..........
من كونه واردا في قضيّة «دولاب» حيث استدلّت على وجود الصانع للأشياء المحرّك للأفلاك المدبّر في العالم بآثارها الّتي منها حركة الأفلاك تنظيرا له بدولابه الّذي لا يتحرّك إلّا به بتحريكها- على خلاف مطلوب المستدلّ أدلّ، بل هو دليل لنا لا علينا، و عليه فالإلزام بدين العجائز المستفاد من كلمة «عليكم» إرشاد إلى تحصيل المعرفة على الوجه الّذي حصلته العجوز إمّا من حيث كونها على يقين، أو من حيث طريق تحصيله و هو استدلال الإنّ تنبيها على أنّه الطريق السهل السالم لا طريق اللمّ، أو من حيث الاكتفاء في الاستدلال بالإجمال تنبيها على عدم لزوم التفصيل.
و منها: أنّ مسائل الاصول أغمض من مسائل الفروع، فإذا جاز التقليد في الثاني جاز في الأوّل بطريق الأولويّة.
و فيه: منع الأغمضيّة، بل الاجتهاد في مسائل الفروع لعدم محصوريّتها و افتقاره إلى صرف معظم العمر في تحصيل مباديه و تحمل مشاقّ كثيرة لا يتحمّلها عادة إلّا أقلّ قليل من الناس أغمض بمراتب شتّى، بخلاف مسائل الاصول و لا سيّما أوائلها الّتي يتمّ النظر فيها في زمان يسير من دون مشقّة إلّا يسيرا في حقّ بعض الأشياء[1].
و منها: قوله تعالى:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ*[2].
و فيه: أنّ الآية على ما يرشد إليه صدرها نزلت في بشريّة الأنبياء، مع كون المراد من أهل الذكر علماء أهل الكتاب فليس لها كثير تعلّق بما نحن فيه، إلّا أن يقال: بأن لا عبرة بخصوص المورد، لكن يرد عليها: منع الدلالة على خصوص التقليد المتنازع فيه، بل تعليق الأمر بالسؤال على عدم العلم يقتضي مطلوبيّة تحصيل العلم.
و منها: أنّا نعلم أنّ قول النبيّ و الإمام بل العدل العارف أوقع في النفس ممّا يفيده هذه الأدلّة المدوّنة في علم الكلام، إذ هي موقوفة على مقدّمات نظريّة يتوقّف إثباتها على دفع شكوك و شبهات لا يتخلّص عنها إلّا من أيّده اللّه.
و فيه: أنّ قول النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الإمام عند من ثبت نبوّته و إمامته دليل و كذا قول العدل العارف، و مع هذا فالاستدلال بطريق الإنّ أتمّ في إفادة الاطمئنان و العلم بل اليقين من دون حاجة إلى سائر الأدلّة المدوّنة في علم الكلام، مع أنّ جعل قول الغير مطلقا أوقع في النفس من النظر و الاستدلال ممّا يشهد الضرورة ببطلانه.
[1]كذا في الأصل، و الأنسب «الأشخاص» بدل «الاشياء».
[2]النحل: 43.
..........
الجهة الثالثة أنّ النظر بعد ما ثبت وجوبه يعتبر بلوغه حدّ الاطمئنان بل العلم
بمعنى الاعتقاد الجازم المطابق، و لا يكفي النظر المؤدّي إلى الظنّ مع إمكان العلم كما هو المعروف المشهور المدّعى عليه الإجماع مستفيضا، و مرجعه إلى اشتراط القطع في اصول الدين و عدم كفاية الظنّ.
لنا في إثباته طريقان:
أحدهما: طريق العقل، و هو: أنّ إزالة خوف العقوبة الّتي هي مناط حكم العقل بوجوب النظر أو بوجوب معرفة اللّه المقتضي لوجوب النظر لا تتأتّى إلّا بالنظر المحصّل للعلم، فإنّ الأمارات الظنّية الّتي منها أخبار الآحاد لعدم دوام إصابتها الواقع ليست مأمونة من الخطأ و مخالفة الواقع، فلا يزول خوف العقوبة مع التعويل عليها إلّا إذا انضمّ إليها أصل البراءة النافي للعقاب و استحقاقه على مخالفة الواقع من حيث كونه حكما عقليّا.
و قد عرفت أنّه لا يصحّ إلّا بعد الفحص عن الدليل و العجز عن العلم.
و ثانيهما: طريق الشرع من الإجماع و الكتاب و السنّة.
فمن الأوّل: الإجماعات المنقولة المستفيضة القريبة من التواتر.
و من الثاني: الآيات المانعة من اتّباع الظنّ المفيدة كون المرجع و المعوّل عليه في الشرعيّات هو العلم خرج منها الظنّ في الفروع بدليل، كقوله تعالى:لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[1]وإِنَّمٰا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشٰاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ[2]ولٰا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ[3]ووَ قٰالُوا مٰا هِيَ إِلّٰا حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ وَ مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ[4]ائْتُونِي بِكِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ هٰذٰا أَوْ أَثٰارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ[5]وَ مٰا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[6]و كونها عمومات مخصّصة- مع أنّ الأقوى حجّية العامّ المخصّص- لا يمنع من الاستدلال بها، لأنّ العامّ المخصّص نصّ في المورد و مورد نزول الآيات اصول الدين، مضافا إلى الآيات الآمرة بالعلم مثل قوله تعالى:فَاعْلَمْ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ[7]و قوله تعالى:اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا[8].
و المناقشة في الاولى بأنّ المراد التثبّت على العلم، لأنّه(عليه السلام)كان عالما قبل نزول الآية
[1]الأسراى: 36.
[2]البقرة: 169.
[3]الزخرف: 86.
[4]الجاثية: 24.
[5]الأحقاف: 4.
[6]النجم: 28.
[7]محمّد: 19.
[8]الحديد: 17.
..........
إذ لم يقل أحد إنّها أوّل ما نزلت عليه.
و فيهما[1]أنّه ليس طلبا لتحصيل للعلم بل إثبات للعلم و إيجاد له من قبيل قول المعلّم:
«اعلم كذا».
مدفوعة بأنّ الخطاب في الآية الاولى و إن كان في ظاهره متوجّها إلى النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)إلّا أنّ الظاهر كونه من باب «إيّاك أعني و اسمعي يا جاره» فهو أمر لغيره بتحصيل العلم و لا يكون إلّا بالنظر.
و لو سلّم اختصاص الخطاب بنفسه الشريفة فيستفاد منه وجوب تحصيل العلم أيضا على من لم يسبقه حصوله، إمّا لأنّ وجوب التثبّت على العلم على من سبقه يستلزم- و لو باللزوم العرفي- وجوب تحصيله على من لم يسبقه، أو لأنّ التثبّت على العلم عبارة عن إبقاء العلم و الاستمرار عليه و لا يتأتّى ذلك إلّا باستحضار الدليل الموجب له، و مرجع الأمر بالتثبّت إلى إيجاب إعمال النظر في ذلك الدليل في كلّ آن يحتاج العلم في بقائه إليه، و هذا يرجع إلى ابتداء النظر لتحصيل العلم في ذلك الآن لأنّه لولاه لكان الشكّ و التزلزل، فلولا النظر المؤدّي إلى العلم واجبا لم يكن التثبّت عليه واجبا.
و قول المعلّم و نظائره: «اعلم» إيجاد للعلم التصوّري، و المقصود إثبات العلم التصديقي الّذي لا يتأتّى غالبا بمجرّد قول المعلّم بل يحتاج إلى ذكر دليل و لذا صحّ للمتعلّم مطالبة الدليل، و كان الغالب في المعلّمين التنبيه على دليل، و لو صدر قول: «اعلم» من اللّه سبحانه أو أحد من المعصومين أو العلماء الموثوق بهم في المعارف و كفى بمجرّده في حصول العلم كان ذلك علما حاصلا من الدليل الحاضر في الذهن المؤلّف من المقدّمتين الملتفت إليهما إجمالا.
و يدلّ على اعتبار العلم أيضا من الكتاب قوله تعالى:إِلّٰا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَو قوله:كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَو قوله:وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَو قوله تعالى:وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِأي ليعرفون، كما نصّ عليه المفسّرون و نطقت به الروايات الّتي منها المرويّ عن العلل عن الصادق(عليه السلام)قال: خرج الحسين بن عليّ(عليهما السلام)على أصحابه، فقال: «أيّها الناس إنّ اللّه ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، و إذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه» فقال له رجل: يا بن رسول اللّه بأبي أنت
[1]عطف على قوله: «و المناقشة في الاولى» أي: و المناقشة فيهما.
..........
و أمّي فما معرفة اللّه؟ قال: «معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الّذي يجب عليه طاعته» إلى آخره.
و إنّما فسّر معرفة اللّه بمعرفة إمام الزمان لأنّ من عرف الإمام بوصف الإمامة و من حيث إنّه مفترض الطاعة- لا بوصف الالوهيّة و لا من حيث الخالقيّة و الرازقيّة و الإحياء و الإماتة كما عليه الغلاة و المفوّضة- فقد عرف اللّه بوصف الالوهيّة و بالوحدانيّة في ذاته و صفاته و أفعاله و استحقاقه العبادة.
و يمكن أن يكون وجهه أنّ من عرف إمام زمانه المنصوب من النبيّ عن اللّه سبحانه فقد عرف اللّه بصفاته الكماليّة الّتي منها عدله و حكمته المقتضية لئلّا يهمل أمر الإمامة لكونه إخلالا باللطف الواجب عليه تعالى و هو قبيح، و لئلّا ينصب إماما مفضولا غير معصوم لكونه تفضيلا للمفضول على الفاضل و هو أيضا قبيح.
و من الثالث: الأخبار الدالّة عليه عموما، كقول العالم(عليه السلام): «من شكّ أو ظنّ فأقام على أحدهما فقد حبط عمله، إنّ حجّة اللّه هي الحجّة الواضحة» و خصوصا كقوله: «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس» بناء على أنّ الأفضليّة من الواجب خصوصا مثل الصلاة تستلزم الوجوب، و قوله(عليه السلام): «من دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه و نفعه إيمانه، و من دخل فيه بغير علم خرج عنه كما دخل فيه» و قوله(عليه السلام): «من أخذ دينه من كتاب اللّه و سنّة نبيّه زالت الجبال قبل أن يزول، و من أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال» و قوله(عليه السلام): «إيّاك أن تنصب رجلا دون الحجّة فتصدقه في كلّ ما قال» و قوله(عليه السلام):
«إيّاك و خصلتين ففيهما هلك من هلك، إيّاك أن تفتي الناس بغير علم، و أن تدين اللّه بما لا تعلم» إلى غير ذلك من الأخبار المتكاثرة الآمرة بمعرفة اللّه و غيرها من المعارف.
الجهة الرابعة المشهور بين العلماء المدّعى عليه الإجماع في كلام جماعة من الخاصّة و العامّة عدم جواز التقليد في اصول الدين
على ما تقدّم بيانه، و مرجعه إلى وجوب النظر المفيد للعلم على التعيين و عدم بدليّة غيره عنه و هو الأصل، و قد شاع بينهم الاستدلال عليه بما دلّ من الآيات المتكاثرة على ذمّ الكفّار في تقليدهم لآبائهم و أسلافهم كقوله تعالى:مٰا يَعْبُدُونَ إِلّٰا كَمٰا يَعْبُدُ آبٰاؤُهُمْو قوله:وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ قٰالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مٰا أَلْفَيْنٰا عَلَيْهِ آبٰاءَنٰا أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَو قوله: وقٰالُوا أَ جِئْتَنٰا لِنَعْبُدَ اللّٰهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ مٰا كٰانَ يَعْبُدُ آبٰاؤُنٰاو قوله في غير موضع:إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ.
..........
و يشكل التعلّق بهذه الآيات لإثبات المنع من التقليد بالمعنى المتنازع و هو تقليد أهل الحقّ المستتبع للاعتقاد الظنّي، و تقليد الكفّار ليس لأهل الحقّ و لم يعلم كونه مفيدا للظنّ لهم مع ذلك، مع أنّ الظاهر في توجّه الذمّ إليهم في الآيات كونهم كفّارا أخذوا أديانهم بطريق التقليد لأسلافهم، فالذمّ ليس على الطريق بل على ذيه و هو الكفر، و مع التنزّل فهو على المجموع منه و من مؤدّاه و هو الكفر على اختلاف أصنافه، فالعلّة مركّبة و من حكم العلّة المركّبة انتفاء المعلول بانتفاء أحد أجزائها، فلم يدلّ الآيات على كون التقليد لأهل الحقّ المفيد للظنّ أيضا مذموما.
إلّا أن يقال: إنّه ينساق من مجموعها في متفاهم العرف عدم كون التقليد بعنوان أنّه تقليد في نظر الشارع طريقا يعوّل عليه في المعارف و إن أفاد الظنّ و كان مؤدّاه حقّا، و إذا انضمّ إلى ذلك آيات الذمّ على اتّباع الظنّ في اصول الدين كما هو ظاهر سياقاتها ثبت أنّ المعارف لا يطلب فيها إلّا العلم، و يتأكّد ذلك بما عرفت من الآيات المصرّحة بالعلم و بالأخبار الدالّة عليه عموما و خصوصا.
فتحقيق المقام: أنّ الكلام في مسألة التقليد إن رجع إلى الأخذ بقول الغير المستتبع للعلم بمعنى الاعتقاد الجازم المطابق للواقع أو إلى التقليد بالمعنى المصطلح المنطقي فالحقّ كفايته، لما عرفت من أنّ المستفاد من مجموع الأدلّة هو اعتبار العلم بمعنى الجزم المطابق و كفايته في المعارف مطلقا.
و أمّا اعتبار بلوغه مرتبة اليقين المصطلح أو حصوله بطريق النظر و الاستدلال فلم يدلّ عليه دليل و لم يقم عليه برهان، إلّا حيث توقّف العلم أو المعرفة في حصولهما عليه فيجب مقدّمة و قد عرفت أنّه المستفاد من العقل المستقلّ.
فما عرفت من العلّامة و غيره ممّن وافقه من اعتبار النظر و الاستدلال أو كون المعتبر العلم الحاصل بطريق خاصّ فليس على ما ينبغي، بل الأقوى كفاية الجزم المطابق الحاصل بطريق التقليد وفاقا لجماعة منهم بعض مشايخنا قائلا- بعد التصريح بما سمعت-: «مع أنّ الإنصاف أنّ النظر و الاستدلال بالبراهين العقليّة للشخص المتفطّن لوجوب النظر في الاصول لا يفيد بنفسه الجزم، لكثرة الشبه الحادثة في النفس و المدوّنة في الكتب، حتّى أنّهم ذكروا شبها يصعب الجواب عنها للمحقّقين الصارفين لأعمارهم في فنّ الكلام فكيف حال المشتغل به مقدارا من الزمان لأجل تصحيح عقائده ليشتغل بعده بامور معاشه
[القول بالعفو عمّن أخذ المعارف بطريق التقليد و عدمه]
إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ المحقّق(رحمه اللّه)، بعد مصيره إلى المنع في هذا الأصل و ذكره الاحتجاج عليه، قال: «و إذا ثبت أنّه غير جائز، فهل هذا الخطأ موضوع عنه؟. قال شيخنا أبو جعفر رضى اللّه عنه: نعم، و خالفه الأكثرون (1).
و معاده، خصوصا و الشيطان يغتنم الفرصة لإلقاء الشبهات و الشكوك في البديهيّات» انتهى.
و إن رجع إلى النزاع في كون التقليد مفيدا للعلم ليكون كافيا و عدمه ليتعيّن النظر مع اتّفاق الكلّ على اشتراط العلم و عدم كفاية غيره- كما ربّما يظهر من العضدي و غيره في استدلالهم المتقدّم على عدم جواز التقليد بأنّه لا يفيد العلم بعد دعوى الإجماع على وجوب معرفة اللّه- فالوجه أنّ هذا النزاع ممّا لا جدوى فيه بعد بناء كلام المجوّزين على أخذ القضيّة فرضيّة، مع أنّه لا يبعد دعوى كونه في بعض الأحيان باعتبار خصوصيّات المقام مفيدا للعلم، كما لو قلّد عدلا عالما عارفا يثق به و يعتمد عليه.
و إن رجع إلى النزاع في جواز التقليد و كفايته مع فرض إفادته الظنّ مع إمكان بلوغه مرتبة الجزم أو تحصيل الجزم بالنظر- كما استظهرناه سابقا و نصّ عليه شيخنا البهائي حيث أرجع الخلاف إلى النزاع في اشتراط القطع و عدمه- فالحقّ الّذي لا محيص عنه هو عدم جواز التقليد، لما ذكرناه مرارا من أنّ المستفاد من مجموع الأدلّة اشتراط القطع و مطلوبيّة العلم من غير فرق بين أسبابه و عدم كفاية غيره كائنا ما كان، سواء قرّرنا الملازمة: بأنّ كلّ من جوّز التعويل على الأمارات الظنّية للمجتهد في الاصول جوّز التقليد للعامي المقلّد له، أو بأنّ من جوّز التعويل على الأمارة الظنّية في الاصول للمكلّف مجتهدا كان أو عاميا جوّز التقليد له أيضا و من منع من التقليد منع من التعويل على الأمارة مطلقا من غير فرق بين المجتهد و العامي المقلّد له.
(1) و الظاهر أنّ مراده بالخطاء المعصية اللازمة من اختيار التقليد، بناء على كونه محظورا بالحظر النفسي و محرّما بالحرمة الذاتيّة لمفسدة في ذاته و إن صادف الواقع.
و المراد بوضعه سقوط المؤاخذة و العقوبة المترتّبة عليه من باب العفو مع فرض كونه صغيرة لئلّا يقدح في العدالة، على ما يظهر من بعض كلمات الشيخ في العدّة، كقوله- عند الاحتجاج على حجّية أخبار الآحاد: «و أمّا ما يرويه قوم من المقلّدة فالصحيح الّذي أعتقده
..........
أنّ المقلّد للحقّ و إن كان مخطئا معفوّ عنه، و لا أحكم فيه بحكم الفسّاق، فلا يلزم على هذا ترك ما نقلوه» انتهى.
و ربّما يسبق إلى الوهم احتمال إرادة سقوط المؤاخذة المترتّبة على ترك النظر بناء على كونه واجبا مستقلّا، أو على أنّه وجب لجهتين جهة التوصّل على معنى كونه موصلا إلى الواقع و محصّلا للعلم به وجهة النفسيّة على معنى مطلوبيّته لنفسه لمصلحة في ذاته زائدة على مصلحة التوصّل، و لكنّه بعيد من عبارته المتقدّمة و الآتية أيضا.
و أبعد منه كون مراده سقوط أصل الخطاب بالمنع من التقليد مع الجهالة به فيكون معذورا لكونه جاهلا بالحكم، كما احتمله المحقّق السلطان عقيب احتماله الوجه الأوّل.
و أبعد من الجميع احتمال إرادة سقوط أصل الخطاب أيضا عنه مطلقا من باب العفو مع فرض كونه قبيحا بحسب حكم العقل، نظير العفو عن قصد المعصية القبيح عقلا على ما نطق به الروايات بناء على أحد احتماليه و الاحتمال الآخر سقوط المؤاخذة و عدم ترتّبها على مجرّد القصد و إن قبح عقلا و نهي عنه شرعا.
و بالجملة هذه الاحتمالات ما عدا الوجه الأوّل بعيدة عن عبارة الشيخ المنقولة عن العدّة، حيث إنّه بعد ما استدلّ على عدم جواز التقليد بأنّه: «لا خلاف في أنّه يجب على العامي معرفة الصلاة و أعدادها، و إذا كان لا يتمّ ذلك إلّا بعد معرفة اللّه و معرفة عدله و معرفة النبوّة وجب أن لا يصحّ التقليد في ذلك».
ثمّ اعترض على نفسه: «بأنّ السيرة كما جرت على تقرير المقلّدين في الفروع كذلك جرت على تقرير المقلّدين في الاصول و عدم الإنكار عليهم».
فأجاب: «بأنّ على بطلان التقليد في الاصول أدلّة عقليّة و شرعيّة من كتاب و سنّة و غير ذلك و هذا كاف في النكير»، قال: «على أنّ المقلّد للحقّ في اصول الديانات و إن كان مخطئا في تقليده غير مؤاخذ به و أنّه معفوّ عنه، و إنّما قلنا ذلك لمثل هذه الطريقة الّتي قدّمناها لأنّي لم أجد أحدا من الطائفة» إلى آخر ما ذكره و ستعرفه.
احتجّ رضى اللّه عنه (1) باتّفاق فقهاء الأمصار على الحكم بشهادة العاميّ مع العلم بكونه لا يعلم تحرير العقائد بالأدلّة القاطعة.
لا يقال: قبول الشهادة إنّما كان لأنّهم يعرفون أوائل الأدلّة، و هو سهل المأخذ.
لأنّا نقول: إن كان ذلك حاصلا لكلّ مكلّف لم يبق من يوصف بالمؤاخذة فيحصل الغرض و هو سقوط الإثم، و إن لم يكن معلوما لكلّ مكلّف لزم أن يكون الحكم بالشهادة موقوفا على العلم بحصول تلك الأدلّة للشاهد منهم، لكن ذلك محال. و لأنّ النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان يحكم بإسلام الأعرابي من غير أن يعرض عليه أدلّة الكلام و لا يلزمه بها، بل يأمره بتعلّم الامور الشرعيّة اللازمة به كالصلاة و ما أشبهها.
و في هذا الكلام إشعار بميل المحقّق إلى موافقة الشيخ على ما حكاه عنه، أو تردّده فيه. مع أنّه ليس بشيء، لأنّ تحرير الأدلّة بالعبارات المصطلح عليها و دفع الشبهة الواردة فيها ليس بلازم. بل الواجب معرفة الدليل الإجمالي بحيث يوجب الطمأنينة. و هذا يحصل بأيسر نظر. فلذلك لم يوقفوا قبول الشهادة على استعلام المعرفة، و لم يكن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، يعرض الدليل على الأعرابي المسلم، إذ كانوا يعلمون منهم العلم بهذا القدر، كما قال الأعرابي:
«البعرة تدلّ على البعير و أثر الأقدام على المسير؟، أ فسماء ذات أبراج و أرض ذات فجاج لا تدلّان على اللطيف الخبير؟».
(1) حجّة الشيخ على ما ادّعاه من العفو وجوه:
الأوّل: ما أشرنا إليه من قوله: «لأنّي لم أجد أحدا من الطائفة و لا من الأئمّة قطع موالاة من سمع قولهم و اعتقد مثل اعتقادهم، و إن لم يستند في ذلك إلى حجّة عقليّة أو سمع شرعي».
الثاني: ما حكاه المحقّق- على ما نقله المصنّف- من اتّفاق فقهاء الأمصار على الحكم