العمل فيها بغير العلم، خرج العمل بقول المجتهد بالإجماع فيبقى غيره تحت عموم المنع.
و فيه: أنّه لا يتناول القاصر غافلا كان أو جاهلا بالجهل المركّب إذا كان قاطعا بمشروعيّة طريقه الغير المشروع، إذ لا حرمة في حقّهما لقبح خطاب الغافل في محلّ غفلته و قبح خطاب القاطع بخلاف ما قطعه، و الحرمة المستتبعة لاستحقاق العقوبة في المقصّر المتسامح الّذي أدّى طريقه الغير المشروع إلى مخالفة الواقع بترك واجب أو فعل محرّم و لكن على نفس المخالفة مسلّمة، و كذلك حرمة سلوك الطريق الغير المشروع إذا لم يؤدّ إلى مخالفة الواقع لمجرّد كونه عملا بغير العلم مسلّمة، و لكن استحقاقه العقوبة و المؤاخذة بذلك مع عدم مخالفته و لا مخالفة عمله الواقع محلّ إشكال من أنّه عمل بما نهاه الشارع من العمل به و عوّل بما منعه من التعويل عليه، و من احتمال كون النهي لمجرّد الإرشاد فتأمّل، مع أنّه لا تعرّض في الدليل للإعادة و القضاء بإثبات و لا بنفي.
و بالجملة هذا الدليل غير مناف للفرق، و التفصيل الّذي اخترناه في المقامين- المتقدّمين، مع أنّه على تقدير الإثم و استحقاق العقوبة من الحيثيّة المذكورة- لا ينتج عدم معذوريّة الجاهل بالنسبة إلى الواقع مطلقا أو على تقدير مخالفته له و عدم مصادفة الطريق إيّاه، و لا يثبت به عليه إعادة مع بقاء محلّها و لا قضاء فيما ثبت له قضاء مطلقا أو على تقدير مخالفة عمله الواقع، مع أنّ ظاهر كلامهم عدم معذوريّة الجاهل فيما جهله من الحكم الشرعي مطلقا أو على تقدير المخالفة ليترتّب عليه ثبوت الإعادة و القضاء كما ينبّه عليه استثناء مسألتي الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام من إطلاق عدم المعذوريّة.
و يرشد إليه أيضا تعبيرهم عن العنوان بالجاهل و تقييدهم له بالحكم الشرعي، فإنّه يعطي بظاهره عدم المعذوريّة من حيث جهله في الحكم الشرعي لا من حيث تعويله على الطريق الغير الشرعي.
و ثانيها: أنّ القول بمعذوريّة الجاهل يستلزم أحد المحذورين: إمّا سقوط جلّ التكاليف،
..........
أو تأثير الأمر الغير الاختياري في ترتّب العقاب و عدمه، و التالي بقسميه فاسد.
أمّا الملازمة: فلأنّا إذا فرضنا جاهلين بشرط واجب أصابه أحدهما عند الإتيان بذلك الواجب دون الآخر، كما إذا كانا جاهلين باشتراط الفريضة بالوقت أو بوجوب مراعاته فصلّى أحدهما في الوقت و الآخر في خارجه، فإمّا أن يستحقّا العقاب أو لا يستحقّان أو يستحقّه أحدهما دون الآخر.
فعلى الأوّل يثبت المطلوب و هو عدم كفاية إصابة الواقع من غير طريق معتبر.
و على الثاني يلزم المحذور الأوّل، لأنّ سقوط العقاب يستلزم سقوط الوجوب فيلزم سقوط جلّ التكاليف، لإمكان تطرّق الجهل إلى كلّ فعل من أفعال الصلاة و شرائطها و كذا غيرها من العبادات.
و على الثالث يلزم المحذور الثاني، لاستواء الجاهلين في الحركات الاختياريّة و إنّما حصل مصادفة الواقع كالوقت في المثال لضرب من الاتّفاق الخارج عن المقدور.
و أمّا بطلان الشقّ الأوّل من اللازم: فلأنّ الالتزام بسقوط جلّ التكاليف في حقّ الجاهل مفسدة واضحة لا يشرع لأحد الاجتراء عليها.
و أمّا بطلان الشقّ الثاني: فلأنّ تجويز مدخليّة الاتّفاق في استحقاق الثواب و العقاب ممّا اتّفقت كلمة العدليّة على فساده و براهينهم قاضية ببطلانه.
و الجواب: أنّ قضيّة ما حقّقناه من إناطة إجزاء عمل الجاهل و عدم إجزائه بمطابقة الواقع و عدمها عدم كون صلاة المصلّي خارج الوقت مجزية، سواء أحرز فيها سائر ما اعتبر في الصلاة و في امتثال الأمر بها حتّى القربة ممّا عدا الوقت أو لا، فلا يستحقّ بها ثوابا، و أمّا العقاب فإن كان مقصّرا في جهله بالوقت أو وجوب مراعاته فيستحقّه لكن لا لمجرّد جهله و عدم تعويله في عمله على طريق [مشروع]، بل لإخلاله بالمأمور به إخلالا ناشئا عن تقصيره، و مرجعه بالأخرة إلى تركه المأمور به اختيارا، و إن كان قاصرا- إن صحّ فرض القصور في حقّه- فلا يستحقّه كما لا يستحقّ الثواب.
أمّا الأوّل: فلعدم إخلاله بواجب عليه لعدم تكليفه بالصلاة الواقعيّة بسبب قصوره و غفلته، و الواجب ما يستحقّ العقاب بتركه لا عن عذر، و القصور المفروض في حقّه عذر.
و أمّا الثاني: فلعدم إتيانه بالمأمور به على وجهه، إذ ليس في حقّه إلّا الأمر الظاهري العقلي و هو لا يفيد الإجزاء.
..........
و أمّا استحقاقه الثواب على الانقياد و قصده الإطاعة فهو أمر آخر لا يرتبط بالمقام.
و أمّا المصلّي في الوقت فإن كان بحيث أحرز في صلاته جميع ما يعتبر في صحّتها حتّى القربة فهو يستحقّ الثواب، حيث أتى بالمأمور به على وجهه مع قصده امتثال الأمر به، و لا عقاب عليه من حيث عدم تعويله على الطريق المعتبر، و إلّا بأن أخلّ لعدم رجوعه إلى الطريق المعتبر مع الالتفات إلى طريقيّته و لتقصيره في جهله ببعض الامور المعتبرة في الصحّة و أقلّة القربة فيستحقّ العقاب على إخلاله بالمأمور به عن تقصير الّذي هو في الحقيقة ترك للواجب عليه اختيارا لا على جهله و عدم تعويله على الطريق المعتبر.
فصار محصّل الجواب: اختيار الشقّ الأوّل و هو استحقاقهما العقاب على تقدير تقصيريهما بحيث أوجب الإخلال في قصد الامتثال لإخلالهما بالمأمور به عن تقصير الّذي هو في معنى ترك الواجب لا عن عذر، و هذا لا يجدي نفعا فيما هو مقصود المستدلّ و هو استناد الاستحقاق إلى الجهل و عدم كفاية إصابة الواقع من غير طريق معتبر.
و اختيار الشقّ الثاني مع استحقاق المصلّي في الوقت الثواب على تقدير عدم تقصير لهما بحيث أوجب الإخلال بقصد القربة، و لا يلزم بذلك إناطة استحقاق الثواب و العقاب بأمر خارج عن المقدور، فإنّ الصلاة المفروضة من حيث صدورها عن كلّ منهما بإرادته و اختياره فعل اختياري له، و هذا الفعل الاختياري من حيث موافقته في أحدهما للأمر و انطباقه على المأمور به و صدوره منه بداعي امتثال الأمر دون الآخر فلا محالة يوجب له استحقاق الثواب دون صاحبه، لعدم تحقّق امتثال في حقّه.
و اختيار الشقّ الأخير مع استحقاق المصلّي في الوقت للثواب على تقدير إحرازه القربة في صلاته مع تقصير صاحبه في جهله، و لا يلزم إناطة الاستحقاقين بأمر خارج عن المقدور أيضا كما عرفت.
و ثالثها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء- إلى أن قال-: أمّا لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره، و تصدّق بجميع ماله، و حجّ جميع دهره، و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه، و يكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه حقّ في ثوابه و لا كان من أهل الإيمان» فإنّ العامل الّذي أخذ أحكامه من غير الطرق الشرعيّة ليس عمله بدلالة وليّ اللّه إليه، لأنّه إنّما يدلّ إلى الأخذ بالطرق المعتبرة، فلا يستحقّ الثواب به و هو يستلزم الفساد.
..........
و فيه: أنّ الرواية بمقتضى ظاهر السياق واردة في مقام ردع المخالفين الموالين للجبت و الطاغوت المتبعين لهما في أعمالهم باعتبار كون جميع أعمالهم بدلالتهما إليه، فالمقصود أنّ موالاة وليّ اللّه فيمن يواليه يلزمه أن يكون جميع أعماله بدلالته إليه لا بدلالة الجبت و الطاغوت، كما أنّ موالاة الجبت و الطاغوت لازمه أن يكون جميع الأعمال بدلالتهما إليه.
فالرواية تدلّ على أنّ كون جميع الأعمال بدلالة وليّ اللّه لا بدلالة الجبت و الطاغوت من لوازم موالاته، من غير دلالة لها على كونه من لوازم الأعمال على وجه يكون له مدخليّة في صحّتها، فقصارى ما يلزم من ذلك بطلان الأعمال باعتبار انتفاء الولاية لا باعتبار انتفاء دلالة وليّ اللّه إليها.
و لو سلّم فتدلّ على بطلانها باعتبار كونها بدلالة الجبت و الطاغوت كما هو من لوازم موالاتهما لا باعتبار عدم كونها بدلالة وليّ اللّه مع موالاته، فليس في الرواية دلالة على بطلان أعمال الجاهل الموالي لجهله، فليتدبّر.
و التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الرواية لا تشمل الجاهل الموالي لوليّ اللّه، لأنّ غاية ما تدلّ عليه هو بطلان الأعمال عند انتفاء المجموع من موالاة وليّ اللّه و أخذ الأعمال منه، و أمّا استناده إلى انتفاء الأوّل بناء على أنّ الولاية بنفسها من شروط صحّتها، أو إلى انتفاء الثاني بناء على أنّ الأخذ من وليّ اللّه من شروطها، أو إليهما معا بناء على أنّهما شرطان فكلّ محتمل، و المطلوب إنّما يثبت على ثاني الاحتمالات و الرواية غير دالّة عليه.
و رابعها: أنّ كثيرا من جزئيّات الصلاة مثلا ممّا وقع الخلاف في وجوبها و استحبابها، و الإتيان بها على أحد الوجهين واجب و ذلك لا يكون إلّا بتقليد الفقيه حتّى يقصد المقلّد الوجه الراجح عنده، و هذا مثل الخلاف الواقع بين العلماء في وجوب السورة و استحبابها، و وجوب التسليم و استحبابه إلى غير ذلك، احتجّ به بعض الأعاظم.
و جوابه واضح لابتنائه على القول باشتراط قصد الوجه في صحّة العبادة حتّى في الأجزاء و قد عرفت ضعفه.
حجّة القائلين بمعذوريّة الجاهل مطلقا:
الأصل، و تعسّر معرفة المجتهد و استجماعه الشرائط المعتبرة فيه في كثير من العوامّ و لا سيّما النسوان و الأطفال في أوائل بلوغهم، و أنّ المأمور به هو نفس العبادة و كونها مأخوذة من الإمام أو من المجتهد غير داخل في حقيقته فمتى وجد في الخارج يحصل الامتثال، و الأصل عدم مدخليّة كونها مأخوذة منهم في