بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 505

..........

و بعده الاستصحاب، و لا بأس بأخذ لزوم الهرج و المرج مؤيّدا له.

ثمّ إنّ ظاهر بعض العبارات كعبارتي النهاية و المنية اعتبار العمل في محلّ النزاع، و قضيّة ذلك أنّه لو أخذ المسألة من المجتهد الأوّل و لم يعمل بها بعد حتّى عدل عنه إلى مجتهد آخر كان ذلك العدول جائزا على القول بالمنع أيضا على تقدير العمل، و مبنى ذلك إمّا على أخذ العمل في مفهوم التقليد فما لم يلحقه عمل ليس تقليدا حتّى يحكم عليه بمنع العدول، أو على كون العمل ملزما للتقليد، فهو مع عدم لحوق العمل ليس بلازم حتّى يمنع من العدول عنه، و لعلّ وجهه عدم لزوم المخالفة القطعيّة العمليّة مع عدم لحوق العمل، و إن كان يلزم المخالفة الالتزاميّة.

و التحقيق: أنّ التقليد ينعقد بدون العمل كما تقدّم في محلّه، و إنّ العمل كما لا مدخليّة له في مفهوم التقليد فكذا لا مدخليّة له في لزومه أيضا كما أشرنا إليه أيضا ثمّة، و عليه فلو أخذ المسألة من مجتهد و التزم بها كان تقليدا لذلك المجتهد و لم يجز العدول عنه إلى غيره مطلقا و إن لم يعمل بها بعد لعموم الأصل و الاستصحاب.

[جواز التبعيض في التقليد]

ثمّ إنّه قد أشرنا إلى أنّ مسألة العدول عن التقليد إنّما بالنسبة إلى المسألة المقلّد فيها، و أمّا المسائل الغير المقلّد فيها ففي جواز الرجوع فيها إلى مجتهد آخر بعد تقليد غيره في غيرها و هو المسمّى بالتبعيض في التقليد خلاف آخر، أشار إلى وجوده في محكيّ المقاصد العليّة و النهاية و المنية، حيث جعل الأوّل الجواز أصحّ الأقوال، و الثاني حكى المنع منه عن بعضهم، و الثالث عزاه إلى قوم، إلّا أنّ الأكثر هنا على الجواز كما نسب إليهم صريحا في المنية.

و حاصل عنوان المسألة أنّه إذا قلّد العامي مجتهدا في حكم مسألة أو أزيد فهل يجوز له تقليد غيره ممّن يساويه في الفضل في بقيّة المسائل الّتي يبتلى بها و يحتاج إلى التقليد فيها أو لا؟ بل يجب تقليد ذلك المجتهد في جميع المسائل فالأكثر إلى الأوّل و هو المعتمد.

لنا: وجود المقتضي و انتفاء المانع.

أمّا الأوّل: فهو الحجّية الذاتيّة لقول كلّ من المجتهدين الثابتة من إطلاق أدلّة مشروعيّة التقليد و عمومها، و لذا يحكم العقل فيه مع تعدّد المجتهدين و تساويهم بالتخيير من غير اختصاص له بفتوى كلّ [من المجتهدين] في جميع المسائل، بل عمومه له و لفتوى البعض في بعض المسائل و فتوى البعض في البعض الباقي، و إلى ذلك ينظر استدلال المجوّزين بأنّ كلّ مسألة لها حكم مختصّ بها، فكما لم يتعيّن في المسألة الاولى اتّباع شخص معيّن بل


صفحه 506

..........

كان مخيّرا في اتّباع من شاء فكذا في كلّ المسائل لعدم الفرق بينهما.

و عليه مبنى ما استدلّ به أيضا من أنّ علماء الأمصار في كلّ عصر لم يوجبوا على من استفتاهم في حكم الرجوع إليهم في جميع الأحكام.

و أمّا الثاني: فلأنّ المانع إن كان هو الجمع بين تقليدي المجتهدين على وجه التوزيع باعتبار ذاته فهو غير صحيح، إذ لا يعقل مانعيّة لذلك.

و إن كان هو الجمع المذكور باعتبار لازمه و هو بطلان الأعمال الواقعة على طبق التقليدين عند المجتهدين، لأنّ صحّتها في كلّ من العبادات و المعاملات عند كلّ مجتهد منوطة بموافقة ما ظنّه و رأيه في جميع مسائل كلّ عمل، فلا بدّ في إحراز صحّة كلّ عمل عند كلّ مجتهد من مراعاة تلك الموافقة، و الجمع بين تقليديهما الّذي هو التبعيض يوجب مخالفة كلّ عمل لرأي كلّ مجتهد في بعض مسائله، و هو يوجب بطلان الكلّ عند كلّ، فهما متّفقان على بطلان الأعمال كلّها، و قضيّة ذلك هو المنع من التبعيض.

ففيه: النقض بما لو رجع المقلّد في جميع المسائل إلى مجتهد ثالث يوافق أحد المجتهدين في بعض المسائل و للآخر في البعض الباقي، فإنّ قضيّة ما ذكر بطلان أعماله عند كلّ منهما و لم يقل به أحد.

و الحلّ: أنّ البطلان الّذي يظنّ كلّ مجتهد في العمل المخالف لرأيه في جميع المسائل أو بعضها ليس هو البطلان الواقعي، بل هو عبارة عن البطلان الظاهري بالقياس إلى نفسه و إلى من يقلّده، بمعنى أنّه لو أتى بالعمل المخالف لرأيه كان باطلا و كذلك مقلّده، و هو لا تنافي الصحّة الظاهريّة بالنسبة إلى مجتهد آخر و مقلّده.

و السرّ فيه: أنّ ما ظنّه كلّ مجتهد حكم ظاهري في حقّه و حقّ مقلّديه، و الموافقة للحكم الظاهري لا يقتضي إلّا الصحّة الظاهريّة، فالعمل الموافق لرأي كلّ مجتهد صحيح عنده في الظاهر بحسب ظنّه و لذا جاز لكلّ مجتهد تجويز تقليد غيره.

و قضيّة ذلك اتّفاق المجتهدين على الصحّة الظاهريّة في العمل الموافق لرأي أحدهما في بعض المسائل و لرأي صاحبه في البعض الآخر لموافقته الحكم الظاهري في كلّ مسألة، إذا المفروض عدم ارتباط الأحكام الظاهريّة بعضها ببعض حتّى يعتبر في إحراز الصحّة الظاهريّة في نظر كلّ مجتهد موافقة رأيه في الجميع.

ثمّ إنّه يشترط في جواز التبعيض امور:


صفحه 507

..........

أحدها: ما ظهر من تضاعيف البحث و هو تعدّد المسألة و لا يكفي فيه تعدّد الواقعة مع وحدة المسألة، و ضابط وحدة المسألة أن يكون مدركها حسبما رآه المجتهد واحدا، و تشخيصه في نظر المقلّد يحصل بالعنوان الّذي علّق عليه الحكم في فتوى المجتهد و إن كان ذلك العنوان أمرا كلّيّا تحته فردان أو أكثر، و عليه فلا يجوز التبعيض في نحوه بأن يقلّد مجتهدا في فرد من هذا الكلّي و في الفرد الآخر غيره، و ذلك كما لو أفتى مجتهد بنجاسة الكافر فعمل بها المقلّد في اليهود في محلّ الابتلاء و لم يعمل في المجوس لعدم ابتلائه به إلى زمان فحصل الابتلاء به و حينئذ فلا يجوز له الرجوع إلى مجتهد يفتي بطهارة المجوس، لكونه مخالفة للتقليد لأنّه قلّد المجتهد الأوّل في نجاسة اليهود باعتبار كونه كافرا فهو قلّده في نجاسة الكافر و هو يعمّ المجوس أيضا.

و بالجملة يجب عليه الأخذ في المجوس بمقتضى فتوى الأوّل، لأنّ نجاسة المجوس مع نجاسة اليهود من مسألة واحدة تعدّد أفرادها، فلا يجوز العدول فيها عن التقليد في بعض الأفراد.

نعم لو فرض أنّ مجتهدا أفتى بنجاسة اليهود لخصوصيّة فيه و نجاسة المجوس أيضا لخصوصيّة اخرى فيه لا لكونهما كافرين و أفتى مجتهد آخر بطهارة المجوس لخصوص أنّه مجوس فالظاهر جواز تقليد الأوّل في نجاسة اليهود و تقليد الثاني في طهارة المجوس، لوضوح كون مثل ذلك من تعدّد المسألة لعدم كون الحكم عندهما معلّقا على الجامع بينهما و هو الكفر، فلو أفتى المجتهد الأوّل بعبارة مجملة مردّدة بين كونها من باب الأوّل أو من قبيل الثاني فمقتضى الاحتياط الاقتصار على تقليده في جميع الفروض و عدم الرجوع إلى غيره في بعضها.

و ثانيها: أن لا يكون المسألتان ممّا اتّفق المجتهدان على بطلان العمل المخالف لهما في الواقع، كما لو أفتى أحد المجتهدين بوجوب السورة في الصلاة دون التسليمة و المجتهد الآخر بوجوب التسليمة دون السورة مع اتّفاق الفريقين على وجوب شيء فيها في الواقع اختلفا في تعيينه، فلا يجوز للمصلّي أن يرجع في عدم وجوب التسليمة إلى الأوّل و في عدم وجوب السورة إلى الثاني فيصلّي بلا سورة و تسليمة، لاتّفاق الفريقين على بطلان نحو هذه الصلاة في الواقع.

نعم لو أفتى أحدهما بوجوب السورة دون التسليمة مع احتماله عدم وجوب السورة


صفحه 508

..........

أيضا، و الآخر بوجوب التسليمة دون السورة مع احتماله لعدم وجوب التسليمة أيضا، كان التبعيض بموافقة الأوّل في عدم وجوب التسليمة و الثاني في عدم وجوب السورة جائزا.

و توهّم عدم الجواز مطلقا استنادا إلى لزوم المخالفة القطعيّة كما ترى، لعدم مخالفة للحكم الواقعي بعنوان القطع فيما لم يتّفقا باشتراط الصحّة الواقعيّة بأحد الأمرين، و المخالفة للحكم الظاهري- على ما بيّنّاه سابقا- غير ضائر في الصحّة الظاهريّة اللازمة من موافقة كلّ مجتهد في مسألة.

و ثالثها: أن لا يكون بين المسألتين ملازمة شرعيّة أثبتها الأدلّة الشرعيّة، فلو أفتى أحدهما في المسير إلى أربعة فراسخ بوجوب القصر في الصلاة و وجوب الإفطار في الصوم، و الآخر بعدم جواز القصر و الإفطار معا لملازمة شرعيّة بين القصر و الإفطار في الحكم من حيث الوجوب و عدم الجواز، لا يجوز للمقلّد أن يرجع إلى أحدهما في وجوب القصر و إلى الآخر في عدم جواز الإفطار أو بالعكس، لكونه مخالفة للملازمة الشرعيّة و طرحا للأدلّة المثبتة لها و عليه، فلو أفتى أحدهما بوجوب قصر الصلاة على المسافر بمسير المسافة الشرعيّة من حدّ الترخّص ثمّ أفتى في باب الصوم بوجوب الإفطار بمسير ثمانية فراسخ من حدّ الترخّص، فإن علم كون ذلك منه تحديدا للمسافة الشرعيّة فالمتّجه عدم جواز التبعيض فيه بتقليد المجتهد الأوّل في المسألة الاولى و تقليد المجتهد الآخر المخالف له في الرأي في المسألة الثانية، و إن لم يعلم ذلك بل احتمل كون الثاني حكما خاصّا بصوم المسافر لا أنّ ما ذكر تحديدا للمسافة الشرعيّة المعلّق عليها الحكم في قصر الصلاة و إفطار الصوم جاز التبعيض.

تذنيب [فيما إذا اشتبه الحال في المسائل المقلّد فيها]

في مسألة تتفرّع على مختارنا في المسألتين المتقدّمتين و المسألة الآتية من جواز التبعيض في التقليد و عدم جواز العدول من تقليد الحيّ و وجوب العدول عن تقليد الميّت و هي: أنّه ربّما يشتبه الحال في المسائل المقلّد فيها على وجه التبعيض بعد موت أحد المجتهدين اللذين قلّدهما على الوجه المذكور إذا تردّدت بين كون التقليد الحاصل فيها تقليدا لمن مات منهما ليجب عليه العدول إلى الحيّ أو تقليدا لمن هو حيّ ليحرم عليه العدول، فالأمر يدور بين المحذورين.


صفحه 509

..........

فالوجه فيه البناء في تلك المسائل على تقليد ذلك المجتهد الحيّ الّذي هو أحد المجتهدين إن تمكّن من استعلام رأيه فيها، فإن كان هو الّذي قلّده أوّلا كان ذلك بقاء على تقليده و إلّا كان عدولا عن تقليد الميّت إلى الحيّ و لا محذور في شيء من ذلك.

نعم لو كان ناسيا لحكم المسائل المقلّد فيها و لم يتمكّن من استعلام رأي الحيّ أو كان ذاكرا له و لكن لا يعلم أنّه على حسب رأي الميّت أو على حسب رأي الحيّ و لم يتمكّن من استعلام رأيهما الآن فلم يكن له مندوحة من الرجوع إلى مجتهد ثالث، و حينئذ فمقتضى القاعدة هو وجوب العدول ترجيحا لدليله- و هو الإجماع المنقول على عدم جواز تقليد الميّت المتناول الاستدامة- على دليل البقاء و هو الأصل المانع من العدول عن التقليد، ضرورة أنّ المحذورين عند دوران الأمر بينهما إذا كان مستند أحدهما الدليل الاجتهادي و مستند الآخر الأصل تعيّن الأخذ بالأوّل قضيّة لورود الدليل على الأصل أو ترجيحا له عليه، و لا حكم للعقل معه بالتخيير، و لا يلزم بتعيين الأخذ به ترجيح بلا مرجّح، و كذا الحكم فيما لو كان المحذوران من باب الواجب و الحرام لا الوجوب و الحرمة، كما لو علم أنّه قلّد في عدّة مسائل المجتهد الميّت و في اخرى المجتهد الحيّ الموجود غير أنّهما اشتبهتا فلا يدري أنّ في أيّتهما يجب العدول و في أيّتهما يجب البقاء؟ فقضيّة ترجيح ما ثبت وجوبه بالإجماع هو العدول في الجميع إلى حيّ ثالث يتمكّن من الرجوع إليه مع فرض عدم تمكّنه من الرجوع إلى الحيّ الّذي هو أحد الأوّلين و نسيانه فتاواه في تلك المسائل، و إلّا وجب تقليده فيها لعدم خلوّه عن كونه بقاء في جملة و عدولا في اخرى.

فرع لو قلّد مجتهدا في مسألة فنسي أصل التقليد في تلك المسألة

لا الحكم المقلّد فيه فرجع فيها إلى مجتهد آخر باعتقاد أنّه ابتداء تقليد ثمّ تذكّر بعد الأخذ و العمل تقليده السابق، فهل يجب عليه البقاء على هذا التقليد الثاني أو يجب عليه العدول إلى التقليد الأوّل؟ وجهان: من أنّ النسيان عذر أوجب امتناع التقليد الأوّل فسقط حكمه و توجّه إليه حكم التقليد الثاني كأنّه ابتداء تقليد [ه] فيجب البقاء عليه، و من أنّ النسيان عذر طار على التقليد فيكون التقليد الثاني مجزئا ما دام العذر و إذا ظهر سبق التقليد الأوّل زال العذر و ارتفع موضوع التقليد الثاني فيجب العدول، و هذا أوجه.


صفحه 510

في وقت آخر، فإن كان ذاكرا لدليلها جاز له الفتوى، و إن نسيه افتقر إلى استيناف النظر. فإن أدّى نظره إلى الأوّل فلا كلام، و إن خالفه وجب الفتوى بالأخير. و لا ريب أنّ ما ذكره المحقّق أولى. غير أنّ ما ذهب إليه العلّامة متوجّه، لأنّ الواجب على المجتهد تحصيل الحكم بالاجتهاد، و قد حصل فوجوب الاستيناف عليه بعد ذلك يحتاج إلى الدليل، و ليس بظاهر.

[عدم جواز تقليد الميّت]

أصل لا نعرف خلافا في عدم اشتراط مشافهة المفتي في العمل بقوله، بل يجوز بالرواية عنه ما دام حيّا. و احتجّوا لذلك بالإجماع على جواز رجوع الحائض إلى الزوج العاميّ، إذا روى عن المفتي، و بلزوم العسر بالتزام السماع منه.

و هل يجوز العمل بالرواية عن الميّت؟ (1) ظاهر الأصحاب الإطباق على عدمه. و من أهل الخلاف من أجازه. و الحجّة المذكورة للمنع في كلام الأصحاب على ما وصل إلينا رديّة جدّا لا يستحقّ أن تذكر. و يمكن الاحتجاج له بأنّ التقليد إنّما ساغ للإجماع المنقول سابقا، و للزوم الحرج الشديد و العسر بتكليف الخلق بالاجتهاد.

و كلا الوجهين لا يصلح دليلا في موضع النزاع، لأنّ صورة حكاية الإجماع صريحة في الاختصاص بتقليد الأحياء. و الحرج و العسر يندفعان بتسويغ التقليد في الجملة. على أنّ القول بالجواز قليل الجدوى على اصولنا، لأنّ المسألة اجتهاديّة، و فرض العاميّ فيها الرجوع إلى فتوى المجتهد. و حينئذ فالقائل بالجواز إن كان ميّتا فالرجوع إلى فتواه فيها دور ظاهر، و إن كان حيّا

(1) الظاهر أنّ المراد بالرواية عن الميّت ما يعمّ ما اخذ منه ميّتا أو حيّا بطريق المشافهة أو من كتاب معلوم النسبة إليه أو بواسطة عدل و نحوه، و المقصود بالبحث هنا بيان كون حياة المقلّد شرطا في جواز تقليده و عدمه، و هو الّذي يعبّر عنه بجواز تقليد الميّت و عدمه.


صفحه 511

فاتّباعه فيها و العمل بفتاوى الموتى في غيرها بعيد عن الاعتبار غالبا، مخالف لما يظهر من اتّفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت مع وجود المجتهد الحيّ، بل قد حكي الإجماع فيه صريحا بعض الأصحاب.

و المعروف المشهور بين أصحابنا شهرة عظيمة كادت تبلغ الإجماع عدم جواز تقليد الميّت، و عن الجعفريّة و مجمع الفائدة نسبته إلى الأكثر، بل ظاهر كلامهم عدم الخلاف فيه بين أصحابنا، بل صرّح بعدم الخلاف جماعة من أساطينهم منهم المحقّق الثاني في شرح الألفيّة على ما حكي من قوله: «لا يجوز الأخذ عن الميّت مع وجود المجتهد الحيّ بلا خلاف بين علماء الإماميّة».

و ثاني الشهيدين في جملة من كتبه كالمسالك قائلا: «قد صرّح الأصحاب في كتبهم المختصرة و المطوّلة و غيرهما باشتراط حياة المجتهد في جواز العمل بقوله، و لم يتحقّق إلى الآن في ذلك خلاف ممّن يعتدّ بقوله من أصحابنا، و إن كان للعامّة في ذلك خلاف مشهور» و كتاب آداب العالم و المتعلّم قائلا: «هذا هو المشهور بين أصحابنا خصوصا المتأخّرين، بل لا نعلم قائلا بخلافه ممّن يعتدّ بقوله»، و رسالة منسوبة إليه قائلا: «نحن بعد تتبّع التصانيف ما وصل إلينا من كلامهم ممّا علمناه من أصحابنا ممّن يعتبر قوله و يعوّل على فتواه مخالف في ذلك، فعلى مدّعي الجواز بيان القائل به على وجه لا يلزم منه خرق الإجماع.

ثمّ قال: و لا قائل بجواز تقليد الميّت من أصحابنا السابقين و علمائنا الصالحين، فإنّهم قد ذكروا في كتبهم الاصوليّة و الفقهيّة قاطعين فيه بما ذكرنا من أنّه لا يجوز تقليد الميّت و إنّ قوله يبطل بموته من غير نقل خلاف أحد فيه» انتهى.

بل ظاهر غير واحد دعوى الإجماع عليه، و من ذلك ما عن الذكرى من قوله: «هو ظاهر العلماء و جوّزه بعضهم»، و ما في كلام المصنّف من قوله: «ظاهر الأصحاب الإطباق على عدمه»، و قوله أخيرا: «و العمل بفتاوى الموتى مخالف لما تظهر من اتّفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت مع وجود المجتهد الحيّ»، بل قد حكى الإجماع فيها صريحا بعض الأصحاب، بل في محكيّ ابن جمهور الاحسائي التصريح بالإجماع قائلا:

«لا بدّ في جواز العمل بقول المجتهد من بقائه، فلو مات بطل العمل بقوله فوجب الرجوع إلى غيره إذ الميّت لا قول له، و على هذا انعقد إجماع الإماميّة و به نطقت مصنّفاتهم


صفحه 512

..........

الاصوليّة و الفروعيّة» انتهى.

و حكي دعوى الإجماع عليه عن الوحيد البهبهاني و الفاضل النراقي في المناهج.

و بالجملة فكلماتهم الواصلة إلينا بين ما هو ظاهر في نفي الخلاف بين قدماء أصحابنا و متأخّريهم و غيرهم ممّن يعتنى بشأنه من أساطين الطائفة و ما هو صريح فيه، و ما هو ظاهر في دعوى الإجماع عليه و ما هو صريح فيه.

و لقد أنكر وجود المخالف في ذلك من أصحابنا أشدّ الإنكار ثاني الشهيدين في محكيّ الرسالة المنسوبة إليه و قد سمعت بعض كلامه، و ممّا ذكره فيها في مقام استظهار عدم مخالف في أصحابنا قوله: «و ممّا يوضح من أنّ المخالف قد لا يكون من علمائنا أنّ هذه مسألة اصوليّة، و المعلوم بين أصحابنا و غيرهم في كتب الاصول أن يذكروا الخلاف في المسألة مع مخالفيهم في المذهب، بل يحكون أقوالا واهية و آراء فاسدة ليبيّنوا الحقّ في ذلك و الجواب عن شبهة المخالف و إن ضعف، و هذا أمر لا يخفى على من نظر في كتب الاصول و اطّلع على مصطلحهم فيها.

و هذا العلّامة لمّا ذكر المسألة في كتاب النهاية مع عظمه و كثرة ما يذكر فيه من الأقوال و نسبه إلى قائله من الجمهور ثمّ اختار المنع من تقليد الميّت و لم يذكر لأصحابنا في ذلك قولا، و كذلك ذكر المسألة في التهذيب و غيره و قال: «الأقرب أنّه لا يجوز تقليد الموتى» و مع ذلك لم يذكر أحد من شرّاح الكتاب في ذلك قولا لأصحابنا مقابل ما أفتى به، و إلّا فعلى تقدير عدم كون الأدلّة ناهضة بإثباتها كما سنذكره فهم معنا متسالمين في جعل قول الحيّ القدر المتيقّن من موجب البراءة و ما خرج من الأصل.

و ثانيهما[1]: الإجماعات المنقولة المعتضدة بالشهرة العظيمة المحقّقة و الشهرات المحكيّة و عدم ظهور الخلاف بل ظهور عدمه و ظهور الإجماع، فإنّه يوجب الظنّ القويّ الاطمئناني بل المتاخم بالعلم بعدم جواز تقليد الميّت.

و القدح في هذا الوجه تارة بمنع الصغرى، بدعوى وجود المخالف المانع لكون عدم الجواز إجماعيّا كما صرّح به الشهيد في الذكرى، حيث إنّه بعد ما نسب القول بعدم الجواز إلى العلماء عقّبه بنسبة القول بالجواز إلى بعضهم، و هو ظاهر الجعفريّة و مجمع الفائدة في نسبتهما إلى الأكثر الظاهرة في مصير غير الأكثر إلى الخلاف.

[1]و قد مرّ أوّلها بقوله: «المعروف المشهور بين أصحابنا شهرة عظيمة كادت تبلغ الإجماع عدم جواز تقليد الميّت» الخ.