بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 46

..........

و العجب ممّن يدّعي العلم و يبادر إلى تخطئة قاطبة أهل العلم الّذين هم ورثة الأنبياء و حفظة الشريعة الغرّاء و كفلة أيتام أهل العباء، بحيث لولاهم لانهدم الدين المبين و انعدم آثار شرع خاتم النبيّين كيف يخبط في نظره و يخطئ في فهمه فيحمل الرواية هنا على ما يقطع الجاهل بسقوطه عن المقام و بعده عنه كما بين الأرض و السماء فضلا عن العالم، فيقول: هي محمولة على ظاهرها، و معناها سقوط الاجتهاد في نفس أحكام اللّه تعالى بالكلّية، و مع ذلك يدّعي انفتاح باب العلم و أنّه في أخذه بالأخبار المرويّة عن أهل العصمة يعمل به دون الظنّ و غيره من الاصول المقرّرة.

و الّذي صنعه في الرواية كما ترى دون الظنّ بل الوهم أيضا فضلا عن كونه علما.

ثمّ إنّ له في منع الاجتهاد و إبطال طريقة أصحابنا المجتهدين(رضوان اللّه عليهم)شكوك اخر أوردها في المقام مضافة إلى ما عرفته من الوجهين، و يعجبني التعرّض لنقلها هنا لما في الاطّلاع عليها و على ما يفسدها من زيادة وضوح لبطلان هذه الطريقة و حقّيّة طريقة المجتهدين.

منها: أنّ كلّ من قال بجواز التمسّك بالاستنباطات الظنّية في نفس أحكامه تعالى من محقّقي العامّة و جمع من متأخّري الخاصّة اعترف بانحصار دليله في الإجماع بحيث لولاه لم يكن جائزا، للأدلّة المانعة من الآيات و الرواية.

و من المعلوم أنّ كون ثبوت إجماع الامّة في هذا الموضع مفيدا للقطع محلّ المنع، و سنده. أوّلا: ما ورد في كلام الصادقين(عليهم السلام)من أنّ حجّيّة الإجماع من مخترعات العامّة.

و ثانيا: أنّه قد تواتر الأخبار عن الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)بانحصار طريق أخذ هذا العلم في السماع عنهم(عليهم السلام)بواسطة أو بدونها[1].

و ثالثا: أنّه قد تواترت الأخبار أيضا بأنّه لا يجوز تحصيل الحكم الشرعي النظري بالكسب و النظر، لأنّه يؤدّي إلى اختلاف الآراء في الاصول و الفروع الفقهيّة كالمناكح و المواريث و الديات و القصاص- كما هو المشاهد- فتنتفي فائدة بعث الرسل و إنزال الكتب على ما هو المشهور بين علماء الإسلام من أنّ فائدتهما رفع الاختلاف ليتمّ نظام المعاش.

و رابعا: كلّ ما يؤدّي إلى الاختلاف يؤدّي إلى الخطأ لامتناع اجتماع النقيضين، و الحكيم

[1]الوسائل 18: 41 الباب 7 من أبواب صفات القاضي.


صفحه 47

..........

المطلق- عزّ شأنه- يأبى حكمته عن أن يبني شريعته على ما يؤدّي إلى الخطأ» انتهى ملخّصا[1].

و فيه- بعد منع انحصار دليل جواز البناء على الاجتهاد بل وجوبه في الإجماع كما ستعرفه-: أنّ الثابت في المقام بطريق الجزم و الإيقان إنّما هو فوق الإجماع و هو الضرورة كما ستعرفه أيضا، و مع الانحصار في الإجماع فهو أيضا معلوم مفيد للعلم، و حجّيته على ما يقول به أصحابنا ليست من مخترعات العامّة فإنكارها على هذا التقدير يفضي إلى إنكار حجّية رأي المعصوم و معتقده.

و انحصار طريق أخذ هذا العلم- إن اريد به العلم بأحكام اللّه تعالى- في السماع عنهم و لو بالواسطة في حقّ المتمكّنين من الوصول إليهم لا يقضي بكونه كذلك في حقّ من لا سبيل له إلى هذا الطريق أصلا، مع أنّ الأخذ من الطرق الاستنباطيّة الّتي منها الظنّ المعلوم كونه طريقا أخذ منهم بالواسطة، و لا خصوصيّة للسماع في العلم بالأحكام المقرّرة في الشرع.

و لزوم الاختلاف في الآراء منقوض بما أوجبتموه من استنباط الأحكام عن الأخبار، لكثرة متعارضاتها و قلّة ما يسلم منها عن المعارض، مع ما فيها من سائر وجوه الاختلالات من جهة السند و المتن و الدلالة، بل أكثر الاختلافات الحاصلة فيما بين الفقهاء إنّما نشأت من هذه الجهة، بل المبالغة في إعمال النظر لاستفادة المطلب منها و عن غيرها من الآيات أدخل في رفع الاختلاف أو قلّته، لأدائه إلى حصول التوفيق بين متعارضاتها أو ترجيح بعضها على بعض كما لا يخفى.

مع أنّ الاختلاف قد يكون من مقتضى المصلحة الإلهيّة كما ورد في الأخبار، مع أنّ فائدة بعث الرسل و إنزال الكتب إنّما هو إرشادهم إلى مصالح الأشياء و مفاسدها و حملهم على الطاعة و الانقياد، و حصولها لا ينافي الاختلاف الناشئ عن الاستناد إلى طريق مرخّص فيه غير لازم المصادفة للواقع إذا كان ترخيصه مسبوقا بملاحظة مصلحة في نفسه مردّدة بين مصلحة الواقع و ما يتدارك به تلك المصلحة على تقدير فواتها بعدم اتّفاق المصادفة، و الشريعة مبنيّة على ما يؤدّي إلى إدراك مصلحة الواقع أو بدله المجعول للعاجز عن إدراك الواقع، و هو ما يتدارك به ما فات من مصلحة الواقع، و الخطأ إنّما ينافي حكمته تعالى على

[1]الفوائد المدنيّة: 181- 183.


صفحه 48

..........

تقدير عدم التدارك لا مطلقا.

و منها: أنّ خلاصة ما استدل به الإماميّة على وجوب عصمة الإمام من «أنّه لولاها لزم كون اللّه سبحانه آمرا لعباده باتّباع الخطأ و هذا قبيح» جارية في وجوب اتّباع المجتهد، و هذا هو النقض الّذي أورده الفخر الرازي على الإماميّة[1]، غير أنّه لا يرد على الأخباريّة منهم لأنّهم لا يجوّزون الاعتماد في أحكامه تعالى على الظنّ[2].

و فيه: مع النقض بالظنّ في الموضوعات و العمل بالأخبار الّذي لا يكاد يسلم عن الخطأ أيضا كما عرفت، أنّ الخطأ- و هو الوقوع في مخالفة الواقع- قد ينشأ عن فقد حالة في النفس مانعة منه و هي العصمة، و قد ينشأ عن أسباب خارجة حصلت من باب الطوارئ و هي وجوه الاختلال الطارئة للأدلّة، و المنفي عن الإمام(عليه السلام)ما يكون من قبيل القسم الأوّل، إذ لو كان جائزا لكان وقوعه في الحقيقة مسندا إلى اللّه تعالى، فيكون أمره تعالى للعباد باتّباع الإمام الغير المعصوم إيقاعا لهم في الخطأ، لأنّ نصبه إماما يجوز في حقّه الخطأ مؤدّاه وجوب متابعته في جميع ما يقول به حتّى مواضع خطائه، و هو إيقاع لهم في الخطأ في هذه المواضع و أنّه قبيح، إمّا لأنّه نقض للغرض من حيث إنّ الغرض من نصب الإمام حفظ شرعه و إرشاد عباده إلى الأحكام المأخوذة في هذا الشرع على ما ينبغي و كما هو حقّه، أو لمنافاته الحكمة من حيث إنّ حكمة الحكيم اقتضت هداية العباد و إرشادهم إلى مصالح امورهم و مفاسدها، و الإيقاع في الخطأ إضلال لهم فيكون قبيحا، و أيّا ما كان فيجب عليه إعطاؤه الإمام الّذي ينصبه ما يؤدّي إلى حسم مادّة هذا النحو من الخطأ.

بخلاف ما يتّفق في التعبّد بالظنّ أو الطرق الظنّية الّتي من شأنها التأدية إليه، فإنّه لا يسند إليه تعالى حيثما وقع، و إنّما يسند إلى أسبابه الخارجيّة، و لا قبح في ترخيصه في الأخذ بهما بعد ملاحظة قبح التكليف بما فوق الطاقة و قبح الإلجاء الّذي يؤول إليه منعه من طروّ تلك الأسباب لو وجب عليه، كما يرشد إليه أخذهم عدم البلوغ حدّ الإلجاء في مفهوم اللطف الّذي يوجبونه عليه تعالى، و لا يلزم منه تفويت مصلحة الواقع إذا اعتبر فيهما وجود ما يتدارك به المصلحة الفائتة كما عرفت.

و من هنا تعرف- كما أشرنا إليه- أنّ هذا الخطأ بالإضافة إلى الواقع يعدّ خطأ و أمّا

[1]انظر التفسير الكبير 20: 208- 209.

[2]الفوائد المدنيّة: 186.


صفحه 49

..........

بالإضافة إلى موضوعه و هو العاجز عن إدراك الواقع فهو عين الصواب، مع أنّ الاستدلال منقوض بالطرق العلميّة على تقدير انتصابها في الوقائع و كفايتها في استعلام الأحكام الواقعيّة، لأنّ العالم أو مطلق المكلّف الّذي يرجع إليها غير مصون عنه بفقده الحالة النفسانيّة المانعة منه و هي العصمة، و من هنا يتّجه لمنكري عصمة الإمام أن يأخذوا هذا الفرض موردا للنقض، بناء على أنّ أصحابنا المثبتين لها في الإمام لا يعتبرونها في سائر علماء الامّة غير الإمام و لا في نوّاب الأئمّة الّذين كانوا وسائط بينهم و بين سائر المكلّفين النائبين عنهم.

و قد يدفع الإشكال بإبداء الفرق بين الإمام و غيره من العلماء و المجتهدين، بأنّ الإمام(عليه السلام)أمين اللّه على كافّة الأنام و له الرئاسة العامّة و وجوب الطاعة على الخاصّ و العامّ، و هو مرجع الجميع في استفادة الأحكام، و مع ذلك لا يستند في العلم بها إلى الأسباب الظاهريّة، و من البيّن أنّ مجرّد العدالة غير كاف في اطمئنان النفس بمثل ذلك، إذ لا تطمئنّ النفس بقول العدل إذا ادّعى شيئا خارجا عن المعتاد خارقا للعادة الجارية بين الناس، بل يتسارع الظنون إليه بالتهمة.

نعم لو دلّ دليل على عصمته كان قوله برهانا ناطقا لا مجال لإنكاره، فالفرق بينه و بين المجتهد ظاهر من وجوه شتّى، فاعتبار العصمة فيه لا يقضي باعتبارها في المجتهد الّذي هو بمنزلة الراوي عنهم، و لا يكون السبيل الّذي يستنبطه ذلك المجتهد قطعيّا بعد القطع بوجوب العمل بمؤدّاه.

و لعلّه راجع إلى ما سنبيّنه و إلّا فعموم الرئاسة كما هو ثابت للإمام كذلك ثابت للمجتهد الجامع للشرائط أيضا.

نعم الغالب على المجتهدين اختصاص الراجعين إليه الآخذين بقوله بطائفة دون اخرى و أهل بلد دون آخر، و لكنّه لا يقضي باختصاص رئاسته بحسب القابليّة الشرعيّة.

فتحقيق المقام في حسم مادّة الإشكال أن يقال: إنّ الإمام لا يعقل في حقّه انسداد باب العلم، و هو ما دام حاضرا متمكّنا عن التصرّف لا يعقل في حقّ أهل عصره المتمكّنين من الوصول إليه أيضا انسداد بابه، فلا مقتضي في حقّهم لجعل الطرق الغير العلميّة لاستفادة الأحكام، لعدم عجزه عن بيان الواقع و لا عجزهم عن إدراكه، فلو جاز في حقّه الخطأ لكان الأمر باتّباعه مطلقا مؤدّيا إلى الإضلال و نقض الغرض و تفويت مصلحة الواقع، بخلاف العاجزين عن إدراكه بطريق علمي لانسداد باب العلم و لو في الغالب، لكونهم في زمان


صفحه 50

..........

الغيبة أو في زمان الحضور مع عدم تمكّنهم من الوصول إليه أو عدم تمكّنه من التصرّف على ما هو حقّه.

فإنّ قضيّة ذلك أن يجعل في حقّهم من الطرق الغير العلميّة ما يكون بدلا عن الطرق العلمي قائما مقامه لينفعهم في مواضع تعذّر العلم، فلو أخطئوا حينئذ بعدم إصابة الواقع لم يكن مستندا إلى اللّه تعالى بل إلى الأسباب الخارجة مع لزومه استدراك ما يتدارك به مصلحة الواقع.

فأمرهم بمتابعة ما لا يكاد يسلم عن عدم مصادفة الواقع ليس إضلالا لهم ليكون قبيحا منافيا لحكمة الشارع الحكيم، و لذلك اختصّ اعتبار العصمة بالإمام دون غيره من المجتهدين و الرواة الّذين هم وسائط بينه و بين الرعيّة النائين عنه الغير المتمكّنين من الوصول إليه، و الّذي يفصح عن هذا الفرق مجعوليّة الأحكام المعمولة عند التقيّة المتّفق عليها عند أصحابنا المدلول عليها بالأخبار المتواترة، فإنّ هذه الأحكام كلّها أبدال من الأحكام الواقعيّة جعلت للعاجزين عن الأخذ بالأحكام الواقعيّة لحصول الإطاعة و الانقياد بها.

و ممّا يؤيّد ذلك أيضا وقوع التعبّد في الشريعة بالقواعد العامّة المقرّرة لاستكشاف الأحكام في الموضوعات المشتبهة كأصالة طهارة الماء، و أصالة صحّة فعل المسلم، و قبول أخبار ذي اليد، و البيّنة، و سوق المسلمين و نحوها، مع عدم إفادة شيء من ذلك القطع بالواقع و لا دوام مصادفته له كما لا يخفى.

و لو لا ذلك من باب الاكتفاء به في مقام الانقياد و الطاعة كان محذور الإضلال و تفويت مصلحة الواقع المنافي للحكمة قائما.

و منها: أنّ المسلك الّذي مداركه غير منضبطة- مع كثرة ما يقع فيها من وجوه التعارض و اضطراب الأنفس و رجوع كثير من فحول العلماء عمّا أفتوا به أوّلا- لا يصلح لأن يجعله الشارع الحكيم مناطا لأحكامه، و من المعلوم أنّ اعتبار ظنّ المجتهد المتعلّق بنفس أحكامه تعالى مستلزم لهذه المحذورات[1].

و فيه- بعض النقض بالأخبار الغير العلميّة لوفور جميع هذه المذكورات فيها، لما فيها من طروّ الاختلالات من وجوه شتّى-: أنّ الظنّ بمعنى اطمينان النفس و سكونها أمر

[1]الفوائد المدنيّة: 180.


صفحه 51

..........

منضبط و لا يقع فيه التعارض، لاستحالة الظنّ بكلا طرفي النقيض كاستحالة العلم بهما أو العلم بأحدهما و الظنّ بالآخر، و عدم الانضباط في المدارك لا يقضي بخروجه عن الانضباط، كما أنّ وقوع التعارض فيها لا يقدح في انضباطه. غاية الأمر أنّه إمّا يحصل بإعمال طرق الجمع مع إمكانه، أو بمراجعة المرجّحات مع وجودها فيترتّب عليه الحكم، أو لا يحصل بتعادل المتعارضين مع عدم إمكان الجمع، أو معه حيث لا شاهد له من العرف و العادة بحيث أوجب الظنّ بالمؤدّى، فيتعيّن حينئذ مراجعة الاصول العامّة العمليّة، و هذا أيضا أمر منضبط.

و بالجملة فهذا المسلك على كلا تقديري حصول الظنّ و عدمه في غاية الانضباط، و اتّفاق الرجوع عن الفتوى السابقة أحيانا غير مناف لكونه منضبطا.

و منها: أنّ المسلك الّذي يختلف فيه الأذهان بل الأحوال الطارئة لذهن واحد، غير صالح لأن يكون مناط أحكام مشتركة بين الامّة إلى يوم القيامة[1].

و فيه: أنّ حصول الاختلاف في الأحكام الفعليّة المجعولة للعاجز عن الوصول إلى الأحكام الواقعيّة لا ينافي وقوع اشتراك جميع الامّة إلى يوم القيامة في الأحكام الواقعيّة، و المنوط بمسلك الظنّ إنّما هو الأحكام الفعليّة لا الأحكام الواقعيّة المشتركة بين الجميع، فلا مانع من صلاحية الظنّ لأن يجعل مناط تلك الأحكام.

و منها: أنّ الشريعة السهلة السمحة كيف تكون مبنيّة على استنباطات صعبة مضطربة 2.

و فيه: أنّه إذا لم يجز ابتناء الشريعة السهلة السمحة على استنباطات صعبة مضطربة متمكّن منها، فكيف يجوز ابتناؤها على استنباطات علميّة متعذّرة لانسداد باب العلم فيها غالبا على الفرض، و عدم جواز الأمرين معا يقضي بانسداد باب الاستنباط بالمرّة و هو كما ترى.

و منها: أنّ في ابتناء أحكامه تعالى على الاستنباطات الظنّية مفاسد أكثر من أن تحصى:

من إفضائه إلى وقوع الفتن و الحروب و سفك الدماء بين المسلمين، و من هنا ذكر علماء العامّة و ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في مقام الاعتذار عن الحروب الواقعة بين الصحابة العدول الأخيار أنّ السبب فيها اختلاف اجتهاداتهم في أحكام اللّه تعالى[3]، و من عدم جواز أخذ أحد المتخاصمين ما يستحقّه من الآخر قهرا فيما لو وقع بينهما في مال أو

[1]1 و 2 الفوائد المدنيّة: 190.

[3]شرح نهج البلاغة 20: 34.


صفحه 52

..........

فرج أو دم خصومة دنيويّة مبنيّة على اختلاف اجتهادهما، و ما ذكره علماء العامّة من أنّهما يرجعان حينئذ إلى قاض منصوب من السلطان فيجب عليهما الأخذ بما يحكم به القاضي ممّا لا يرضى به الذهن السليم فكيف يرضى به الشارع الحكيم؟ و من إفضائه إلى تجهيل المفتي نفسه أو إبطال القاضي حكمه إذا ظهر له ظنّ أو قطع مخالف لظنّه السابق[1].

و فيه: منع الملازمة، كيف و لم يعهد من لدن حدوث بناء الاجتهاد بين أصحابنا المجتهدين إلى الآن فتنة أو حرب أو سفك دم وقع بين المسلمين مستندا إلى اجتهاد المجتهدين ليس إلّا، بل و هذه الامور حيثما وقعت على غير حقّ فإنّما تقع من اتّباع الشيطان و النفس الأمّارة الداعية للإنسان إلى طلب الجاه و الرئاسة و المال و الثروة، أو من متابعة أهل البدع و الضلال المفسدين في أرض اللّه المعاندين له و لرسوله المبغضين لخلفاء اللّه و حججه، و إلّا فما كان من هذه الامور منشؤه الخصومة الشرعيّة المسموعة في نظر أهل الشرع في مال أو فرج أو نفس أو نحو ذلك لشبهة موضوعيّة أو حكميّة و بني على الأخذ بقواعد الاجتهاد و مراجعة المجتهدين الّذين هم حكّام الشرع بالحقّ لم يكن يقع شيء منها على وجه الأرض أصلا، لاستحكام تلك القواعد و غاية انتظام هذه الضوابط، فإنّ حكم الحاكم الشرعي المستند إلى اجتهاده الصحيح المستفاد من الشارع هو الحجّة القاطعة الّتي إذا وقعت نافذة لا تستتبع فتنة و لا حربا و لا سفك دم و لا غير ذلك من المفاسد.

و من هنا اندفع الشبهة في مسألة الخصومة بين مجتهدين مختلفين في الرأي أو مقلّدي هذين المجتهدين، فإنّ الخصومة بينهما ترتفع بمراجعة ثالث موافق لأحدهما في الرأي أو مخالف لهما و الأخذ بحكمه على سبيل اللزوم تعبّدا من اللّه سبحانه، و هذا أيضا ممّا لا محذور فيه أصلا.

و أمّا تجهيل النفس و إبطال الحكم بعد انكشاف مخالفة الواقع جزما أو ظنّا على التفصيل الآتي في محلّه فممّا لا يتضمّن محذورا أيضا، بل هو غير عزيز في الشرع و لو مع البناء على الأدلّة القطعيّة أو الأخبار فقط، و لو كان محذورا في نظر العقل أو الشرع فهو مشترك اللزوم و طريق الدفع واحد.

[1]الفوائد المدنيّة: 191.


صفحه 53

..........

و منها: أنّ الظنّ المعتبر عندهم ظنّ صاحب الملكة المخصوصة المأخوذة في معنى الفقيه و المجتهد، مع أنّ المعتبر عندهم من بذل الوسع في تحصيل الظنّ المعتبر قدر مخصوص منه، و غير خفيّ على اللبيب أنّ الملكة المذكورة و القدر المشار إليه من بذل الوسع أمران خفيّان غير منضبطين، و قد اعترفوا بأنّ مثل ذلك لا يصلح مناطا لأحكامه تعالى[1].

و فيه: أنّ الملكة المخصوصة عند أهل الخبرة بها لا خفاء فيها أصلا، و خفاؤها في نظر العوامّ و غيرهم ممّن لم يبلغ رتبة الاجتهاد غير قادح، حيث لا اعتداد في هذا المقام بنظر العوامّ و غيرهم ممّن لا خبرة له في هذا الفنّ، و أمّا بذل الوسع فليس له حدّ مضبوط عندهم و لا قدر مخصوص لديهم، بل معياره حصول الظنّ بمعنى الاطمينان أو اليأس من الظنّ ليحرز به موضوع الاصول العمليّة، فلا مانع من إناطة استنباط أحكامه تعالى بشيء من الأمرين، مضافا إلى ما يورد عليه أيضا من جريان ذلك على طريقة الأخباريّين أيضا، إذ لا بدّ عند المحقّقين منهم في الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة من الاقتدار على فهم الأخبار و الجمع بينها و التمكّن من ردّ الفروع إلى الاصول و نحو ذلك أيضا من الامور النفسيّة الغير الظاهرة، فلو كان صالحا للمنع لجرى في كلّ من الطريقين.

و منها: أنّ الظنّ من باب الشبهات و قد ثبت وجوب التوقّف عند الشبهات المتعلّقة بنفس الأحكام.

أمّا الاولى: فلما في نهج البلاغة في خطبة له(عليه السلام)«و إنّما سمّيت الشبهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ»[2].

و أمّا الثانية: فللروايات الصريحة في وجوب التوقّف[3].

و فيه: منع المقدّمتين معا، أمّا منع الاولى: فلأنّ الظنّ بعد ما أخذ الشارع متعلّقه حكما فعليّا للظانّ الغير المتمكّن من العلم ليس من الباطل الشبيه بالحقّ، بل هو في محلّ الفرض عين الحقّ كما عرفت مرارا.

و أمّا منع الثانية: فلأنّ التوقّف عند الشبهات في أحكامها الخاصّة لا يقضي بالتوقّف في حكمها العامّ المجعول شرعا للجاهل المتحيّر، فنحن أيضا نتوقّف عند الظنّ بشيء إذا لاحظناه من حيث هو، و نأخذ بمتعلّقه إذا لاحظنا القطعيّ القائم بكونه الحكم المجعول

[1]الفوائد المدنيّة: 191.

[2]نهج البلاغة: 81، الخطبة 38.

[3]الفوائد المدنيّة: 192.