..........
لبطلان الجعل الموضوعي في الأمارات.
و السرّ فيه- مع وضوحه و اتّضاحه في غير موضع- أنّ المستفاد من أدلّة الطرق سواء كانت معمولة في الأحكام أو في الموضوعات وجوب الأخذ بمؤدّاها و تطبيق الحركات و السكنات الخارجيّة عليه على أنّه هو الواقع، و لا يستفاد منها كون مؤدّاها شيئا آخر غير الواقع في عرض الواقع، و معنى تغيّر الاجتهاد و الرجوع عن الفتوى الاولى انكشاف عدم كون مؤدّى الأمارة الاولى المعمول بها في الاجتهاد الأوّل هو الواقع.
ثمّ من المعلوم أنّ الواقع إذا كان مجهولا فالمكلّف الجاهل به ما دام جاهلا و لو من باب الجهل المركّب ليس له سوى المعذوريّة من حيث العقوبة و المؤاخذة، و كما أنّ المعذوريّة إنّما كانت ما دام الجهل فكذلك وجوب العمل بمؤدّى الطريق- على معنى ترتيب آثار الواقع عليه- إنّما هو ما دام الجهل، فإذا زال الجهل بانكشاف خلاف مؤدّى الطريق تعيّن الأخذ بالواقع و ترتيب الآثار عليه و هو مؤدّى الطريق المرجوع إليه.
و من جملة الآثار وجوب الإعادة أو القضاء، لعدم سقوط الأمر أو فواته في الوقت من جهة عدم حصول الإتيان بالمأمور به الواقعي و لا ببدله، لعدم كون المأتيّ به أوّلا بدلا له لأنّ الإتيان به إنّما حصل على أنّه المأمور به الواقعي و قد انكشف خلافه.
هذا كلّه مضافا إلى ما قرّرناه بما لا مزيد عليه في بحث الإجزاء فإنّا قد أشبعنا الكلام في هذا المقام ثمّة.
المقام الثاني: في الآثار المترتّبة على المعاملات من العقود و الإيقاعات،
كما لو اشترى دارا أو عقارا أو كسوة أو نحوها بالمعاطاة لبنائه على صحّتها، و عقد على امرأة بالفارسي لبنائه على عدم اشتراط العربيّة في العقد، أو على الباكرة البالغة من دون إذن أبيها لبنائه على عدم ولاية له عليها، أو على المرضعة أو المرتضعة بعشر رضعات لبنائه على عدم نشر الحرمة بها، ثمّ تغيّر رأيه و رجع عمّا بنى عليه أوّلا لما دلّه على فساد المعاطاة و اشتراط العربيّة في صحّة العقد و ولاية الأب على الباكرة الرشيدة و نشر الحرمة بعشر رضعات، فله بالقياس إلى لزوم الحكم بفساد ما وقع على طبق الفتوى الاولى و وجوب نقض الآثار المترتّبة على الوقائع المذكورة من العقود المنطبقة على الاجتهاد الأوّل و عدمه صور:
الاولى: ما لو كان رجوعه على سبيل القطع، بأن صادف اجتهاده الثاني قاطعا أفاده القطع بخطائه في الفتوى الاولى المستلزم للقطع بفساد العقود المذكورة و غيرها، ففي مفاتيح
..........
السيّد: «الظاهر أنّه يلزمه الحكم بفساد ما فعل بالاجتهاد الأوّل، و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب».
أقول: و هو كذلك، بل الحكم بالفساد الّذي هو عبارة عن نقض الآثار الشرعيّة ممّا لا ينبغي الاسترابة فيه، ضرورة أنّ الآثار إنّما تترتّب على العقد أو الإيقاع الصحيحين لا على ما انكشف فساده و مخالفته الواقع.
و السرّ فيه: أنّ الصحّة بمعنى ترتّب الأثر في عقد أو إيقاع إنّما هو من مقتضىأَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَوأَوْفُوا بِالْعُقُودِو غير ذلك من عمومات أدلّة العقود و الإيقاعات، و هو إنّما يعقل في عقد أو إيقاع علم اندراجه في عموم تلك الأدلّة، و الرجوع عن الفتوى معناه انكشاف عدم اندراج الموارد المنطبقة عليها تحت الأدلّة، خصوصا لو كان ذلك لخروجه الموضوعي كما في المعاطاة مثلا لو رجع عن القول بصحّتها بيعا إلى الفساد و عدم البيعيّة، و معه كيف يعقل ترتيب الآثار الشرعيّة بعد الرجوع؟
الثانية: ما لم يكن الرجوع على سبيل القطع، لوصوله في الاجتهاد الثاني إلى أمارة ظنّية و لكن اتّصل بالوقائع السابقة المنطبقة عليها حكم من حاكم شرعي، كما لو ترافع المتعاقدان أو غيرهما لوقوع الاختلاف في الصحّة و عدمها في الأمثلة المتقدّمة إليه فحكم بالصحّة لموافقته في الرأي لذلك المجتهد الّذي اتّفق له الرجوع.
و حينئذ فعن النهاية و التهذيب و المنية و المختصر و شرحه للعضدي و شرح المبادئ التصريح بالاستمرار على ما فعل و ترتيب الآثار عليه و عدم جواز نقضه.
و عن النهاية التصريح بعدم الفرق فيما لو كان صاحب الواقعة هو المقلّد بين ما لو كان الحاكم هو المجتهد المتغيّر رأيه أو غيره.
و عن النهاية و التهذيب و المنية و غيرها التعليل بأنّ حكم الحاكم لمّا اتّصل بالنكاح فيما لو نكح امرأة خالعها ثلاثا لبنائه أوّلا على أنّ الخلع فسخ لاطلاق، ثمّ تغيّر اجتهاده فبنى على أنّه طلاق بعد لحوق حكم الحاكم بصحّة النكاح تأكّد ذلك النكاح فلا يفسد بتغيّر الاجتهاد.
و عن النهاية أنّه زاد عليه محافظة على حكم الحاكم مصلحته، و تنظّر في المنية في الأوّل بقوله: «و في هذا نظر، لأنّ حكم الحاكم لا يغيّر الشيء عمّا هو عليه، فإن كان الحلّ ثابتا في نفسه لم يؤثّر فيه حكم القاضي، و إن كان منتفيا لم يثبت بحكم الحاكم».
..........
هذا فيما لو كان صاحب الواقعة هو المجتهد المتغيّر رأيه، و أمّا لو كان غيره ممّن قلّده فجزم فيه بعدم النقض قائلا: «بخلاف قضاء القاضي فإنّه متى اتّصل بحكم المجتهد فيه استقرّ و لا يجوز نقضه ما لم يكن منافيا لمقتضى دليل قطعي كالنصّ أو إجماع أو قياس جليّ- و هو ما نصّ الشارع فيه على الحكم و على علّته نصّا قاطعا و تثبت تلك العلّة في الفرع قطعا- فإنّه حينئذ ينقض لظهور خطائه قطعا، أمّا لو تغيّر الاجتهاد المتأيّد بالحكم و القضاء بالاجتهاد الطارئ عليه فإنّه لا يؤثّر و لا ينقض به الحكم، إذ لو جاز للحاكم نقض حكم نفسه أو حكم غيره بمجرّد تغيّر اجتهاده المفيد للظنّ لجاز نقض النقض عند تغيّر الاجتهاد مرّة اخرى و هكذا إلى غير النهاية، و هذا يفضي إلى عدم الوثوق بحكم الحاكم و عدم استقراره، و هو خلاف المصلحة الّتي ينصب الحاكم لأجلها» انتهى.
و حيث إنّ نقض الفتوى في الصورة المفروضة يندرج في صور نقض الحكم كما يظهر من التعليلات المذكورة فالمنع منه لو كان إنّما هو لجهة راجعة إلى نقض الحكم، فتحقيق الحال فيه يعلم من ملاحظة حكم نقض الحكم و صوره، و لعلّنا نتكلّم فيه فيما بعد.
الثالثة: ما لو لم يتّصل بالواقعة حكم حاكم، فالمصرّح به في كلام جماعة وجوب النقض و عدم جواز الاستمرار على ما فعل، و لعلّه المشهور بل لم يظهر خلاف فيه بالنسبة إلى المجتهد نفسه، بل في المنية كما عن النهاية دعوى الاتّفاق عليه.
نعم في محكيّ النهاية نقل الاختلاف في المقلّد و إن اختار هو فيه و في التهذيب- كما في المنية و عن المختصر و شرحه و الإحكام- وجوب النقض و عدم جواز الاستمرار، و تنظر فيه السيّد في المفاتيح[1]لمخالفته استصحاب الصحّة و استلزامه الحرج العظيم و المشقّة الشديدة غالبا.
ثمّ قال- بعد ما أمر بالتأمّل-: «فالقول بصحّة الاستمرار على ما فعل بتقليد الاجتهاد الأوّل في المعاملات في غاية القوّة» 2.
أقول: الأقوى بل الحقّ الّذي لا محيص عنه في حقّ كلّ من المجتهد و المقلّد هو وجوب النقض و عدم جواز الاستمرار لوجوه:
منها: الأصل، إذ بعد تغيّر الاجتهاد و الرجوع عن الفتوى الاولى يشكّ في ترتّب الآثار الشرعيّة على ما وقع من عقد أو إيقاع من حين وقوعه و عدمه، و الأصل- بمعنى استصحاب
[1]1 و 2 مفاتيح الاصول: 582.
..........
الحالة السابقة العدميّة الأزليّة- يقتضي عدمه.
و بالتأمّل في تقرير الأصل المذكور يندفع الاستصحاب المتوهّم هاهنا المتمسّك به للقول بعدم جواز النقض كما تقدّم الإشارة إليه في عبارة المفاتيح لسريان شكّه المانع من جريانه رأسا، فالأصل المذكور سليم عمّا يرد عليه من الاصول.
و منها: الإجماع المنقول المتقدّم عن المنية و النهاية المعتضد بالشهرة و لو في حقّ المجتهد نفسه، فإنّه ممّا يورث الظنّ الاطمئناني بالفساد و عدم ترتّب الآثار، بل عدم جواز ترتيبها أيضا بعد الرجوع.
و منها: ما تقدّم في المقام الأوّل من أنّ المستفاد من أدلّة الطرق وجوب الأخذ بمؤدّاها و ترتيب الآثار عليه على أنّه الواقع، و معنى الرجوع عن الفتوى انكشاف عدم كون مؤدّى الأمارة الاولى المعمول بها في الاجتهاد الأوّل هو الواقع، و معه كيف يعقل ترتيب آثار الواقع عليه؟
و توهّم أنّ الآثار قد ترتّبت قبل الرجوع، يندفع: بوضوح الفرق بين الحكم بترتّبها و بين ترتّبها في الواقع، و المسلّم قبل الرجوع هو الأوّل و الّذي يجدي في منع ما تقدّم هو الثاني و هو غير مسلّم.
و منها: ما تقدّم الإشارة إليه من أنّ ترتّب الآثار على ما وقع في الخارج من عقد أو إيقاع إنّما هو من مقتضى أدلّة مشروعيّة العقود و الإيقاعات من مثلأَوْفُوا بِالْعُقُودِو نحوه فيما علم اندراجه في عمومها، حتّى أنّ ترتيبها على العقود الشخصيّة المنطبقة على الفتوى السابقة قبل الرجوع عنها إنّما هو لاعتقاد اندراجها في عموم تلك الأدلّة، و قضيّة تغيّر الاجتهاد أخذا بمؤدّى أمارة قائمة بخلاف الفتوى السابقة انكشاف عدم اندراجها فيه، و معه كيف يصحّ الالتزام بترتّب الآثار من الملكيّة و النقل و الانتقال و الزوجيّة و وجوب الوفاء عليها مع ملاحظة أنّ الأصل الأوّلي في كلّ عقد أو إيقاع هو الفساد و عدم الصحّة، و لا نعني منهما إلّا كون المورد بحيث لا يترتّب عليه الآثار الشرعيّة.
و بالجملة الأصل الأوّلي في المعاملات على ما حقّق في محلّه هو الفساد، و قد انقلب ذلك الأصل في الأسباب الشرعيّة من العقود و الإيقاعات إلى أصل ثانوي مستنبط من عمومات أدلّة الصحّة و إطلاقاتها كتابا و سنّة و غيرهما.
و لا ريب أنّ الأصل الثانوي لا يتناول إلّا ما ظهر للمجتهد اندراجه في عموم تلك
..........
الأدلّة و إطلاقها، و أمّا ما ظهر له عدم اندراجه أو شكّ في اندراجه فيهما فهو باق تحت الأصل الأوّلي، و مرجعه إلى عدم انقلاب الأصل الأوّلي بالنسبة إليه، و الأمارة المعمول بها في الاجتهاد الثاني الباعثة على الرجوع الدالّة على اشتراط الصيغة في البيع و العربيّة في العقد و الولاية للأب على الباكرة الرشيدة و نشر الحرمة بعشر رضعات قاضية بخروج العقود الخالية عن تلك الشروط من الأصل الثانوي، و موجبة للعلم الشرعي بعدم اندراجها في أدلّة ذلك الأصل.
و إن شئت فقس المقام على ما لو اطّلع المجتهد على نحو الأمارة المذكورة في ابتداء اجتهاده، فكما أنّه لانكشاف عدم اندراج العقود الخالية عن الشروط المستفادة من الأمارة المذكورة في أدلّة الصحّة و خروجها منها من باب التخصيص أو التخصّص يبني على فسادها و لا يرتّب عليها شيئا من الآثار الشرعيّة بل و لا يجوز له ترتيبها، فكذلك فيما لو اطّلع عليها في الاجتهاد الثاني على وجه أوجبت رجوعه عن مؤدّى الاجتهاد الأوّل، و ما سبقه من اعتقاد الاندراج لا يغيّر الموضوع الواقعي عمّا هو عليه من عدم اندراجه في نفس الأمر في أدلّة الصحّة بحيث يجعله مندرجا فيها في نفس الأمر.
و مع ذلك كلّه كيف يقال في الوقائع السابقة بأنّه يجب الوفاء بها؟ و مقتضاه بقاء الآثار المترتّبة عليها على حالها.
هذا كلّه في المجتهد واضح، و أمّا المقلّد على تقدير اختياره العدول من تقليد ذلك المجتهد في فتواه إلى تقليده في فتواه الثانية ففي حقّه و إن كان يمكن القول بعدم النقض، نظرا إلى أنّ دليله على ترتيب الآثار ليس نحوأَوْفُوا بِالْعُقُودِ[1]و غيره من أدلّة الصحّة الّتي ينظر فيها المجتهد، بل دليله إنّما هو فتوى مجتهده و المفروض أنّه أخذ بموجبها في الوقائع السابقة، و لا يقدح فيه طروّ الرجوع للمجتهد، لأنّه إنّما يثمر بالنسبة إلى الوقائع اللاحقة و أمّا الوقائع السابقة فلا دليل على حجّية الفتوى اللاحقة فيها.
و لكن يدفعه: أنّ الفتوى ليست بنفسها دليلا للمقلّد بأن يكون اعتبارها في حقّه على وجه الموضوعيّة، بل باعتبار كونها إخبارا عن حكم اللّه الفعلي على حسب تأدية الاجتهاد إليه، فدليل المقلّد في الحقيقة على الحكم الفعلي إنّما هو دليل المجتهد بعينه، فالمجتهد و مقلّده في وجوب الأخذ بمؤدّىأَوْفُوا بِالْعُقُودِ2 و غيره من أدلّة الصحّة في تصحيح
[1]1 و 2 المائدة: 1.
..........
العقود و الإيقاعات على شرع سواء من غير فرق بينهما، غير أنّ المقلّد لعجزه عن فهم الدليل و إدراك حقيقة المراد منه و استنباط الحكم الّذي من شأنه أن يستنبط منه ينوب عنه المجتهد، فهو مخاطب بالأخذ بمؤدّى الأدلّة على حسب فهمه و بقدر طاقته أصالة عن نفسه و نيابة عن مقلّديه، ثمّ يبلّغه إليهم بصورة الإفتاء فيجب عليهم الأخذ بهذا الفهم الّذي هو اعتقاد المجتهد و تطبيق العمل عليه، و حينئذ فيجري في حقّهم بالنسبة إلى نقض الآثار ما يجري في حقّ المجتهد.
و محصّله: أنّ المجتهد إذا رجع عن مؤدّى اجتهاده السابق لا يبقى للمقلّد أيضا ما يقتضي وجوب الوفاء بما صدر منه من العقود و الإيقاعات.
و أمّا القول بعدم النقض مطلقا أو في حقّ المقلّد وحده فليس له إلّا الاستصحاب و لزوم الحرج العظيم و المشقّة الشديدة، و جريان السيرة و ارتفاع الوثوق و لزوم الهرج و المرج، و لقد عرفت الجواب عن الاستصحاب هنا و ذكرنا الجواب عن الكلّ في مسألة الإجزاء بما لا مزيد عليه، و ملخّصه: أنّ الاستصحاب لسريان شكّه غير صحيح، و نفي الحرج لكونه شخصيّا يقتصر فيه على مورده مع ندوره، و السيرة لندرة اتّفاق تغيّر الاجتهاد في محلّ المسألة غير معلومة، و الأخيران لكونهما من الوجوه الاعتباريّة لا ينهضان دليلين على تأسيس الحكم الشرعي المخالف للأصل و القاعدة المستفادة من الأدلّة المتقدّمة، فليتدبّر.
و من الفضلاء من يظهر منه بالنسبة إلى المقامين معا تفصيل، مرجعه إلى الفرق بين العبادات و المعاملات من العقود و الإيقاعات فلا ينقض الفتوى في الوقائع السابقة على الرجوع و بين الأحكام فتنقض، حيث قال: «إذا رجع المجتهد عن الفتوى انتقضت في حقّه بالنسبة إلى مواردها المتأخّرة عن زمن الرجوع قطعا و هو موضع وفاق»- إلى أن قال-:
و أمّا بالنسبة إلى مواردها الخاصّة الّتي بنى فيها قبل رجوعه عليها فإن قطع ببطلانها واقعا فالظاهر وجوب التعويل على مقتضى قطعه فيها بعد الرجوع عملا بإطلاق ما دلّ على ثبوت الحكم المقطوع به، فإنّ الأحكام لاحقه لمواردها الواقعيّة لا الاعتقاديّة فيترتّب عليه آثاره الوضعيّة ما لم تكن مشروطة بالعلم» إلى أن قال:
«و كذا لو قطع ببطلان دليله واقعا و إن لم يقطع ببطلان نفس الحكم، كما لو زعم حجّية القياس فأفتى بمقتضاه ثمّ قطع ببطلانه، لقطعه بأنّ حكمه الواقعي حال الإفتاء لم يكن ذلك» إلى أن قال:
..........
«و إن لم يقطع ببطلانها و لا ببطلانه فإن كانت الواقعة ممّا يتعيّن في وقوعها شرعا أخذها بمقتضى الفتوى فالظاهر بقاؤها على مقتضاها السابق فيترتّب عليها لوازمها بعد الرجوع، إذ الواقعة الواحدة لا يحتمل اجتهادين و لو بحسب زمانين لعدم دليل عليه، و لئلّا يؤدّي إلى العسر و الحرج المنفيّين في الشريعة السمحة، لعدم وقوف المجتهد على رأي واحد غالبا» إلى أن قال:
«و لئلّا يرتفع الوثوق في العمل، من حيث إنّ الرجوع في حقّه محتمل و هو مناف للحكمة الداعية إلى تشريع حكم الاجتهاد» إلى أن قال:
«و لأصالة بقاء آثار الواقعة، إذ لا ريب في ثبوتها قبل الرجوع بالاجتهاد، و لا قطع بارتفاعها بعده إذ لا دليل على تأثير الاجتهاد المتأخّر فيها، فإنّ القدر الثابت من أدلّته جواز الاعتماد عليه بالنسبة إلى غير ذلك فيستصحب» إلى أن قال:
«و بالجملة فحكم رجوع المجتهد في الفتوى فيما مرّ حكم النسخ في ارتفاع الحكم المنسوخ عن موارده المتأخّرة عنه و بقاء آثار موارده المتقدّمة إن كان لها آثار.
و على ما قرّرنا فلو بنى على عدم جزئيّة شيء للعبادة أو عدم شرطيّته فأتى بها على الوجه الّذي بنى عليه ثمّ رجع بنى على صحّة ما أتى به، حتّى أنّها لو كانت صلاة و بنى فيها على عدم وجوب السورة ثمّ رجع بعد تجاوز المحلّ بنى على صحّتها من جهة ذلك، أو بنى على صحّتها في شعر الأرانب و الثعالب ثمّ رجع و لو في الأثناء إذا نزعها قبل الرجوع، و كذا لو بنى على طهارة شيء ثمّ صلّى في ملاقيها و رجع و لو في الأثناء، و كذا لو تطهّر بما يراه طاهرا أو طهورا ثمّ رجع و لو في الأثناء، فلا يلزمه الاستئناف، و كذلك القول في بقيّة مباحث العبادات و سائر مسائل العقود و الإيقاعات، فلو عقد أو أوقع بصيغة يرى صحّتها ثمّ رجع بنى على صحّتها و استصحب أحكامها من بقاء الملكيّة و الزوجيّة و البينونة و الحرّيّة و غير ذلك» إلى أن قال:
«و لو كانت الواقعة ممّا لا يتعيّن أخذها بمقتضى الفتوى فالظاهر تغيّر الحكم بتغيّر الاجتهاد، كما لو بنى على حلّية حيوان فذكّاه ثمّ رجع بنى على تحريم المذكّى منه و غيره، أو على طهارة شيء كعرق الجنب من الحرام فلاقاه ثمّ رجع بنى على نجاسته و نجاسة ملاقيه قبل الرجوع و بعده، أو على عدم تحريم الرضعات العشرة فتزوّج من أرضعته ذلك ثمّ رجع بنى على تحريمها، لأنّ ذلك كلّه رجوع عن حكم الموضوع و هو لا يثبت بالاجتهاد
..........
على الإطلاق، بل ما دام باقيا على اجتهاده فإذا رجع ارتفع كما يظهر من تنظير ذلك بالنسخ.
و أمّا الأفعال المتعلّقة بالموضوع المتفرّعة على الاجتهاد السابق فهي في الحقيقة إمّا من مشخّصات عنوان الموضوع كالملاقاة أو من المتفرّعات على حكم الموضوع كالتذكية و العقد فلا أثر لها في بقاء حكم الموضوع» إلى أن قال:
«و ممّا قرّرنا يظهر حكم التقليد بالمقايسة، فإنّ المقلّد إذا رجع مجتهده عن الفتوى أو عدل إلى من يخالفه حيث يسوغ له العدول أو بلغ درجة الاجتهاد و أدّى نظره إلى الخلاف، فإنّه يتصوّر في حقّه الصور المذكورة و يجري فيه الكلام المذكور» انتهى ملخّصا[1].
و محصّله: الفرق في موضوع الحكم الشرعي بين الامور المخترعة الشرعيّة الّتي أخذ الشارع فيها أجزاء و شرائط و لا تعرف إلّا ببيانه الّذي لا بدّ لاستعلامه من مراجعة الأدلّة الظنّية و الأمارات الشرعيّة المتداولة بين المجتهدين، فلا بدّ لإحراز المشروع منها في الخارج و في مقام العمل من تطبيق الواقعة المأتيّ بها على فتوى المجتهد المتكفّلة لبيان أجزائها و شرائطه المستنبطة من الأدلّة الاجتهاديّة- و هذا هو المراد من كون الواقعة ممّا يتعيّن في وقوعها شرعا أخذها بمقتضى الفتوى- و بين الامور الواقعيّة الّتي لا مدخل للشارع و لا لاجتهاد المجتهد فيها باعتبار كونها من الموضوعات العرفيّة أو اللغويّة الّتي يرجع لمعرفتها إلى العرف و اللغة، و قضيّة ذلك أن لا يرجع لإحراز الواقعة منها في الخارج إلى فتوى المجتهد لعدم كونها متكفلة لبيان الموضوع، و هذا هو المراد من كون الواقعة ممّا لا يتعيّن في وقوعها أخذها بمقتضى الفتوى.
و بهذا البيان ظهر أنّ تغيّر الاجتهاد في مثل ذلك لا يوجب تغيّر الموضوع، بل إنّما يوجب تغيّر حكم الموضوع من الحلّ أو الحرمة أو الطهارة أو النجاسة أو غيرها، و المفروض أنّه المثبت بالاجتهاد الأوّل على الإطلاق بل ما دام الاجتهاد باقيا، و لذا ينتقض مؤدّى الاجتهاد الأوّل من غير فرق فيه بين الوقائع السابقة و الوقائع اللاحقة، بخلاف ما كان من قبيل الامور المخترعة الّتي يرجع لإحرازها بأجزائها و شروطها من العبادات و سائر العقود و الإيقاعات إلى الفتوى المتكفّلة لبيان الأجزاء و الشرائط، فإنّ تغيّر الاجتهاد في مثل ذلك يوجب تغيّر الموضوع، و هو لا يوجب انتقاض الأحكام و الآثار المترتّبة على الموضوع الأوّل المنطبق في وقوعه الخارجي على الفتوى الاولى بدلالة الوجوه الأربعة المتقدّمة.
[1]الفصول الغرويّة: 409.