بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 51

..........

منضبط و لا يقع فيه التعارض، لاستحالة الظنّ بكلا طرفي النقيض كاستحالة العلم بهما أو العلم بأحدهما و الظنّ بالآخر، و عدم الانضباط في المدارك لا يقضي بخروجه عن الانضباط، كما أنّ وقوع التعارض فيها لا يقدح في انضباطه. غاية الأمر أنّه إمّا يحصل بإعمال طرق الجمع مع إمكانه، أو بمراجعة المرجّحات مع وجودها فيترتّب عليه الحكم، أو لا يحصل بتعادل المتعارضين مع عدم إمكان الجمع، أو معه حيث لا شاهد له من العرف و العادة بحيث أوجب الظنّ بالمؤدّى، فيتعيّن حينئذ مراجعة الاصول العامّة العمليّة، و هذا أيضا أمر منضبط.

و بالجملة فهذا المسلك على كلا تقديري حصول الظنّ و عدمه في غاية الانضباط، و اتّفاق الرجوع عن الفتوى السابقة أحيانا غير مناف لكونه منضبطا.

و منها: أنّ المسلك الّذي يختلف فيه الأذهان بل الأحوال الطارئة لذهن واحد، غير صالح لأن يكون مناط أحكام مشتركة بين الامّة إلى يوم القيامة[1].

و فيه: أنّ حصول الاختلاف في الأحكام الفعليّة المجعولة للعاجز عن الوصول إلى الأحكام الواقعيّة لا ينافي وقوع اشتراك جميع الامّة إلى يوم القيامة في الأحكام الواقعيّة، و المنوط بمسلك الظنّ إنّما هو الأحكام الفعليّة لا الأحكام الواقعيّة المشتركة بين الجميع، فلا مانع من صلاحية الظنّ لأن يجعل مناط تلك الأحكام.

و منها: أنّ الشريعة السهلة السمحة كيف تكون مبنيّة على استنباطات صعبة مضطربة 2.

و فيه: أنّه إذا لم يجز ابتناء الشريعة السهلة السمحة على استنباطات صعبة مضطربة متمكّن منها، فكيف يجوز ابتناؤها على استنباطات علميّة متعذّرة لانسداد باب العلم فيها غالبا على الفرض، و عدم جواز الأمرين معا يقضي بانسداد باب الاستنباط بالمرّة و هو كما ترى.

و منها: أنّ في ابتناء أحكامه تعالى على الاستنباطات الظنّية مفاسد أكثر من أن تحصى:

من إفضائه إلى وقوع الفتن و الحروب و سفك الدماء بين المسلمين، و من هنا ذكر علماء العامّة و ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في مقام الاعتذار عن الحروب الواقعة بين الصحابة العدول الأخيار أنّ السبب فيها اختلاف اجتهاداتهم في أحكام اللّه تعالى[3]، و من عدم جواز أخذ أحد المتخاصمين ما يستحقّه من الآخر قهرا فيما لو وقع بينهما في مال أو

[1]1 و 2 الفوائد المدنيّة: 190.

[3]شرح نهج البلاغة 20: 34.


صفحه 52

..........

فرج أو دم خصومة دنيويّة مبنيّة على اختلاف اجتهادهما، و ما ذكره علماء العامّة من أنّهما يرجعان حينئذ إلى قاض منصوب من السلطان فيجب عليهما الأخذ بما يحكم به القاضي ممّا لا يرضى به الذهن السليم فكيف يرضى به الشارع الحكيم؟ و من إفضائه إلى تجهيل المفتي نفسه أو إبطال القاضي حكمه إذا ظهر له ظنّ أو قطع مخالف لظنّه السابق[1].

و فيه: منع الملازمة، كيف و لم يعهد من لدن حدوث بناء الاجتهاد بين أصحابنا المجتهدين إلى الآن فتنة أو حرب أو سفك دم وقع بين المسلمين مستندا إلى اجتهاد المجتهدين ليس إلّا، بل و هذه الامور حيثما وقعت على غير حقّ فإنّما تقع من اتّباع الشيطان و النفس الأمّارة الداعية للإنسان إلى طلب الجاه و الرئاسة و المال و الثروة، أو من متابعة أهل البدع و الضلال المفسدين في أرض اللّه المعاندين له و لرسوله المبغضين لخلفاء اللّه و حججه، و إلّا فما كان من هذه الامور منشؤه الخصومة الشرعيّة المسموعة في نظر أهل الشرع في مال أو فرج أو نفس أو نحو ذلك لشبهة موضوعيّة أو حكميّة و بني على الأخذ بقواعد الاجتهاد و مراجعة المجتهدين الّذين هم حكّام الشرع بالحقّ لم يكن يقع شيء منها على وجه الأرض أصلا، لاستحكام تلك القواعد و غاية انتظام هذه الضوابط، فإنّ حكم الحاكم الشرعي المستند إلى اجتهاده الصحيح المستفاد من الشارع هو الحجّة القاطعة الّتي إذا وقعت نافذة لا تستتبع فتنة و لا حربا و لا سفك دم و لا غير ذلك من المفاسد.

و من هنا اندفع الشبهة في مسألة الخصومة بين مجتهدين مختلفين في الرأي أو مقلّدي هذين المجتهدين، فإنّ الخصومة بينهما ترتفع بمراجعة ثالث موافق لأحدهما في الرأي أو مخالف لهما و الأخذ بحكمه على سبيل اللزوم تعبّدا من اللّه سبحانه، و هذا أيضا ممّا لا محذور فيه أصلا.

و أمّا تجهيل النفس و إبطال الحكم بعد انكشاف مخالفة الواقع جزما أو ظنّا على التفصيل الآتي في محلّه فممّا لا يتضمّن محذورا أيضا، بل هو غير عزيز في الشرع و لو مع البناء على الأدلّة القطعيّة أو الأخبار فقط، و لو كان محذورا في نظر العقل أو الشرع فهو مشترك اللزوم و طريق الدفع واحد.

[1]الفوائد المدنيّة: 191.


صفحه 53

..........

و منها: أنّ الظنّ المعتبر عندهم ظنّ صاحب الملكة المخصوصة المأخوذة في معنى الفقيه و المجتهد، مع أنّ المعتبر عندهم من بذل الوسع في تحصيل الظنّ المعتبر قدر مخصوص منه، و غير خفيّ على اللبيب أنّ الملكة المذكورة و القدر المشار إليه من بذل الوسع أمران خفيّان غير منضبطين، و قد اعترفوا بأنّ مثل ذلك لا يصلح مناطا لأحكامه تعالى[1].

و فيه: أنّ الملكة المخصوصة عند أهل الخبرة بها لا خفاء فيها أصلا، و خفاؤها في نظر العوامّ و غيرهم ممّن لم يبلغ رتبة الاجتهاد غير قادح، حيث لا اعتداد في هذا المقام بنظر العوامّ و غيرهم ممّن لا خبرة له في هذا الفنّ، و أمّا بذل الوسع فليس له حدّ مضبوط عندهم و لا قدر مخصوص لديهم، بل معياره حصول الظنّ بمعنى الاطمينان أو اليأس من الظنّ ليحرز به موضوع الاصول العمليّة، فلا مانع من إناطة استنباط أحكامه تعالى بشيء من الأمرين، مضافا إلى ما يورد عليه أيضا من جريان ذلك على طريقة الأخباريّين أيضا، إذ لا بدّ عند المحقّقين منهم في الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة من الاقتدار على فهم الأخبار و الجمع بينها و التمكّن من ردّ الفروع إلى الاصول و نحو ذلك أيضا من الامور النفسيّة الغير الظاهرة، فلو كان صالحا للمنع لجرى في كلّ من الطريقين.

و منها: أنّ الظنّ من باب الشبهات و قد ثبت وجوب التوقّف عند الشبهات المتعلّقة بنفس الأحكام.

أمّا الاولى: فلما في نهج البلاغة في خطبة له(عليه السلام)«و إنّما سمّيت الشبهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ»[2].

و أمّا الثانية: فللروايات الصريحة في وجوب التوقّف[3].

و فيه: منع المقدّمتين معا، أمّا منع الاولى: فلأنّ الظنّ بعد ما أخذ الشارع متعلّقه حكما فعليّا للظانّ الغير المتمكّن من العلم ليس من الباطل الشبيه بالحقّ، بل هو في محلّ الفرض عين الحقّ كما عرفت مرارا.

و أمّا منع الثانية: فلأنّ التوقّف عند الشبهات في أحكامها الخاصّة لا يقضي بالتوقّف في حكمها العامّ المجعول شرعا للجاهل المتحيّر، فنحن أيضا نتوقّف عند الظنّ بشيء إذا لاحظناه من حيث هو، و نأخذ بمتعلّقه إذا لاحظنا القطعيّ القائم بكونه الحكم المجعول

[1]الفوائد المدنيّة: 191.

[2]نهج البلاغة: 81، الخطبة 38.

[3]الفوائد المدنيّة: 192.


صفحه 54

..........

للظانّ المتحيّر على سبيل العموم.

و مع الغضّ عن ذلك فهو منقوض بالظنّ في الموضوعات كما لا يخفى.

و منها: أنّ العامّة قد ذهبوا إلى العمل بالظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى، و إلى دوام العمل بظنون أربعة من مجتهديهم دون غيرهم، و العلّامة و من وافقه من أصحابنا وافقوا العامّة في المقام الأوّل و خالفوهم في المقام الثاني، فقالوا: قول الميّت كالميّت، و يلزم الفريقين أحد الأمرين من القول بأنّ مظنونات المجتهدين ليست من شريعة نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أو القول بأنّ شريعة نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)ليست مستمرّة إلى يوم القيامة، و قد تواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار بأنّ: «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة»[1]، بل هذا من أجلى ضروريّات الدين[2].

و فيه- مع أنّ هذا لو تمّ اختصّ بأحد الفريقين لا كليهما، فإنّ العامّة بعد ما قالوا باستمرار العمل بظنون الأربعة إلى يوم القيامة لم يكن قولهم منافيا لاستمرار حلال محمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و حرامه إلى يوم القيامة، لبنائهم على أنّ مظنونات المجتهد هي الحلال و الحرام الباقيين إلى يوم القيامة-: أنّ منشأ الشبهة قول أصحابنا بكون قول الميّت كالميّت القاضي بانقطاع مظنونات المجتهد بموته عن درجة الاعتبار، و ذلك ينافي كونها مستمرّة إلى يوم القيامة.

و قضيّة ذلك عدم كونها من أحكام هذه الشريعة بموجب الأخبار المتواترة. لكن يدفعه:

أنّ ظاهر مساق الروايات الدالّة على استمرار حلال محمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و حرامه إلى يوم القيامة بل صريحها كون الاستمرار مخصوصا بالأحكام الواقعيّة المنزلة إلى النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، المحفوظة لدى عترته الطاهرة، الّتي لا يكلّف بها فعلا إلّا مع العلم بها بانفتاح بابه المخصوص بزمان الحضور بالقياس إلى المتمكّنين عن الوصول إليهم(عليهم السلام).

و إن شئت لاحظ ما تقدّم في الروايات من رواية محمّد بن حكيم عن أبي الحسن(عليه السلام)قال: «إنّما هلك من كان قبلكم بالقياس، و إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يقبض نبيّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)حتّى أكمل له دينه في حلاله و حرامه، فجاءكم بما تحتاجون إليه في حياته و تستغنون به و بأهل بيته بعد موته، و أنّه مخفيّ عند أهل بيته حتّى أنّ فيه لأرش الكفّ»[3].

[1]الكافي 1: 9.

[2]الفوائد المدنيّة: 249.

[3]بصائر الدرجات: 147، ح 3.


صفحه 55

..........

و عليه فلا ينافي ذلك عدم استمرار الأحكام الفعليّة المجعولة للمجتهدين و غيره ممّن لا يتمكّن من الوصول إلى الأحكام الواقعيّة الموجودة عند أهل البيت.

و يمكن القول بأنّ المراد بتلك الروايات استمرار شريعة نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)إلى يوم القيامة بعدم طروّ نسخ لها، و معناه أنّه لا يأتي بعده نبيّ آخر و لا بعد شريعته شرع آخر ناسخ لها، كما يظهر إرادة هذا المعنى من بعض الأخبار المتقدّمة كخبر زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الحلال و الحرام؟ فقال(عليه السلام): «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة، لا يكون غيره و لا يجيء غيره»[1].

و حينئذ يندرج فيها الأحكام الفعليّة المستفادة من الطرق الظنّية المعلّقة على حياة المجتهد عند من يقول بأنّها تموت بموت المجتهد لدليل دلّه عليه، لأنّها أيضا من شريعة محمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)في حقّ العاجز الغير المتمكّن من العلم، و لا يطرأها أيضا نسخ بالمعنى المذكور، و انقطاعها بموت المجتهد ليس من باب النسخ، بل هو من جهة ارتفاع موضوعها، أو لقصور ما دلّ على وجوب اتّباعها عن إطلاق ذلك حتّى بالقياس إلى ما بعد الموت.

و منها: أنّهم صرّحوا بأنّ محلّ الاجتهاد مسألة لم تكن من ضروريّات الدين و لا المذهب، و لم يكن للّه تعالى دلالة قطعيّة عليها، و نحن قد أثبتنا أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة تحتاج إليها الامّة إلى يوم القيامة حكما معيّنا و دليلا قطعيّا عليه، و أنّ كلّ الأحكام و الدلالات القطعيّة عليها- أي النصوص الصريحة فيها- محفوظة عند معادن وحي اللّه و خزّان علمه، و الناس مأمورون بطلبها من عندهم(عليهم السلام)[2].

و فيه: أنّه بعد الاعتراف بأنّ الدلالات القطعيّة كنفس الأحكام محفوظة عند الأئمّة(عليهم السلام)و المفروض عدم حضورهم بين الامّة و عدم إمكان الوصول إليهم، فأيّ منافاة لهذه المقدّمات- على فرض تسليمها- لطريقة المجتهدين العاجزين عن أخذ الأحكام المحفوظة لديهم عنهم؟

و كيف يعقل كونهم مأمورين بطلبها من عندهم؟ فإنّ التكليف بما فوق الطاقة قبيح عقلا و شرعا و عرفا! و هذا هو العمدة في الدلالة على كون مظنوناتهم ما داموا في هذه الحالة أحكاما فعليّة في حقّهم و حقّ مقلّديهم.

هذا مع إمكان أن يقال: من أنّ المراد بالدليل- فيما دلّ على أنّ لكلّ حكم معيّن في

[1]الكافي 1: 58، ح 19.

[2]الفوائد المدنيّة: 249.


صفحه 56

..........

الواقع دليلا- نفس الإمام الحافظ لهذا الحكم، فإنّه هو حجّة اللّه القاطعة في جميع الأشياء، و هو البرهان الفاصل فيما بين كلّ حقّ و باطل، فحينئذ يتّضح عدم كون المسائل بالقياس إلى المجتهدين في زمان الغيبة ما وجد معها له[1]دليل قطعي، فإنّ وجود الدليل بحسب الواقع مع فرض عدم إمكان الوصول إليه بمنزلة عدمه، و هذا هو عذر المجتهدين في أخذهم بمؤدّيات الاجتهاد لئلّا يلزم خروجهم عن الدين بالمرّة، الّذي قد يعبّر عنه بالمخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي.

و هذه هي الوجوه الّتي تمسّك بها الأمين الأسترآبادي في إبطال طريقة المجتهدين.

[دفع أدلّة الأخباريّين على عدم مشروعيّة الاجتهاد]

و للأخباريّة وجوه اخر في إبطال هذه الطريقة نقلها بعض الأفاضل، و لا بأس بنقلها هنا ثمّ دفعها.

منها: ما دلّ عليه الأخبار المتواترة بل ضرورة دين الإسلام من أنّ: «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة» فإنّ ذلك ينافي الأخذ بالأدلّة الظنّية، ضرورة أنّ الظنّ ممّا يتغيّر و يتبدّل، و حرام اللّه و حلاله ممّا لا يتغيّر و لا يتبدّل.

و عن بعضهم أنّه قد قرّر ذلك: بأنّ كلّ حكم اجتهادي قابل للتغيير مناف للشريعة الإسلاميّة الأبديّة، فينتج: أنّ كلّ حكم اجتهادي مخالف للشريعة الإسلاميّة[2].

و بما بيّنّاه سابقا يظهر الجواب عن ذلك أيضا، و أجاب عنه الفاضل المشار إليه بوجوه اخر:

الأوّل: أنّه منقوض بما يحكم به الأخباريّون لجواز الرجوع عن الحكم بالنسبة إليهم أيضا، كما إذا عملوا بالعموم ثمّ عثروا بعد ذلك على خبر يخصّصه، أو فهموا من الخبر أوّلا حكما ثمّ عدلوا عن فهمهم، و إنكار إمكان ذلك في شأنهم مكابرة ظاهرة، و حينئذ نقول: إنّ حكم الأخباري قابل للتغيير إلى آخر ما ذكر.

و الثاني: إنّه إن أراد بقوله: «كلّ حكم اجتهادي قابل للتغيير» بالنسبة إلى الموضوع المفروض حينئذ مع جميع خصوصيّاته فممنوع، ضرورة أنّه ما دام المجتهد باقيا على حاله الأوّل لا يمكن تغيّر الحكم في شأنه أصلا.

و إن أراد أنّه قابل للتغيّر في الجملة و لو بسبب تغيّر حاله، كأن يصير ظانّا بخلاف ما ظنّه

[1]كذا في الأصل.

[2]هداية المسترشدين 3: 692.


صفحه 57

..........

أوّلا فمسلّم و لا مانع منه، ضرورة أنّ أبديّة الأحكام لا تقضي بعدم اختلافها بحسب اختلاف الأحوال، كيف و اختلاف صلاة الحاضر و المسافر و الصحيح و المريض و القادر و العاجز من الضروريّات و لا منافاة فيه لأبديّة الأحكام الثابتة بالضرورة أصلا، فكذا الحال في المقام.

و الثالث: أنّه إنّ أراد بكون كلّ حكم اجتهادي قابلا للتغيّر أنّ ما يحكم به المجتهدون من الأحكام قابلا للتغيّر فهو ممنوع بل فاسد، لأنّ ما يدركه من الأحكام غير قابل للتغيّر عمّا هو عليه، فإنّه إن كان ما أدركه مطابقا للواقع لم يكن قابلا للتغيير عمّا هو عليه و إن أدرك بعد ذلك خلافه. غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه ثانيا، و إن كان غير مطابق للواقع فكذلك أيضا، غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه أوّلا.

و إن أراد به أنّ نفس حكمه و إدراكه قابل للتغيّر، بأن يدرك ثانيا خلاف ما أدركه أوّلا فيزول إدراكه الأوّل و يخلفه الثاني فممنوع، و لا يلزم من ذلك أن يكون إدراكه مطلقا منافيا للشريعة الأبديّة كما هو القضيّة الكلّية المدّعاة، إذ قبول الإدراك للتغيّر إنّما يقضي بعدم الملازمة بينه و بين إصابة الواقع، لأنّه لا يكون مصيبا للواقع مطلقا، فأقصى ما يلزم من الدليل المذكور أنّ ظنون المجتهدين قد تصيب الواقع و قد تخطئه، و هذا ممّا اتّفق عليه أصحابنا.

و اتّفقوا مع ذلك على وجوب العمل بظنّه، إذ لا منافاة بين عدم إصابة الظنّ للواقع و وجوب العمل بمؤدّاه، كما هو الحال في سائر الطرق المقرّرة في الشريعة[1].

و منها: أنّ فتح سبيل العلم على المكلّفين في تكليفهم بالعلم بالأحكام من اللطف، فيجب أن يكون حاصلا لوجوب اللطف على اللّه تعالى.

أمّا الصغرى: فلما فيه من تقريب العبد إلى الطاعة و إبعاده عن المعصية ما ليس في الظنّ، لوضوح أنّ اليقين ادعى إلى تحصيل الامتثال من الظنّ.

و أمّا الكبرى: فظاهرة[2].

و هذا الدليل كما ترى غير مفهوم المراد، فإنّ الامور المدركة بالوجدان لا بدّ و أن تدرك بالوجدان فلا ينفع في ثبوتها البرهان إذا لم يساعد عليها الوجدان، فكيف إذا أكذبها الوجدان،

[1]هداية المسترشدين 3: 692- 695.

[2]هداية المسترشدين 3: 692- 695.


صفحه 58

..........

و هل هذا إلّا نظير ما لو اقيم البرهان على أن لزيد علما بقيام عمرو و هو يجد من نفسه أنّه لا علم له، فإنّ عدم انفتاح باب العلم بالأحكام في الغالب من ضروريّات الوجدان و المدّعي لانفتاحه يكابر وجدانه، و سنورد زيادة بيان في ذلك.

و مع الغضّ عن ذلك نقول: إنّا لا نعقل إلى العلم بالأحكام قاطبة سبيلا إلّا الإمام المعصوم و حضوره مع تمكّنه من التصرّف، و المفروض أنّه غير حاضر، فالدليل المذكور يكذّبه الفرض، و لو سلّم أنّ إلى العلم بها سبيلا آخر غير الإمام و حضوره، لكن الدليل لا يقتضي إلّا انتصاب أحد الأمرين، و المفروض أنّ الإمام قبل الغيبة كان منتصبا فقد تمّ به اللطف، و اختفاؤه بعد ذلك لدواع خارجيّة لا ترجع إلى اللّه سبحانه لا يوجب إخلالا باللطف، و المنع من تحقّق الدواعي الخارجيّة ليس بلازم بمقتضى ما أخذ في اللطف الواجب من عدم انتهائه إلى الإلجاء.

و مع هذا كلّه نقول: إنّ اللطف إنّما يجب مع عدم مصلحة تقتضي خلافه، فلم يثبت وجوبه مطلقا كما في عدم ظهور الإمام(عليه السلام)مع أنّه من أظهر الألطاف الواجبة.

و من الجائز بالقياس إلى الأدلّة العلميّة قيام مصلحة تقتضي عدم فتح بابها، مع أنّه قد يقال: إنّ عدم إلزام المكلّفين بتحصيل اليقين في خصوصيّات التكاليف هو اللطف، لما في إناطة التكليف بخصوص العلم بالأحكام من الجرح التامّ المؤدّي في كثير من الطباع إلى التقاعد عن الامتثال، و لذا اكتفى الشارع في زمانه من المكلّفين بالأخذ بعدّة من الطرق الغير العلميّة مع انفتاح سبيل العلم.

و قد يقال أيضا: بأنّ الظنّ و العلم مشتركان فيما ذكر من كون اليقين ادعى إلى الامتثال، لأنّ المفروض أنّ الظنّ ما لم يكن منتهيا إلى اليقين لم يعتبر عند أحد، فالمكلّف في مقام العمل عالم بالتكليف قاطع به.

و منها: ما عن بعض المحدّثين: من أنّ المتقدّمين من علمائنا لا يقولون بجواز الاجتهاد و التقليد، و لا يجيزون العمل بغير الكتاب و السنّة من وجوه الاستنباط الظنّية.

و من المعلوم أنّ طريقة المتقدّمين هي الموافقة للأئمّة و لأحاديثهم المتواترة، فإن شذّ منهم شاذّ أحيانا أنكر عليه الأئمّة إن كان في حضورهم، و في هذه الطريقة مباينة لطريقة العامّة مباينة كلّية، و طريقة المتأخّرين موافقة لهم لا تخالفهم إلّا نادرا، ثمّ قال:

و بالجملة فعدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعيّة و عدم جواز العمل بالاستنباطات