بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 468

..........

الأفضليّة و المفضوليّة.

و حينئذ فلو اريد من الرجحان و المرجوحيّة كون فتوى الأفضل راجحة و فتوى المفضول مرجوحة في نظر الشارع فهو أوّل المسألة، فالاستدلال يعود إلى نوع مصادرة.

و لو اريد كونها راجحة و مرجوحة في نظر العقل فهو أيضا ممنوع بمنع استقلال العقل بالحكم بالرجحان و المرجوحيّة إلّا بإرجاعهما إلى الأقربيّة إلى الواقع و الأبعديّة عن الواقع.

و حينئذ فيرجع الدليل إلى بعض الوجوه المتقدّمة و ليس دليلا على حدة، مع أنّ تجويز تقليد المفضول ليس ترجيحا له على الأفضل بل تسوية بينهما، و هي ليست من التسوية بين الراجح و المرجوح، لجواز تساويهما من حيث وصف الإفتاء في نظر الشارع و إن لم يتساويا من حيث المعرفة و الفضل.

و بذلك يظهر الفرق بين المقام و مسألة الخلافة الّتي استدلّ لنفيها عن غير مولانا أمير المؤمنين عليه صلوات اللّه و الملائكة و الناس أجمعين بلزوم تفضيل المفضول على الفاضل، لأنّ إعطاء المفضول منصب الإمامة الّتي هي رئاسة عامّة بنفسه تفضيل المفضول و ترجيح المرجوح فيكون قبيحا.

حجّة القول بجواز تقليد المفضول

اللازم من التخيير بينه و بين الأفضل وجوه:

أحدها: أصالة التخيير، و يقرّر على وجهين:

الأوّل: استصحاب التخيير الثابت فيما إذا كانا متساويين أوّلا ثمّ فضل أحدهما على الآخر، فإنّ ارتفاع هذا التخيير بحدوث الفضل غير معلوم فيستصحب، و يتمّ فيما لم يسبقهما التساوي بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل.

و توهّم قلبه بأصالة الاشتغال المقتضية لتعيين الأفضل في صورة عدم سبق التساوي مع تتميمه في صورة السبق بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل.

يندفع بورود الاستصحاب في نحو المقام على أصالة الاشتغال.

و لا يخفى ضعفه لتبدّل موضوع المستصحب، فإنّ التخيير إنّما يثبت في حال التساوي و الكلام إنّما هو في حال التفاضل و هذا موضوع آخر، ضرورة أنّ المجتهدين المتساويين و المجتهدين المتفاضلين موضوعان متغايران، و التخيير من أحكام الموضوع الأوّل و قد انقلب بحدوث الفضل إلى الموضوع الثاني، و من المستحيل إجراء حكم موضوع على موضوع آخر مغاير له بالاستصحاب.


صفحه 469

..........

الثاني: أصالة التخيير فيما دار الأمر بينه و بين التعيين، تمسّكا بأصالة البراءة النافي للضيق الّذي يتضمّنه التعيين.

و فيه: منع كون التخيير في مثل ما نحن فيه أصلا، بل الأصل هو التعيين.

و توضيحه: أنّ أصالة التخيير إنّما تسلّم في فردي الكلّي المأمور به إذا احتمل تقييد الماهيّة في مدلوله بما يوجب تعيين أحدهما، كما لو ثبت وجوب عتق رقبة و احتمل تقييدها بالمؤمنة فيتمسّك بأصالة عدم التقييد و أصالة البراءة النافية لاحتمال الشرطيّة، و ينفرد ذلك عن الأوّل[1]فيما ثبت وجوبه بخطاب غير لفظي أو خطاب لفظي مجمل.

و يسلّم أيضا في الواجبين المضيّقين المتزاحمين، فإنّ العقل في موضع المزاحمة يحكم فيهما بالتخيير حذرا عن التكليف بغير المقدور، مع كون كلّ بانفراده مع قطع النظر عن الآخر مقدورا مع انتفاء الأهمّيّة، بشرط عدم احتمال اشتمال أحدهما على مصلحة متأكّدة موجبة لكونه أهمّ في نظر الشارع، إذ مع احتماله لا يحكم العقل بالتخيير فيرجع إلى أصل آخر، و لا يجري إلّا أصالة الاشتغال المقتضية للتعيين، إذ مع احتمال وجود نحو المصلحة المذكورة لا محصّل ليقين البراءة إلّا الإتيان بمحلّ هذا الاحتمال، و لا مجرى لأصالة البراءة في نحوه كما هو واضح.

و توهّم كون أصالة عدم سقوط التكليف بالنسبة إليهما معا ممّا ينفي احتمال التعيين المستلزم لسقوط التكليف عن أحدهما.

يندفع: بأنّ التكليف المحكوم بعدم سقوطه بالأصل إن اريد به الوجوب على وجه التعيين فلا شكّ في سقوطه بسبب المزاحمة، و إن اريد به الوجوب على وجه التخيير فلا شكّ في عدم ثبوته قبل المزاحمة.

و بالجملة الحالة السابقة المعتبرة في الأصل غير باقية في تقدير و غير ثابتة في آخر.

و يسلّم أيضا في طريقين متعارضين شملهما دليل الحجّية تعبّدا عند فقد ما ثبت كونه مرجّحا، فإنّ العقل فيه باعتبار عدم إمكان الجمع و الطرح ربّما يحكم بالتخيير، إذ مع اشتماله عليه لا يحكم العقل بالتخيير، فيؤخذ به حينئذ عملا بأصل الاشتغال، و لا معنى لأصل البراءة فيه أيضا.

و أمّا الشكّ في التعيين و التخيير فيما هو من قبيل التخييرات الشرعيّة كخصال الكفّارة

[1]أي و ينفرد أصالة البراءة عن أصالة عدم التقييد فيما يثبت وجوبه بخطاب غير لفظى الخ.


صفحه 470

..........

فهو و إن قيل فيه بأنّ الأصل هو التخيير و لكنه خلاف التحقيق، بل الأصل فيه التعيين لأصل الشغل، المستدعي ليقين البراءة الّذي لا يحصل إلّا بأداء ما احتمل كونه واجبا بعينه بعد اليقين بوجوبه في الجملة.

و السرّ فيه: أنّه مشتمل على مصلحة ملزمة مقتضية للوجوب قطعا، و لم يعلم اشتمال ما شكّ في بدليّته له على مثل تلك المصلحة، فالأصل يوجب اليقين بالبراءة و الثاني[1]لا يوجبه، و يعضده أصالة عدم تعلّق خطاب الشرع به، مضافا إلى أصالة عدم تعرّض الشارع لتقييد الترك في جانب المنع الّذي يتضمّنه الوجوب المفروض ثبوته فيما احتمل التعيين بكونه لا إلى بدل كما هو لازم التخيير بخلاف التعيين الّذي يستلزم المنع من الترك مطلقا.

و أمّا أصالة البراءة عن الضيق الّذي يتضمّنه التعيين- على ما اعتمد عليه القائل بأصالة التخيير، فمع ورود الاصول المذكورة عليه- يندفع: بأنّ الضيق ممّا ليس له معنى محصّل إلّا المنع من الترك الّذي يتضمّنه الوجوب و ترتّب العقاب عليه، و هذا في محلّ البحث ممّا لا يمكن نفيه بأصل البراءة، لأنّه حكم عقليّ يحكم به العقل من جهة قبح التكليف و العقاب بلا بيان، و المفروض في محلّ البحث ثبوت المنع من الترك و العقاب عليه في الجملة.

و مرجع الشكّ في التعيين و التخيير إلى دوران الترك في جانب المنع بين الترك المطلق سواء كان إلى بدل أو لا إلى بدل و بين الترك لا إلى بدل، و هذا القدر من بيان المنع و العقاب على الترك كاف في منع العقل من الحكم بالقبح.

و بالجملة بعد تحقّق المنع من الترك في الجملة و ترتّب العقاب عليه كذلك لا يحكم العقل بقبح المنع من الترك إلى بدل و قبح العقاب عليه كذلك، و عمومات البراءة المعلّقة لها بالجهل و عدم العلم بالتكليف رأسا لا تتناول ما نحن فيه، فلا وارد من الاصول على أصالة الاشتغال، و لا مانع من جريانه هنا مع اعتضاده باصول اخر.

هذا كلّه، و لكنّ الكلام في أنّ الشكّ في التعيين و التخيير في مسألة التقليد المردّد بين الأفضل و المفضول من أيّ الأقسام المذكورة؟ و ينبغي القطع بعدم كونه من قبيل القسم الأخير، إذ القائل بالتخيير بينهما لا يدّعي التخيير الشرعي، و بعدم كونه أيضا من قبيل التعيين و التخيير في الواجبين المتزاحمين، لوجوب الإتيان بهما معا في موضع عدم المزاحمة، و عدم وجوب تقليد المجتهدين معا في موضع التساوي بل عدم إمكانه.

[1]أي: ما شكّ في بدليّته.


صفحه 471

..........

نعم يجوز كونه من قبيل التعيين و التخيير في فردي الكلّي المأمور به، بتقريب: أنّ الواجب على المقلّد تقليد المجتهد، و هو أمر كلّي ذو أفراد، و لذا يحكم العقل بالتخيير عند تعدّد المجتهدين و تساويهما في الفضل و المعرفة، كما يجوز كونه من قبيل التعيين و التخيير في الطريقين و الأمارتين المتعارضتين.

و يشكل الأمر حينئذ من حيث إنّ قضيّة اندراجه في كلّ من القسمين لحوق حكمه به، فيتردّد بين كون الأصل فيه التخيير لأصالة البراءة النافية لاشتراط الأعلميّة، أو التعيين لاشتمال قول الأفضل على ما يحتمل كونه مرجّحا في نظر الشارع فيرجع فيه إلى أصل الشغل اليقيني.

و يمكن الذبّ عنه: بأنّه على تقدير اندراجه في فردي الكلّي المأمور به لا يلحق به حكمه، لما عرفت عند بيان حجج القول باشتراط الأعلميّة من الفرق بين الشكّ في شرطيّة شيء لواجب نفسي يترتّب العقاب على تركه، و الشكّ في شرطيّة شيء لما هو طريق إليه فلا يترتّب العقاب على تركه من حيث هو، و أصل البراءة النافي لاحتمال الشرطيّة إنّما يجري في الأوّل، و الأعلميّة على تقدير الشرطيّة معتبرة في الطريق إلى امتثال أحكام اللّه الّذي لا يترتّب على تركه من حيث هو عقاب و لو مع ثبوت الشرطيّة فكيف مع عدم ثبوتها، بل العقاب إنّما يترتّب على ترك امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال، فلا بدّ من إحراز البراءة فيه تخلّصا عن العقاب المترتّب على تركه، كما أنّه لا بدّ من تحصيل اليقين بالبراءة عنه دفعا لخوف العقاب عن النفس، و لا يحصل اليقين إلّا بمراعاة الأعلميّة في الطريق، لكون الرجوع إلى الأعلم مبرئا يقينا بخلاف غيره، و هذا ممّا لا وارد عليه من طرف أصل البراءة، فالأصل فيما نحن فيه على كلّ تقدير هو التعيين لا غير.

و ثانيها: إطلاق الأدلّة اللفظيّة الناهضة بوجوب رجوع العامي الجاهل في الفروع إلى العالم الفقيه من الآيات، كآيات السؤال، و النفر، و الكتمان و الروايات مثل قوله(عليه السلام)في خبر الاحتجاج: «و من كان من الفقهاء صائنا لدينه، حافظا لنفسه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه».

و قوله(عليه السلام)في التوقيع: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة اللّه عليهم».

و قوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل».


صفحه 472

..........

و قوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أيضا في الخبر العامي: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» بتقريب:

أنّ أهل الذكر في آية السؤال مطلق في الفاضل و الأفضل و المفضول و هو يقتضي التخيير، خصوصا مع ملاحظة أنّ الغالب في أهل العلم تفاوت مراتبهم و اختلاف مدارجهم في الفضل و المعرفة، و إنّ مساواة اثنين منهم من جميع الجهات في غاية القلّة، بل لك أن تقول: إنّ الأمر بالرجوع إلى الطائفة المختلفة الآحاد في المراتب و الآراء بنفسه دليل على اشتراك الجميع في مصلحة الرجوع، و كذلك الأمر بإنذار المتفقّهين و إيجاب الحذر عقيب إنذار المنذرين مع جريان العادة بتفاوت مراتبهم، فإنّه بإطلاقه يدلّ على وجوب قبول إنذار المنذر سواء كان فاضلا أو مفضولا، و هكذا يقرّر الإطلاق في باقي المذكورات، بل بعضها عامّ اصولي يتناول الفاضل و المفضول على حدّ سواء.

و الجواب عن ذلك- بعد تسليم نهوض دلالاتها و اعتبار أسانيد الروايات منها-: أنّ إطلاقاتها ليست متعرّضة لمقام الأعلميّة بإثبات و لا بنفي، بل إنّما هي مسوقة لبيان المرجعيّة و إعطاء الحجّية الذاتيّة، و لا ينافيها اشتراط الأعلميّة على القول به في صورة الاختلاف، إذ ليس مرجعه إلى نفي المرجعيّة عن غير الأعلم و نفي حجّية قوله، بل إلى بيان المانع كما نبّهنا عليه سابقا، فعدم جواز الرجوع إلى غير الأعلم مع الأعلم ليس لفقده مقتضي الجواز و هو الحجّية الذاتيّة بل لوجود المانع.

و من المعلوم أنّ كون الأعلم مانعا من الرجوع إليه لا ينافي حجّية قوله المقتضية لوجوب الرجوع إليه على تقدير فقد الأعلم، لوضوح أنّ عدم المانع ليس جزءا للمقتضي، فمعنى كون الأعلميّة شرطا إنّ عدمها ممّا يتوقّف عليه جواز الرجوع إلى غير الأعلم، لا أنّ وجودها ممّا يتوقّف عليه جواز الرجوع إلى الأعلم.

و بالجملة لوجودها مدخليّة في العدم كما هو ضابط المانعيّة، لا أنّ له مدخليّة في الوجود على ما هو ضابط الشرطيّة.

غاية الأمر أنّ في إطلاق الشرط عليها مسامحة، و لذا لا يلزم بدليل اشتراطها لها تخصيص في الإطلاقات المذكورة، ألا ترى لو قيل لمريض يحتاج إلى العلاج: «ارجع إلى الأطبّاء» و رجع إليهم فحصل الاختلاف بينهم في المعالجة إلى أن حصل له التحيّر لاختلافهم، ثمّ قيل له: «اعمل بقول أفضلهم و أكملهم» لم يناقض ذلك القول للقول الأوّل عرفا، و ليس إلّا من جهة أنّ القول الأوّل ساكت عن مقام التعارض، و أنّه ليس إلّا لمجرّد بيان مرجعيّة


صفحه 473

..........

الأطبّاء، و مرجعيّة المفضول منهم لوجود المقتضي فيه لا ينافيها عدم الرجوع إليه لمانع و هو وجود الأفضل.

هذا مضافا إلى منع اندراج موضوع المسألة في تلك الإطلاقات المفروض تناولها للأعلم و غير الأعلم- على تقدير تسليمه- من جهة اخرى، و ذلك لأنّ موضوع المسألة المتنازع فيه إنّما هو المجتهدان المتفاضلان المختلفان في الرأي، فيعتبر فيه مع التفاوت في الفضل اختلافهما في الرأي، و الآيات المذكورة مع الأخبار من الخطابات الشفاهيّة فيكون بحسب المورد مخصوصة بالموجودين في زمن الخطاب في أصحاب الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة، و تفاوت مراتبهم في الفضل و الأعلميّة و إن كان بمقتضى العادة معلوما، إلّا أنّ اختلافهم في الآراء و المسائل غير معلوم إن لم نقل بمعلوميّة خلافه، و لا أقلّ من دعوى غلبة الموافقة فيكون المطلقات واردة مورد الغالب فلا تنصرف إلى النادر، فعلى المستدلّ بإطلاقها أو عمومها إثبات المخالفة أوّلا، و منع غلبة الموافقة ثانيا، و أنّى له بذلك؟

و ثالثها: لو لم يكن المفضول قابلا للتقليد لزم مساواة العالم للجاهل، و اللازم باطل لآية نفي المساواة[1]فكذا الملزوم، و بيان الملازمة: أنّ العامي غير قابل للتقليد إجماعا، و المفروض مشاركة العالم المفضول معه في ذلك، فيلزم ما ذكر.

و فيه مع إمكان قلبه بما يكون نتيجته لزوم تقليد الأعلم كما تقدّم بيانه في حجج القول به ما عرفت من وجوه الفساد ثمّة.

و رابعها: ما أشار إليه بعض الفضلاء من أنّه: «لو لا جواز تقليد المفضول لم يجز لمعاصري الأئمّة(عليهم السلام)أخذ المسائل من فضلاء أصحابهم مع حضورهم، لكونهم أفضل من أصحابهم بمراتب شتّى، و اللازم باطل فكذا الملزوم».

و الجواب: منع الملازمة، لعدم العلم بمخالفة أصحاب الأئمّة لهم في الفتاوى، بل المعلوم خلافه، مع أنّ العلم بمخالفة الإمام يوجب القطع ببطلان الفتوى رأسا، و لم يعهد من أحد تجويز التقليد مع العلم ببطلان الفتوى، بل هذا غير جائز إجماعا و لو مع أفضليّة المفتي.

و خامسها: السيرة المستمرّة بين أهل التقليد من السلف إلى زماننا هذا، لوضوح أنّ عوام كلّ عصر في كلّ مصر من يومنا إلى زمن الأئمّة(عليهم السلام)لم يكونوا ملتزمين بطالب الأعلم، و لا مسافرين إلى أطراف البلاد و جوانبها في تحصيل الأفضل، بل كانوا آخذين

[1]و هي قوله تعالى: «هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون».


صفحه 474

..........

بقول كلّ فقيه جامع لشرائط الإفتاء من دون مراعاة الأعلميّة مع غلبة تفاوت مراتب الفهم و الفضل في طائفة الفقهاء و المجتهدين و الرواة و المحدّثين، و لم ينقل من الأئمّة(عليهم السلام)و لا الصحابة و لا التابعين الإنكار عليهم.

و الجواب: منع تحقّق السيرة على وجه تكشف عن رأي المعصوم و رضاه بالرجوع إلى المفضول مع وجود الأفضل في صورة العلم بالمخالفة لا في زمن الأئمّة، و لا في الأزمنة المتأخّرة إلى زماننا.

هذا، أمّا في الأوّل: فلأنّ مخالفة أصحاب النبيّ و الأئمّة بعضهم بعضا في المسائل على تقدير تسليم وجودها كانت نادرة، و العلم بها مع ذلك كان أندر، فلم يثبت ثمّة رجوع المقلّدين منهم إلى المفضولين في صورة المخالفة مع العلم بها.

و أمّا في الثاني: فلأنّ المقلّدين في الأزمنة المتأخّرة على أنحاء، منهم من يتحرّى في طلب الأعلم تقليدا لمجتهد أوجب تقليد الأعلم، و منهم من يتحرّى في طلبه احتياطا لغاية تقواه و ورعه في الدين، و منهم من يأخذ من غير الأعلم تقليدا لمجتهد لم يوجب تقليد الأعلم، و منهم من يأخذ من كلّ مجتهد من دون مراعاة الأعلم لتسامحه و قلّة مبالاته في الدين، فأيّ سيرة مع ذلك يتمسّك بها لنفي اعتبار الأعلميّة؟

و سادسها: لزوم العسر و الحرج في الاقتصار على تقليد الأفضل، سيّما إذا اريد به من كان أفضل أهل عصر المقلّد لا خصوص أفضل بلده كما لعلّه الظاهر من كلام المانعين من تقليد المفضول مع وجوب الأفضل.

و يمكن المناقشة فيه تارة: بمنع الصغرى، و اخرى: بمنع الكبرى.

أمّا الأوّل: فلأنّ العسر المتوهّم لزومه من وجوب الاقتصار على تقليد الأعلم إن اريد به ما يتضمّنه إحراز الأعلميّة بتقريب: أنّها من الامور الباطنيّة و الصفات النفسيّة فيعسر الاطّلاع عليها على تقدير الشكّ في وجود الأعلم من باب الشكّ في حدوث الأعلميّة لبعض المجتهدين.

ففيه أوّلا: أنّ أعلميّة المجتهد ليست إلّا كاجتهاده، و كما أنّ اجتهاده ممّا يمكن إحرازه من دون عسر و حرج فكذلك أعلميّته بعد الفراغ عن إحراز اجتهاده، و حلّه: أنّ الأعلميّة كالاجتهاد موضوع من الموضوعات الخارجيّة المعروفة يمكن إحرازها بالرجوع إلى أهل الخبرة و غيره.


صفحه 475

..........

و ثانيا: أنّ مرجع القول باعتبار الأعلميّة إلى ترجيح أعلم المجتهدين على غيره، على أنّ الأعلميّة من قبيل المانع فيؤثّر في منع تقليد غير الأعلم في صورة العلم بوجود الأعلم، و أمّا صورة الشكّ فيكفي في الحكم بجواز تقليد كلّ مجتهد مجرّد عدم العلم بوجوده.

غاية الأمر مسيس الحاجة إلى التمسّك بأصالة عدم حدوث الأعلميّة، لا على أنّها من قبيل الشرط الّذي لو لا إحرازه في موضوع الشكّ لم يجز تقليد أحد كأصل الاجتهاد ليؤدّي وجوب إحرازها إلى العسر و الحرج.

و ثالثا: أنّها على تقدير كونها من قبيل الشرط فالعسر اللازم من إحرازها على فرض تسليمه إنّما يلزم لو وجب إحرازها بطريق العلم لا مطلقا حتّى على تقدير الاكتفاء فيه بالظنّ المطلق، فنفيه إنّما ينتج نفي اعتبار العلم في إحرازها لا نفي اعتبارها رأسا، فيجوز الاكتفاء في إحرازها بالظنّ مطلقا كما لعلّه الأظهر، بناء على الفرق بينها و بين أصل الاجتهاد بلزوم العلم أو ما يقوم مقامه في الثاني و كفاية الظنّ في الأوّل كما سنقرّره.

و إن اريد به ما يتضمّنه تشخيص الأعلم عن غيره، أعني معرفة شخصه بعد العلم بوجوده إجمالا و الجهل بشخصه من باب العلم بحدوث الأعلميّة و الشكّ في الحادث، بتقريب: أنّ الغالب في العلماء و المجتهدين تفاوت مراتبهم قوّة و ضعفا فيعسر تشخيص الأعلم عن غيره مع كون المعتبر منه الأعلم المطلق لا مطلق الأعلم حتّى الإضافي منه، لأنّه كلّما علم في مجتهد كونه أعلم من غيره فيحتمل وجود مجتهد ثالث أعلم من هذا الأعلم و هكذا، و مرجعه إلى عسر العلم بالأعلم المطلق الّذي هو أعلم الكلّ.

ففيه: أنّ الأعلم يعرف حينئذ بالرجوع إلى أهل الخبرة أيضا من دون عسر خصوصا مع البناء على كفاية مطلق الظنّ فيه، و مع اختلاف أهل [الخبرة] يتبع أقوى الظنّين.

و إن اريد به ما يتضمّنه الرجوع إلى الأعلم بعد معرفته و الأخذ بفتاويه، بتقريب: أنّه لا يتيسّر لكلّ أحد حتّى البلدان النائية.

ففيه: أنّ الرجوع إلى الأعلم و كذلك تشخيصه عند القائلين بوجوبه يتقدّر بقدر الإمكان الغير البالغ حدّ العسر و الحرج، فإن اقتدر المكلّف على الأخذ بفتاوى الأعلم المطلق بلا واسطة أو بواسطة رواية العدول عنه أو بواسطة رسائله من غير عسر- كما هو الغالب بعد فتح باب قبول الرواية و عدم اعتبار المشافهة، أو فتح باب تأليف الرسائل و حملها إلى البلدان النائية- تعيّن ذلك، و إلّا وجب الرجوع إليه مع مراعاة الأعلم فالأعلم، بناء على أنّ المراد