[القول بالعفو عمّن أخذ المعارف بطريق التقليد و عدمه]
إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ المحقّق(رحمه اللّه)، بعد مصيره إلى المنع في هذا الأصل و ذكره الاحتجاج عليه، قال: «و إذا ثبت أنّه غير جائز، فهل هذا الخطأ موضوع عنه؟. قال شيخنا أبو جعفر رضى اللّه عنه: نعم، و خالفه الأكثرون (1).
و معاده، خصوصا و الشيطان يغتنم الفرصة لإلقاء الشبهات و الشكوك في البديهيّات» انتهى.
و إن رجع إلى النزاع في كون التقليد مفيدا للعلم ليكون كافيا و عدمه ليتعيّن النظر مع اتّفاق الكلّ على اشتراط العلم و عدم كفاية غيره- كما ربّما يظهر من العضدي و غيره في استدلالهم المتقدّم على عدم جواز التقليد بأنّه لا يفيد العلم بعد دعوى الإجماع على وجوب معرفة اللّه- فالوجه أنّ هذا النزاع ممّا لا جدوى فيه بعد بناء كلام المجوّزين على أخذ القضيّة فرضيّة، مع أنّه لا يبعد دعوى كونه في بعض الأحيان باعتبار خصوصيّات المقام مفيدا للعلم، كما لو قلّد عدلا عالما عارفا يثق به و يعتمد عليه.
و إن رجع إلى النزاع في جواز التقليد و كفايته مع فرض إفادته الظنّ مع إمكان بلوغه مرتبة الجزم أو تحصيل الجزم بالنظر- كما استظهرناه سابقا و نصّ عليه شيخنا البهائي حيث أرجع الخلاف إلى النزاع في اشتراط القطع و عدمه- فالحقّ الّذي لا محيص عنه هو عدم جواز التقليد، لما ذكرناه مرارا من أنّ المستفاد من مجموع الأدلّة اشتراط القطع و مطلوبيّة العلم من غير فرق بين أسبابه و عدم كفاية غيره كائنا ما كان، سواء قرّرنا الملازمة: بأنّ كلّ من جوّز التعويل على الأمارات الظنّية للمجتهد في الاصول جوّز التقليد للعامي المقلّد له، أو بأنّ من جوّز التعويل على الأمارة الظنّية في الاصول للمكلّف مجتهدا كان أو عاميا جوّز التقليد له أيضا و من منع من التقليد منع من التعويل على الأمارة مطلقا من غير فرق بين المجتهد و العامي المقلّد له.
(1) و الظاهر أنّ مراده بالخطاء المعصية اللازمة من اختيار التقليد، بناء على كونه محظورا بالحظر النفسي و محرّما بالحرمة الذاتيّة لمفسدة في ذاته و إن صادف الواقع.
و المراد بوضعه سقوط المؤاخذة و العقوبة المترتّبة عليه من باب العفو مع فرض كونه صغيرة لئلّا يقدح في العدالة، على ما يظهر من بعض كلمات الشيخ في العدّة، كقوله- عند الاحتجاج على حجّية أخبار الآحاد: «و أمّا ما يرويه قوم من المقلّدة فالصحيح الّذي أعتقده
..........
أنّ المقلّد للحقّ و إن كان مخطئا معفوّ عنه، و لا أحكم فيه بحكم الفسّاق، فلا يلزم على هذا ترك ما نقلوه» انتهى.
و ربّما يسبق إلى الوهم احتمال إرادة سقوط المؤاخذة المترتّبة على ترك النظر بناء على كونه واجبا مستقلّا، أو على أنّه وجب لجهتين جهة التوصّل على معنى كونه موصلا إلى الواقع و محصّلا للعلم به وجهة النفسيّة على معنى مطلوبيّته لنفسه لمصلحة في ذاته زائدة على مصلحة التوصّل، و لكنّه بعيد من عبارته المتقدّمة و الآتية أيضا.
و أبعد منه كون مراده سقوط أصل الخطاب بالمنع من التقليد مع الجهالة به فيكون معذورا لكونه جاهلا بالحكم، كما احتمله المحقّق السلطان عقيب احتماله الوجه الأوّل.
و أبعد من الجميع احتمال إرادة سقوط أصل الخطاب أيضا عنه مطلقا من باب العفو مع فرض كونه قبيحا بحسب حكم العقل، نظير العفو عن قصد المعصية القبيح عقلا على ما نطق به الروايات بناء على أحد احتماليه و الاحتمال الآخر سقوط المؤاخذة و عدم ترتّبها على مجرّد القصد و إن قبح عقلا و نهي عنه شرعا.
و بالجملة هذه الاحتمالات ما عدا الوجه الأوّل بعيدة عن عبارة الشيخ المنقولة عن العدّة، حيث إنّه بعد ما استدلّ على عدم جواز التقليد بأنّه: «لا خلاف في أنّه يجب على العامي معرفة الصلاة و أعدادها، و إذا كان لا يتمّ ذلك إلّا بعد معرفة اللّه و معرفة عدله و معرفة النبوّة وجب أن لا يصحّ التقليد في ذلك».
ثمّ اعترض على نفسه: «بأنّ السيرة كما جرت على تقرير المقلّدين في الفروع كذلك جرت على تقرير المقلّدين في الاصول و عدم الإنكار عليهم».
فأجاب: «بأنّ على بطلان التقليد في الاصول أدلّة عقليّة و شرعيّة من كتاب و سنّة و غير ذلك و هذا كاف في النكير»، قال: «على أنّ المقلّد للحقّ في اصول الديانات و إن كان مخطئا في تقليده غير مؤاخذ به و أنّه معفوّ عنه، و إنّما قلنا ذلك لمثل هذه الطريقة الّتي قدّمناها لأنّي لم أجد أحدا من الطائفة» إلى آخر ما ذكره و ستعرفه.
احتجّ رضى اللّه عنه (1) باتّفاق فقهاء الأمصار على الحكم بشهادة العاميّ مع العلم بكونه لا يعلم تحرير العقائد بالأدلّة القاطعة.
لا يقال: قبول الشهادة إنّما كان لأنّهم يعرفون أوائل الأدلّة، و هو سهل المأخذ.
لأنّا نقول: إن كان ذلك حاصلا لكلّ مكلّف لم يبق من يوصف بالمؤاخذة فيحصل الغرض و هو سقوط الإثم، و إن لم يكن معلوما لكلّ مكلّف لزم أن يكون الحكم بالشهادة موقوفا على العلم بحصول تلك الأدلّة للشاهد منهم، لكن ذلك محال. و لأنّ النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان يحكم بإسلام الأعرابي من غير أن يعرض عليه أدلّة الكلام و لا يلزمه بها، بل يأمره بتعلّم الامور الشرعيّة اللازمة به كالصلاة و ما أشبهها.
و في هذا الكلام إشعار بميل المحقّق إلى موافقة الشيخ على ما حكاه عنه، أو تردّده فيه. مع أنّه ليس بشيء، لأنّ تحرير الأدلّة بالعبارات المصطلح عليها و دفع الشبهة الواردة فيها ليس بلازم. بل الواجب معرفة الدليل الإجمالي بحيث يوجب الطمأنينة. و هذا يحصل بأيسر نظر. فلذلك لم يوقفوا قبول الشهادة على استعلام المعرفة، و لم يكن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، يعرض الدليل على الأعرابي المسلم، إذ كانوا يعلمون منهم العلم بهذا القدر، كما قال الأعرابي:
«البعرة تدلّ على البعير و أثر الأقدام على المسير؟، أ فسماء ذات أبراج و أرض ذات فجاج لا تدلّان على اللطيف الخبير؟».
(1) حجّة الشيخ على ما ادّعاه من العفو وجوه:
الأوّل: ما أشرنا إليه من قوله: «لأنّي لم أجد أحدا من الطائفة و لا من الأئمّة قطع موالاة من سمع قولهم و اعتقد مثل اعتقادهم، و إن لم يستند في ذلك إلى حجّة عقليّة أو سمع شرعي».
الثاني: ما حكاه المحقّق- على ما نقله المصنّف- من اتّفاق فقهاء الأمصار على الحكم
..........
بشهادة العامي مع العلم بكونه لا يعلم تحرير العقائد بالأدلّة القاطعة.
الثالث: أنّ النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان يحكم بإسلام الأعرابي من غير أن يعرض عليه أدلّة الكلام، و لا يلزمه بها بل يأمر بتعلّم الامور الشرعيّة اللازمة له كالصلاة و ما أشبهها.
أقول: يرد عليه فساد أصل المدّعى مضافا إلى فساد دليله.
أمّا الأوّل: فلأنّه لو أراد من العفو سقوط المؤاخذة على فعل التقليد كما هو ظاهر كلامه، ففيه: منع محظوريّة التقليد على الوجه المتقدّم، إذ ليس في الأدلّة العقليّة و لا الشرعيّة ما يقضي بذلك، خصوصا على ما احتجّ به من كون التقليد ممّا لا يتمّ به المعرفة الواجبة، و غاية ما استفيد منها بالنسبة إلى التقليد الظنّي إنّما هو المنع الوضعي و هو عدم كونه مبرئ للذمّة و مسقطا للتكليف.
و أمّا ذمّ آيات التحريم فهو ذمّ على مؤدّى الطريق لا على نفسه، و لو سلّم كونه ذمّا على الطريق أو على المجموع منه و من الطريق فهو مخصوص بمقلّدة الكفّار و لا يتناول مقلّدة المسلمين.
و لو أراد منه سقوط المؤاخذة على ترك النظر، ففيه: منع وجوب النظر على الوجه المتقدّم، بل غاية ما استفيد من أدلّته عقلا و نقلا إنّما هو الوجوب التوصّلي لحصول العلم و المعرفة، و إذا فرض حصوله من طريق آخر سقط الوجوب عن النظر من دون أن يستحقّ المؤاخذة على تركه، على أنّ التقليد المفروض إن لم يفد المعرفة فسقوط المؤاخذة معه غير صحيح لبقاء المعرفة الواجبة في الذمّة، و الانصراف عن تحصيلها بالنظر مخالفة للخطاب بها فيعاقب عليها قطعا.
و أمّا الثاني: فلعدم دلالة الوجوه المذكورة على كون من يسمع قول الطائفة و الأئمّة و من يحكم الفقهاء بشهادته و الأعرابي الّذي حكم النبيّ بإسلامه مقلّدين في عقائدهم، لجواز كونهم علموا من حالهم أو إقرارهم و نحوه أنّهم جازمون فيها عن نظر و استدلال و لو بالدليل الإجمالي بناء على كفايته كما هو الأقوى، كما في قصّة «دولاب» العجوز و حكاية الأعرابي حيث قال: «البعرة تدلّ على البعير، و أثر الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج و أرض ذات فجاج لا تدلّان على العليم البصير؟» و الأعرابي الآخر حيث أسلم لمجرّد أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)ما أمره بشيء يقول العقل: ليته نهاه و ما نهاه عن شيء يقول العقل: ليته أباحه.
و لو سلّم انتفاء الاستدلال فهو لا ينافي علمهم بوجود الجزم التقليدي المفروض كفايته
..........
من دون إثم مقتض لاستحقاق المؤاخذة على ما تقدّم، و لو سلّم انتفاء الجزم أيضا فدلالة الوجوه المذكورة على العفو عن المؤاخذة ليست بأولى من دلالتها على جواز التقليد و لو ظنّا.
و أمّا ما ذكره من كفاية وجود الأدلّة العقليّة و النقليّة في النكير على المقلّدين في الاصول في منع دلالة التقرير على الجواز.
يدفعه: أنّه على تقدير وجود الأدلّة إنّما يكفي في سقوط الردع و المنع من باب الهداية و الإرشاد دون الردع و المنع في مقام الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فعدم النكير من هذه الجهة أيضا ربّما يكشف عن الجواز فليتدبّر.
و لنختم المسألة بذكر امور:
الأمر الأوّل: إنّ مسائل الاصول على قسمين:
أحدهما: ما يجب فيه الاعتقاد و التديّن بالمعتقد من غير اشتراطه بشيء، و عليه فيجب تحصيله بالرجوع إلى طرقه و تحصيل كلّ ما له مدخليّة في حصوله مقدّمة، و قد عرفت أنّ الأقوى عدم كفاية غير العلم.
و ثانيهما: ما يجب فيه التديّن و القبول بشرط حصول الاعتقاد و العلم، فالواجب مشروط، و ما لم يحصل العلم لم يجب شيء فلا يجب تحصيله و لا الرجوع إلى الأسباب المحصّلة له نعم إذا حصل وجب التديّن.
و من حكم القسم الأوّل لزوم الكفر تارة بانتفاء الاعتقاد، و اخرى بانتفاء التديّن و القبول.
و من حكم القسم الثاني لزوم الكفر بعدم التديّن بعد حصول الاعتقاد.
هذا و لكنّ التمييز بين آحادي القسمين لا يخلو عن غموض و إشكال إلّا أنّ الّذي ينبغي الإذعان به هو كون معرفة اللّه و صفاته الثبوتيّة الراجعة إلى إثبات العلم و القدرة، و السلبيّة الراجعة إلى نفي الحدوث و الحاجة، و نبوّة نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و إمامة الأئمّة الاثني عشر، و المعاد الجسماني و وجود الجنّة و النار و الحساب و الكتاب و الصراط و الميزان من قبيل القسم الأوّل، و كون كلامه تعالى حادثا أو لفظيّا و عينيّة صفاته و نبوّة سائر الأنبياء و عصمة نبيّنا و كونه أفضل أمّته أو أفضل من سائر الأنبياء أو من الملائكة و عصمة الأئمّة(عليهم السلام)و كونهم أفضل من الأنبياء أو الملائكة و كونهم عالمين بما كان و ما يكون، و كون علمهم حضوريّا أو إراديّا من قبيل القسم الثاني.
و من مشايخنا من بسط هذا المقام بإيراد طائفة من الأخبار و كلام جماعة من العلماء الأخيار.
..........
الأمر الثاني: فيمن عجز عن العلم في مسائل الاصول كلّها أو بعضها مع التمكّن من الظنّ، فالكلام فيه تارة في الموضوع من حيث إمكان تحقّقه، فهو على حسبما بيّنّاه في مسألة التخطئة و التصويب في العقليّات من إمكان وجود القاصر فيما بين نوع المكلّفين فلا حاجة إلى إعادة البحث هنا.
و اخرى في حكمه التكليفي من حيث إنّه بعد اليأس من العلم هل يجب عليه تحصيل الظنّ بالواقع ثمّ التديّن به، أو لا بل يجب عليه الوقف؟ فالظاهر هنا عدم وجوب تحصيله، إذ التكليف بالإيمان سقط بفرض تعذّر العلم حذرا عن التكليف بما لا يطاق و التكليف بالظنّ ممّا لا دليل عليه، و لا مجرى لدليل الانسداد هنا لفرض عدم ثبوت التكليف بالواقع مع العجز عن الوصول إليه، فلا مناص من الوقف عملا بعموم قوله(عليه السلام): «إذا جاءكم ما لا تعلمون» و غير ذلك ممّا تقدّم في أوائل باب الاجتهاد عند البحث مع الأخباريّين في مسألة حجّية الظنّ.
و من مشايخنا من قال: «لو رجع الجاهل بحكم هذه المسألة إلى العالم و وجد العالم منه التمكّن من تحصيل الظنّ بالحقّ و لم يخف عليه إفضاء نظره الظنّي إلى الباطل فلا يبعد وجوب إلزامه بتحصيله، لأنّ انكشاف الحقّ و لو ظنّا أولى من البقاء على الشكّ فيه».
و ثالثة في حكمه الوضعي من حيث الكفر و عدمه، فظاهر طائفة من الأخبار أنّه مع الجحود و الإنكار لما هو ضابط الإسلام كافر، و مع الإقرار بما هو مناط الإسلام ليس بكافر و إن لم يكن مؤمنا أيضا، فيكون من المرجين لأمر اللّه إمّا يعذّبهم و إمّا يتوب عليهم.
ففي رواية: «لو أنّ الناس إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا» و رواية محمّد بن مسلم: «قال سأل أبو بصير أبا عبد اللّه(عليه السلام)قال: ما تقول فيمن شكّ في اللّه؟ قال: كافر يا أبا محمّد، قال: فشكّ في رسول اللّه؟ قال: كافر، ثمّ التفت إلى زرارة فقال: إنّما يكفر إذا جحد».
و رواية زرارة الواردة في تفسير قوله تعالى:وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّٰهِعن أبي جعفر(عليه السلام)قال: قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة و جعفر و أشباههما من المؤمنين، ثمّ أنّهم دخلوا الإسلام فوحّدوا اللّه و تركوا الشرك و لم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا مؤمنين فيجب لهم الجنّة، و لم يكونوا على جحودهم فيكفروا فيجب لهم النار، فهم على تلك الحالة إمّا يعذبهم و إمّا يتوب عليهم».
و ظاهر الرواية الاولى أنّ المتوقّف الّذي لا يقرّ و لا يجحد أيضا لا يحكم بكفره، و عليه
[شرائط المفتي]
أصل و يعتبر في المفتي الّذي يرجع إليه المقلّد مع الاجتهاد أن يكون مؤمنا عدلا (1)
فالجحود بالنسبة إلى الشاكّ الوارد في تلك الأخبار و غيرها إمّا أن يراد به إظهار عدم الثبوت و إنكار التديّن لأجل عدم الثبوت، أو يراد به الإنكار الصوري أعني ما هو بصورة الجزم.
و أيّا ما كان فهو خلاف ظاهر إطلاق الجحود و هو إنكار ما جزم بثبوته واقعا، كما في رواية عمرو الزبيري عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «الكفر في كتاب اللّه عزّ و جلّ على خمسة أوجه، فمنها كفر الجحود- إلى أن قال-: فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبيّة، و الجحود على معرفة و هو أن يجحد الجاحد و هو يعلم أنّه حقّ قد استقرّ عنده، و قد قال اللّه تعالىوَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ.
الأمر الثالث: أنّ مسألة جواز التقليد في اصول الدين و عدمه أو كفاية الظنّ و عدمه لكونها نظريّة مبتنية على الأدلّة النظريّة الشرعيّة من الآيات و الروايات و غيرها، فالنظر فيها لإثبات الحكم لا يتمّ إلّا إذا كان الناظر فيها من أهل النظر و الاجتهاد، بل لا يتأتّى إلّا من المجتهد الّذي له قوّة استنباط المطالب من الأدلّة الشرعية النظريّة لقصور نظر العوامّ عن ذلك، فلا بدّ و أن يكون الناظر فيها خصوصا من غير جهة العقل المستقلّ بوجوب دفع الضرر أو شكر المنعم المجتهدين في الفروع لا غير، و فائدته حينئذ إمّا معرفة نفس الأمر أو تنبيه الغافل و إرشاد الجاهل من العوامّ الّذين يغلب عليهم سلوك طريق التقليد أو بناء عقائدهم على الظنون، فإذا التفتوا و تردّدوا في المسألة و لم يتمكّنوا من الاستقلال بإثبات المطلب بطريق النظر و لو من جهة العقل فلا مناص لهم من الرجوع إلى المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء و الأخذ بقوله و لو تقليدا.
(1) اعلم أنّ المجتهد يتضمّن حيثيّتين: حيث كونه مستنبطا للأحكام الشرعيّة عن الأدلّة التفصيليّة و حيث كونه مفتيا، و يعتبر فيه من حيث استنباطه امور يعبّر عنها بشرائط الاجتهاد و قد تقدّم ذكرها في مباحث الاجتهاد، و من حيث إفتائه شروط اخر و هي شروط لنفوذ فتواه و صحّة رجوع المقلّد إليه، و من حيث الوفاق على شرطيّتها و الخلاف فيها على قسمين،
فالكلام في بيانها يقع في مقامين:
..........
المقام الأوّل: في بيان الشروط الوفاقيّة
و هي الاجتهاد و البلوغ و العقل و الإيمان و العدالة، و المراد باشتراط الاجتهاد كون فتواه عن اجتهاد، و مرجعه إلى الإخبار عن حكم اللّه على حسب فتواه و رأيه الناشئ عن اجتهاده، و المراد بالإيمان ما يقابل الكفر و المخالفة و مرجعه إلى كونه مؤمنا اثني عشري. و الدليل على اشتراط هذه الامور وجوه:
الأوّل: الأصل، المقرّر من وجوه:
منها: أصالة عدم نفوذ فتوى أحد على أحد، و عدم ترتّب الآثار الشرعيّة على الفتوى إلّا ما أثبته الدليل من الإجماع و غيره، و ليس إلّا فتوى الجامع للصفات المذكورة.
و منها: أصالة الاشتغال بالقياس إلى المرجع الّذي يجب الرجوع إليه على المقلّد بعد اشتغال ذمّته بامتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال و الرجوع إلى الجامع للصفات مبرئ يقيني بخلاف غيره، فتأمّل.
و منها: أصالة حرمة التقليد المستفادة من العمومات خرج منها تقليد الجامع للصفات و بقي غيره.
الثاني: ظهور الإجماع و عدم الخلاف في الجميع كما استظهره بعض مشايخنا و قبله السيّد الجليل في المفاتيح، فإنّه في كلّ واحد منها ادّعى ظهور الإجماع، بل الإجماعات المنقولة عن جماعة من أساطين الطائفة في بعضها كالاجتهاد كما عن المقاصد العليّة قائلا:
«الإجماع واقع على أنّه لا يجوز الفتوى و الحكم للعاجز عن درجة الاجتهاد» و مجمع الفائدة قائلا: «عدم جواز الإفتاء لغير المجتهد متّفق عليه مدلول الأخبار و الكفاية قائلا لا يكفي تقليد غير المجتهد بغير خلاف» و كذلك العدالة كما عن المبادئ و التهذيب و النهاية و شرح المبادئ و المنية و غيرها لتضمّنها الإجماع على اعتبار الورع و التديّن.
الثالث: أنّ الحكم المفتى به ما لم يحرز كونه حكما فعليّا لم يجز الأخذ به كما ظهر في مسألة مشروعيّة التقليد، و لم يعلم ذلك إلّا في فتوى الجامع للصفات.
الرابع: أنّ الصبيّ و المجنون لا ينفذ قولهما في حقّ أنفسهما ففي حقّ غيرهما بطريق أولى، و أنّه لا يعتبر قولهما كالفاسق في الرواية و الشهادة ففي الفتوى بطريق أولى، و «أنّ الإسلام يعلو و لا يعلى عليه»، و قول الصادق(عليه السلام)في حديث الاحتجاج: «و كذلك عوام أمّتنا