بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 478

..........

ثابتا بالإجماع أو النصّ أو دليل آخر و كون استنادهم إلى القاعدة من باب تأييد الدليل لمجرد اتّفاق موافقة ذلك الدليل لها و لو في الجملة من دون [أن يكون] النفي مستفادا من نفس القاعدة على وجه التأسيس، كما يتّفق نظيره كثيرا بل على وجه الشيوع في الموارد الاخر حيث يثبتون أصل الحكم بالنصّ أو الإجماع. ثمّ يؤيّدونه بأصل أو قاعدة.

و يحتمل أيضا كون استنادهم إلى القاعدة المذكورة بعد الفراغ عن إثبات نفي الحكم على الوجه الكلّي من باب بيان النكتة بعد الوقوع و إبداء الحكمة و لو احتمالا بعد الثبوت، فالأقوى حينئذ في تحقيق القاعدة هو العسر الشخصي لا غير.

و عليه فأحكام الشرع بالقياس إلى العسر الغالبي و العسر النادري على قسمين:

أحدهما: ما يؤدّي إلى العسر و الحرج في بعض الموارد و لو بندرة.

و ثانيهما: ما يؤدّي إليهما في أكثر الموارد و هما متشاركان في وجوب الاقتصار في رفع الحكم على صورة تحقّق العسر و لا يجوز التخطّي عنها إلى غيرها ممّا لا يتحقّق فيه عسر أصلا.

فاتّجه أنّ الأقوى في مسألة الأعلميّة هو الاعتبار و وجوب تقليد الأعلم ما لم يؤدّي إلى العسر و الحرج في مسألة تشخيص الأعلم و لا في مسألة الرجوع إليه بعد معرفة شخصه.

و أمّا التكلّم في صغرى ذلك فالّذي ينبغي الإذعان به على وجه القطع هو لزوم العسر في الجملة و إنكاره مكابرة لا ينبغي الإصغاء إليها.

و أمّا كونه عسرا نادريّا أو أكثريّا أو غالبيّا فلا يهمّنا النظر في تحقيقه، بل و لا يجدينا نفعا بعد نفي اعتبار العسر الأغلبي و التزام العسر الشخصي.

و ينبغي ختم المسألة برسم امور مهمّة:

الأمر الأوّل قد ظهر من تضاعيف المسألة أنّ تقليد الأعلم إنّما يجب عند اختلاف المجتهدين في الرأي و تفاوتهما في الفضل،

فإن علم بالاختلاف و التفاضل في محلّ الابتلاء تفصيلا فلا إشكال في تعيّن الرجوع إلى الأفضل حينئذ، و إن شكّ في أحد الوصفين فإمّا أن يكون هو الاختلاف مع إحراز التفاضل أو التفاضل مع إحراز الاختلاف فالكلام في مقامين:

المقام الأوّل: فيما لو شكّ في الاختلاف فإمّا أن يكون مع العلم الإجمالي به أو لا؟

و على الأوّل فإمّا أن يكون ذلك العلم الإجمالي في محصور أو في غير محصور.


صفحه 479

..........

و على الأوّل فإمّا أن يكون في محلّ الابتلاء أو في غير محلّ الابتلاء كما لو كان في مسائل الحيض أو الحجّ أو الجهاد أو غير ذلك ممّا لا تعلّق له بالمكلّف.

و على الأوّل فإمّا أن يكون فتاوى المفضول على طبق الاحتياط- كأن أفتى بالوجوب أو الحرمة أو النجاسة و الأفضل أفتى بما يضادّها- أو يكون بالعكس فالصور خمس:

الصورة الاولى: و هو الشكّ الغير المجامع للعلم الإجمالي، فقد يقال فيها و في الثانية و الثالثة و هما المجامع له في غير محصور أو في محصور لم يكن محلّا للابتلاء بأنّه لا يتعيّن عليه الرجوع إلى الأعلم و لا يجب عليه الفحص عن الاختلاف، بل يجوز له الأخذ من غير الأعلم بلا فحص للأصل و عدم الدليل على وجوب الفحص، و أصالة عدم المانع نظرا إلى أنّ الاختلاف حيثما تحقّق فهو مانع من الأخذ من غير الأعلم و الأصل في محلّ الشكّ عدمه، و السيرة القطعيّة بين المقلّدين بل سيرة الموجودين في أعصار الأئمّة(عليهم السلام)المأمورين بالأخذ من رجال معلومين من فضلاء أصحابهم كزكريّا بن آدم، و يونس بن عبد الرحمن، و محمّد بن مسلم، و ابن أبي يعفور و أضرابهم، لما علم من سيرتهم كونهم إنّما يرجعون إليهم من دون فحص مع العلم العادي باختلافهم في الفضل.

و فيه: بالنسبة إلى الصورتين الاوليين نظر بل منع، بل الوجه فيهما تعيّن الرجوع إلى الأعلم لعين ما دلّ على اعتبار الأعلميّة و وجوب الرجوع إلى الأعلم و هو قاعدة الاشتغال، لوضوح أنّ الأخذ منه على كلّ تقديري الخلاف و الوفاق في المسائل يوجب اليقين بالخروج عن عهدة الحكم الظاهري، لأنّه بحسب الواقع إمّا معيّن أو أحد فردي الواجب المخيّر فيه، بخلاف الأخذ من غيره لاحتمال الخلاف المانع من الأخذ منه، و التمسّك بأصالة عدم المانع كالتمسّك بالسيرة مخدوش.

أمّا الثاني: فيظهر وجهه بملاحظة ما مرّ في دفع السيرة المتمسّك بها لنفي اعتبار الأعلميّة رأسا.

و أمّا الأوّل: فلامتناع الأصل في مورد الشكّ في الحادث، لعدم رجوع الشكّ في الاختلاف في مفروض المسألة إلى حدوث الخلاف بين المجتهدين، بل إلى الحادث المردّد بين كونه الخلاف أو الوفاق في المسائل، فإنّ الاجتهاد و استنباط الأحكام الناشئ عن الملكة النفسانيّة قد حدث من المجتهدين معا إلّا أنّه بحسب الخارج قد يحصل على وجه الخلاف و قد يحصل على وجه الوفاق فواحد من الوصفين قد حدث يقينا و الشكّ إنّما هو في الحادث


صفحه 480

..........

و هو ممّا لا يمكن تعيينه بالأصل، إمّا لعدم جريانه رأسا كما هو المحقّق، أو لكونه معارضا بمثله إن صحّحنا جريانه.

نعم ربّما يدخل في الوهم كون الشكّ المجامع للعلم الإجمالي في غير محصور- كما هو عنوان الصورة الثانية- من باب الشبهة الغير المحصورة المجمع على عدم حجّية العلم الإجمالي فيها، الباعث على عدم وجوب الاجتناب مطلقا لعدم تنجّز الخطاب بالواقع فيجري فيه أيضا ذلك الحكم الّذي هو أصل في كلّ شبهة غير محصورة، و اللازم من ذلك سقوط احتمال وجوب التعيين بالقياس إلى الأخذ من الأعلم.

و لكن يزيّفه: أنّ الوجه في عدم تأثير العلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة في تنجّز التكليف بالواقع في الشبهة الغير المحصورة- على ما بيّنّاه في محلّه- هو انتفاء شرط تأثيره الّذي هو شرط حجّيته، و هو أحد الأمرين من التمكّن من الامتثال بطريقة الاحتياط، أو التمكّن من العلم التفصيلي الّذي هو أيضا يرجع إلى التمكّن من الامتثال في الشبهة الغير المحصورة، بخلاف ما نحن فيه لتحقّق شرط التأثير فيه و هو التمكّن من الامتثال بواسطة الاحتياط الّذي يحصل في مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير بالأخذ بمحتمل التعيين، لكونه مبرئا للذمّة و مخرجا عن العهدة يقينا على كلّ التقديرين حسبما بيّنّاه، فالوجه في الصورتين أحد الأمرين من الفحص إحرازا للموافقة الّذي هو مناط التخيير أو الرجوع إلى الأعلم لا غير، و كذلك الحكم في الصورة الخامسة و هو الشكّ المجامع للعلم الإجمالي في محصور هو من محلّ الابتلاء مع مطابقة فتاويه الاحتياط فلا وجه للتأمّل في حكمه.

نعم ينبغي القطع بالتخيير و جواز الأخذ من غير الأعلم بلا فصل في الصورة الثالثة و الرابعة.

أمّا الاولى: فلفرض انتفاء الخلاف في محلّ الابتلاء الّذي هو محلّ التقليد لا غير، فلا مانع من الرجوع إلى غير الأعلم.

و أمّا الثانية فلأنّ الاختلاف المعلوم بالإجمال في محلّ الابتلاء هنا مع مطابقة فتاوى غير الأعلم للاحتياط لا يصلح مانعا من الرجوع إلى غير الأعلم مطلقا إلّا باعتبار لزومه المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي.

و يدفعه: أنّ مخالفة العلم الإجمالي- على ما قرّر في محلّه- إنّما يقبح عقلا إذا كانت عمليّة و هي هنا التزاميّة و لا قبح فيها، و ذلك لأنّ الالتزام بالوجوب أو الحرمة أو النجاسة


صفحه 481

..........

حسبما أفتى به غير الأعلم على تقدير الرجوع إليه يستلزم دوام اختيار الفعل و دوام اختيار الترك أو الاجتناب و هو لا ينافي الاستحباب و عدم الوجوب و الإباحة و الكراهة و الطهارة حسبما أفتى به الأعلم عملا، لأنّ دوام اختيار الفعل أو الترك أو الاجتناب لا ينافي عدم وجوب غير الواجب و إباحة المباح و كراهة المكروه و طهارة الطاهر كما هو واضح.

ثمّ بعد البناء على التخيير في هاتين الصورتين فله أن يأخذ بفتاوى الأعلم على وجه الاستناد إليه، و أن يأخذ بفتاوى غير الأعلم على وجه الاستناد إليه، و أن يأخذ بالحكم المفتى به من دون استناد إلى الأعلم و لا إلى غير الأعلم، لأنّ الاستناد إلى المفتي بعد الأخذ بفتواه لا مدخليّة له في صحّة التقليد وجودا و عدما إجماعا، و يدلّ عليه أيضا فحوى ما دلّ على صحّة أعمال الجاهل عند مطابقتها فتوى المجتهد الّذي يجب عليه الرجوع إليه حين الالتفات و التفطّن، هذا.

المقام الثاني: فيما لو شكّ في التفاضل إمّا باعتبار الشكّ في الحادث بعد العلم الإجمالي بحدوث الأعلميّة الّتي هي مزيّة في أحد المجتهدين مع الجهل بمحلّها، أو باعتبار الشكّ في الحدوث،

فهاهنا أيضا مرحلتان:

المرحلة الاولى: فيما علم كون أحد المجتهدين أعلم و لم يعلم أيّهما هو؟ و لا إشكال بل الظاهر أنّه لا خلاف عند القائلين بالمختار في وجوب الفحص لتشخيص الأعلم مقدّمة للرجوع إليه، و إذا فحص ففحصه إمّا أن لا يؤدّيه إلى العلم و لا الظنّ به، أو يؤدّيه إلى العلم به، أو الظنّ به بالعثور على أمارة ظنّية لم يقم دليل على اعتبارها بالخصوص.

ففي الصورة الاولى تخيّر في الرجوع إليهما، لاستقلال العقل بالحكم بالتخيير هنا كما في صورة التساوي، حذرا عن التكليف بما لا يطاق و الترجيح من غير مرجّح، و لا يمنعه من الحكم به احتمال مرجعيّة الاحتياط، لسقوط احتمال وجوب العمل به ابتداء بتعذّره أو تعسّره أو قيام الإجماع عليه، كيف و لو لا سدّ باب الاحتياط- على ما علم من تقرير دليل الانسداد- لم ينفتح باب مشروعيّة التقليد للعامي، كما أنّه لو لا سدّ بابه لم ينفتح باب العمل بالظنّ الاجتهادي للمجتهد، فبعد سقوط اعتبار الاحتياط لا يبقى عند العقل في محلّ البحث إلّا احتمالا التعيين أو التخيير، و الأوّل باطل بما عرفت فتعيّن الثاني.

و في الصورة الثانية يتعيّن الرجوع إلى معلوم الأعلميّة، و وجهه واضح.

و أمّا الصورة الثالثة فالوجه فيها تعيّن الرجوع إلى مظنون الأعلميّة لعين ما دلّ على


صفحه 482

..........

وجوب تقليد الأعلم أعني أصالة الاشتغال، ضرورة أنّ الأخذ بفتواه يوجب يقين الخروج من عهدة الحكم الظاهري و هو وجوب الرجوع إلى المجتهد في امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال، و مرجعه إلى كونه مبرئ يقينا للذمّة بخلاف الأخذ بفتوى موهوم الأعلميّة.

لا يقال: إنّ هذا إنّما يتمّ فيما لو دار الأمر بين التعيين و التخيير و هو هنا محلّ منع، بل الواجب على التعيين- و هو تقليد الأعلم الواقعي- مشتبه و مردّد بين مظنون الأعلميّة و موهومها و لا مجرى معه لقاعدة الاشتغال.

لأنّا نقول أوّلا: قد ذكرنا سابقا أنّ الأمارتين المتعارضتين إذا اشتمل إحداهما على ما يحتمل كونه مرجّحا في نظر الشارع فلا يحكم العقل فيه بالتخيير بل بالتعيين من جهة قاعدة الاشتغال.

و ثانيا: أنّ الأمر هاهنا أيضا دائر بين التعيين و التخيير، بتقريب: أنّه لا يدرى أنّ المظنون هل هو كالمشكوك؟ بناء على أنّ الظنّ المفروض فيه كالشكّ في عدم الاعتبار عند الشارع فيلحقه حكمه من التخيير، أو أنّه كالمعلوم بناء على أنّ الظنّ هنا كالعلم فيلحقه حكمه من التعيين؟ و هذا هو معنى دوران الأمر فيه بين التعيين و التخيير.

المرحلة الثانية: فيما شكّ في أصل الأعلميّة من دون علم إجمالي، و حيث إنّها أمر وجودي يشكّ في حدوثه و الأصل ينفيه فالمتّجه هاهنا جواز تقليد كلّ من المجتهدين بعد إعمال أصالة عدم الأعلميّة، لأنّه إذا نفى احتمال الأعلميّة عن كلّ من المجتهدين يترتّب عليه حكم التساوي و هو التخيير، و لا يزاحمه أصالة الاشتغال هاهنا لورود الأصل الموضوعي عليها، و لا يعارض بأصالة عدم التساوي إذ ليس الشكّ في أنّ أحدهما بعد ما علم نقصه بالقياس إلى الآخر هل بلغ صاحبه في الكمال أو لا؟ ليحكم بعدمه بأصالة عدم التساوي، بل الكلام في حصول مزيّة لأحد المجتهدين بعد حصول أصل الاجتهاد الّذي هو جهة مشتركة بينهما.

و لا ريب أنّ الأصل في نحوه يقتضي العدم، لا بمعنى أنّه يثبت به التساوي ليخدشه بطلان الاصول المثبتة، بل بمعنى أنّه يترتّب عليه آثار عدم الأعلميّة و أحكامه الّتي منها التخيير، هذا.

و لكن قد يستشكل الأمر بملاحظة أنّ قضيّة ما دلّ على وجوب تقليد الأعلم وجوب الأخذ بما هو أقرب إلى الواقع و الأصل لا يفيد الأقربيّة الواقعيّة، و نظيره أنّهم لا يجيزون


صفحه 483

..........

العمل بخبر مجهول الحال تمسّكا بأصالة عدم الفسق، لمكان التعليل الوارد في آية النبأ المقتضي لاشتراط العمل بخبر الواحد بانتفاء الفسق في نفس الأمر و الأصل لا يفيده فلا بدّ من العلم بالعدالة، و هاهنا أيضا لا بدّ من العلم بالأقربيّة الواقعيّة إلى الواقع الّذي لا يكفي فيه الأصل، فلا بدّ من الفحص إحرازا للأعلميّة.

و يمكن الذبّ عنه: بأنّ الدليل إنّما دلّ على وجوب تقليد الأعلم لأنّ فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع، كما أنّ دليل مشروعيّة التقليد للعامي دلّ على وجوبه لأنّ فتوى المجتهد أقرب إلى الواقع في حقّ العامي، و هذه أقربيّة نوعيّة يتساوى فيها جميع أفراد النوع، و الاولى أقربيّة في أحد أفراد النوع زائدة على الأقربيّة المشتركة بينه و بين سائر الأفراد و هي منوطة بالأعلميّة، فإذا نفى احتمال الأعلميّة بالأصل انتفت الأقربيّة الشخصيّة و بقيت الأقربيّة النوعيّة على اقتضائها لجواز الأخذ بفتوى كلّ على وجه التخيير.

و أمّا توهّم المناقشة في الاعتماد على الأصل المذكور بأنّه إنّما يقصد به إثبات التخيير ابتداء من غير فحص، و هذا كيف يجامع ما هم عليه من عدم جواز العمل بالأصل قبل الفحص؟

فيدفعه: اختصاص ذلك بالأحكام و الأعلميّة من الموضوعات و عدم وجوب الفحص بالأصل فيها إجماعي.

و لا يشكل الحال أيضا في العمل به من جهة أنّ التخيير حكم عقلي و المستصحب إذا كان من الموضوعات لا يترتّب عليه الأحكام العقليّة و العاديّة بل يترتّب عليه الأحكام الشرعيّة الّتي ليس منها التخيير المذكور، لأنّ الأعلميّة- على ما بيّنّاه مرارا- مانعة من حكم العقل بالتخيير، و يكفي في حكمه به عدم المانع و إن احرز بالأصل، و المقصود من التمسّك بالأصل إحراز عدم المانع ليحكم فيه العقل بالتخيير لا لانسحاب حكمه السابق.

و السرّ فيه أنّ عدم المانع في موضوع حكم العقل قد يكون شرعيّا كما فيما نحن فيه.

الأمر الثاني [في بيان مفهوم الأعلم]

أنّ المراد بالأعلم في كلمات الأصحاب و موضوع المسألة هل هو الأقوى ملكة لاستنباط المسائل من المبادئ، أو الأكثر استنباطا لها، أو الأكثر علما و حفظا لها على معنى كون معلوماته و محفوظاته أكثر؟ احتمالات، منشأها كون الأعلم وصفا يلحق تارة بالمجتهد باعتبار الفعل و هو المستنبط للأحكام، أو باعتبار الملكة و هو صاحب ملكة الاستنباط،


صفحه 484

..........

و اخرى بالفقيه حالا و هو العالم بالأحكام عن أدلّتها أو ملكة و هو صاحب ملكة العلم بها.

قال السيّد(قدّس سرّه)في المفاتيح: «هل المراد بالأعلم الأكثر حفظا في المسائل، أو الأشدّ قوّة لاستخراجها، أو الأكثر ترجيحا لها، فيه إشكال و لم أجد مصرّحا بشيء ممّا ذكر.

و التحقيق يقتضي الرجوع هنا إلى العرف فكلّ من يطلق عليه عرفا أنّه أعلم يجب الرجوع إليه إن قلنا بوجوب تقليد الأعلم» انتهى، و فيه ما فيه.

و تحقيق المقام: أنّ المعنيين الأخيرين ممّا لا ينبغي بل لا يصحّ تنزيل موضوع المسألة على أحدهما، لأنّ مناط وجوب تقليده- على ما بيّنّاه- إنّما هو الأقربيّة إلى الواقع، على معنى كون فتوى الأعلم نوعا أقرب إلى الواقع، فلا بدّ و أن يحمل الأعلم على ما يلازم الأقربيّة و ليس إلّا المعنى الأوّل، إذ لا مدخليّة لكثرة الاستنباطات و قلّتها و لا لكثرة المحفوظات و قلّتها في الأقربيّة و عدمها، بأن يكون فتوى كلّ من كثر استنباطه أو محفوظاته أقرب إلى الواقع و فتوى كلّ من قلّ استنباطه أو محفوظاته أبعد عن الواقع، بل قد ينعكس الأمر.

نعم كثرة الاستنباط قد تصير سببا لازدياد الملكة شيئا فشيئا، غير أنّها قد تصير أيضا سببا لانتقاصه من حيث إنّها لا تفارق غالبا مسارعة النظر و قلّة التأمّل و هما ممّا يفضي إلى أن يتناقص الملكة شيئا فشيئا إلى حيث ترتفع بالكلّية.

و إنّما الملازم للأقربيّة هو أقوائيّة الملكة الّتي من الكيفيّات النفسانيّة القابلة للتفاضل بالشدّة و الضعف، و علامتها صحّة وصف صاحبها في الفارسية ب«استادتر» في صنعة الاستنباط و استخراج الأحكام من مداركها و فهم الأدلّة بأنواع الدلالات، كما يقال في وصف البنّاء أو النجّار أو الصائغ أو غيره من أرباب الصناعات بالأعلميّة إنّ «فلان كس استادتر است» يريدون به كونه أقوى ملكة في صنعة البناء و النجارة و الصناعة، هذا مضافا إلى أنّه الّذي يساعد عليه أو يناسبه بناء صيغة التفضيل باعتبار وضعها المادّي و الهيئي، فإنّها بالوضع تفيد التفضيل و هو زيادة اتّصاف الذات بالمبدإ حسبما يراد منه عند الإطلاق فيما كان قابلا للتفاضل، و هو تفاوت ما بين فردي المبدأ الحاصل في المفضّل و المفضّل عليه بالشدّة و الضعف أو الكثرة و القلّة، بأن يكون حصوله في أحدهما أشدّ أو أكثر منه في الآخر.

و لا ريب أنّ هذا الضابط يأبى كون المراد به أكثر استنباطا، لعدم كون الاستنباط ممّا يراد من العلم الّذي هو مبدأ الأعلم عند الإطلاق، بخلاف ملكة الاستنباط أو ملكة العلم بالأحكام عن أدلّتها، فإنّ إطلاق «العلم» عليها و «العالم» على صاحبها في العرف عموما


صفحه 485

..........

و خصوصا شائع غاية الشيوع حتّى قيل ببلوغه حدّ الحقيقة.

و أمّا «العلم» بمعنى الإدراك الفعلي و إن كان بناء «أفعل» منه بإرادة أكثريّة حصول المبدأ في المفضّل لا يأباه الضابط المذكور، غير أنّ الأنسب بملاحظة العرف و الانفهام العرفي في الوصف بالأعلم أو الأفضل في سائر الصناعات بالقياس إلى ما يعبّر عنه ب«استادتر» هو اعتبار بنائه من العلم بمعنى الملكة لا غير، فيراد من الأعلم في موضوع المسألة الأقوى ملكة للاستنباط أو العلم بالأحكام لا غير.

و يشهد له أيضا ظاهر الإطلاق فيه أو في مرادفه الوارد في الأخبار، و منه إطلاق «الأفقه» في مقبولة عمر بن حنظلة، و في قوله(عليه السلام): «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» و قوله(عليه السلام): «ربّ حامل فقه إلى آخر هو أفقه منه» لظهوره في إرادة من أجاد في فهم الأخبار و الانتقال إلى مقاصدهم من كلامهم و استخراج الأحكام من مداركها بواسطة كمال المعرفة بوجوه الدلالات من الواضحة و الخفيّة و المطابقة و الالتزام، و التفرقة بين جميع أنواع الالتزامات و اللوازم عرفيّة و عقليّة و شرعيّة و غيرها، مع أنّ المراد بالأعلميّة ما هو كذلك في خصوص الفقه و هو عبارة عن ملكة العلم للأحكام على ما قرّرناه في تعريفه، فالأفقه و الأعلم في الفقه بمعنى.

و أمّا احتمال كونه تفضيلا- بمعنى زيادة الاتّصاف من الشدّة في مقابلة الضعف بالنظر إلى الإدراك الفعلي الملحوظ تارة مع الحكم و اخرى بدونه، مع بلوغه في الأوّل حدّ الجزم و بدونه، مع بلوغه في الأوّل أيضا مرتبة اليقين و بدونه، ليكون صاحب الإدراك مع الحكم أو هو مع بلوغه إلى حدّ الجزم أو هو مع بلوغه إلى مرتبة اليقين أعلم، و صاحب الادراك بدون الحكم أو مع عدم بلوغه إلى حدّ الجزم أو عدم بلوغه إلى مرتبة اليقين غير أعلم- فممّا ينبغي القطع بفساده، لأنّ ذلك ليس من التفاضل بمعنى التفاوت في الشدّة و الضعف، بل هو من الاختلاف الحاصل بتلاحق الفصول المنوّعة على جنس الإدراك، مع أنّه لا مدخليّة لتأكّد الاعتقاد بالجزم أو الثبات في أقربيّته إلى الواقع في نظر غير المعتقد كالمقلّد و نحوه.

الأمر الثالث [في ما يتوقّف عليه الأعلميّة]

بعد ما عرفت أنّ الأعلميّة في عنوان وجوب تقليد الأعلم عبارة عن أقوائيّة ملكة الاستنباط، فاعلم أنّ لتحقّق قوّة ملكة الاستنباط و ازديادها إلى أن تبلغ حدّ الأقوائيّة