كيف يعلمه عالما، و هو لا يعلم شيئا من علومه؟ لأنّا نعلم أعلم الناس بالتجارة و الصناعة في البلد، و إن نعلم شيئا من التجارة و الصناعة و كذلك العلم بالنحو و اللّغة و فنون الآداب.
[المقام الثاني الشروط الخلافية]
إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ حكم التقليد مع اتّحاد المفتي ظاهر، و كذا مع التعدّد و الاتّفاق في الفتوى؛ و أمّا مع الاختلاف، فأن علم استواءهم في المعرفة و العدالة، تخيّر المستفتى في تقليد أيّهم شاء. و إن كان بعضهم أرجح في العلم و العدالة من بعض، تعيّن عليه تقليده، و هو قول الأصحاب الّذين وصل إلينا كلامهم (1). و حجّتهم عليه أنّ الثقة بقول الأعلم أقرب و أوكد.
و يحكى عن بعض الناس: القول بالتخيير هنا أيضا. و الاعتماد على ما عليه الأصحاب.
و لو ترجّح بعضهم بالعلم بالورع، قال المحقّق(رحمه اللّه): يقدّم الأعلم، لأنّ الفتوى تستفاد من العلم لا من الورع، و القدر الّذي عنده من الورع يحجزه عن الفتوى بما لا يعلم، فلا اعتبار برجحان ورع الآخر. و هو حسن.
أصل ذهب العلّامة في التهذيب: إلى جواز بناء المجتهد في الفتوى بالحكم على الاجتهاد السابق. و منع من ذلك المحقّق فعدّ في شرائط تسويغ الفتوى أن يكون المفتي بحيث إذا سئل عن لمّيّة الحكم في كلّ واقعة يفتي بها أتى به و بجميع اصوله الّتي يبتني عليها.
و قال في موضع آخر: إذا أفتى المجتهد عن نظر في واقعة ثمّ وقعت بعينها
(1) هذا هو عنوان المقام الثاني الّذي يتكلّم فيه عن الشروط الخلافيّة، فمن جملة ذلك:
الأعلميّة.
..........
و تحرير هذه المسألة: أنّ مجتهد عصر المقلّد إن اتّحد فلا إشكال في تعيّن تقليده، و إن تعدّد فإن اتّفقا في الرأي و الفتوى فلا إشكال في كون حكمه على التخيير بين تقليد أيّهما شاء، و إن اختلفا في الرأي فإن تساويا في العلم و المعرفة فلا إشكال أيضا في التخيير، و إن اختلفا في ذلك أيضا ففي تعيّن الرجوع إلى الأعلم أو التخيير بينه و بين الرجوع إلى غير الأعلم خلاف، مرجعه إلى الخلاف في اشتراط صحّة التقليد و جوازه بالأعلميّة مع وجود الأعلم و عدمه، فذهب جماعة كالمحقّق في المعارج و العلّامة في الإرشاد و نهاية الاصول و التهذيب و السيّد في المنية و الشهيد في الدروس و القواعد و المحقّق الثاني في الجعفريّة و جامع المقاصد و الشهيد الثاني في التمهيد و ولده في المعالم و البهائي في الزبدة و الصالح المازندراني في حاشية المعالم و السيّد صاحب الرياض- كما حكي عنهم- إلى الأوّل، و اختاره المصنّف بل ما عرفت من عبارته يؤذن بدعوى الإجماع عليه، و يوهمه ما عن التمهيد من قوله:
«و الحقّ عندنا ذلك».
و عن المسالك كونه المشهور بين أصحابنا، و قيل: بالثاني كما عن الحاجبي و العضدي و القاضي أبي بكر و جماعة من الاصوليّين و الفقهاء، و اختاره بعض الفضلاء و جماعة ممّن عاصرناهم.
حجّة القول الأوّل بما استدلّ أو يمكن أن يستدلّ به وجوه:
الأوّل: أنّ مناط عمل المقلّد في تقليده كون فتوى المجتهد حكما فعليّا في حقّه يجب عليه بناء العمل عليه و التديّن به، و القدر المتيقّن المقطوع بكونه حكما فعليّا في حقّه إنّما هو فتوى الأعلم، لمكان الشكّ في كون فتوى غير الأعلم أيضا حكما فعليّا و عدمه، و الشكّ فيه كاف في الحكم بعدم جواز الأخذ به و التعبّد به.
فإن قلت: إنّ مؤدّيات اجتهاد غير الأعلم و مظنوناته أحكاما فعليّة و لو في حقّ نفسه ممّا لا كلام فيه، و لذا لا يجوز له تقليد غيره و إن كان أعلم منه، و قد ذكرت في مسألة كون وجوب التقليد على وجه التعبّد لا من باب الظنّ أنّ كون مؤدّيات اجتهاد المجتهد أحكاما فعليّة نسبة واحدة بينه و بين المقلّد أعني كلّ من وظيفته التقليد، و لذا يعبّر في كبرى القياس
..........
المنتظم عنده: «بأنّ كلّما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي و حقّ مقلّدي» و قضيّة ذلك أن لا يتفاوت الحال في كون مؤدّيات اجتهاد المجتهد أحكاما فعليّة في حقّ المقلّد بين الأعلم و غير الأعلم.
قلت: إنّ كون مؤدّيات اجتهاد المجتهد أحكاما فعليّة إنّما يسلّم كون نسبته واحدة بينه و بين المقلّد إذا لم يطرأها ما يخرجها من كونها كذلك في حقّ المقلّد كاشتراطه عدالة المفتي من حيث إفتائه، و لا ما يوجب الشكّ في كونها كذلك في حقّه كالشكّ في شرطيّة الأعلميّة مع وجود الأعلم كما فيما نحن فيه، فوحدة النسبة حسبما قرّرناها في المسألة المذكورة ليست على إطلاقها.
و المفروض أنّ مصير المعظم إلى اشتراط الأعلميّة يوجب الشكّ في الشرطيّة، و معه لا يلزم من كون مؤدّيات اجتهاد غير الأعلم أحكاما فعليّة في حقّه كونها كذلك في حقّ غيره ممّن وظيفته التقليد.
الثاني: قاعدة الاشتغال، و بيانها: أنّه اشتغلت ذمّة المقلّد بامتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال، و لا بدّ له من طريق و لا يكون إلّا تقليد المجتهد.
و لا ريب أنّ تقليد الأعلم مبرئ للذمّة قطعا بخلاف تقليد غيره، فيجب الأوّل لاستدعاء الشغل اليقيني يقين البراءة و لا يحصل إلّا به.
لا يقال: قد حقّق في محلّه أنّ الشكّ في الشرطيّة و الجزئيّة يرجع فيه إلى أصل البراءة، فكما يقال في مسألة الشكّ في جزئيّة السورة للصلاة أنّ الأصل براءة الذمّة عن العقاب المحتمل ترتّبه على ترك الصلاة مع السورة، فكذلك الأصل براءة الذمّة عن العقاب المحتمل ترتّبه على ترك تقليد الأعلم، و معه لا مجرى لأصالة الاشتغال، و اللازم من ذلك كون تقليد غير الأعلم أيضا مبرئا للذمّة.
لأنّ الشكّ في المكلّف به ما لم يكن آئلا إلى الشكّ في التكليف لم يجر فيه أصل البراءة، و إنّما يؤول إليه إذا كان الشكّ في شرطيّة أو جزئيّة شيء للعبادة و غيرها من واجب نفسي انيط الثواب و العقاب بموافقته و مخالفته، و الواجب النفسي الّذي اشتغلت الذمّة به و يترتّب العقاب على مخالفته إنّما هو امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال، و التقليد طريق إليه فوجوبه غيريّ مقدّميّ، و لا تأثير له في ترتّب العقاب على تركه، بل إنّما يترتّب على
..........
ترك الامتثال الّذي هو الواجب النفسي، فلا بدّ للفرار عن حدّ العقاب على ترك هذا الواجب من إحراز أدائه و حصوله في الخارج، أو من إحراز ما يكون مبرئ للذمّة عنه، و الأعلميّة المشكوك في كونها شرطا على تقدير شرطيّته في الواقع شرط في الطريق لا في الامتثال، و لا ريب أنّ التقليد مع إحراز الأعلميّة طريق و مبرئ للذمّة يقينا بخلاف التقليد مع انتفائها، و لا يعقل في مثل ذلك إلّا أصل الاشتغال.
و بالجملة فرق في الشكّ في الشرطيّة بين ما لو رجع الشرط المشكوك فيه إلى نفس الواجب النفسي و ما لو رجع إلى ما هو طريق إليه، في أنّ الأوّل يؤول إلى الشكّ في التكليف فيجري فيه أصل البراءة و الثاني لا يؤول إليه بالنسبة إلى الواجب النفسي فلا يجري فيه إلّا أصل الاشتغال.
الثالث: العمومات المانعة من العمل بما وراء العلم، و لا ريب أنّ قول المجتهد بالنسبة إلى عمل المقلد ممّا وراء العلم، و القدر المخرج منه من العمومات إنّما هو فتوى الأعلم و يبقى غيره تحتها و منه فتوى غير الأعلم.
و لا خفاء في ضعفه، إذ التمسّك بعمومات المنع من العمل بما وراء العلم إنّما يتّجه إذا كان الشكّ في جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل باعتبار الشكّ في وجود المقتضي و ليس كذلك، لخروج قول المجتهد بنوعه من تلك العمومات بعموم ما دلّ على حجّية ذلك القول للمقلّد مطلقا، و لذا جاز تقليد المفضول على تقدير عدم وجود الأفضل، فالشكّ في جواز تقليده حال وجود الأفضل إنّما هو باعتبار المانع، للشكّ في مانعيّة الموجود، فإنّ وجود الأفضل على تقدير وجوب تقليده مانع من تقليد المفضول، نظير الخبرين المتعارضين إذا كان أحدهما أقوى من الآخر قوّة توجب ترجيحه عليه، حيث إنّ تقديمه على المعارض ليس لعدم حجّيته الذاتيّة لثبوت الحجّية الذاتيّة فيهما معا لعموم دليل الحجّية و إلّا لم يعقل التعارض، بل لأنّ المعارض الأقوى مانع من العمل عليه، و لذا لا يلزم بترك العمل عليه تخصيص في دليل الحجّية، فالفاضل من المجتهدين المتفاضلين أيضا مانع من تقليد المفضول على القول باشتراط الأعلميّة.
و من الظاهر أنّ عدم المانع ليس جزءا من المقتضي، فالمقتضي لجواز تقليد المفضول مع وجود المانع موجود، و معه لا معنى للتمسّك بعمومات المنع على تقدير الشكّ في مانعيّة وجود الأفضل.
..........
الرابع: قضاء القوّة العاقلة بتقديم الفاضل على المفضول عند الاختلاف كما يكشف عنه السيرة المستمرّة، و بناء الناس في جميع الأعصار و الأمصار في كلّ صنعة و حرفة و كلّ فنّ و علم على الرجوع إلى الفاضل عند الاختلاف بينه و بين المفضول من دون رجوع إلى المفضول ما دام الرجوع إلى الفاضل ممكنا، كما يرشد إليه تقديم قول أكمل الأطبّاء عند الاختلاف بينهم في العلاج، و تقديم قول أكمل الصيارفة عند الاختلاف بينهم في الجوهر.
و يمكن المناقشة فيه: بأنّ بناء الناس إنّما يكشف عن حكم القوّة العاقلة المثمر في ثبوت لو ثبت[1]على وجه الالتزام لا من باب الاحتياط الّذي هو حسن على كلّ حال، و في خصوص التقليد و كلّ من المقدّمتين محلّ منع، بل الثابت من بنائهم قد يكون خلافه، بملاحظة أنّهم لاعتقادهم بأنّ حكم اللّه واحد لا يراعون الأعلم و لا يبالون تقليد غير الأعلم كما لا يخفى على المتأمّل.
الخامس: أنّ الظنّ الحاصل من قول الأعلم أقوى من الظنّ الحاصل من قول غيره فيجب العمل به.
أمّا المقدّمة الاولى: فلأنّ زيادة بصيرته على مدارك الأحكام و معارضاتها و سائر مباينها
[1]و العبارة لا تخلو عن غموض و لعلّه ناش من وقوع سقط فيها و يوضحه ما أورده(قدّس سرّه)في رسالته المفردة في ولاية الأولياء (مخطوط) ما هذا لفظه:
«و يزيّفه: أنّه لا يتمّ إلّا على تقدير ثبوت مقدّمتين:
إحداهما: كون بناء الناس الكاشف عن حكم العاقلة في الرجوع إلى الفاضل على وجه الالتزام، و لقائل أن يقول:
بأنّ بناءهم في ذلك إنّما هو على وجه الرجحان و لا كلام فيه.
و اخراهما: ثبوت بنائهم على الرجوع إلى الفاضل على وجه الالتزام في خصوص التقليد، و لمانع أن يمنع ذلك إمّا بدعوى أنّ العقلاء من المقلّدين لاعتقادهم بأنّ حكم اللّه واحد لا يراعون الأعلم و لا يبالون الرجوع إلى غير الاعلم.
أو بدعوى إنّهم متحيّرون في مسألة تقليد الأعلم و يلتزمون فيها اتّباع العلماء المجتهدين فصاروا فريقين، فريق يراعون الأعلميّة تقليدا لمن يوجب تقليد الأعلم و فريق لا يراعونها تقليدا لمن يجوّز تقليد غير الأعلم و كثير ممّن لا يتّبع رأي مجتهد في ذلك يرجعون إلى الأعلم أيضا احتياطا لا اعتقادا و هذا كلّه يكشف عن عدم حكم للقوّة العاقلة في هذا المقام.
و السرّ فيه: أنّ اعتبار الأعلميّة في المقلّد- بالفتح- سواء كان على وجه الشرطيّة أو على وجه المانعيّة أمر تعبّدي توقيفي منوط ثبوته بالتوظيف و لا مدخليّة للعقل فيه، فاتّضح بذلك كلّه أنّه لا قضاء للقوّة العاقلة بتقديم الفاضل على وجه اللزوم بحيث يكون الرجوع إلى المفضول قبيحا عند العقل.
[رسالة في ولاية الأولياء- ص 35- مخطوط].
..........
مع كونه أقوى ملكة في الاستنباط أشدّ منعا له من الخطأ فيكون أقوى ظنّا.
و أمّا المقدّمة الثانية: فلوجوب متابعة أقوى الظنّين عقلا و قد تمسّك به جماعة.
و من الأعلام من اعترض عليه في طول كلامه بما محصّله: أنّ التقليد إن كان من باب الظنّ بحكم اللّه الواقعي الّذي يحصّله قول مجتهده فالأمر يدور مدار الظنّ من قول أيّ مجتهد حصل، فقد لا يحصل من قول أعلم بلده بملاحظة احتمال موافقة الأدون لقول مجتهد بلد آخر يكون أعلم من أعلم بلده أو لأحد المجتهدين الأموات يكون أعلم من ذلك بمراتب شتّى، بل قد يحصل الظنّ من قول الأدون بملاحظة موافقته لما ذكر على أحد الوجهين، و دعوى حصوله من قول المجتهد الحيّ الّذي هو أدون بمراتب شتّى من المجتهد الميّت دون ذلك الميّت مجازفة من القول، و إن كان من باب التعبّد فلا معنى لملاحظة الظنّ و الأقوائيّة و الأقربيّة معه، و مرجع الترديد إلى منع الصغرى على تقدير اعتبار التقليد من باب الظنّ و منع الكبرى على التقدير الاخرى.
و يمكن دفعه باختيار الشقّ الثاني، و منع منافاة مراعاة الظنّ و أقوائيّته و أقربيّته للترجيح في صورة الاختلاف لجهة التعبّد، كما لا ينافيها للترجيح في الأخبار على القول بالعمل بها تعبّدا، فإنّ المجتهدين المتفاضلين في صورة الاختلاف بمنزلة الأمارتين المتراجحتين في صورة التعارض اللّتين دلّ الدليل من النصّ و الإجماع على وجوب تقديم الأقوى و الأقرب منهما إلى الواقع على الآخر من غير منافاة له لجهة التعبّد، باعتبار أنّ الأقوائيّة و الأقربيّة لا تلاحظ إحرازا للمقتضي لجواز العمل بل رفعا لمانع التعارض، ففيما نحن فيه أيضا يلاحظ الظنّ و الأقوائيّة رفعا لمانع الاختلاف لا إحرازا لمقتضى العمل، لقضاء العقل المستقلّ بعد تعذّر العلم بالأحكام الواقعيّة تفصيلا و إجمالا أو سقوط اعتبار العلم بها إجمالا بوجوب الأخذ بما هو أقرب إلى الواقع، و هو بالنسبة إلى المكلّف البالغ رتبة الاجتهاد ظنّه الاجتهادي لغلبة مصادفته الواقع، و بالنسبة إلى من لم يبلغ رتبته فتوى المجتهد لغلبة مصادفتها الواقع، فالأقربيّة إلى الواقع علّة للجعل لا أنّه مناط للعمل، فلذا لا يعتبر الظنّ في العمل بأصل الفتوى، و إذا كان علّة الجعل الأقربيّة إلى الواقع فالعقل الحاكم بلزوم الأخذ بالأقرب كما يلزم المقلّد بمتابعة المجتهد- لكون فتواه نوعا أقرب إلى الواقع- فكذلك يلزمه بمتابعة شخص مجتهد يكون فتواه أقرب إلى الواقع من فتوى مجتهد آخر عند الاختلاف بينهما، فإنّ الأعلم و غيره و إن كانا متشاركين في أصل غلبة مصادفة فتوى
..........
كلّ منهما الواقع، إلّا أنّ فتوى الأعلم لزيادة بصيرته بمدارك الأحكام و معارضاتها و أقوائيّة ملكة استنباطه أغلب مصادفة له فيكون أقرب إليه من فتوى غير الأعلم، و جعل هذه الأقربيّة مرجّحة حينئذ لا ينافي كون العمل بالفتوى من باب التعبّد، لأنّ معناه أنّ المقلّد يجب عليه الأخذ بها و إن لم تفد له الظنّ بالواقع، بل و إن حصل له الظنّ بواسطة أمارة بخلافها، غاية ما هنالك لزوم حمل كون الظنّ الحاصل من قول الأعلم أقوى، على إرادة كون قوله أقوى سببا لإفادة الظنّ، و إن كان لا يخلو عن تكلّف.
السادس: قوله تعالى:هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَفإنّه تنفي المساواة بين من يعلم و بين من لا يعلم، و المفضول لنقصان علمه يصدق عليه أنّه لا يعلم، و الأعلم باعتبار زيادة علمه يصدق عليه أنّه يعلم، فلو جاز تقليد غير الأعلم كما يجوز تقليد الأعلم لزم المساواة بينهما، و اللازم باطل بنصّ الآية.
و فيه أيضا ضعف، أمّا أوّلا: فلأنّه ليس في نفي المساواة عموم لفظي أو عقلي يوجب تناول الآية لمثل مقام الإفتاء و القضاء و غيرهما من المناصب الشرعيّة، خصوصا مع ملاحظة ما في كلام بعض أهل التفسير من تفسيرها بأنّه هل يستوي الّذين يعلمون نبوّة محمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الّذين لا يعلمون نبوّة محمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و أمّا ثانيا: فلمنع كون مناط الأعلميّة و عدمها العلم بمعنى الإدراك الفعلي و عدمه، بل مناطها على ما سنحقّقه أقوائيّة ملكة الاستنباط و عدمها.
و لا ريب أنّ الاختلاف بين المجتهدين في زيادة الإدراك الفعلي و نقصانه لا ينافي التساوي بينهما في الملكة، فلو أخذ بظاهر الآية لزم الترجيح بمجرّد زيادة العلم مع التساوي في الملكة و هو غير جيّد على ما سنذكره، إلّا أن يخصّص بصورة زيادة العلم إذا صادفت أقوائيّة الملكة ثمّ يتمّم في صورة التساوي في العلم و الاختلاف في الملكة بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل، هذا مع تطرّق المنع إلى صدق «من لا يعلم» على غير الأعلم، لظهور «لا يعلمون» في السلب الكلّي المناقض للإيجاب الجزئي، و لصدق «يعلمون» مع الإيجاب الجزئي.
و المفروض أنّ غير الأعلم يعلم في الجملة، فهو مندرج في إطلاق «يعلمون» لا في قوله: «لا يعلمون»، و لذا قد يستدلّ بالآية على مساواته للأعلم المقتضية لجواز الرجوع إليه مع وجود الأعلم كما ستعرفه.
..........
السابع: طائفة من الأخبار الآمرة بتقديم الأفقه عند الاختلاف في الحكم، مثل مقبولة عمر بن حنظلة المرويّة في كتب المشايخ الثلاث، قال: «سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة- إلى أن قال-: فإن كان كلّ رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما حكم به الآخر» حكي الاستدلال بها عن الشهيد الثاني في المسالك، و كاشف اللثام، و الفاضل المازندراني الشارح للزبدة، بل عن الأوّل أنّه ذكر في موضعين أنّها نصّ في المدّعى.
و خبر داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، من قول أيّهما يمضي الحكم؟ قال: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه و لا يلتفت إلى الآخر».
و خبر موسى بن اكيل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ فيتّفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما فاختلفا فيما حكما؟ قال: و كيف يختلفان؟
قلت: حكم كلّ واحد منهما للّذي اختاره الخصمان، فقال: «ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه فيمضي حكمه».
و المرويّ عن نهج البلاغة عن أمير المؤمنين(عليه السلام)في كتابه إلى مالك الأشتر: «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الامور، و لا تمحّكه الخصوم، و لا يتمادى في الزلّة، و لا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تشرف نفسه على طمع، و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، و أوقفهم في الشبهات، و آخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشّف الامور، و أصرمهم عند اتّضاح الحقّ ممّن لا يزدهيه إطراء، و لا يستميله إغراء» إلى آخر ما ذكره(عليه السلام)[1].
و قد اورد على التمسّك بهذه الأخبار و لا سيّما المقبولة بأنّها وردت في ترجيح الحكم بمعنى فصل الخصومة بالأفقهيّة، بقرينة قوله: «بينهما منازعة في دين أو ميراث» و قوله:
«يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ» فلا تتناول الفتوى، و يمكن الجواب بوجوه:
[1]نهج البلاغة، كتاب: 53.