و البرهان الواضح قائم على خلافه فلا التفات إليه (1).
و عدمه في اصول العقائد، إمّا لعدم وجود القاصر الّذي مرجعه إلى عدم انسداد باب العلم فيها، أو لعدم تكليفهم بالواقع على تقدير وجودهم.
و هذا بخلاف ما لو قلنا باعتبار العلم على وجه الطريقيّة، فإنّ المطلوب المكلّف به في المعارف حينئذ إنّما هو التديّن بالواقع فيها، و الطريق الموصل إليه هو العلم، و من حكم العلم الطريقي جواز بدليّة الغير عنه و قيامه مقامه مطلقا أو حيثما تعذّر، فإذا تعذّر و انسدّ بابه بفقد الطرق العلميّة مع فرض ثبوت التكليف بالواقع يقوم مقامه ما هو أقرب إليه من الظنّ أو التقليد.
و قضيّة ذلك جريان دليل الانسداد في الاصول أيضا كالفروع هذا، و لكنّ الأظهر في كلماتهم و الأنسب بأدلّتهم هو الوجه الأوّل، و قد عرفت أنّ الأقوال الستّ المتقدّمة أيضا منطبقة عليه لا على الوجه الثاني.
(1) و كأنّه أراد بالبرهان الواضح أحد الأمرين من قاعدة دفع الضرر المخوف أو قاعدة وجوب شكر المنعم، و حيث إنّ جهات البحث في المسألة كثيرة
فتحقيق الحال فيها يستدعي التكلّم في جهات:
الجهة الاولى في إثبات جواز النظر في اصول العقائد
كما هو الأقوى بل الحقّ الّذي لا محيص عنه، قبالا لمن أنكره و قال بالمنع منه و تعيّن التقليد فيها، و نعني بجواز النظر كونه ممّا لا حرج في فعله و لو باعتبار كونه في ضمن الوجوب.
لنا على ذلك: انتفاء المنع عنه عقلا و شرعا، و كون أدلّة ثبوته حسبما اعتمد عليه القائلون به- على ما نبيّنه- مدخولة، مضافا إلى ما ستعرفه في الجهة الثانية من وجوبه و دليل وجوبه، فإنّ الوجوب أخصّ من الجواز فيستلزمه و إن كان الجواز المطلق لا يستلزم الوجوب.
احتجّ منكروه تارة بما لو تمّ لقضى بالمنع التشريعي، و هو: أنّ النظر في اصول الدين بدعة، و كلّ بدعة مردودة.
أمّا الأوّل: فلعدم اشتغال النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و أصحابه بالنظر فيها، و لو اشتغلوا لنقل إلينا لتوفّر الدواعي و قضاء العادة به، كما نقل اشتغالهم بالمسائل الفقهيّة على اختلاف أصنافها.
و اخرى بما لو تمّ لقضى بالمنع الشرعي المستفاد من خطاب العقل، و هو: أنّ الشبهات
..........
في الاصول كثيرة، و النظر فيها مظنّة وقوع في الشبهة، فيحرم النظر و يتعيّن التقليد.
و ثالثة بما لو تمّ لقضى بالمنع الشرعي المستفاد من خطاب الشرع، و هو: أنّ النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)نهى عن الجدل كما في مسألة القدر، فروي أنّه خرج إلى أصحابه فرآهم يتكلّمون في القدر غضب عليهم حتّى احمرّت وجنتاه، و قال: «إنّما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا، عزمت عليكم أن لا تخوضوا فيه» و قال: «إذا ذكر القدر فأمسكوا».
و السرّ في اختلاف مفاد أدلّة هذا القول إمّا أنّهم أرادوا بالمنع المقابل للجواز ما يعمّ الوجوه الثلاثة أعني الأمر الدائر بين المنع التشريعي و المنع الشرعي من خطاب العقل أو خطاب الشرع، أو أنّهم افترقوا بين قائل بالأوّل و قائل بالثاني و قائل بالثالث فاعتمد كلّ على ما وافق مختاره.
و أيّا ما كان فلا خفاء في ضعف الوجوه المذكورة و وضوح فسادها.
أمّا الأوّل: فأوّلا: لمنع عدم نقل اشتغالهم بالنظر في الاصول إلينا، فإنّ الكتاب العزيز و كتب التفاسير و كتب الأحاديث النبويّة و الإماميّة و غيرها من كتب التواريخ مشحونة من مناظرات الأنبياء و رسلهم مع اممهم، و مناظرات النبيّ و الصحابة و التابعين و الأئمّة(عليهم السلام)و أصحابهم في المطالب الكلاميّة مع الزنادقة و الملاحدة و منكري الشرائع و النبوّات و عبدة الأصنام و غيرها من الآلهة الباطلة و أهل الكتاب و المخالفين و غيرهم من أرباب الديانات و المذاهب الباطلة، و تعليم الأئمّة أيضا أصحابهم طريق المناظرة و آدابها.
و ثانيا: لمنع الملازمة بين عدم نقل اشتغالهم به على تقدير تسليمه و بين عدم اشتغالهم به في الواقع.
و التمسّك له بتوفّر الدواعي و قضاء العادة. يدفعه: أنّهما إنّما يقضيان بالنقل في الامور التوقيفيّة الّتي لا طريق إلى إدراكها إلّا النقل و ما نحن فيه ليس منها، إذ النظر إنّما يجوز بل يجب لا لنفسه بل لكونه طريقا محصّلا للمعرفة الواجبة و الحاكم بطريقيّته العقل و هو يغني عن نقل اشتغالهم به، و لعلّ المتصدّين لنقل أمثاله إنّما أهملوا في نقله لعدم الحاجة إليه من جهة كفاية حكم العقل بطريقيّته و مشروعيّته لذلك.
و ثالثا: لمنع تحقّق البدعة على تقدير عدم اشتغالهم، سواء فرضناها محمولة للنظر نفسه أو للقول بجوازه.
أمّا على الأوّل: فلأنّ «الدين» في تفسير البدعة عبارة عن مجموع المعارف الخمس
..........
و ما يلحق بها و غيرها من الفروع، و النظر طريق إلى تحصيلها فيكون خارجا من الدين، و لا يلزم من اعماله إدخال ما علم خروجه من الدين في الدين ليكون من الدين.
و أمّا على الثاني: فلأنّ الأحكام العقليّة بحكم الملازمة بين العقل و الشرع كلّها داخلة في الدين، و جواز النظر حكم عقلي فالقول به إدخال لما هو من الدين في الدين.
و أمّا الثاني: فلأنّ كلّ تقليد لا بدّ و أن ينتهي إلى النظر لئلّا يلزم التسلسل، و هذا النظر المنتهى إليه التقليد مظنّة وقوع في الشبهة فيكون التقليد المنتهي إليه مثله.
و مع الغضّ عن ذلك فإن اريد بكثرة الشبهات في اصول الدين كثرة الشكوك فيها فنمنع كون النظر مظنّة وقوع في الشكّ، فإنّه مزيل للشكوك لا أنّه موجب للوقوع فيها.
و إن اريد بها كثرة الاعتقاد الجهلي فيها نظرا إلى الأديان الباطلة و المذاهب الفاسدة الّتي لا تكاد تحصى كثرة فيها، فنمنع أيضا كون النظر الصحيح الّذي لم يقصّر فيه الناظر مظنّة وقوع في الاعتقاد الجهلي، و ما يرى من كثرة وقوعه بملاحظة الأديان و المذاهب الباطلة على تقدير كونها عن نظر و اجتهاد فهو مستند إلى نوع من التقصير، على ما حقّقناه في مسألة التصويب في العقائد من كون كلّ مجتهد مخطئ فيها مقصّرا.
و إن اريد بها كثرة الإشكالات الغير المندفعة أو الّتي يصعب دفعها، فالنظر فيها مزلقة و مظنّة وقوع في الخطأ، فنمنع وجود إشكال في كلّيات اصول الدين و هي المعارف الخمس، و وجوده مع الكثرة في جملة من توابعها الّتي منها مسائل القدر غير مضرّ، لعدم وقوع التكليف بتحصيل المعرفة فيها، فالمنع من النظر فيها مع فرض مظنّة الضلالة غير بعيد، بل هو في خصوص مسائل القدر منصوص عليه في الأخبار.
و بالجملة النظر فيما هو من محلّ البحث ليس مظنّة الوقوع في الشبهة و ما هو مظنّة الوقوع فيها خارج عن محلّ البحث.
و أمّا الثالث: فمع أنّه معارض بقوله تعالى:وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُأنّ النهي عن الخوض في مسائل القدر لغموضها و قصور العقول الناقصة عن البلوغ إلى كنهها و حقيقتها- و لأجل ذلك صارت من مزالّ الأقدام و مظانّ الضلالة و الانحراف- لا يلازم النهي عن مطلق الجدل في اصول الدين.
و لو سلّم فالحكمة في النهي عن الجدل لكونه في غالب موارده ناشئا عن المراء أو مفضيا إلى المراء و هو مبغوض للشارع و منهيّ عنه، و هو لا يلازم كون مطلق النظر و طلب
..........
الدليل في اصول الدين لتصحيح العقائد من غير جدال أو معه من غير اشتماله على المراء منهيّا عنه كما هو واضح.
الجهة الثانية أنّ جواز النظر حسبما بيّنّاه إنّما هو على وجه الوجوب،
على معنى تحتّم فعله المتضمّن للمنع من تركه لا إلى بدل و لا عن عذر، قبالا لتساوي فعله و تركه.
لنا على ذلك: قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل و إزالة خوف العقوبة عن النفس الّذي لا يتأتّى إلّا به، بالبيان المتقدّم في تضاعيف بحث التحسين و التقبيح العقليّين، مضافة إلى قاعدة وجوب شكر المنعم المتوقّف على المعرفة الّتي لا تتمّ إلّا بالنظر، و إن رجع بالأخرة أيضا إلى دفع الضرر المحتمل و إزالة خوف العقوبة حسبما قرّرناه أيضا في البحث المذكور.
و هذه القاعدة و إن كانت أعمّ موردا من القاعدة الاولى لشمولها من لم يبلغه صيت الإسلام إذا التفت و تفطّن إلى ما عليه من النعم و أنّه لا بدّ لها من منعم، إلّا أنّ الاولى أوضح في تصوير حصول الخوف للنفس كما نبّهنا عليه في المبحث المذكور.
و لذا اورد على الثانية المناقشة تارة: بمنع استلزام مجرّد التجويز حصول الخوف.
و اخرى: بأنّه ربّما يحصل لبعض الناس دون بعض فلا وجه للإطلاق، كمن قلّد محقّا و جزم به و اطمأنّ نفسه و إن فرض احتمال التضرّر بالتقليد فهو لا يوجب الخوف، و لو فرض حصوله فقد يزول بما ظنّ به، إذا شكره على حسب ما ظنّ به. و إن كان الجميع واضح الدفع بأنّ: المقصود إثبات وجوب النظر عقلا في الجملة و إن أغنى عنه التقليد في بعض الأحيان قبالا لمن أطلق القول بالتقليد في اصول الدين، و ستعرف أنّ الأقوى كفاية التقليد المحصّل للمعرفة و العلم الّذي معياره انكشاف الواقع على ما هو عليه من دون احتماله الخلاف في نظر المكلّف بتحصيل المعارف.
ثمّ إنّ زوال الخوف بالتقليد الظنّي أو الاعتقاد الظنّي الناشئ عن أمارة ظنّية اخرى إذا شكره حسبما ظنّ إنّما يتمّ إذا صحّ له الاستناد إلى أصل البراءة من حيث كونه حكما عقليّا، و لا يتمّ ذلك إلّا بالفحص و النظر المستتبع للعجز عن الوصول إلى الواقع بطريق علمي لا مطلقا، إذ العقل إنّما يحكم بالبراءة على وجه يزول معه الخوف على هذا التقدير لا مطلقا.
و هذا الفرض على تحقّقه مقام آخر خارج عن موضوع المسألة، و سنشير إلى حكمه تكليفا و وضعا بحسب أحكام الدنيا و الآخرة.
..........
و كيف كان فعن الأشاعرة الاعتراض على الدليل تارة: بمنع حكم العقل بالحسن و القبح.
و اخرى: بدلالة العقل و النقل على خلافه. أمّا النقل فقوله تعالى:وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا. و أمّا العقل: فلأنّه إن كان وجوبه لا لفائدة فهو عبث غير جائز عقلا، و إن كان لفائدة فإمّا تعود إلى المشكور فهو متعال عن ذلك، و إمّا إلى الشاكر فهو منتف أمّا في الدنيا فلأنّه مشقّة بلا حظّ، و أمّا في الآخرة فلا استقلال للعقل فيها، و أيضا هو تصرّف في مال الغير بدون إذنه فلا يجوز.
و ثالثة: بمنع توقّف الشكر و زوال الخوف على المعرفة المستفادة من النظر، بل يكفي فيهما المعرفة السابقة على النظر الّتي هي شرط النظر، سلّمنا عدم كفايتها و لكن لا نسلّم توقّفها على النظر، لجواز حصولها بالتعليم كما هو رأي الملاحدة أو بالإلهام على ما يراه البراهمة أو بتصفية الباطن بالمجاهدات كما يراه الصوفيّة.
و رابعة: بمنع وجوب ما يتوقّف عليه الواجب.
و الجواب عن الأوّل: مضافا إلى ما مرّ في محلّه مستوفى أنّه إنكار لبداهة الوجدان.
و عن الثاني: أنّه مغالطة في مقابلة البرهان، لمنع دلالة النقل و العقل على النفي.
أمّا النقل: فلما بيّنّاه في محلّه عند الكلام على حجج الأشاعرة في إنكار العقل.
و أمّا العقل: فلأنّ المحافظة على النعم عن الزوال في الدنيا و على النفس عن العقوبة في الآخرة كافية في حصول الفائدة و عودها إلى الشاكر.
و دعوى عدم استقلال العقل في الآخرة.
يدفعها: أنّه يكفي في حصول الخوف و تجويز العقوبة احتمالها و هو قائم بلا ريب، مع إمكان إثبات استقلال العقل بالمعاد باعتبار أنّه لولاه لضاع عمل العاملين و ضاعت حقوق المظلومين مع أنّه أمر بإغاثتهم على الظالمين، و لساوى أشقى الأشقياء أفضل الأنبياء، إذ ليس في الدنيا ما يصلح للجزاء مع أنّ إقبالها على الفجّار بمقدار إعراضها عن الأخيار، و كونه جسمانيّا باعتبار كون الجسم مباشرا للطاعات و الآثام، و كون الشكر تصرّفا في مال الغير بدون إذنه ممنوع في كلّ من صغراه و كلّية كبراه.
و عن الثالث: منع كفاية المعرفة السابقة في حصول الشكر الرافع للخوف إن اريد بها معرفة أنّ له منعما، لأنّها معرفة إجماليّة و الشكر المزيل للخوف لا بدّ و أن يقع على حسب
..........
ما هو اللائق بحال المنعم و هذا يستدعي معرفة تفصيليّة، و كون التعليم أو الإلهام أو تصفية الباطن ممّا يحصل به المعرفة على فرض تسليمه لا ينفي مقدّميّة النظر غاية الأمر كونه أحد أفراد المقدّمة، مع أنّ التعليم إن اريد به تلقين الغير للعقائد فهو غير خارج عن حدّ التقليد فيما لا يوجب العلم على ما هو الغالب، و الإلهام على تقدير جوازه و وقوعه في حقّ [غير] الأنبياء باعتبار كونه فعل اللّه عزّ و جلّ من المقدّمات الخارجة عن مقدور المكلّف فلا تأثير له في نفي المقدّميّة و لا منع حكمها عن المقدّمة المقدورة، و تصفية الباطن بالمجاهدات و إن كانت لذاتها من مقدورات نوع الإنسان إلّا أنّها لغاية صعوبة مبادئها على وجه لا يتحمّلها غالب آحاد النوع بل لا يتأتّى عن الأكثر مندرجة في عداد الغير المقدورات فلا يلتفت إليها في نظر العقل، فانحصرت المقدّمة المقدورة العادية بالقياس إلى جميع آحاد النوع في النظر.
و عن الرابع: بما حقّق في محلّه من وجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به.
احتجّ المنكرون لوجوب النظر الموجبون للتقليد بوجوه:
منها: لزوم الدور لو وجب النظر، و تقريره- على مذهب الأشعري النافي لحكومة العقل-: أنّ وجوب النظر في معرفة اللّه المفروض استفادته من إيجابه تعالى موقوف على معرفة اللّه تعالى، و أنّه هل يجب اتّباعه أم لا؟ و معرفته كذلك موقوفة على وجوب النظر في معرفة اللّه المفروضة.
و على مذهب العدليّة: أنّ وجوب النظر في معرفة اللّه نظريّ موقوف على النظر في دليل ذلك، و هو نظر آخر فيجب ذلك النظر، و وجوبه موقوف على وجوب النظر في معرفة اللّه، إذ لو لم يجب النظر في معرفة اللّه لم يجب النظر في دليل وجوب النظر في معرفة اللّه.
و يندفع الأوّل: بأنّ وجوب النظر عندنا عقليّ فلا يتوقّف على استفادته من إيجابه تعالى، مع إمكان دفعه على طريقة الأشعري أيضا: بمنع توقّف معرفة اللّه على وجوب النظر، بل إنّما يتوقّف على وجوده أعني النظر نفسه، و يكفي في حصوله و التحريك إلى الإقدام عليه عروض خوف العقوبة للنفس الحامل له على النظر و إن لم نقل بحكومة العقل.
و يندفع الثاني: بمنع توقّف وجوب النظر في معرفة اللّه على النظر في دليل وجوب النظر، بل إنّما يتوقّف على وجوب إزالة الخوف عن النفس، أو على وجوب معرفة اللّه المتوقّف على وجوب شكر المنعم، فإنّ وجوب المقدّمة يتوقّف على وجوب ذيها لا غير.
نعم إنّما يتوقّف عليه العلم بوجوب النظر في معرفة اللّه، و هو ليس من جملة النظر في
..........
معرفة اللّه ليكون وجوبه من وجوبه، و لا أنّه من مقدّماته ليجب بوجوبه.
و منها: أنّ النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان يحكم بإسلام من أقرّ بالشهادتين و كان يكتفي بذلك منهم و لم يكلّفهم بالاستدلال و النظر، و ذلك آية عدم وجوبه و إلّا لكلّفهم به.
و فيه: عدم قضاء ذلك برضاء النبيّ منهم بالتقليد الظنّي، و ذلك لما بيّنّاه سابقا من اشتمال الإسلام على جزءين: الإذعان و الإقرار باللسان، و اكتفاؤه منهم بالإقرار بالشهادتين لعلّه لبقاء هذا الجزء منه بعد حصول الجزء الأوّل و قد علمه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بموجب علم النبوّة أو ظهر له من مقتضى ظاهر الإقرار بناء على أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان مكلّفا بالظاهر لا بما خفي في السرائر.
و لعلّه السرّ في اكتفائه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)من المنافقين بكلمتي الشهادة، مع أنّ الغالب كون إقرارهم بهما مسبوقا بمشاهدة معجزاته و بيّناته و لو كانت من قبيل حالاته الحسنة و أخلاقه المستحسنة و هي من أسباب العلم.
و لو سلّم انتفاء العلم و الإذعان حين الإقرار باللسان فهو أيضا لا يدلّ على أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان لا يكلّفهم فيما بعد بالنظر لتصحيح العقائد و تحصيلها، خصوصا مع ملاحظة ما هو المعلوم من سيرته(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أنّه كان بعد إقرارهم بالشهادتين يكمّلهم ببيان الأحكام و أمرهم باصول الدين و فروعه على التدريج. و القول بأنّه لو كان كلّفهم لنقل إلينا لتوفّر الدواعي و قضاء العادة، يدفعه: ما بيّنّاه سابقا في دفع نظيره.
و منها: قوله: «عليكم بدين العجائز» و لا ريب أنّ دينهنّ على طريق التقليد لعدم اقتدارهنّ على النظر، و لفظة «على» يدلّ على الوجوب فيحرم النظر.
و فيه- مضافا إلى منع الملازمة بين وجوب التقليد و حرمة النظر، لإمكان الواسطة و هو كون النظر مباحا مسقطا عن الواجب و هو التقليد-: منع نهوض ذلك دليلا على نفي وجوب النظر و لا على وجوب التقليد، لعدم ثبوت كونه رواية عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أو معصوم آخر، لما قيل- كما عن القوشجي و الفاضل الجواد- من كونه كلام سفيان لما روي أنّ عمرو بن عبيدة لما أثبت منزلة بين الكفر و الإيمان، فقالت عجوزة: قال اللّه تعالى:هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌفلن يجعل اللّه من عباده إلّا الكافر و المؤمن، فقال سفيان: عليكم بدين الأعجاز.
و لو سلّم كونه عن المعصوم فهو خبر واحد غير واضح السند، و على تقدير صحّته غير ثابت الحجّية في مثل ما نحن فيه، و لو سلّم فدلالته غير واضحة، بل هو- على ما حكي
..........
من كونه واردا في قضيّة «دولاب» حيث استدلّت على وجود الصانع للأشياء المحرّك للأفلاك المدبّر في العالم بآثارها الّتي منها حركة الأفلاك تنظيرا له بدولابه الّذي لا يتحرّك إلّا به بتحريكها- على خلاف مطلوب المستدلّ أدلّ، بل هو دليل لنا لا علينا، و عليه فالإلزام بدين العجائز المستفاد من كلمة «عليكم» إرشاد إلى تحصيل المعرفة على الوجه الّذي حصلته العجوز إمّا من حيث كونها على يقين، أو من حيث طريق تحصيله و هو استدلال الإنّ تنبيها على أنّه الطريق السهل السالم لا طريق اللمّ، أو من حيث الاكتفاء في الاستدلال بالإجمال تنبيها على عدم لزوم التفصيل.
و منها: أنّ مسائل الاصول أغمض من مسائل الفروع، فإذا جاز التقليد في الثاني جاز في الأوّل بطريق الأولويّة.
و فيه: منع الأغمضيّة، بل الاجتهاد في مسائل الفروع لعدم محصوريّتها و افتقاره إلى صرف معظم العمر في تحصيل مباديه و تحمل مشاقّ كثيرة لا يتحمّلها عادة إلّا أقلّ قليل من الناس أغمض بمراتب شتّى، بخلاف مسائل الاصول و لا سيّما أوائلها الّتي يتمّ النظر فيها في زمان يسير من دون مشقّة إلّا يسيرا في حقّ بعض الأشياء[1].
و منها: قوله تعالى:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ*[2].
و فيه: أنّ الآية على ما يرشد إليه صدرها نزلت في بشريّة الأنبياء، مع كون المراد من أهل الذكر علماء أهل الكتاب فليس لها كثير تعلّق بما نحن فيه، إلّا أن يقال: بأن لا عبرة بخصوص المورد، لكن يرد عليها: منع الدلالة على خصوص التقليد المتنازع فيه، بل تعليق الأمر بالسؤال على عدم العلم يقتضي مطلوبيّة تحصيل العلم.
و منها: أنّا نعلم أنّ قول النبيّ و الإمام بل العدل العارف أوقع في النفس ممّا يفيده هذه الأدلّة المدوّنة في علم الكلام، إذ هي موقوفة على مقدّمات نظريّة يتوقّف إثباتها على دفع شكوك و شبهات لا يتخلّص عنها إلّا من أيّده اللّه.
و فيه: أنّ قول النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الإمام عند من ثبت نبوّته و إمامته دليل و كذا قول العدل العارف، و مع هذا فالاستدلال بطريق الإنّ أتمّ في إفادة الاطمئنان و العلم بل اليقين من دون حاجة إلى سائر الأدلّة المدوّنة في علم الكلام، مع أنّ جعل قول الغير مطلقا أوقع في النفس من النظر و الاستدلال ممّا يشهد الضرورة ببطلانه.
[1]كذا في الأصل، و الأنسب «الأشخاص» بدل «الاشياء».
[2]النحل: 43.