..........
حسبما أفتى به غير الأعلم على تقدير الرجوع إليه يستلزم دوام اختيار الفعل و دوام اختيار الترك أو الاجتناب و هو لا ينافي الاستحباب و عدم الوجوب و الإباحة و الكراهة و الطهارة حسبما أفتى به الأعلم عملا، لأنّ دوام اختيار الفعل أو الترك أو الاجتناب لا ينافي عدم وجوب غير الواجب و إباحة المباح و كراهة المكروه و طهارة الطاهر كما هو واضح.
ثمّ بعد البناء على التخيير في هاتين الصورتين فله أن يأخذ بفتاوى الأعلم على وجه الاستناد إليه، و أن يأخذ بفتاوى غير الأعلم على وجه الاستناد إليه، و أن يأخذ بالحكم المفتى به من دون استناد إلى الأعلم و لا إلى غير الأعلم، لأنّ الاستناد إلى المفتي بعد الأخذ بفتواه لا مدخليّة له في صحّة التقليد وجودا و عدما إجماعا، و يدلّ عليه أيضا فحوى ما دلّ على صحّة أعمال الجاهل عند مطابقتها فتوى المجتهد الّذي يجب عليه الرجوع إليه حين الالتفات و التفطّن، هذا.
المقام الثاني: فيما لو شكّ في التفاضل إمّا باعتبار الشكّ في الحادث بعد العلم الإجمالي بحدوث الأعلميّة الّتي هي مزيّة في أحد المجتهدين مع الجهل بمحلّها، أو باعتبار الشكّ في الحدوث،
فهاهنا أيضا مرحلتان:
المرحلة الاولى: فيما علم كون أحد المجتهدين أعلم و لم يعلم أيّهما هو؟ و لا إشكال بل الظاهر أنّه لا خلاف عند القائلين بالمختار في وجوب الفحص لتشخيص الأعلم مقدّمة للرجوع إليه، و إذا فحص ففحصه إمّا أن لا يؤدّيه إلى العلم و لا الظنّ به، أو يؤدّيه إلى العلم به، أو الظنّ به بالعثور على أمارة ظنّية لم يقم دليل على اعتبارها بالخصوص.
ففي الصورة الاولى تخيّر في الرجوع إليهما، لاستقلال العقل بالحكم بالتخيير هنا كما في صورة التساوي، حذرا عن التكليف بما لا يطاق و الترجيح من غير مرجّح، و لا يمنعه من الحكم به احتمال مرجعيّة الاحتياط، لسقوط احتمال وجوب العمل به ابتداء بتعذّره أو تعسّره أو قيام الإجماع عليه، كيف و لو لا سدّ باب الاحتياط- على ما علم من تقرير دليل الانسداد- لم ينفتح باب مشروعيّة التقليد للعامي، كما أنّه لو لا سدّ بابه لم ينفتح باب العمل بالظنّ الاجتهادي للمجتهد، فبعد سقوط اعتبار الاحتياط لا يبقى عند العقل في محلّ البحث إلّا احتمالا التعيين أو التخيير، و الأوّل باطل بما عرفت فتعيّن الثاني.
و في الصورة الثانية يتعيّن الرجوع إلى معلوم الأعلميّة، و وجهه واضح.
و أمّا الصورة الثالثة فالوجه فيها تعيّن الرجوع إلى مظنون الأعلميّة لعين ما دلّ على
..........
وجوب تقليد الأعلم أعني أصالة الاشتغال، ضرورة أنّ الأخذ بفتواه يوجب يقين الخروج من عهدة الحكم الظاهري و هو وجوب الرجوع إلى المجتهد في امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال، و مرجعه إلى كونه مبرئ يقينا للذمّة بخلاف الأخذ بفتوى موهوم الأعلميّة.
لا يقال: إنّ هذا إنّما يتمّ فيما لو دار الأمر بين التعيين و التخيير و هو هنا محلّ منع، بل الواجب على التعيين- و هو تقليد الأعلم الواقعي- مشتبه و مردّد بين مظنون الأعلميّة و موهومها و لا مجرى معه لقاعدة الاشتغال.
لأنّا نقول أوّلا: قد ذكرنا سابقا أنّ الأمارتين المتعارضتين إذا اشتمل إحداهما على ما يحتمل كونه مرجّحا في نظر الشارع فلا يحكم العقل فيه بالتخيير بل بالتعيين من جهة قاعدة الاشتغال.
و ثانيا: أنّ الأمر هاهنا أيضا دائر بين التعيين و التخيير، بتقريب: أنّه لا يدرى أنّ المظنون هل هو كالمشكوك؟ بناء على أنّ الظنّ المفروض فيه كالشكّ في عدم الاعتبار عند الشارع فيلحقه حكمه من التخيير، أو أنّه كالمعلوم بناء على أنّ الظنّ هنا كالعلم فيلحقه حكمه من التعيين؟ و هذا هو معنى دوران الأمر فيه بين التعيين و التخيير.
المرحلة الثانية: فيما شكّ في أصل الأعلميّة من دون علم إجمالي، و حيث إنّها أمر وجودي يشكّ في حدوثه و الأصل ينفيه فالمتّجه هاهنا جواز تقليد كلّ من المجتهدين بعد إعمال أصالة عدم الأعلميّة، لأنّه إذا نفى احتمال الأعلميّة عن كلّ من المجتهدين يترتّب عليه حكم التساوي و هو التخيير، و لا يزاحمه أصالة الاشتغال هاهنا لورود الأصل الموضوعي عليها، و لا يعارض بأصالة عدم التساوي إذ ليس الشكّ في أنّ أحدهما بعد ما علم نقصه بالقياس إلى الآخر هل بلغ صاحبه في الكمال أو لا؟ ليحكم بعدمه بأصالة عدم التساوي، بل الكلام في حصول مزيّة لأحد المجتهدين بعد حصول أصل الاجتهاد الّذي هو جهة مشتركة بينهما.
و لا ريب أنّ الأصل في نحوه يقتضي العدم، لا بمعنى أنّه يثبت به التساوي ليخدشه بطلان الاصول المثبتة، بل بمعنى أنّه يترتّب عليه آثار عدم الأعلميّة و أحكامه الّتي منها التخيير، هذا.
و لكن قد يستشكل الأمر بملاحظة أنّ قضيّة ما دلّ على وجوب تقليد الأعلم وجوب الأخذ بما هو أقرب إلى الواقع و الأصل لا يفيد الأقربيّة الواقعيّة، و نظيره أنّهم لا يجيزون
..........
العمل بخبر مجهول الحال تمسّكا بأصالة عدم الفسق، لمكان التعليل الوارد في آية النبأ المقتضي لاشتراط العمل بخبر الواحد بانتفاء الفسق في نفس الأمر و الأصل لا يفيده فلا بدّ من العلم بالعدالة، و هاهنا أيضا لا بدّ من العلم بالأقربيّة الواقعيّة إلى الواقع الّذي لا يكفي فيه الأصل، فلا بدّ من الفحص إحرازا للأعلميّة.
و يمكن الذبّ عنه: بأنّ الدليل إنّما دلّ على وجوب تقليد الأعلم لأنّ فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع، كما أنّ دليل مشروعيّة التقليد للعامي دلّ على وجوبه لأنّ فتوى المجتهد أقرب إلى الواقع في حقّ العامي، و هذه أقربيّة نوعيّة يتساوى فيها جميع أفراد النوع، و الاولى أقربيّة في أحد أفراد النوع زائدة على الأقربيّة المشتركة بينه و بين سائر الأفراد و هي منوطة بالأعلميّة، فإذا نفى احتمال الأعلميّة بالأصل انتفت الأقربيّة الشخصيّة و بقيت الأقربيّة النوعيّة على اقتضائها لجواز الأخذ بفتوى كلّ على وجه التخيير.
و أمّا توهّم المناقشة في الاعتماد على الأصل المذكور بأنّه إنّما يقصد به إثبات التخيير ابتداء من غير فحص، و هذا كيف يجامع ما هم عليه من عدم جواز العمل بالأصل قبل الفحص؟
فيدفعه: اختصاص ذلك بالأحكام و الأعلميّة من الموضوعات و عدم وجوب الفحص بالأصل فيها إجماعي.
و لا يشكل الحال أيضا في العمل به من جهة أنّ التخيير حكم عقلي و المستصحب إذا كان من الموضوعات لا يترتّب عليه الأحكام العقليّة و العاديّة بل يترتّب عليه الأحكام الشرعيّة الّتي ليس منها التخيير المذكور، لأنّ الأعلميّة- على ما بيّنّاه مرارا- مانعة من حكم العقل بالتخيير، و يكفي في حكمه به عدم المانع و إن احرز بالأصل، و المقصود من التمسّك بالأصل إحراز عدم المانع ليحكم فيه العقل بالتخيير لا لانسحاب حكمه السابق.
و السرّ فيه أنّ عدم المانع في موضوع حكم العقل قد يكون شرعيّا كما فيما نحن فيه.
الأمر الثاني [في بيان مفهوم الأعلم]
أنّ المراد بالأعلم في كلمات الأصحاب و موضوع المسألة هل هو الأقوى ملكة لاستنباط المسائل من المبادئ، أو الأكثر استنباطا لها، أو الأكثر علما و حفظا لها على معنى كون معلوماته و محفوظاته أكثر؟ احتمالات، منشأها كون الأعلم وصفا يلحق تارة بالمجتهد باعتبار الفعل و هو المستنبط للأحكام، أو باعتبار الملكة و هو صاحب ملكة الاستنباط،
..........
و اخرى بالفقيه حالا و هو العالم بالأحكام عن أدلّتها أو ملكة و هو صاحب ملكة العلم بها.
قال السيّد(قدّس سرّه)في المفاتيح: «هل المراد بالأعلم الأكثر حفظا في المسائل، أو الأشدّ قوّة لاستخراجها، أو الأكثر ترجيحا لها، فيه إشكال و لم أجد مصرّحا بشيء ممّا ذكر.
و التحقيق يقتضي الرجوع هنا إلى العرف فكلّ من يطلق عليه عرفا أنّه أعلم يجب الرجوع إليه إن قلنا بوجوب تقليد الأعلم» انتهى، و فيه ما فيه.
و تحقيق المقام: أنّ المعنيين الأخيرين ممّا لا ينبغي بل لا يصحّ تنزيل موضوع المسألة على أحدهما، لأنّ مناط وجوب تقليده- على ما بيّنّاه- إنّما هو الأقربيّة إلى الواقع، على معنى كون فتوى الأعلم نوعا أقرب إلى الواقع، فلا بدّ و أن يحمل الأعلم على ما يلازم الأقربيّة و ليس إلّا المعنى الأوّل، إذ لا مدخليّة لكثرة الاستنباطات و قلّتها و لا لكثرة المحفوظات و قلّتها في الأقربيّة و عدمها، بأن يكون فتوى كلّ من كثر استنباطه أو محفوظاته أقرب إلى الواقع و فتوى كلّ من قلّ استنباطه أو محفوظاته أبعد عن الواقع، بل قد ينعكس الأمر.
نعم كثرة الاستنباط قد تصير سببا لازدياد الملكة شيئا فشيئا، غير أنّها قد تصير أيضا سببا لانتقاصه من حيث إنّها لا تفارق غالبا مسارعة النظر و قلّة التأمّل و هما ممّا يفضي إلى أن يتناقص الملكة شيئا فشيئا إلى حيث ترتفع بالكلّية.
و إنّما الملازم للأقربيّة هو أقوائيّة الملكة الّتي من الكيفيّات النفسانيّة القابلة للتفاضل بالشدّة و الضعف، و علامتها صحّة وصف صاحبها في الفارسية ب«استادتر» في صنعة الاستنباط و استخراج الأحكام من مداركها و فهم الأدلّة بأنواع الدلالات، كما يقال في وصف البنّاء أو النجّار أو الصائغ أو غيره من أرباب الصناعات بالأعلميّة إنّ «فلان كس استادتر است» يريدون به كونه أقوى ملكة في صنعة البناء و النجارة و الصناعة، هذا مضافا إلى أنّه الّذي يساعد عليه أو يناسبه بناء صيغة التفضيل باعتبار وضعها المادّي و الهيئي، فإنّها بالوضع تفيد التفضيل و هو زيادة اتّصاف الذات بالمبدإ حسبما يراد منه عند الإطلاق فيما كان قابلا للتفاضل، و هو تفاوت ما بين فردي المبدأ الحاصل في المفضّل و المفضّل عليه بالشدّة و الضعف أو الكثرة و القلّة، بأن يكون حصوله في أحدهما أشدّ أو أكثر منه في الآخر.
و لا ريب أنّ هذا الضابط يأبى كون المراد به أكثر استنباطا، لعدم كون الاستنباط ممّا يراد من العلم الّذي هو مبدأ الأعلم عند الإطلاق، بخلاف ملكة الاستنباط أو ملكة العلم بالأحكام عن أدلّتها، فإنّ إطلاق «العلم» عليها و «العالم» على صاحبها في العرف عموما
..........
و خصوصا شائع غاية الشيوع حتّى قيل ببلوغه حدّ الحقيقة.
و أمّا «العلم» بمعنى الإدراك الفعلي و إن كان بناء «أفعل» منه بإرادة أكثريّة حصول المبدأ في المفضّل لا يأباه الضابط المذكور، غير أنّ الأنسب بملاحظة العرف و الانفهام العرفي في الوصف بالأعلم أو الأفضل في سائر الصناعات بالقياس إلى ما يعبّر عنه ب«استادتر» هو اعتبار بنائه من العلم بمعنى الملكة لا غير، فيراد من الأعلم في موضوع المسألة الأقوى ملكة للاستنباط أو العلم بالأحكام لا غير.
و يشهد له أيضا ظاهر الإطلاق فيه أو في مرادفه الوارد في الأخبار، و منه إطلاق «الأفقه» في مقبولة عمر بن حنظلة، و في قوله(عليه السلام): «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» و قوله(عليه السلام): «ربّ حامل فقه إلى آخر هو أفقه منه» لظهوره في إرادة من أجاد في فهم الأخبار و الانتقال إلى مقاصدهم من كلامهم و استخراج الأحكام من مداركها بواسطة كمال المعرفة بوجوه الدلالات من الواضحة و الخفيّة و المطابقة و الالتزام، و التفرقة بين جميع أنواع الالتزامات و اللوازم عرفيّة و عقليّة و شرعيّة و غيرها، مع أنّ المراد بالأعلميّة ما هو كذلك في خصوص الفقه و هو عبارة عن ملكة العلم للأحكام على ما قرّرناه في تعريفه، فالأفقه و الأعلم في الفقه بمعنى.
و أمّا احتمال كونه تفضيلا- بمعنى زيادة الاتّصاف من الشدّة في مقابلة الضعف بالنظر إلى الإدراك الفعلي الملحوظ تارة مع الحكم و اخرى بدونه، مع بلوغه في الأوّل حدّ الجزم و بدونه، مع بلوغه في الأوّل أيضا مرتبة اليقين و بدونه، ليكون صاحب الإدراك مع الحكم أو هو مع بلوغه إلى حدّ الجزم أو هو مع بلوغه إلى مرتبة اليقين أعلم، و صاحب الادراك بدون الحكم أو مع عدم بلوغه إلى حدّ الجزم أو عدم بلوغه إلى مرتبة اليقين غير أعلم- فممّا ينبغي القطع بفساده، لأنّ ذلك ليس من التفاضل بمعنى التفاوت في الشدّة و الضعف، بل هو من الاختلاف الحاصل بتلاحق الفصول المنوّعة على جنس الإدراك، مع أنّه لا مدخليّة لتأكّد الاعتقاد بالجزم أو الثبات في أقربيّته إلى الواقع في نظر غير المعتقد كالمقلّد و نحوه.
الأمر الثالث [في ما يتوقّف عليه الأعلميّة]
بعد ما عرفت أنّ الأعلميّة في عنوان وجوب تقليد الأعلم عبارة عن أقوائيّة ملكة الاستنباط، فاعلم أنّ لتحقّق قوّة ملكة الاستنباط و ازديادها إلى أن تبلغ حدّ الأقوائيّة
..........
أسبابا عمدتها المهارة و الأعلميّة في العلوم الّتي هي من مبادئ الفقه و مباني الاجتهاد، كعلم اصول الفقه و العلوم العربيّة من اللغة و النحو و الصرف و علمي الرجال و الميزان، فكلّما يتكامل الإنسان في هذه العلوم و لا سيّما اصول الفقه الّذي عليه مدار استنباط كلّيات الأحكام و جزئيّاتها يتزايد غالبا قوّة الاستنباط.
فالأعلميّة في هذه العلوم لها مدخليّة غالبا في الأعلميّة في الفقه بخلاف العلوم الّتي ليست من مبادئ الفقه و شرائط الاجتهاد كالطبّ و النجوم و الهيئة و الهندسة، فإنّ الأعلميّة فيها لا مدخليّة لها في ازدياد قوّة الاستنباط و الأعلميّة.
نعم هاهنا امور اخر قد يكون لها دخل في الأعلميّة في الفقه- كما نبّه عليه بعض الفضلاء- كقوّة الحفظ و كثرة الضبط و جودة الذهن و شدّة الذكاوة و الفطانة و كثرة التأمّل و التدبّر و كثرة الاطّلاع و الممارسة وسعة الباع في الفكر و التصرّف و اعتدال السليقة و استقامة الذوق و المبالغة في التدقيق و التحقيق و التعميق و أقدميّة الاشتغال و مزيد الاستيناس.
ثمّ إنّ أحد المجتهدين إن كان أعلم في الفقه و في جميع مباديه أو في بعضها مع التساوي في الباقي فلا إشكال، بل هذا أخصّ أفراد الأعلم الّذي يجب تقليده بعينه و أكملها، كما أنّه لو كان أعلم في الفقه خاصّة مع التساوي في المبادئ كلّها لا إشكال أيضا في وجوب تقليده، و إن كان أعلم في العلوم الاخر غير المبادئ مع التساوي في الفقه و مباديه فلا إشكال في التخيير و عدم تأثير لهذه الأعلميّة في منع الرجوع إلى غير الأعلم.
و السرّ فيه عدم تأثير لهذه الأعلميّة في أقربيّة فتواه إلى الواقع الّتي هي مناط وجوب تقليد الأعلم.
و أمّا إذا كان أعلم في المبادئ جميعها أو بعضها مع التساوي في الفقه فهذا و إن بعد تحقّقه إلّا أنّا نتكلّم في حكمه على فرض التحقّق، فهل يجب تقليد الأعلم هنا كما لو كان أعلم في الفقه، أو يتخيّر بينهما كما في الأعلم في غير المبادئ مع التساوي في الفقه؟
احتمالان بل قولان، أو أقوال، أقواها الثاني لانتفاء ما هو مناط وجوب تقليد الأعلم بالفرض و هو أقربيّة الفتوى إلى الواقع، فيحكم العقل فيه بالتخيير لفرض انتفاء ما يمنعه من ذلك الحكم، خلافا لكاشف اللثام و صاحب الإشارات لمصيرهما- على ما حكي- إلى وجوب الأخذ بقول الأعلم، و وجهه غير واضح، بل هو مع فرض المساواة في ملكة الاستنباط ممّا لا وجه له.
..........
و قد يفصّل كما في المفاتيح بما ملخّصه: «أنّ مستند وجوب تقليد الأعلم إن كان لزوم الأخذ بأقوى الظنّين فالقول بلزوم الأخذ بقول الأعلم هنا لا يخلو عن قوّة، لإمكان أن يقال: إنّ الظنّ الحاصل من قول الأعلم هنا أقوى من الظنّ الحاصل من غيره، و إن كان قاعدة الاحتياط و لزوم تحصيل البراءة اليقينيّة فالقول المذكور أيضا لا يخلو عن قوّة، و إن كان الإجماع المنقول و الشهرة العظيمة فالمصير إلى القول المذكور مشكل بل المصير إلى التخيير لا يخلو عن قوّة، لعموم أدلّة مشروعيّة التقليد المقتضي للتخيير في صورة تعدّد المجتهدين.
غاية الأمر أنّه خرج من هذا العموم صورة وجود الأعلم بالإجماع المنقول و الشهرة العظيمة و هما لا يتناولان الأعلم في غير الفقه لانصراف معقدهما إلى الأعلم في الفقه خاصّة».
و فيه ما لا يخفى، لمنع إناطة التقليد بحصول الظنّ للمقلّد من قول المجتهد ليلاحظ فيه الأقوى و غير الأقوى، و لو سلّم فنمنع كون الظنّ من الأعلم في غير الفقه أقوى مع ملاحظة المساواة في الفقه و ملكة الاستنباط، و قاعدة الاحتياط مع فرض المساواة الباعثة للعقل على الحكم بالتخيير غير جارية، لعدم دوران الأمر حينئذ بين التعيين و التخيير.
ثمّ إذا وقع المعارضة بين الأعلميّة في بعض مبادئ الفقه مع فرض تأثيرها في قوّة الاستنباط و ازديادها و الأعلميّة في الآخر فالأعلميّة في الاصول[1]مقدّمة على الأعلميّة فيما عداه، كما أنّ الأعلميّة في الرجال مقدّمة على الأعلميّة في العربيّة و الميزان، و الأعلميّة في العربيّة مقدّمة على الأعلميّة في الميزان، و الضابط تقديم ما هو أكثر دخلا في قوّة الاستنباط على أقلّة، فليتدبّر.
الأمر الرابع [في صور الأورعيّة و حكمها]
إذا كان أحد المجتهدين أورع فله صور:
الاولى: أن يكون مع كونه أورع أعلم، و هذا ممّا لا كلام فيه من حيث وجوب الرجوع إليه بل بطريق أولى، لأنّ زيادة العلم المقتضية لتعيّن تقليده تتأكّد بزيادة الورع.
الثانية: أن يكون الأورع مساويا للآخر في العلم و الفضل، فعن المحقّق في المعارج و العلّامة في النهاية و التهذيب و الشهيدين في الذكرى و الدروس و المقاصد العليّة و المسالك و التمهيد و المحقّق الثاني في الجعفريّة و الشارح العميدي و المازندراني في المنية و شرح الزبدة تعيّن الرجوع إلى الأورع.
[1]أي: علم اصول الفقه.
..........
و ربّما احتمل التخيير كما عن النهاية و شرح الزبدة، لأنّ مناط التقليد و هو العلم و الورع موجود فيهما و لا ترجيح لأحدهما فيما يتعلّق بالاجتهاد الّذي هو العلم.
احتجّوا بوجوه منها: أنّ البراءة اليقينيّة من التكليف بالتقليد الثابت يقينا إنّما تحصل بالرجوع إلى الأورع دون غيره.
و منها: أنّ قوّة الظنّ في جانب الأورع دون غيره، و العمل بأقوى الظنّين واجب.
و منها: حصول الرجحان المقتضي لقبح ترجيح المرجوح عليه، لوضوح أنّ زيادة الورع مزيّة فيه موجبة لرجحانه.
و منها: ما في مقبولة عمر بن حنظلة و رواية داود بن حصين من الأمر بالرجوع إلى أورعهما، و ما في خبر موسى بن اكيل من الأمر بتقديم أعدلهما، بناء على أنّ الأعدل و الأورع هنا بمعنى.
و لا خفاء في ضعف ما عدا الأوّل من الوجوه المذكورة.
و تحقيق المقام بحسب بادئ النظر: أنّ زيادة الورع إذا لم يكن لها تأثير في الملكة و قوّة الاستنباط الّتي عليها مدار التقليد بعد حصول أصل العدالة و لم توجب الأعلميّة بمعنى أقوائيّة ملكة الاستنباط فلم يعقل تأثيره في الحكم المتعلّق بالتقليد، و كونها مزيّة في الأورع لا يقضي برجحانه من حيث مقام الإفتاء و إن كان راجحا في حدّ ذاته، و ذلك كما لو كان المجتهد هاشميّا.
اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ زيادة الورع تدعو صاحبها إلى مزيد الاهتمام في استفراغ الوسع و النظر و التأمّل أزيد من القدر المتعارف المكتفى به عند أهل الاجتهاد، و يلزم منه كون فتواه أقرب إلى الواقع بالنظر إلى فتوى غيره و إن لم توجب أقوائيّة الملكة و ازدياد القوّة.
غاية الأمر أنّ التقريب إلى الواقع له أسباب منها زيادة الورع الباعثة على مزيد الاهتمام في استفراغ الوسع، هذا مضافا إلى أنّها في الأورع مزيّة يحتمل كونها مرجّحة في نظر الشارع، و قد أشرنا سابقا إلى أنّ الأمارتين المتعارضتين إذا اشتمل إحداهما على ما يحتمل كونه مرجّحا في نظر الشارع لا يحكم العقل فيهما بالتخيير، فيدور الأمر حينئذ بين التعيين و التخيير فيرجع إلى أصالة الاشتغال المقتضية للتعيين، فالقول بوجوب الرجوع إلى الأورع لا يخلو عن قوّة بل متعيّن.
الثالثة: أن يتعارض الأورعيّة و الأعلميّة ففي تعيّن الرجوع إلى الأعلم- كما عن