..........
فيندرج في عموم أدلّة حرمة التقليد على المجتهد.
و أمّا عدم كونها من الموضوعات الخارجيّة الّتي هي الجزئيّات المندرجة تحت المفاهيم الكلّية المعلّق عليها الأحكام الشرعيّة فلعدم جواز التقليد فيها بلا خلاف للأصل، فيجوز للعامي و من بحكمه الأخذ بمعتقده و إن خالف معتقد مجتهده الّذي قلّده في كلّي المسألة من دون أن يكون مخالفة لتقليده في أصل الحكم، لأنّ ما اعتقده المجتهد من جزئيّات موضوع حكم خارج من هذا الحكم في معتقد المقلّد خروجا موضوعيّا، فعدم إجرائه الحكم الّذي رتّبه عليه المجتهد عليه إنّما هو لاعتقاده بخروجه الموضوعي لا لمخالفته الحكم الّذي أفتى به المجتهد في كلّي المسألة المقلّد فيها كما هو واضح.
و أمّا عدم كونها من الموضوعات الاستنباطيّة- و هي مفاهيم الألفاظ الكلّية المعلّق عليها الأحكام الشرعيّة- فلعدم جواز التقليد فيها أيضا في الجملة.
و توضيحه: أنّها إمّا أن تكون ضروريّة «كالكلب» و «الغنم» و «الخمر» و «الماء» فلا إشكال في أنّه لا تقليد في مفهوم اللفظ و لا يجب الفحص و النظر أيضا لمعرفة ذلك المفهوم في نحو هذا القسم، أو تكون نظريّة محتاجة في معرفة مفهوم اللفظ إلى الفحص مع كون المقلّد من أهل النظر و كون اللفظ بحيث أخذه المجتهد في فتواه، على أنّه بمفهومه اللغوي أو معناه العرفي مورد للحكم الوارد في خطاب الشرع، كما لو قال: «يجوز التيمّم على الصعيد» فلا إشكال في أنّه لا تقليد أيضا في نحوه، بل يجب عليه معرفة المفهوم المعلّق عليه الحكم بمراجعة العرف و اللغة، و لا يرجع إلى المجتهد بل يأخذ بما أدّاه إليه فحصه.
نعم لو لم يكن المقلّد من أهل النظر أو كان و لكن اللفظ ممّا أخذه المجتهد في فتواه تعبيرا عن معنى خاصّ استفاد من الأدلّة كونه موردا للحكم و عبّر عنه بذلك اللفظ باعتقاد أنّه مسمّى اللفظ- كما لو قال: «يجوز التيمّم على الصعيد» مريدا منه التراب المستفاد من الأدلّة كونه موضوع الحكم و أراده من «الصعيد» باعتقاد أنّه اسم لهذا المعنى و إن لم يكن كذلك في الواقع- ففي هاتين الصورتين يجب على المقلّد أن يرجع إلى المجتهد و يسأله عن مفهوم اللفظ الثابت له بحسب العرف أو اللغة أو أراده منه بحسب اجتهاده فيأخذ به و يتابعه، و إن خالف معتقده في مفهومه بحسب العرف لما أراده المجتهد كما لو اعتقد في «الصعيد» كونه لمطلق وجه الأرض.
و منها: أن لا يكون المسألة مسبوقة بتقليد مجتهد آخر جامع للشرائط، فإنّها حينئذ
..........
لا تقبل تقليدا آخر و لا يجوز فيها تقليد مجتهد آخر، و مرجعه إلى عدم جواز العدول عن التقليد في المسألة المقلّد فيها، و قد تقدّم تحقيق ذلك و تفصيل القول فيه مشروحا.
و منها: أنّ لا يقطع المقلّد بخطإ مجتهده في خصوص المسألة، فلو قطع لا يسوغ له تقليده في تلك المسألة لمكان قطعه بمخالفة فتواه الواقع، و هذا واضح فإنّ فتوى المجتهد ما لم يصر حكما فعليّا للمقلّد لم يجز له الأخذ بها، و إنّما يصير حكما فعليّا يجب بناء العمل و ترتيب آثار الواقع عليه إذا لم ينكشف مخالفته الواقع، و قطعه بخطإ المجتهد في خصوص المسألة عبارة عن انكشاف مخالفة فتواه الواقع، و أمّا لو قطع بفساد مدرك المسألة و دليلها و الطريق الّذي اعتمد عليه- كما إذا عوّل على النوم أو على القياس أو على خبر بظنّ الصدور و قطع المقلّد بفساد الأوّلين و عدم صدور الأخير- فهل يجوز له تقليده في هذه المسائل و الأخذ بالأحكام المستفادة من هذه الطرق أو لا؟ وجهان: من أنّ مؤدّى الطريق الّذي يقطع المقلّد بفساده حكم ثابت بالاجتهاد الصحيح المحكوم بإجزائه للمجتهد في مرحلة الظاهر فيجوز له الأخذ به، و من أنّ قضيّة فساد الطريق عدم كون الحكم المستفاد منه حكما فعليّا للمقلّد فلا يجوز له الأخذ به.
و لكن أوجه الوجهين و أقواهما الوجه الأوّل، لأنّ العبرة في كون مؤدّيات الطرق أحكاما فعليّة إنّما هو بنظر المجتهد الجامع للشرائط لا بنظر المقلّد، إذ ليس وظيفة المقلّد النظر في الطريق ليثمره صحّته و فساده، بل وظيفته الأخذ بما أفتى به المفتي من موجب طرقه الصحيحة في نظره ما لم ينكشف عنده مخالفته الواقع، و المفروض أنّه لم ينكشف عنده مخالفته الواقع، إذ القطع بفساد الطريق لا يستلزم القطع بمخالفة مؤدّاه الواقع، كما لم ينكشف مخالفته الواقع عند المجتهد، فهو حكم فعليّ في حقّ المجتهد، و كلّما هو حكم فعليّ في حقّه [فهو] حكم فعليّ في حقّ مقلّديه ما لم ينكشف عندهم مخالفته الواقع، بضابطة أنّ كلّما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّ المقلّد.
هذا و لكنّ الأحوط ترك تقليده في المسائل المبتنية على الطريق الّذي يقطع بفساده.
نعم إذا أدّاه القطع بفساد الطريق إلى القطع بمخالفة مؤدّاه الواقع تعيّن عدم تقليده حينئذ لرجوعه إلى المسألة الاولى.
و هاهنا مسألة اخرى، و هي: ما لو قطع المقلّد في مسألة بفساد اجتهاده مع صحّة طريقه في موضع يكون معذورا في ذلك الاجتهاد بعدم تقصيره في مقدّماته، كما لو عوّل على
..........
طريق صحيح بلا فحص عن المعارض إمّا لنسيانه أو لاعتقاد عدم وجوده من باب الجهل المركّب، فالوجه جواز تقليده فيه لعين ما تقدّم من كون مؤدّى ذلك الاجتهاد حكما فعليّا في حقّ المجتهد و لم ينكشف للمقلّد مخالفته الواقع، لأنّ القطع بفساد الاجتهاد لا يستلزم القطع بمخالفة مؤدّاه الواقع.
و من هنا يعلم أنّ هذا ليس من مسألة القطع بالخطإ في خصوص المسألة، لأنّ الخطأ لا يلازم فساد الاجتهاد و لا ينافي صحّته كما لا ينافي صحّة الطريق، بل هو صفة تعرض المجتهد باعتبار انصراف فهمه عن الواقع إلى غيره، و كما أنّ الخطأ بهذا المعنى لا يلازم فساد الاجتهاد بل يجامع صحّته أيضا فكذلك فساد الاجتهاد لا يلازم الخطأ بهذا المعنى بل يجامع الصواب أيضا، فلا ملازمة بين المسألتين.
و منها: كون المسألة المقلّد فيها ممّا أفتى به المجتهد فعلا فلا يكفي شأنيّة الإفتاء، كما لو علم المقلّد من مذاق المجتهد و طريقته و مذهبه في الاصول أنّه لو أراد الإفتاء في المسألة لأفتى بالحكم الفلاني، فإنّه لا يكفي حينئذ صحّة التقليد و الأخذ بذلك الحكم التقديري، بل لا بدّ من إحراز كونه قد أفتى فيها فعلا بالحكم الفلاني.
و منها: إحراز عدم رجوع المجتهد فيها عمّا أفتى به أوّلا إلى غيره بطريق علمي أو شرعي ظاهري و يكفي فيه الاستصحاب، فلو شكّ في مسألة من المسائل في رجوع المجتهد عن فتواه و عدمه فالظاهر أنّه يجوز له البناء على عدم الرجوع، تعويلا على أصالة العدم و استصحاب الحالة السابقة الّذي هو من الاستصحاب في الموضوع الخارجي الّذي يكون المجتهد و المقلّد في جواز العمل به على شرع سواء، و لا يجب عليه الفحص و السؤال في العمل به على ما هو المحقّق في الاصول الجارية في الموضوعات الخارجيّة من عدم اشتراط العمل بها بالفحص إجماعا، كما هو الحال في استصحاب حياة المجتهد و عدالته و اجتهاده و نحوه الّذي هو من وظيفة المجتهد.
و على هذا فلو اعتمد المقلّد في بقائه على التقليد على استصحاب عدم رجوع المجتهد و اتّفق الرجوع للمجتهد في الواقع ففي وجوب الإعلام عليه للمقلّد برجوعه، و كذلك لو حصل له التردّد وجهان بل قولان:
من وجوب الإرشاد و تعليم الأحكام الثابت بعمومات الكتاب و السنّة، فمن الكتاب قوله عزّ من قائل:وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِو قوله أيضا:وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا
..........
رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، و من السنّة قوله(عليه السلام): «ما أخذ اللّه على العوام أن يتعلّموا إلّا و قد أخذ على العلماء أن يعلّموا».
و من أنّ الأصل و الاستصحاب الّذي اعتمد عليه المقلّد طريق شرعي مفاده حكم ظاهري للمقلّد و قد أخذ به، فهو ليس بجاهل و لا غافل من حيث اعتماده في عمله على طريق شرعي، و العمومات المشار إليها إنّما تنصرف إلى الجاهل الصرف و الغافل المحض الّذي لم يعتمد في عمله على طريق شرعي.
و كيف كان فلو قطع المقلّد برجوع المجتهد عن فتواه فلا إشكال و لا خلاف في أنّه لا يجوز له البقاء على تقليده في هذه الفتوى، بل يجب عليه العدول عن هذا المجتهد إلى مجتهد آخر، أو عن هذه الفتوى إلى فتواه الثانية المتجدّدة بالنسبة إلى الوقائع اللاحقة و الأعمال المستقبلة، من غير فرق بين العبادات و الإنشاءات من العقود و الإيقاعات أو الأحكام، و هي عبارة عن موضوعات مخصوصة من الأعيان أو أفعال المكلّفين غير العبادات و الإنشاءات أثبت لها الشارع محمولات، كقولنا: «العصير العنبي بعد الغليان حرام أو نجس» و «العصير الزبيبي أو التمري حلال أو طاهر» و «الميتة حرام أو نجس» و «السمك حلال أو طاهر» و «الغناء أو استماعه حرام» إلى غير ذلك ممّا يذكر في مباحث الأطعمة و الأشربة و الصيد و الذباحة و إحياء الموات و المواريث و القضاء و الشهادات و الحدود و الديات.
[وجوب نقض الآثار المترتّبة على الفتوى المعدول عنه و عدمه]
و بالجملة وجوب العدول في جميع ذلك بالنسبة إلى الوقائع اللاحقة و الأعمال المستقبلة ممّا لا ينبغي التأمّل فيه بل لا خلاف فيه، لخروج الفتوى الاولى برجوع المجتهد عنها عن كونها حكما فعليّا فلا يجوز الأخذ بها على ما قدّمناه.
و أمّا الوقائع السابقة فلكونها من الامور الغير القارّة بالذات و انعدمت بمجرّد وجودها و انقضاء زمان وقوعها فلا ينبغي التكلّم في وجوب العدول بالنسبة إليها الّذي يعبّر عنه بالنقض و عدمه، بل الّذي ينبغي أن يتكلّم في وجوب نقضه و عدمه إنّما هو الآثار المترتّبة عليها، و حيث إنّها قد تكون من العبادات و قد تكون من الإنشاءات و غيرها، فالكلام في نقض آثارها و عدمه يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في الآثار المترتّبة على العبادات.
فنقول: لا إشكال و لا ينبغي التأمّل في مضيّ الآثار السابقة المرتّبة على الوقائع السابقة من العبادات إن كان لها آثار سابقة، كفضيلة أوّل الوقت و فضيلة المسارعة و التعجيل إلى
..........
فعل المأمور به و فضيلة الوقت و نحو ذلك فيمن صلّى بلا سورة تقليدا عمّن لا يوجبها في الصلاة في أوّل الوقت، أو سارع إلى فعلها أو في الوقت طلبا لإدراك فضائل هذه الكيفيّات و مصالحها ثمّ عدل المجتهد إلى القول بوجوب السورة فوجب الالتزام بترتّب هذه الآثار و حصول هذه المنافع و المصالح و عدم انتقاضها بالعدول، و إن قلنا بعدم كون الصلوات المأتيّ بها على طبق الفتوى الاولى من الصلاة المأمور بها في الواقع لئلّا يلزم فوات هذه المنافع عن المكلّف بلا تدارك حذرا عن نقض الغرض و منافاة العدل و الحكمة، كما يظهر وجهه بالتأمّل فيما قرّرناه في بحث الإجزاء و غيره.
و أمّا الآثار المستقبلة المترتّبة على الوقائع السابقة من العبادات فإن كانت بحيث تترتّب على الصحّة الشرعيّة و لو ظاهريّة- أي العمل الصحيح المحكوم بصحّته في ظاهر الشرع- فينبغي القطع بترتّبها أيضا و عدم انتقاضها بالعدول، و ذلك كاستحقاق الاجرة المقتضي لجواز تناول الأجير للأموال الموجودة بعد العمل و التصرّف فيها في استيجار العبادات من الصلاة و الصوم و الحجّ و غيرها الواقعة على طبق التقليد في الفتوى السابقة، فإنّ عقد الإجارة فيها يقتضي وجوب العمل على حسب التكليف المحكوم بصحّته شرعا باعتبار موافقته التكليف، و لذا لا يقدح فيه النسيان و السهو فيما لا يبطله السهو، كما يقتضي استحقاق الاجرة على العمل المفروض على هذا الوجه من دون نظر إلى الواقع، و جواز التصرّف في الأموال الموجودة منها بعد العمل الواقع على هذا الوجه بل و حصول الامتثال المسقط المتدارك حتّى بعد رجوع المجتهد عن الفتوى و العدول عن تقليده في تلك الفتوى.
و بالجملة هذه الآثار مترتّبة على الصحّة الشرعيّة المنوطة بالتكليف الظاهري و قد حصلت حين وقوع العمل.
و إن كانت بحيث تترتّب على الصحّة الواقعيّة كسقوط الإعادة و القضاء، ففي انتقاضها المقتضي لوجوب الإعادة بعد الرجوع لو كان في الوقت و لو في الجزء الأخير منه و القضاء لو كان في خارج الوقت و عدمه قولان، أقواهما و أوفقهما بالقواعد أوّلهما وفاقا لبعض مشايخنا(قدّس سرّه).
و يظهر من فحوى المحكيّ عن العلّامة و العميدي و الحاجبي و العضدي و الآمدي في التهذيب و المنية و المختصر و شرحه و الإحكام من القول ببطلان المعاملة من عقد أو إيقاع رأسا و انتقاض آثارها مطلقا عند تغيّر الاجتهاد و تجدّد الرأي.
..........
و دليلنا عليه بالبيان الإجمالي: أنّ سقوط الإعادة و القضاء يتبع الامتثال الواقعي كما هو مقتضى أدلّة الواقع، و لا يتأتّى ذلك إلّا بإتيان المأمور به الواقعي أو بإتيان بدله الّذي جعله الشارع بدلا له، و المفروض بعد الرجوع و العدول انتفاء الأمرين بالقياس إلى الوقائع السابقة.
أمّا الأوّل: فلأنّ المفروض أنّ الصلاة بلا سورة مثلا المأتيّ بها على طبق الفتوى الاولى انكشف بالرجوع إلى وجوب السورة عدم كونها المأمور به الواقعي.
و أمّا الثاني: فلأنّ بدليّة الصلاة بلا سورة مبنيّة على موضوعيّة جعل الأمارات و هو باطل، فالمأمور به الواقعي باق على ذمّة المكلّف فيجب الإتيان به إعادة أو قضاء.
أمّا الأوّل: فلأنّ بقاء الوقت و لو جزء أخيرا منه بمقتضىأَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِيقتضي وجوب الخروج عن عهدة الأداء.
و أمّا الثاني: فلأنّ قضيّة الجمع بين أدلّة الأداء و أدلّة القضاء وجوب أحد الأمرين من الفعل في الوقت و الفعل في خارجه مع ترتّب الثاني على فوات الأوّل.
و توهّم أنّ سقوط الإعادة و القضاء من الآثار السابقة المترتّبة على الوقائع السابقة الّتي تقدّم عدم الإشكال في وجوب المضيّ فيها.
يدفعه: وضوح الفرق بين الحكم بالسقوط و نفس السقوط في الواقع، و الأوّل لا يلازم الثاني، و المترتّب على الوقائع السابقة قبل الرجوع إنّما هو الأوّل و الرجوع إلى خلافها بموجب الأمارة المعمول بها في الاجتهاد الثاني كشف عن عدم السقوط بحسب الواقع.
لا يقال: الّذي يستلزمه الرجوع عن الفتوى إنّما هو حجّية الاجتهاد الثاني بالنسبة إلى الوقائع اللاحقة لا الوقائع السابقة، و الإعادة لتعلّقها بها بل القضاء أيضا منها فلا يحكم بوجوبهما بمقتضى الاجتهاد الثاني المفروض عدم حجّيته بالنسبة إليهما.
لأنّ الإعادة و القضاء على تقدير وجوبهما إنّما يجبان على أنّهما من الوقائع اللاحقة، ضرورة أنّ الإتيان بالمأمور به الواقعي في الوقت على تقدير بقائه أو في خارجه على تقدير فواته في الوقت واقعة حصل الابتلاء بها بعد الرجوع عن الفتوى.
و لو قيل: إنّ العمل قد وقع قبل الرجوع.
قلنا: انكشف عدم كون ما وقع هو المأمور به الواقعي، و المفروض عدم كونه بدلا له
..........
لبطلان الجعل الموضوعي في الأمارات.
و السرّ فيه- مع وضوحه و اتّضاحه في غير موضع- أنّ المستفاد من أدلّة الطرق سواء كانت معمولة في الأحكام أو في الموضوعات وجوب الأخذ بمؤدّاها و تطبيق الحركات و السكنات الخارجيّة عليه على أنّه هو الواقع، و لا يستفاد منها كون مؤدّاها شيئا آخر غير الواقع في عرض الواقع، و معنى تغيّر الاجتهاد و الرجوع عن الفتوى الاولى انكشاف عدم كون مؤدّى الأمارة الاولى المعمول بها في الاجتهاد الأوّل هو الواقع.
ثمّ من المعلوم أنّ الواقع إذا كان مجهولا فالمكلّف الجاهل به ما دام جاهلا و لو من باب الجهل المركّب ليس له سوى المعذوريّة من حيث العقوبة و المؤاخذة، و كما أنّ المعذوريّة إنّما كانت ما دام الجهل فكذلك وجوب العمل بمؤدّى الطريق- على معنى ترتيب آثار الواقع عليه- إنّما هو ما دام الجهل، فإذا زال الجهل بانكشاف خلاف مؤدّى الطريق تعيّن الأخذ بالواقع و ترتيب الآثار عليه و هو مؤدّى الطريق المرجوع إليه.
و من جملة الآثار وجوب الإعادة أو القضاء، لعدم سقوط الأمر أو فواته في الوقت من جهة عدم حصول الإتيان بالمأمور به الواقعي و لا ببدله، لعدم كون المأتيّ به أوّلا بدلا له لأنّ الإتيان به إنّما حصل على أنّه المأمور به الواقعي و قد انكشف خلافه.
هذا كلّه مضافا إلى ما قرّرناه بما لا مزيد عليه في بحث الإجزاء فإنّا قد أشبعنا الكلام في هذا المقام ثمّة.
المقام الثاني: في الآثار المترتّبة على المعاملات من العقود و الإيقاعات،
كما لو اشترى دارا أو عقارا أو كسوة أو نحوها بالمعاطاة لبنائه على صحّتها، و عقد على امرأة بالفارسي لبنائه على عدم اشتراط العربيّة في العقد، أو على الباكرة البالغة من دون إذن أبيها لبنائه على عدم ولاية له عليها، أو على المرضعة أو المرتضعة بعشر رضعات لبنائه على عدم نشر الحرمة بها، ثمّ تغيّر رأيه و رجع عمّا بنى عليه أوّلا لما دلّه على فساد المعاطاة و اشتراط العربيّة في صحّة العقد و ولاية الأب على الباكرة الرشيدة و نشر الحرمة بعشر رضعات، فله بالقياس إلى لزوم الحكم بفساد ما وقع على طبق الفتوى الاولى و وجوب نقض الآثار المترتّبة على الوقائع المذكورة من العقود المنطبقة على الاجتهاد الأوّل و عدمه صور:
الاولى: ما لو كان رجوعه على سبيل القطع، بأن صادف اجتهاده الثاني قاطعا أفاده القطع بخطائه في الفتوى الاولى المستلزم للقطع بفساد العقود المذكورة و غيرها، ففي مفاتيح
..........
السيّد: «الظاهر أنّه يلزمه الحكم بفساد ما فعل بالاجتهاد الأوّل، و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب».
أقول: و هو كذلك، بل الحكم بالفساد الّذي هو عبارة عن نقض الآثار الشرعيّة ممّا لا ينبغي الاسترابة فيه، ضرورة أنّ الآثار إنّما تترتّب على العقد أو الإيقاع الصحيحين لا على ما انكشف فساده و مخالفته الواقع.
و السرّ فيه: أنّ الصحّة بمعنى ترتّب الأثر في عقد أو إيقاع إنّما هو من مقتضىأَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَوأَوْفُوا بِالْعُقُودِو غير ذلك من عمومات أدلّة العقود و الإيقاعات، و هو إنّما يعقل في عقد أو إيقاع علم اندراجه في عموم تلك الأدلّة، و الرجوع عن الفتوى معناه انكشاف عدم اندراج الموارد المنطبقة عليها تحت الأدلّة، خصوصا لو كان ذلك لخروجه الموضوعي كما في المعاطاة مثلا لو رجع عن القول بصحّتها بيعا إلى الفساد و عدم البيعيّة، و معه كيف يعقل ترتيب الآثار الشرعيّة بعد الرجوع؟
الثانية: ما لم يكن الرجوع على سبيل القطع، لوصوله في الاجتهاد الثاني إلى أمارة ظنّية و لكن اتّصل بالوقائع السابقة المنطبقة عليها حكم من حاكم شرعي، كما لو ترافع المتعاقدان أو غيرهما لوقوع الاختلاف في الصحّة و عدمها في الأمثلة المتقدّمة إليه فحكم بالصحّة لموافقته في الرأي لذلك المجتهد الّذي اتّفق له الرجوع.
و حينئذ فعن النهاية و التهذيب و المنية و المختصر و شرحه للعضدي و شرح المبادئ التصريح بالاستمرار على ما فعل و ترتيب الآثار عليه و عدم جواز نقضه.
و عن النهاية التصريح بعدم الفرق فيما لو كان صاحب الواقعة هو المقلّد بين ما لو كان الحاكم هو المجتهد المتغيّر رأيه أو غيره.
و عن النهاية و التهذيب و المنية و غيرها التعليل بأنّ حكم الحاكم لمّا اتّصل بالنكاح فيما لو نكح امرأة خالعها ثلاثا لبنائه أوّلا على أنّ الخلع فسخ لاطلاق، ثمّ تغيّر اجتهاده فبنى على أنّه طلاق بعد لحوق حكم الحاكم بصحّة النكاح تأكّد ذلك النكاح فلا يفسد بتغيّر الاجتهاد.
و عن النهاية أنّه زاد عليه محافظة على حكم الحاكم مصلحته، و تنظّر في المنية في الأوّل بقوله: «و في هذا نظر، لأنّ حكم الحاكم لا يغيّر الشيء عمّا هو عليه، فإن كان الحلّ ثابتا في نفسه لم يؤثّر فيه حكم القاضي، و إن كان منتفيا لم يثبت بحكم الحاكم».