بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 462

..........

مع كونه أقوى ملكة في الاستنباط أشدّ منعا له من الخطأ فيكون أقوى ظنّا.

و أمّا المقدّمة الثانية: فلوجوب متابعة أقوى الظنّين عقلا و قد تمسّك به جماعة.

و من الأعلام من اعترض عليه في طول كلامه بما محصّله: أنّ التقليد إن كان من باب الظنّ بحكم اللّه الواقعي الّذي يحصّله قول مجتهده فالأمر يدور مدار الظنّ من قول أيّ مجتهد حصل، فقد لا يحصل من قول أعلم بلده بملاحظة احتمال موافقة الأدون لقول مجتهد بلد آخر يكون أعلم من أعلم بلده أو لأحد المجتهدين الأموات يكون أعلم من ذلك بمراتب شتّى، بل قد يحصل الظنّ من قول الأدون بملاحظة موافقته لما ذكر على أحد الوجهين، و دعوى حصوله من قول المجتهد الحيّ الّذي هو أدون بمراتب شتّى من المجتهد الميّت دون ذلك الميّت مجازفة من القول، و إن كان من باب التعبّد فلا معنى لملاحظة الظنّ و الأقوائيّة و الأقربيّة معه، و مرجع الترديد إلى منع الصغرى على تقدير اعتبار التقليد من باب الظنّ و منع الكبرى على التقدير الاخرى.

و يمكن دفعه باختيار الشقّ الثاني، و منع منافاة مراعاة الظنّ و أقوائيّته و أقربيّته للترجيح في صورة الاختلاف لجهة التعبّد، كما لا ينافيها للترجيح في الأخبار على القول بالعمل بها تعبّدا، فإنّ المجتهدين المتفاضلين في صورة الاختلاف بمنزلة الأمارتين المتراجحتين في صورة التعارض اللّتين دلّ الدليل من النصّ و الإجماع على وجوب تقديم الأقوى و الأقرب منهما إلى الواقع على الآخر من غير منافاة له لجهة التعبّد، باعتبار أنّ الأقوائيّة و الأقربيّة لا تلاحظ إحرازا للمقتضي لجواز العمل بل رفعا لمانع التعارض، ففيما نحن فيه أيضا يلاحظ الظنّ و الأقوائيّة رفعا لمانع الاختلاف لا إحرازا لمقتضى العمل، لقضاء العقل المستقلّ بعد تعذّر العلم بالأحكام الواقعيّة تفصيلا و إجمالا أو سقوط اعتبار العلم بها إجمالا بوجوب الأخذ بما هو أقرب إلى الواقع، و هو بالنسبة إلى المكلّف البالغ رتبة الاجتهاد ظنّه الاجتهادي لغلبة مصادفته الواقع، و بالنسبة إلى من لم يبلغ رتبته فتوى المجتهد لغلبة مصادفتها الواقع، فالأقربيّة إلى الواقع علّة للجعل لا أنّه مناط للعمل، فلذا لا يعتبر الظنّ في العمل بأصل الفتوى، و إذا كان علّة الجعل الأقربيّة إلى الواقع فالعقل الحاكم بلزوم الأخذ بالأقرب كما يلزم المقلّد بمتابعة المجتهد- لكون فتواه نوعا أقرب إلى الواقع- فكذلك يلزمه بمتابعة شخص مجتهد يكون فتواه أقرب إلى الواقع من فتوى مجتهد آخر عند الاختلاف بينهما، فإنّ الأعلم و غيره و إن كانا متشاركين في أصل غلبة مصادفة فتوى


صفحه 463

..........

كلّ منهما الواقع، إلّا أنّ فتوى الأعلم لزيادة بصيرته بمدارك الأحكام و معارضاتها و أقوائيّة ملكة استنباطه أغلب مصادفة له فيكون أقرب إليه من فتوى غير الأعلم، و جعل هذه الأقربيّة مرجّحة حينئذ لا ينافي كون العمل بالفتوى من باب التعبّد، لأنّ معناه أنّ المقلّد يجب عليه الأخذ بها و إن لم تفد له الظنّ بالواقع، بل و إن حصل له الظنّ بواسطة أمارة بخلافها، غاية ما هنالك لزوم حمل كون الظنّ الحاصل من قول الأعلم أقوى، على إرادة كون قوله أقوى سببا لإفادة الظنّ، و إن كان لا يخلو عن تكلّف.

السادس: قوله تعالى:هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَفإنّه تنفي المساواة بين من يعلم و بين من لا يعلم، و المفضول لنقصان علمه يصدق عليه أنّه لا يعلم، و الأعلم باعتبار زيادة علمه يصدق عليه أنّه يعلم، فلو جاز تقليد غير الأعلم كما يجوز تقليد الأعلم لزم المساواة بينهما، و اللازم باطل بنصّ الآية.

و فيه أيضا ضعف، أمّا أوّلا: فلأنّه ليس في نفي المساواة عموم لفظي أو عقلي يوجب تناول الآية لمثل مقام الإفتاء و القضاء و غيرهما من المناصب الشرعيّة، خصوصا مع ملاحظة ما في كلام بعض أهل التفسير من تفسيرها بأنّه هل يستوي الّذين يعلمون نبوّة محمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الّذين لا يعلمون نبوّة محمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و أمّا ثانيا: فلمنع كون مناط الأعلميّة و عدمها العلم بمعنى الإدراك الفعلي و عدمه، بل مناطها على ما سنحقّقه أقوائيّة ملكة الاستنباط و عدمها.

و لا ريب أنّ الاختلاف بين المجتهدين في زيادة الإدراك الفعلي و نقصانه لا ينافي التساوي بينهما في الملكة، فلو أخذ بظاهر الآية لزم الترجيح بمجرّد زيادة العلم مع التساوي في الملكة و هو غير جيّد على ما سنذكره، إلّا أن يخصّص بصورة زيادة العلم إذا صادفت أقوائيّة الملكة ثمّ يتمّم في صورة التساوي في العلم و الاختلاف في الملكة بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل، هذا مع تطرّق المنع إلى صدق «من لا يعلم» على غير الأعلم، لظهور «لا يعلمون» في السلب الكلّي المناقض للإيجاب الجزئي، و لصدق «يعلمون» مع الإيجاب الجزئي.

و المفروض أنّ غير الأعلم يعلم في الجملة، فهو مندرج في إطلاق «يعلمون» لا في قوله: «لا يعلمون»، و لذا قد يستدلّ بالآية على مساواته للأعلم المقتضية لجواز الرجوع إليه مع وجود الأعلم كما ستعرفه.


صفحه 464

..........

السابع: طائفة من الأخبار الآمرة بتقديم الأفقه عند الاختلاف في الحكم، مثل مقبولة عمر بن حنظلة المرويّة في كتب المشايخ الثلاث، قال: «سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة- إلى أن قال-: فإن كان كلّ رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما حكم به الآخر» حكي الاستدلال بها عن الشهيد الثاني في المسالك، و كاشف اللثام، و الفاضل المازندراني الشارح للزبدة، بل عن الأوّل أنّه ذكر في موضعين أنّها نصّ في المدّعى.

و خبر داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، من قول أيّهما يمضي الحكم؟ قال: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه و لا يلتفت إلى الآخر».

و خبر موسى بن اكيل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ فيتّفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما فاختلفا فيما حكما؟ قال: و كيف يختلفان؟

قلت: حكم كلّ واحد منهما للّذي اختاره الخصمان، فقال: «ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه فيمضي حكمه».

و المرويّ عن نهج البلاغة عن أمير المؤمنين(عليه السلام)في كتابه إلى مالك الأشتر: «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الامور، و لا تمحّكه الخصوم، و لا يتمادى في الزلّة، و لا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تشرف نفسه على طمع، و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، و أوقفهم في الشبهات، و آخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشّف الامور، و أصرمهم عند اتّضاح الحقّ ممّن لا يزدهيه إطراء، و لا يستميله إغراء» إلى آخر ما ذكره(عليه السلام)[1].

و قد اورد على التمسّك بهذه الأخبار و لا سيّما المقبولة بأنّها وردت في ترجيح الحكم بمعنى فصل الخصومة بالأفقهيّة، بقرينة قوله: «بينهما منازعة في دين أو ميراث» و قوله:

«يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ» فلا تتناول الفتوى، و يمكن الجواب بوجوه:

[1]نهج البلاغة، كتاب: 53.


صفحه 465

..........

أحدها: تتميم المدّعى في الفتوى- بعد تسليم اختصاصها بالحكم- بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل، بتقريب: أنّ الأصحاب في اعتبار الأعلميّة في الفتوى و الحكم و عدم اشتراطها بين قائل بالاشتراط فيهما معا، و قائل بعدم الاشتراط فيهما، و قائل بالاشتراط في الفتوى دون الحكم، و أمّا احتمال اشتراطها في الحكم دون الفتوى فممّا لا قائل به، فهو منفيّ بإجماع أصحاب هذه الأقوال، إلّا أن يدفع بأنّ عدم قائل بهذا التفصيل أعمّ من الإجماع على نفي التفصيل.

و ثانيها: بأنّها إنّما اشترطت في الحكم تبعا لاشتراطها في الفتوى، لظهور المقبولة بقرينة ذكر الميراث في كون المنازعة فيما هو من قبيل الشبهات الحكميّة- لجهالة حكم المسألة الّتي ميزان حكم الحاكم فيها فتواه في المسألة- لا من قبيل الشبهات الموضوعيّة الّتي ميزان الحكم فيها الإقرار أو البيّنة أو اليمين أو غيرها، فالواجب في مثل مورد الرواية الحكم بما يقتضيه الفتوى، و مرجع الأفقهيّة المعتبرة في الحكم إلى الأفقهيّة في الفتوى و الحكم تابع لها.

و ثالثها: منع كون الحكم في الروايات مرادا به الحكم بالمعنى المصطلح المقابل للفتوى أعني فصل الخصومة، بل لا بدّ و أن يحمل على إرادة المعنى اللغوي المنطبق على الفتوى، و لا ينافيه «المنازعة» لاحتمال إرادة الاختلاف في حكم المسألة لا الخصومة في الواقعة.

و سند المنع المذكور أوّلا: كون المتبادر من إطلاق الحكم معناه اللغوي و عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه بالقياس إلى المعنى المصطلح.

و ثانيا: وجود القرينة عليه في متن المقبولة من قوله: «و كلاهما اختلفا في حديثكم»، لأنّ المتبادر منه الاختلاف في الفتوى المستندة إلى الحديث أو هي بمنزلة الحديث، و قوله(عليه السلام):

«أصدقهما في الحديث»، بتقريب: أنّ الأصدقيّة في الحديث إنّما يناسب ترجيح الفتوى الّتي هي بمنزلة الحديث.

و ثالثا: قوله: «فرضيا أن يكون الناظرين في حقّهما» لظهوره في اتّفاق المتنازعين على إناطة رفع النزاع بنظر الحكمين و رأيهما في حكم المسألة من حيث الفتوى.

و توضيح ذلك: أنّ الغرض من جمع رجلين أو رجال لهم أهليّة الفتوى و الحكم يتصوّر على وجوه:

الأوّل: أن يقصد به صدور الحكم بمعنى فصل الخصومة من الجميع.


صفحه 466

..........

الثاني: أن يقصد به صدور الحكم من واحد، و يكون المقصود من حضور الباقين إعانة الحاكم في مقدّمات الحكم لئلّا يخطئ.

الثالث: أن يقصد من بعضهم صدور الحكم و من الباقين إمضاءه.

و الرابع: أن يقصد استعلام حكم المسألة بما يصدرونه من الفتوى لرضا المتنازعين و تواطئهما على الأخذ به من باب الأخذ بالفتوى.

و الرواية بظاهرها لا تقبل إلّا الحمل على الصورة الأخيرة.

أمّا الصورة الاولى: فلأنّها في نفسها في غاية البعد و الغرابة، إذ الحكم بمعنى فصل الخصومة يحصل بحكم واحد، و اعتبار انضمام الأحكام بعضها إلى بعض مع أنّه غير معهود غير مفيد.

و أمّا الثانية و الثالثة: فلأنّه يأباهما ظاهر قوله: «فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما».

لا يقال: إنّ الفتوى أيضا يكفي فيها واحد، فاعتبار الانضمام فيها أيضا ممّا لا معنى له، لأنّ لاتّفاق آراء الحكمين مدخليّة تامّة في رفع الاشتباه عن الجانبين ليست هذه المدخليّة في فتوى واحد.

هذا و لكنّ الإنصاف أنّ إنهاض دلالة الرواية موضع نظر، لأنّ صرفها عن الحكم بالمعنى الأخصّ إلى ما يعمّ الفتوى محلّ إشكال بملاحظة صدر الرواية، و هو قوله: «سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟

فقال: من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتا و إن كان حقّه ثابت، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت و قد أمر اللّه أن يكفر به.

قلت: كيف يصنعان؟ قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فارضوا به حاكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما بحكم اللّه استخفّ و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه.

قال: فإن كان كلّ واحد اختار رجلا» إلى آخر ما نقلناه.

و هذا كما ترى كالصريح بل صريح في الحكم بالمعنى الأخصّ، فلا قاضي بتعميمه بالقياس إلى الفتوى.


صفحه 467

..........

و لو سلّم العموم فدلالة الرواية على اشتراط أعلميّة فيما هو من موضوع المسألة محلّ منع، إذ الترجيح بالأفقهيّة على ما أمر به الإمام(عليه السلام)ليس باعتبار لزوم تقديم فتوى الأفقه من حيث كونه أفقه على فتوى غير الأفقه من حيث إنّه غير أفقه، بل باعتبار لزوم تقديم رواية الأفقه من حيث إنّه أفقه على رواية غير الأفقه من حيث إنّه غير أفقه، و ذلك لأنّ قول الراوي: «كلاهما اختلفا في حديثكم» يدلّ على أنّه أشكل الأمر عليه، و إنّ تحيّره إنّما كان من جهة اختلاف الحديثين و تعارض الخبرين، و لذا كانت المرجّحات المذكورة في الرواية كلّها من مرجّحات الأخبار المتعارضة المعمولة في علاج تعارض الأخبار، و أمره(عليه السلام)للراوي بالترجيح و الرجوع إلى تلك المرجّحات يدلّ على أنّه من أهل النظر و الاجتهاد و إنّ له أهليّة الترجيح و استفادة المطالب من الأخبار المتعارضة بعد إعمال النظر في علاج تعارضها، و عليه فلا يتناول لموضوع المسألة و هو رجوع المقلّد إلى المجتهد و أخذه بفتواه أصلا.

أمّا أوّلا: فلأنّ المراد بالمقلّد من ليس له أهليّة الاجتهاد أصلا، فلو صادف مجتهدين متفاضلين ليس عليه مطالبة دليلهما، و لو عثر على دليلهما ليس عليه النظر في مفاديهما، و لو فهم منهما شيئا ليس له التعويل على فهمه، و لو ترجّح أحدهما على الآخر لمرجّح معه في نظره ليس له الاعتماد على ترجيحه.

و أمّا ثانيا: فلأنّه لا يلزم أن يكون اختلاف نظري المجتهدين المتفاضلين عن خبرين متعارضين، بل قد يكون عن مدرك آخر، و فيما لو كان مدرك اجتهاديهما من الأخبار قد يكون من اختلاف نظرهما في طريق الجمع أو من تعادل الخبرين و اختيار كلّ واحدا منهما.

و على تقدير كونه من الترجيح بينهما فمدار الترجيح على تحصيل الظنّ الاجتهادي و الوثوق بصدور ما يعمل به من المتعارضين، فقد يحصل لأحدهما الوثوق بصدور أحدهما لمرجّح معه في نظره و للآخر الوثوق بصدور الآخر لمرجّح آخر معه في نظره، و كلّ مكلّف بظنّه الاجتهادي و البناء على ترجيحه الظنّي، و على جميع التقادير فالمقلّد العامي لا يكلّف بملاحظة مدركيهما و لا إعمال النظر في الجمع و الترجيح، و لا أنّه من وظيفته ذلك أصلا.

الثامن: أنّه لو جاز تقليد المفضول مع وجود الأفضل لزم ترجيح المرجوح على الراجح، و التالي باطل فالمقدّم مثله، و الملازمة ظاهرة.

و يمكن دفع الملازمة، إذ المعتبر في الرجحان و المرجوحيّة رجحان فتوى المجتهد و مرجوحيّتها- لأنّها مناط عمل المقلّد- لا رجحان شخص المجتهد و مرجوحيّته من حيث


صفحه 468

..........

الأفضليّة و المفضوليّة.

و حينئذ فلو اريد من الرجحان و المرجوحيّة كون فتوى الأفضل راجحة و فتوى المفضول مرجوحة في نظر الشارع فهو أوّل المسألة، فالاستدلال يعود إلى نوع مصادرة.

و لو اريد كونها راجحة و مرجوحة في نظر العقل فهو أيضا ممنوع بمنع استقلال العقل بالحكم بالرجحان و المرجوحيّة إلّا بإرجاعهما إلى الأقربيّة إلى الواقع و الأبعديّة عن الواقع.

و حينئذ فيرجع الدليل إلى بعض الوجوه المتقدّمة و ليس دليلا على حدة، مع أنّ تجويز تقليد المفضول ليس ترجيحا له على الأفضل بل تسوية بينهما، و هي ليست من التسوية بين الراجح و المرجوح، لجواز تساويهما من حيث وصف الإفتاء في نظر الشارع و إن لم يتساويا من حيث المعرفة و الفضل.

و بذلك يظهر الفرق بين المقام و مسألة الخلافة الّتي استدلّ لنفيها عن غير مولانا أمير المؤمنين عليه صلوات اللّه و الملائكة و الناس أجمعين بلزوم تفضيل المفضول على الفاضل، لأنّ إعطاء المفضول منصب الإمامة الّتي هي رئاسة عامّة بنفسه تفضيل المفضول و ترجيح المرجوح فيكون قبيحا.

حجّة القول بجواز تقليد المفضول

اللازم من التخيير بينه و بين الأفضل وجوه:

أحدها: أصالة التخيير، و يقرّر على وجهين:

الأوّل: استصحاب التخيير الثابت فيما إذا كانا متساويين أوّلا ثمّ فضل أحدهما على الآخر، فإنّ ارتفاع هذا التخيير بحدوث الفضل غير معلوم فيستصحب، و يتمّ فيما لم يسبقهما التساوي بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل.

و توهّم قلبه بأصالة الاشتغال المقتضية لتعيين الأفضل في صورة عدم سبق التساوي مع تتميمه في صورة السبق بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل.

يندفع بورود الاستصحاب في نحو المقام على أصالة الاشتغال.

و لا يخفى ضعفه لتبدّل موضوع المستصحب، فإنّ التخيير إنّما يثبت في حال التساوي و الكلام إنّما هو في حال التفاضل و هذا موضوع آخر، ضرورة أنّ المجتهدين المتساويين و المجتهدين المتفاضلين موضوعان متغايران، و التخيير من أحكام الموضوع الأوّل و قد انقلب بحدوث الفضل إلى الموضوع الثاني، و من المستحيل إجراء حكم موضوع على موضوع آخر مغاير له بالاستصحاب.


صفحه 469

..........

الثاني: أصالة التخيير فيما دار الأمر بينه و بين التعيين، تمسّكا بأصالة البراءة النافي للضيق الّذي يتضمّنه التعيين.

و فيه: منع كون التخيير في مثل ما نحن فيه أصلا، بل الأصل هو التعيين.

و توضيحه: أنّ أصالة التخيير إنّما تسلّم في فردي الكلّي المأمور به إذا احتمل تقييد الماهيّة في مدلوله بما يوجب تعيين أحدهما، كما لو ثبت وجوب عتق رقبة و احتمل تقييدها بالمؤمنة فيتمسّك بأصالة عدم التقييد و أصالة البراءة النافية لاحتمال الشرطيّة، و ينفرد ذلك عن الأوّل[1]فيما ثبت وجوبه بخطاب غير لفظي أو خطاب لفظي مجمل.

و يسلّم أيضا في الواجبين المضيّقين المتزاحمين، فإنّ العقل في موضع المزاحمة يحكم فيهما بالتخيير حذرا عن التكليف بغير المقدور، مع كون كلّ بانفراده مع قطع النظر عن الآخر مقدورا مع انتفاء الأهمّيّة، بشرط عدم احتمال اشتمال أحدهما على مصلحة متأكّدة موجبة لكونه أهمّ في نظر الشارع، إذ مع احتماله لا يحكم العقل بالتخيير فيرجع إلى أصل آخر، و لا يجري إلّا أصالة الاشتغال المقتضية للتعيين، إذ مع احتمال وجود نحو المصلحة المذكورة لا محصّل ليقين البراءة إلّا الإتيان بمحلّ هذا الاحتمال، و لا مجرى لأصالة البراءة في نحوه كما هو واضح.

و توهّم كون أصالة عدم سقوط التكليف بالنسبة إليهما معا ممّا ينفي احتمال التعيين المستلزم لسقوط التكليف عن أحدهما.

يندفع: بأنّ التكليف المحكوم بعدم سقوطه بالأصل إن اريد به الوجوب على وجه التعيين فلا شكّ في سقوطه بسبب المزاحمة، و إن اريد به الوجوب على وجه التخيير فلا شكّ في عدم ثبوته قبل المزاحمة.

و بالجملة الحالة السابقة المعتبرة في الأصل غير باقية في تقدير و غير ثابتة في آخر.

و يسلّم أيضا في طريقين متعارضين شملهما دليل الحجّية تعبّدا عند فقد ما ثبت كونه مرجّحا، فإنّ العقل فيه باعتبار عدم إمكان الجمع و الطرح ربّما يحكم بالتخيير، إذ مع اشتماله عليه لا يحكم العقل بالتخيير، فيؤخذ به حينئذ عملا بأصل الاشتغال، و لا معنى لأصل البراءة فيه أيضا.

و أمّا الشكّ في التعيين و التخيير فيما هو من قبيل التخييرات الشرعيّة كخصال الكفّارة

[1]أي و ينفرد أصالة البراءة عن أصالة عدم التقييد فيما يثبت وجوبه بخطاب غير لفظى الخ.