..........
وقوع الأعمال الماضية على طبق الأمارة الاولى- على دعوى عدم انكشاف الواقع و مخالفته بالنسبة إلى الأعمال الماضية، إذ ليس هناك إلّا الظنّ و هو لا يكفي في انكشاف مخالفة الواقع و تبيّن بقاء المأمور به الواقعي في العهدة، إذ الظنّ المستند إلى الأمارة الثانية لا يمنع احتمال كون الواقع على طبق الأمارة الاولى، و هذا الاحتمال ما دام قائما يمنع صدق قضيّة الفوات المعلّق عليها الأمر بالقضاء، و يمنع أيضا من تبيّن بقاء المأمور به الواقعي في العهدة ليتوجّه الأمر بالإعادة، لا[1]على إجزاء ما فعله من الأعمال الماضية مع انكشاف مخالفتها الواقع. و تمام الكلام في هذا المقام تقدّم في مسألة الإجزاء.
و عن الثالث: أنّ عدم تكليف الجاهل الغير المقصّر بما يوافق الواقع لقبح تكليف الغافل مسلّم و لكنّه لا يلازم تكليفه في الواقع بمعتقده.
غاية الأمر أنّه اعتقد كون معتقده هو المأمور به الواقعي، و قد عرفت أنّ اعتقاد الأمر لا يحدث أمرا.
و بالجملة هذا الوجه لابتناء إنتاجه على ثبوت الملازمة المشار إليها راجع بالأخرة إلى الوجه الأوّل، و قد عرفت جوابه.
و عن الرابع: ما نذكره من تفسير الواقع و موافقته و أنّ المراد به مؤدّى الطريق المشروع الّذي يجب الرجوع إليه حال التفطّن و الالتفات، و الدليل على تعيينه كلّما دلّ على طريقيّته للمكلّف المتفطّن، و دعوى عدم صدق الفوات في حقّه عند مخالفة الأعمال الماضية لذلك الطريقة مجازفة لمنع كونه مكلّفا بمعتقده.
و المفروض على ما حقّقناه في محلّه أنّ صدق الفوات لا ينوط بثبوت التكليف في الوقت بالمأمور به الواقعي، بل بعدم دخوله في ظرف الخارج ممّن من شأنه الدخول منه فيه.
و بهذا الوجه مع قطع النظر عن النصّ أمكن إثبات القضاء على النائم و الناسي.
و عن الخامس: ما مرّ في دفع الأصل من أدلّة القول بالمعذوريّة المطلقة و لا حاجة إلى الإعادة.
تنبيه المراد ب«الواقع» في موضوع مسألة سقوط الإعادة و القضاء و عدمه
حسبما رجّحناه
[1]راجع إلى قوله: «على دعوى عدم انكشاف الواقع و مخالفته بالنسبة إلى الأعمال الماضية».
..........
المأمور به الواقعي بالمعنى الدائر بين الأوّلي- و هو الّذي أمر به المكلّف المختار الّذي لم يطرئه جهة اضطرار- و الثانوي و هو الّذي أمر به المضطرّ الّذي طرأه جهة اضطرار بالقياس إلى بعض الأفعال أو الشروط، فإذا التفت الجاهل إلى عمله و تردّد بين صحّته و بطلانه وجب عليه تطبيقه على المأمور به الواقعي بأحد قسميه حسبما ساعد عليه حالته من الاختيار و الاضطرار ليظهر عليه مطابقته أو مخالفته له، و حينئذ فإن كان له طريق إلى الواقع بالمعنى المذكور فلا كلام، و إلّا وجب عليه الرجوع إلى ما يقوم مقام العلم بالواقع شرعا و هو الطريق المشروع للمكلّف المتفطّن الّذي يجب عليه حال التفطّن و الالتفات الأخذ بمؤدّاه من اجتهاد أو تقليد مجتهد يصحّ تقليده.
فالمراد بالواقع حينئذ مؤدّى ذلك الطريق، بتقريب: أنّ مقتضى أدلّة طريقيّته حسبما بيّنّاه مرارا وجوب الأخذ بمؤدّاه و ترتيب الآثار و الأحكام عليه على أنّه الواقع، فالجاهل بعد العمل و لو بمدّة متطالية إذا حصل له التردّد في صحّته و بطلانه راعى الطريق المشروع في حقّه من اجتهاد أو تقليد بالمراجعة إليه، فإن ساعد على صحّة نوع هذا العمل المأتيّ به انكشف مطابقته للواقع بالمعنى المذكور، و إن ساعد على فساد نوعه انكشف مخالفته الواقع، مثلا لو صلّى صلاة بلا سورة باعتقاد عدم [وجوب] غير ما أتى به لقصور أو تقصير، ثمّ التفت إليه بعد مدّة و تردّد في صحّة هذه الصلاة رجع إلى الطريق الّذي يجب عليه في هذه الحالة أن يرجع إليه و الأخذ بمؤدّاه، فإن أدّاه إلى وجوب السورة في الصلاة تبيّن فساد صلاته المأتيّ بها لعدم مطابقتها الواقع فوجب عليه إعادتها أو قضاؤها، و إن أدّاه إلى عدم الوجوب تبيّن صحّتها لمطابقتها الواقع فلا عليه إعادة و لا قضاء، و لا يكفي في إحراز مطابقة الواقع مطابقة العمل لفتوى من فتاوى الفقهاء و إن لم يكن حال الالتفات و طروّ الشكّ طريقا مشروعا في حقّه كما حكي القول به، إذ مطلق [الفتوى] قد يكون فتوى الميّت مع وجود الحيّ، و قد يكون فتوى المفضول مع وجود الأفضل، أو غيرهما ممّن فقد بعض شرائط الإفتاء و ليس بطريق مشروع في حقّ المقلّد في حال الالتفات على القول باعتبار الأعلميّة.
و لو تعدّد من له أهليّة الإفتاء و جاز تقليد كلّ على وجه التخيير و اختلفا في الرأي اعتبر في إحراز المطابقة و العدم موافقة العمل لمن اختاره و مخالفته، و لا يكفي الموافقة لأحدهما و مخالفته قبل الاختيار لاستحالة الترجيح من غير مرجّح.
..........
ثمّ إنّ هذا كلّه مع وحدة مجتهد زماني العمل و الالتفات واضح، و كذلك مع تعدّده و موافقتهما في الرأي.
و أمّا لو تعدّد و اختلفا في الرأي كما لو صلّى صلاة خالية عن السورة إلى مدّة من غير تقليد صحيح، و قارن عمله لوجود مجتهد صالح التقليد ثمّ التفت في زمان مجتهد آخر و قد مات الأوّل أو زال عنه بعض الشرائط و كان من رأي الأوّل صحّة الصلاة من غير سورة و من رأي الثاني بطلانها أو بالعكس، ففي كون المعتبر في المطابقة و عدمها رأي الأوّل أو الثاني وجهان: من أنّه لا يعتبر في صيرورة مؤدّى الطريق حكما فعليّا لمن وظيفته الرجوع إليه الأخذ به و الالتزام بمؤدّاه فعلا، و كما أنّ فتوى المجتهد الأوّل كان في زمان حياته أو استكماله الشرائط حكما فعليّا في حقّه فكذلك كان حكما فعليّا لغيره ممّن وظيفته تقليده، و كان من مقتضى هذا الحكم الفعلي صحّة الصلاة المذكورة الملزومة لسقوط الإعادة و القضاء أو بطلانها المقتضي لثبوتهما، فيستصحب هذه الآثار إلى زمان المجتهد الثاني الّذي هو زمان الالتفات و التردّد في صحّة العمل و فساده.
و من أنّ البناء في ذلك الزمان على صحّة الأعمال السابقة ليترتّب عليها عدم وجوب الإعادة و القضاء أو على فسادها ليترتّب عليه وجوبهما لا بدّ له في ذلك من مستند شرعي على معنى استناده إلى طريق مشروع، فلو استند فيه إلى فتوى المجتهد الأوّل رجع ذلك إلى تقليد الميّت ابتداءً أو فاقد الشرائط و هو غير سائغ، و الاستصحاب المشار إليه مخدوش بعدم بقاء موضوع المستصحب أو الشكّ في بقائه، لاحتمال كون موضوع الحكم الفعلي هو المجتهد الحيّ بوصف الحياة المستكمل للشرائط.
و من هنا ظهر أنّ الأوجه بل الأظهر هو الوجه الثاني، و مبناه على منع تقليد الميّت ابتداء و عدم جواز تقليد الغير المستكمل للشرائط.
نعم لو كان المجتهد الأوّل باقيا في زمان الالتفات على استكماله الشرائط و تجدّد فيه مجتهد آخر مستكمل لها أيضا فالمتعيّن حينئذ هو الرجوع إلى فتوى المجتهد الأوّل، لأصالة عدم صيرورة مؤدّى اجتهاد المجتهد الثاني حكما فعليّا لهذا الجاهل، و أصالة عدم حدوث التخيير بينهما في حقّه، إذ مؤدّى الأوّل قبل تجدّد الثاني كان حكما في حقّه على التعيين بخلاف الصورة الاولى الّتي كان المتعيّن فيها الرجوع إلى المجتهد [الحيّ] حذرا عن تقليد الغير الجامع للشرائط الّتي منها الحياة، و لا ينتقض ذلك بصورة التقليد في الأعمال السابقة
..........
حيث يجب الرجوع بموت المجتهد أو طروّ النقص له إلى مجتهد آخر من دون انتقاض فتوى الأوّل في الأعمال السابقة المقلّد فيها، لأنّ مستند الحكم بصحّتها الملزومة للإجزاء إنّما هو فتوى الأوّل في زمان كماله فلا ينتقض ذلك الحكم في زمان طروّ النقص، و قد سبق منّا في فروع مسألة الإجزاء ما ينفعك في هذا المقام.
و محصّله: أنّه يعتبر في اعتبار الاجتهاد و التقليد المتأخّرين عن العمل بالنسبة إليه عدم مصادفته حين وقوعه لاجتهاد أو تقليد، على معنى عدم استناده إلى أحدهما، فإنّهما على تقدير الاستناد إليه في زمان وقوعه لا يعتبران بالنسبة إليه بحيث يترتّب عليه آثارهما إلّا مع انتهائهما إلى حدّ القطع ببطلان الاجتهاد و التقليد المقارن له أو بطلان العمل الواقع بموجبهما باعتبار القطع بالخطإ في الاجتهاد في شخص المسألة.
فروع
الأوّل: لو شكّ في مطابقة عمله السابق للطريق المشروع له المرجوع إليه و مخالفته له بواسطة نسيان بعض خصوصيّاته ففي الاحتياط بالبناء على بطلانه المقتضي لمراعاة التدارك إعادة و قضاء تحصيلا ليقين البراءة فيما ثبت فيه الشغل اليقيني، أو البناء على الصحّة الملزومة لسقوطهما عملا بعموم أدلّة عدم اعتبار الشكّ بعد الفراغ أو بعد خروج الوقت مضافا إلى أصالة البراءة النافية للتكليف بالإعادة و القضاء وجهان، أجودهما الأوّل للاسترابة في اندراج المقام في عموم الأدلّة المذكورة، لاختصاصها- و لو بحكم الانصراف- بالشكّ في وقوع خلل في العمل المطابق للطريق المشروع أو الشكّ في وقوعه في الوقت، و الشكّ هاهنا إنّما هو في مطابقة العمل الواقع في الوقت للطريق المشروع و مخالفته له و لم يظهر من الأدلّة عدم الاعتبار بهذا الشكّ أيضا.
و يندفع أصالة البراءة بعدم جريانها في مجرى قاعدة الاشتغال.
و يمكن التفصيل بالفرق بين الإعادة لو حصل الالتفات إلى الصحّة و البطلان في الوقت فيجب، و القضاء لو حصل الالتفات إليها بعد خروج الوقت فلا يجب.
أمّا الأوّل: فلأنّ الاعادة حيثما تجب ليس وجوبها من مقتضى أمر آخر لينفي احتماله في موضع الشكّ بأصل البراءة، بل إنّما هو من مقتضى الأمر الأوّل بالأداء باعتبار عدم الخروج عن عهدته بالإتيان الأوّل.
غاية الأمر حصول الشكّ فيما نحن فيه في الخروج و عدمه فيستصحب بقاؤه المقتضي
..........
لوجوب الإتيان ثانيا على طبق الطريق المرجوع إليه، مضافا إلى قاعدة الشغل المستدعية ليقين البراءة الّذي لا يحصل إلّا بذلك.
و أمّا الثاني: فلأنّ القضاء إنّما يثبت بالأمر الجديد، و هو معلّق على صدق قضيّة الفوات، و هي مع وقوع العمل المذكور في الوقت مشكوك الصدق لاحتمال الصحّة، فلم يظهر شمول الأمر المعلّق عليها.
غاية الأمر بقاء الشكّ في توجّه ذلك الأمر من باب الشكّ الابتدائي في التكليف و الأصل براءة الذمّة عنه، و لا يجري معه أصل الشغل لانتفاء موضوعه و هو الشكّ في المكلّف به.
هذا و يمكن ترجيح الوجه الأوّل و هو البناء على البطلان رأسا و الالتزام بالإعادة و القضاء معا، لأنّ قضيّة الجمع بين أدلّة الأداء و أدلّة القضاء في الموقّتات- على ما قرّرناه في مسألة الإجزاء- هو وجوب أحد الأمرين من الفعل في الوقت و الفعل في خارجه على وجه الترتّب، على معنى ترتّب الثاني على فوات الأوّل، و المفروض عدم حصول الثاني بعد و حصول الأوّل أيضا مشكوك، لأنّ المراد بالفعل في الوقت هو أداء المأمور به الجامع للشرائط و سائر ما اعتبر فيه و حصوله على هذا الوجه مشكوك و الأصل عدمه، و عليه فيجب الإتيان به على طبق الطريق المرجوع إليه إعادة مع بقاء الوقت أو قضاء مع خروجه.
و لكنّ الإنصاف أنّ إثبات وجوب القضاء في غاية الإشكال، خصوصا بعد إرجاع الشكّ في صحّة الفعل الحاصل في الوقت إلى الشكّ في وقوع المأمور به الجامع للشرائط و حصول أدائه فيه، إذ لا مانع حينئذ من اندراجه في عموم الشكّ بعد خروج الوقت و هذا أصل اجتهادي وارد على أصل العدم، فهذا مع انضمام أصل البراءة إليه ممّا يقرّب التفصيل المذكور إلى الذهن، هذا و لكنّ المسألة لم تصف بعد و طريق الاحتياط الّذي هو سبيل النجاة واضح.
الثاني: لو شكّ في استناد أعماله السابقة إلى الطريق المشروع له حين وقوعها، على معنى الشكّ في أنّه هل قلّد فيها مجتهد ذلك الزمان المستكمل للشرائط لئلّا يجب عرضها على الطريق المشروع المرجوع إليه في زمان الالتفات أو لا ليجب عرضها عليه استعلاما للمطابقة و العدم؟ ففي وجوب البناء فيها على الصحّة أو البطلان أو الرجوع إلى الطريق المشروع إليه وجوه، أوجهها الأخير لأصالة عدم التقليد المعتضدة بالاحتياط و استدعاء الشغل اليقيني ليقين البراءة.
الثالث: لو وقعت منه في الأزمنة الماضية أعمال مستندة إلى الطريق المشروع له في
[منع التقليد في اصول الدين]
أصل و الحقّ منع التقليد في اصول العقائد، و هو قول جمهور علماء الإسلام، إلّا من شذّ من أهل الخلاف (1).
تلك الأزمنة و أعمال اخر غير مستندة إليه و اختلطتا على وجه لا يتمكّن من التميز ليرجع في الأعمال الغير المستندة إليه إلى الطريق المرجوع إليه استعلاما لحالها من حيث المطابقة و العدم، ففي البناء في الجميع على الصحّة أو البطلان أو الرجوع إلى الطريق المرجوع إليه وجوه أيضا، لا يبعد ترجيح الأخير.
(1) الأنسب بما قدّمناه في مفتتح باب التقليد من ترتيب مقاصده بحسب البحث عن حكمه و أركانه- المقلّد و المقلّد و المقلّد فيه- إيراد هذه المسألة في مباحث المقام الثالث الّذي يجب فيه عن أحكام المقلّد فيه، غير أنّ بناء المصنّف كغيره لمّا لم يكن على مراعاة هذا الترتيب فأوردها هنا و نحن اقتفينا أثره، فنقول:
اختلفوا في أنّه هل يحرم التقليد في اصول العقائد و يتعيّن النظر و الاستدلال- على معنى تحصيل المعارف بطريق النظر و الاستدلال- أو الأمران معا جائزان أو يجب التقليد و يحرم النظر على أقوال، غير أنّ المعروف المنسوب إلى الأكثر [هو الأوّل] و ادّعى عليه العلّامة في الباب الحادي عشر من مختصر المصباح إجماع العلماء كافّة حيث قال:
«أجمع العلماء كافّة على وجوب معرفة اللّه سبحانه و صفاته الثبوتيّة و السلبيّة و ما يصحّ عليه و [ما] يمتنع [عنه] و النبوّة و الإمامة و المعاد بالدليل لا بالتقليد، فلا بدّ من ذكر ما لا يمكن جهله على أحد من المسلمين و من جهل شيئا من ذلك خرج عن المسلمين و استحقّ العقاب الدائم» و نحوه عن شرحه للسيوري.
و عن المبادئ: الإجماع على عدم جواز التقليد كما عن ظاهر غاية المبادئ أيضا.
و عن نهاية العلّامة- زيادة على ما مرّ-: الإجماع على وجوب المعرفة و ما يجب عليه و يمتنع.
و نحوه ما عن غاية المأمول و الآمدي و الحاجبي و القوشجي إلّا أنّه ادّعى إجماع المسلمين.
و عن العضدي ادّعاء إجماع الامّة على وجوب معرفة اللّه، و قالوا: «إنّها لا تحصل بالتقليد لجواز كذب المخبر، و لأنّه لو حصل منه العلم لزم اجتماع النقيضين في المسائل
..........
الخلافيّة، و لأنّه لو حصل منه العلم فالعلم بصدقه إمّا أن يكون ضروريّا أو نظريّا، و الأوّل باطل جزما، و الثاني يحتاج إلى دليل و المفروض عدمه و إلّا لم يكن تقليدا» انتهى.
و كأنّ مبنى هذه الإجماعات مع ما عرفت و ستعرف أيضا من وجود الخلاف على عدم الالتفات إليه لشذوذ المخالف أو وضوح غفلته عن الحقّ أو اتّضاح فساد دليله أو لحوقه بالإجماع، و هي لكشفها باستفاضتها عن حقّيّة المورد في الجملة تنهض دليلا على حكم المسألة.
و ليعلم أنّ المراد بالتقليد هنا معناه المعروف و هو الأخذ بقول الغير من غير حجّة يحتجّ بها على هذا القول، بأن يأخذ المكلّف في اصول عقائده كوجود الصانع تعالى و وحدانيّته و صفاته الثبوتيّة و السلبيّة و عدله و نبوّة نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و إمامة الأئمّة(عليهم السلام)و المعاد بقول الغير و يعوّل عليه لا على حجّة يحتجّ بها و دليل يستدلّ به عليه، و إلّا لم يكن تقليدا بل كان أخذا فيها بالنظر و تحصيلا لها بالاستدلال كما أشار إليه العضدي في العبارة المتقدّمة في الوجه الأخير من الوجوه الثلاث الّتي أقامها على منع حصول العلم من التقليد، و عليه فالتقليد في الاصول من هذه الجهة لا يغاير التقليد في الفروع، فإنّ التقليد في الفروع يتضمّن جهتين:
إحداهما: أنّه لا يعتبر فيه في لحاظ الأخذ بقول الغير دليل يستدلّ به و لا حجّة يحتجّ بها على هذا القول بل يعتبر العدم كما لا يخفى.
و اخراهما: أنّه لا يعتبر أيضا في القول المأخوذ به كونه مستتبعا لاعتقاد المقلّد بالحكم المقلّد فيه لا قطعا و لا ظنّا، لبنائه على التعبّد المحض و من علامته كون مستند الآخذ في أخذه نفس ذلك القول المأخوذ به كما تقدّم مشروحا.
و التقليد في الاصول المأخوذ في محلّ البحث لا يغايره من الجهة الاولى كما أشار إليه العضدي و أشار إليه أيضا شيخ الطائفة في صريح عبارته في العدّة عند الاستدلال على العفو عن خطأ المقلّد في تقليده بقوله: «إنّي لم أجد أحدا من الطائفة و لا من الأئمّة قطع موالاة من يسمع قولهم و اعتقد مثل اعتقادهم و إن لم يستند في ذلك إلى حجّة عقليّة أو سمع شرعي»[1].
و هل يغايره من الجهة الثانية فيعتبر حصول الاعتقاد من قول الغير للمقلّد بالحكم
[1]عدّة الاصول 2: 731.
..........
الاصولي المقلّد فيه أو لا؟ فيؤخذ بقول الغير هنا أيضا تعبّدا، ظاهر عبارة العدّة المتقدّمة هو الأوّل، و هو المصرّح به في كلام جماعة منهم بعض مشايخنا قائلا في الفرق بين التقليد في المقامين: «لا يعتبر في التقليد في الفروع حصول الظنّ فيعمل المقلّد مع كونه شاكّا، و هذا غير معقول في اصول الدين الّتي يطلب فيها الاعتقاد»[1]بل في كلام بعض الفضلاء دعوى الإجماع على أنّ الإيمان لا يتحقّق بدون الإذعان. و قضيّة ذلك خروج الأخذ بقول الغير مع الشكّ في حقّيته و بطلانه عن المتنازع فيه، على معنى إطباقهم على عدم كفاية التقليد بهذا المعنى.
ثمّ إنّ ظاهر كلام الفاضل المذكور بل صريحه تعميم الاعتقاد هنا بالقياس إلى الظنّ و الجزم تعليلا: «بأنّ التقليد قد يفيد القطع، و أنّه لم يعتبر خصوص القطع ليتمّ على القول بكفاية الظنّ».
لكن ظاهر عبارة الشيخ في العدّة عند الاستدلال على منع التقليد- «بأنّه لا خلاف في أنّه يجب على العامي معرفة الصلاة و أعدادها، و إذا كان لا يتمّ ذلك إلّا بعد معرفة اللّه و معرفة عدله و معرفة النبوّة وجب أن لا يصحّ التقليد في ذلك» إلى آخره-[2]أنّ الكلام إنّما هو في المقلّد الغير الجازم، و هو أيضا ظاهر العضدي في استدلاله على منع التقليد فيما حكى بالإجماع على وجوب معرفة اللّه أنّها لا تحصل بالتقليد، و عليه مبنيّ ما عن شيخنا البهائي في حاشية زبدته من أنّ هذا النزاع يرجع إلى النزاع في اشتراط القطع في الاصول، فإن اعتبرناه تعيّن القول بعدم جواز التقليد و إلّا فيجوز.
و إن أمكن المناقشة فيه بمنع الملازمة على القول بكفاية الظنّ و عدم اشتراط القطع بجواز كون المراد به الظنّ النظري و هو الحاصل بالنظر و الاستدلال.
و منهم من منع الملازمة على القول باشتراط القطع أيضا بدعوى: أنّ النسبة بين التقليد في اصول الدين و العمل بالظنّ فيها عموم من وجه، لافتراق الأوّل في التقليد المفيد للقطع و التقليد الغير المفيد له و للظنّ، و افتراق الثاني في الظنّ الحاصل بالنظر.
و يمكن دفع المنعين بأنّ الكلام في افتراق العنوانين و اجتماعهما بحسب القائل لا باعتبار المفهوم، و المراد أنّ من جوّز للعلماء و المجتهدين العمل في اصول الدين بالاجتهاد الظنّي و الأخذ بمؤدّى الأمارات الظنّية فقد جوّز للعوامّ أيضا التقليد فيها، و من لم يجوّز ذلك ثمّة
[1]عدّة الاصول 2: 731.
[2]عدّة الاصول 2: 730.