بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 518

..........

عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن أرواح المؤمنين، قال: «في الجنّة على صور أبدانهم، لو رأيته لقلت: فلان» و غير ذلك ممّا ورد في أرواح المؤمنين و الكفّار.

و توهّم إثبات العلم له بعد الموت باستصحاب الاعتقاد الراجح المتيقّن ثبوته حال الحياة نظير استصحاب الولاية السارية للأب أو الجدّ على الصغير الّذي بلغ سفيها لإثباتها بعد البلوغ.

غاية الأمر تقوّمه حال اليقين بتجويز النقيض و في زمان الشكّ بعدم تجويزه و هذا لا يوجب إلّا تأكّد ترتّب الأحكام على المستصحب الّتي منها جواز العمل به للمقلّد.

يدفعه: أنّ مرجع هذا الاستصحاب إلى استصحاب القدر المشترك في أخسّ أنواعه، و هو ما تيقّن ارتفاع الفرد المتيقّن ثبوته في الزمان السابق و شكّ في تجدّد الفرد الآخر في الآن الثاني، و قد تقدّم في محلّه الإشكال في صحّته بل منع اعتباره، لعدم اندراجه في ضابط الاستصحاب خصوصا في نحو المقام لو بنى على المداقّة، لرجوعه إلى ما يدور بين إبقاء ما تيقّن ارتفاعه و إبقاء ما لم يتيقّن تجدّده و حدوثه، و ذلك لأنّ الكلّي المشترك الموجود في ضمن الأفراد معنى وجوده تحقّق حصّة منه مع كلّ فرد، و لا ريب أنّ الحصّة الاولى قد زالت و تجدّد الحصّة الاخرى غير معلوم، فإن اريد بالاستصحاب إبقاء الحصّة الاولى كان من إبقاء ما تيقّن ارتفاعه، أو إبقاء الحصّة الاخرى كان من إبقاء ما شكّ في حدوثه، و الكلّ باطل.

نعم لو بنى على المسامحات العرفيّة فربّما صحّ استصحابه إلقاء للخصوصيّة و اعتبارا له لا بشرط، و لكن المقام لا يندرج فيها، لعدم ثبوت بناء أهل العرف في نحوه على المسامحة، بل الثابت خلافه اعتبارا لأصالة عدم الحدوث المتقدّمة على الاستصحاب المذكور إن صحّحناه، كيف و ليس بصحيح من أصله.

و بعد اللتيّا و الّتي و البناء على الانكشافات و تجدّد العلوم له أو على تصحيح الاستصحاب المذكور لا يترتّب عليه أثر في التقليد و جواز العمل به للمقلّد لوجوه:

الأوّل: أنّ القدر المعلوم خروجه من الأصل المقتضي لمنع التقليد إنّما هو الاعتقادات الحاصلة للفقيه بواسطة آلاتها الّتي هي القوى الإنسانيّة، و الّذي تجدّد بعد الموت اعتقادات حاصلة من غير توسّط تلك الآلات و ليس في أدلّة مشروعيّة التقليد المخرجة له من الأصل إطلاق يتناول هذه الاعتقادات، و هو كاف في الحكم بالمنع عملا بالأصل.


صفحه 519

..........

الثاني: أنّ القدر المسلّم المعلوم خروجه من الأصل أيضا إنّما هو الاعتقادات المستندة إلى الأدلّة المعهودة و الطرق المتعارفة بواسطة الملكة النفسانيّة المعتبرة في الفقيه، و أمّا غيرهما و منه العلوم الحاصلة بطريق المكاشفة المستندة إلى الرياضات الغير الشرعيّة فلم يظهر من مطلقات التقليد إطلاق بالقياس إليه، و هو كاف في الرجوع إلى الأصل.

و لا ريب أنّ الانكشافات الّتي تحصل للميّت تستند إلى غير هذه الطرق، و لا دليل على جواز الأخذ بها و العمل عليها مع فرض موافقتها للإدراكات الحاصلة حال الحياة المستندة إلى الطرق المعهودة الاجتهاديّة، كيف و الموافقة أيضا غير محرزة لاحتمال المخالفة، حتّى أنّ المجتهد الظانّ لو حصلت له حال الحياة بعد الاجتهاد و الاستنباط انكشافات من طريق الرياضة لم يجز لغيره الأخذ بها و العمل عليها، و يكفي فيه مجرّد عدم الدليل على الجواز عملا بالأصل.

الثالث: أنّ اعتقادات المجتهد إنّما يجب اتّباعها و الأخذ بها لكون معتقداته أحكاما فعليّة، و كونها أحكاما فعليّة في حقّ المجتهد و إن لم يكن تابعا لكونها كذلك في حقّ المقلّد كما في المتجزّي على القول بحجّية ظنّه و عدم جواز تقليده، و لكن كونها أحكاما فعليّة في حقّ المقلّد تابع لكونها كذلك في حقّ المجتهد، و لذا لا يجوز تقليد من طرأه النقص من زوال ملكة أو زوال عقل ابتداء و لا استدامة.

و لا ريب أنّ بموت المجتهد يخرج معتقداته عن كونها أحكاما فعليّة في حقّه فكذلك في حقّ المقلّد ابتداء و استدامة.

لا يقال: خروجها عن كونها أحكاما فعليّة في حقّ المجتهد إنّما هو لخروجه بالموت عن حدّ التكليف و قابليّته، لأنّه منقوض بمن طرأه الجنون المخرج له عن حدّ التكليف و قابليّته.

و الحلّ: أنّ الحكم الفعلي نسبته واحدة حصلت بين المجتهد و مقلّده من جهة واحدة و إذا ارتفعت بالقياس إلى المجتهد نفسه استحال بقاؤها في حقّ المقلّد، و لا ينتقض ذلك بالمتجزّي لأنّ هذه النسبة فيه من حين حدوثها لم تتعلّق بغيره ممّن وظيفته التقليد.

و بالتأمّل في تضاعيف كلماتنا ينقدح أمران:

أحدهما: منع الأولويّة المتوهّمة في هذا المقام بناء على تجدّد انكشافات الميّت بعد الموت بالنظر إلى ظنّه حال الحياة، لأنّه إذا جاز العمل بظنّه فلأن يجوز العمل بالانكشافات العلميّة بعد الموت طريق الأولويّة.


صفحه 520

..........

أمّا أوّلا: فلأنّ الأولويّة بعد تسليمها إنّما تثمر في جواز العمل بالانكشافات العلميّة على تقدير موافقتها الظنّ و هي غير محرزة، لقيام احتمال المخالفة في كلّ مسألة.

و أمّا ثانيا: فلانتفاء الأولويّة من أصلها بعد ملاحظة ما قرّرناه من الوجوه الثلاث سيّما الوجه الأخير.

و ثانيهما: بطلان الاستصحاب لو اريد إجراؤه في الحكم المعتقد على تقدير عدم جريانه بالنسبة إلى الاعتقاد حسبما بيّنّاه، لكونه من قبيل الاستصحاب العرضي الّذي ظهر بطلانه في محلّه، و ذلك لأنّ الحكم الّذي اريد استصحابه إن قدّر كونه الحكم الفعلي الظاهري فلا شكّ في ارتفاعه، و إن قدّر كونه الحكم الواقعي فهو من أوّل الأمر غير معلوم.

و من جميع ما قرّرناه يظهر ما فيما تقدّم عن بعض الفضلاء من منع زوال ظنون المجتهد بمجرّد الموت و انكشاف واقع الأحكام له، استنادا إلى عدم دليل عليه من عقل و لا نقل تارة، و التمسّك باستصحاب بقاء الاعتقاد الراجح بمجرّد احتمال الموافقة بعد تسليم الانكشاف اخرى، فإنّ منع الزوال و الانكشاف إن أراد به منع زوال الظنون رأسا فليس في محلّه لما عرفت من أنّ أصل الزوال ممّا لا محيص من الإذعان به، و إن أراد به منع تجدّد الانكشاف فهو في محلّه حسبما بيّنّاه.

و أمّا استصحاب الاعتقاد الراجح بعد تسليم تجدّد العلوم و الانكشافات فهو من أغرب الغرائب، لعدم اندراجه في ضابط استصحاب القدر المشترك، لبناء الفرض على تيقّن زوال الفرد الأوّل و تيقّن حدوث الفرد الثاني.

و توهّم أنّ الغرض من إعماله إثبات موافقة العلم المتجدّد نظرا إلى احتمالها.

يدفعه: أنّ الاعتقاد الراجح جنس مشترك بين الظنّ و العلم الموافق و العلم المخالف فيكون أعمّ، و لا يعقل من الأعمّ كونه مثبتا للأخصّ.

ألا ترى أنّ استصحاب الجواز في مسألة نسخ الوجوب لا يفيد بنفسه ثبوت الندب أو الإباحة بالمعنى الأخصّ إذا دار الأمر بينها، بل هو في المقام أولى بعدم إفادة ثبوت الخاصّ، إذ لا تغاير بين العلم الموافق و العلم المخالف إلّا باعتبار المتعلّق كما لا يخفى.

و على تقدير صحّته و إفادته ثبوت العلم الموافق لا يترتّب عليه فائدة، لما عرفت من عدم كون نحو هذا العلم مناطا للاعتبار في التقليد، و سيلحقك زيادة كلام في هذا المقام عند التعرّض لأدلّة المجوّزين لتقليد الميّت مطلقا أو استدامة فقط.


صفحه 521

..........

و منها: ما اعتمد عليه المحقّق المذكور أيضا في الحاشية المذكورة من: أنّه لو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته امتنع في زماننا هذا، للإجماع على وجوب تقليد الأعلم و الأورع من المجتهدين، و الوقوف لأهل هذا العصر على الأعلم و الأورع بالنسبة إلى الأعصار السابقة كاد أن يكون ممتنعا.

و فيه:- مع أنّ الوقوف على الأعلم و الأورع من الأموات قد يتأتّى بمراجعة كتبهم و تصانيفهم و اشتهاره فيما بين الطائفة، و كونه بحيث يعتنى بشأنه و يستشهد بقوله و فتواه في المسائل الخلافيّة- منع الملازمة، إذ غاية ما يلزم من امتناع الوقوف على الأعلم و الأورع منهم بعد العلم الضروري بوجوده فيما بينهم إجمالا إنّما هو سقوط اعتبار الأعلميّة و الأورعيّة لا امتناع تقليد الميّت، و ذلك لما تقدّم في بحث تقليد الأعلم أنّ الأعلميّة و الأورعيّة من باب المانع من تقليد غير الأعلم و الأورع بل من باب المرجّح لتقليد الأعلم و الأورع عند الاختلاف بينه و بين غيره في المسائل الخلافيّة، فإذا تعذّر تشخيص محلّهما بعد العلم بوجودهما إجمالا سقط اعتبارهما و يثبت التخيير لعدم غيره حتّى العمل بالاحتياط، لأنّ التقليد في حقّ العامي الغير المتمكّن من الاجتهاد إنّما يثبت مشروعيّته بعد الفراغ عن إثبات سقوط اعتبار الاحتياط لتعذّره أو تعسّره.

و للمانعين من تقليد الميّت حجج اخر واهية لا جدوى في التعرّض لها و لما فيها من وجوه الضعف، و قد تعرّض لإيراد أكثرها السيّد الطباطبائي(قدّس سرّه)في مفاتيحه.

و للقول بجوازه أيضا وجوه:

أوّلها: إطلاق أدلّة مشروعيّة التقليد كتابا و سنّة، أمّا الكتاب فكآيات النفر و الكتمان و السؤال فإنّه بإطلاقها تتناول الموتى و تدلّ على جواز الأخذ بفتاويهم و العمل بها.

و هذا كما ترى أضعف شيء ذكر في المقام، و يرد عليه- بعد الإغماض عمّا قدّمناه في محلّه من منع دلالة هذه الآيات على أصل مشروعيّة التقليد فضلا عن تناولها لتقليد الميّت و البناء على نهوض دلالاتها على المشروعيّة- منع الإطلاق تارة و وجوب الخروج عنه اخرى.

أمّا آية النفر: فيرد على الاستدلال بها ظهورها في الأحياء، فإنّ إسناد الإنذار إلى المتفقّهين و توقيته برجوعهم إلى قومهم ظاهر كالصريح في وجوب قبول فتاويهم و العمل بها حال حياتهم.


صفحه 522

..........

لا يقال: يتمّ في الأموات بالإجماع المركّب كما هو كذلك في العمل برواياتهم، فإنّ المستدلّين بالآية لاثبات حجّية خبر الواحد لا يفرّقون في العمل بالرواية بين حياة الراوي و مماته و لا جهة له إلّا الإجماع المركّب.

لأنّ الإجماع المركّب إنّما يسلّم في الرواية و أمّا الفتوى فإن لم ندّع الإجماع على الفرق- كما يرشد إليه الإجماعات المنقولة على منع تقليد الميّت- فلا أقلّ من كون القول به مشهورا، و إن لم ندّع الشهرة أيضا فلا أقلّ من دعوى وجود قائل به بل مصير جماعة إليه.

و مع هذا كلّه فكيف يعقل الإجماع على عدم الفرق بين العمل بفتوى الحيّ و العمل بفتوى الميّت.

و لو سلّم عدم ظهورها في العمل بفتاوى المنذرين في حال حياتهم فلا نسلّم أيضا ظهورها في الإطلاق، فيكون مفادها وجوب العمل بفتاوى المنذرين على وجه الاهمال، و من حكم القضيّة المهملة وجوب الأخذ فيها بالقدر المتيقّن و هو هنا فتاوى الأحياء و الرجوع في غيره و هو فتاوى الميّت إلى الأصل المنحلّ إلى اصول متعدّدة حسبما قرّرناها في بيان مستند القول المختار.

و لو سلّم الإطلاق فوجب الخروج عنه بتخصيص الآية بالأحياء بالإجماعات المنقولة المتقدّمة المعتضدة بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع، بل ظهور إجماع السلف على المنع مع اعتضادها بالاعتبار المتقدّم القاضي بزوال الظنّ بالموت.

و أمّا آية الكتمان، فيرد عليها:

أوّلا: أنّ دلالتها على وجوب القبول و العمل ليست بطريق المطابقة بل بطريق الالتزام، للملازمة بين وجوب إظهار الهدى و وجوب قبوله الّذي هو التقليد عرفا أو عقلا، بتقريب:

أنّه لو لا جواز القبول لزم خروج الاظهار لغوا خاليا عن الفائدة و هو قبيح، فيكون الأمر به أمرا بالقبيح و هو قبيح مناف للحكمة، و هذا المدلول الالتزامي أمر معنويّ لا لفظ فيه ليكون عنوانا للعموم أو الإطلاق.

فأقصى ما يسلّم فيه ثبوته على طريقة القضيّة المهملة، فيجري فيها ما تقدّم من وجوب الأخذ بالقدر المتيقّن و الرجوع في غيره إلى الأصل.

و ثانيا: أنّه على تقدير ثبوت الإطلاق يجب الخروج عنه في الأموات بما مرّ من الإجماعات و اعتضاداتها.


صفحه 523

..........

و أمّا آية السؤال ففيها:

أوّلا: أنّ حقيقة السؤال المأمور به تأبى تناول الآية للرجوع إلى الأموات، لعدم صدق السؤال عليه عرفا و لا لغة.

و ثانيا: أنّه لا إطلاق في الأمر بالسؤال بحيث يقضي بوجوب تقليد الميّت ابتداء أو استدامة.

أمّا في الأوّل: فلأنّ السؤال عند الجهل إنّما وجب لوجوب القبول و العمل، لا أنّ القبول و العمل يجب لوجوب السؤال، فيكون وجوب السؤال مقدّميّا غيريّا فيكون في إطلاقه و عمومه أو بيانه و إجماله تابعا للقبول و العمل الّذي هو الواجب الأصلي النفسي.

و من الظاهر أنّه في الآية أمر لبّي لا لفظ فيه ليكون عنوانا في الحكم و يعتبر فيه عموم أو إطلاق فلا يكون إلّا قضيّة مهملة، و يكفي في خروج الأمر بالسؤال عن اللغويّة وجوبه في الجملة، و القدر المتيقّن منه وجوب السؤال من الأحياء و العمل بفتواهم في المسألة، فيبقى غيره غير مندرج في الآية.

و أمّا في الثاني: فلأنّ مقتضى الأمر بالسؤال المعلّق على عدم العلم وجوبه عند طروّ حالة الموت.

فإن قلت: إنّ العلم في هذه الحالة حاصل و لا حاجة معه إلى السؤال.

قلنا: إن أردت بالعلم العلم الحقيقي فالأمر على تقدير كونه حاصلا كما ذكرت، إلّا أنّه خلاف المفروض لكون مبنى التقليد على التعبّد لا العلم و لا الظنّ، و إن أردت به العلم الشرعي و هو فتوى المجتهد الّتي يجب العمل عليها نطالبك بدليل ذلك، فإنّا في شكّ في وجوب [العمل] بقول المجتهد الميّت.

و قضيّة ذلك وجوب الرجوع إلى الحيّ و سؤاله بمقتضى الأمر بالسؤال المعلّق على عدم العلم.

و ثالثا: أنّه على تقدير تسليم الإطلاق فلا بدّ من الخروج منه بما عرفت.

و أمّا السنّة فطائفتان من الأخبار:

إحداهما: ما دلّ بالعموم على الأمر بتقليد الفقهاء كالمرويّ عن احتجاج الطبرسي عن تفسير العسكري في حديث طويل من قوله(عليه السلام): «من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه» أو بالرجوع إلى رواة


صفحه 524

..........

الحديث كما في التوقيع المرويّ عن الفقيه و إكمال الدين و احتجاج الطبرسي من قوله(عليه السلام):

«أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه عليهم».

و اخراهما: الأخبار الجزئيّة الواردة في أشخاص مخصوصين من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)الآمرة لبعضهم بالإفتاء، كما في أبان بن تغلب من قول الباقر(عليه السلام): «اجلس في هذا المجلس و أفت بين الناس، فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك» و في جماعة بأخذ معالم الدين عنهم كما في أبي بصير الأسدي و زكريّا بن آدم و يونس بن عبد الرحمن.

فإن كان النظر في الاستدلال إلى الطائفة الاولى ففيه أوّلا: الطعن في أسانيدها.

و ثانيا: منع الإطلاق بدعوى ظهورها في الأحياء، فإنّ الموصوف بالصفات المذكورة في الرواية الاولى لا يكون إلّا الحيّ، و الضمير في قوله: «أن يقلّدوه» راجع إلى هذا الموصوف، فالأمر بالتقليد هنا لا يشمل غير الأحياء، و لو سلّم العموم و لو بالقياس إلى الأحوال الّتي منها حالة الموت فلا بدّ من تخصيصها بحالات الحياة أو بالأحياء بما تقدّم من الإجماعات.

و الرواية الثانية أيضا لا تتناول غير الأحياء بضابطة ما هو الأصل في المشتقّ من كونه لحال التلبّس بالمبدإ، و هو في الراوي من قبيل الملكات فيكون عبارة عمّن شأنه الرواية.

و لا ريب أنّ رواة الحديث بهذا المعنى لا يكونون إلّا الأحياء.

و ممّا يؤكّد ذلك أنّه لو لا المراد الإرجاع إلى الأحياء لناسب أن يقال: «فارجعوا إلى رواياتنا، أو إلى أحاديثنا، أو إلى كتب رواة حديثنا» و لو سلّم العموم أو الإطلاق لوجب الخروج عنه أيضا بما عرفت.

و أضعف من الاستدلال بنحو هاتين الروايتين ما قد يوجد من الاستدلال بما دلّ من الأخبار على تأبيد الأحكام مثل قوله(عليه السلام): «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة».

و فيه: أنّ الحلال و الحرام الواقعيّين كما في الرواية و كلامنا في الأحكام التقليديّة الّتي هي الأحكام الظاهريّة المعلّقة على موضوع أخذ فيه قيود من الاجتهاد و الإيمان و العدالة و يحتمل كون الحياة منها، و اللازم فيه ارتفاع الأحكام بزوال الحياة، فلا مستند للحكم ببقائها إلّا الاستصحاب. و سيأتي الكلام فيه.

و إن كان النظر إلى الطائفة الثانية. ففيه: منع كون أخذ معالم الدين عن آحاد الأشخاص


صفحه 525

..........

المخصوصين تقليدا لهم حتّى يكون الأمر بذلك الأخذ أمرا بتقليد هؤلاء، فإنّهم فيما يروونه أو يفتون به كانوا يقصدون النقل عن أئمّتهم(عليهم السلام)و إن لم يذكروه بصورة النقل.

و من المعلوم أنّ الأخذ بما ينقله الواسطة لا يسمّى في العرف تقليدا للواسطة، كأخذ المقلّد بما ينقله العدل عن مجتهده حيث لا يسمّى تقليدا لذلك العدل، فالغرض الأصلي من الأوامر الواردة في الأخبار الخاصّة إخراج أصحابهم السائلين عمّن يؤخذ عنه معالم الدين عن الجهالة في الدين و بلوغ الحقّ إليهم و وصولهم إلى الواقع النفس الأمري المتلقّى منهم(عليهم السلام)، لا تحصيل موضوع الحكم الظاهري الّذي هو قول المفتي من حيث نفسه، كما يرشد إليه قضيّة انفتاح باب العلم لهم، فالمطلوب منهم تحصيل الواقع لا الأخذ بقول الغير تعبّدا.

و ممّا يؤيّد ذلك و يؤكّده أو يدلّ عليه وصف جماعة من هؤلاء بالوثاقة و الأمانة، و منه ما ورد في شأن زكريّا بن آدم عن عليّ بن المسيّب الهمداني قال: قلت للرضا(عليه السلام): شقّتي بعيدة و لست أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: «من زكريّا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا».

و ما ورد في العمري- الّذي هو و ابنه من السفراء- عن أحمد بن إسحاق قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)قلت له: من اعامل؟ و عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال له: «العمري ثقة فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون».

و فيه و ابنه عن أحمد بن إسحاق أنّه سأل أبا محمّد(عليه السلام)عن مثل ذلك، فقال له: «العمري و ابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما و أطعهما، فإنّهما الثقتان المأمونان».

و ما ورد في يونس من قوله(عليه السلام): «نعم» لمّا قال له عبد العزيز المهتدي: ربّما أحتاج و لست ألقاك في كلّ وقت، أ يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني؟ قال: «نعم»[1].

و بالجملة إناطة أخذ معالم الدين بالوثاقة و الأمانة في هذه الأخبار تدلّ على أنّ المقصود من [الرجوع إلى] أصحاب الأئمّة و الرواة إنّما هو التوصّل إلى الحكم الواقعي المتلقّى من الأئمّة و الرواة من غير فرق في ذلك بين ما لو صدر بيانه من الجماعة

[1]رجال الكشي: 483 رقم 910.