..........
على الإطلاق، بل ما دام باقيا على اجتهاده فإذا رجع ارتفع كما يظهر من تنظير ذلك بالنسخ.
و أمّا الأفعال المتعلّقة بالموضوع المتفرّعة على الاجتهاد السابق فهي في الحقيقة إمّا من مشخّصات عنوان الموضوع كالملاقاة أو من المتفرّعات على حكم الموضوع كالتذكية و العقد فلا أثر لها في بقاء حكم الموضوع» إلى أن قال:
«و ممّا قرّرنا يظهر حكم التقليد بالمقايسة، فإنّ المقلّد إذا رجع مجتهده عن الفتوى أو عدل إلى من يخالفه حيث يسوغ له العدول أو بلغ درجة الاجتهاد و أدّى نظره إلى الخلاف، فإنّه يتصوّر في حقّه الصور المذكورة و يجري فيه الكلام المذكور» انتهى ملخّصا[1].
و محصّله: الفرق في موضوع الحكم الشرعي بين الامور المخترعة الشرعيّة الّتي أخذ الشارع فيها أجزاء و شرائط و لا تعرف إلّا ببيانه الّذي لا بدّ لاستعلامه من مراجعة الأدلّة الظنّية و الأمارات الشرعيّة المتداولة بين المجتهدين، فلا بدّ لإحراز المشروع منها في الخارج و في مقام العمل من تطبيق الواقعة المأتيّ بها على فتوى المجتهد المتكفّلة لبيان أجزائها و شرائطه المستنبطة من الأدلّة الاجتهاديّة- و هذا هو المراد من كون الواقعة ممّا يتعيّن في وقوعها شرعا أخذها بمقتضى الفتوى- و بين الامور الواقعيّة الّتي لا مدخل للشارع و لا لاجتهاد المجتهد فيها باعتبار كونها من الموضوعات العرفيّة أو اللغويّة الّتي يرجع لمعرفتها إلى العرف و اللغة، و قضيّة ذلك أن لا يرجع لإحراز الواقعة منها في الخارج إلى فتوى المجتهد لعدم كونها متكفلة لبيان الموضوع، و هذا هو المراد من كون الواقعة ممّا لا يتعيّن في وقوعها أخذها بمقتضى الفتوى.
و بهذا البيان ظهر أنّ تغيّر الاجتهاد في مثل ذلك لا يوجب تغيّر الموضوع، بل إنّما يوجب تغيّر حكم الموضوع من الحلّ أو الحرمة أو الطهارة أو النجاسة أو غيرها، و المفروض أنّه المثبت بالاجتهاد الأوّل على الإطلاق بل ما دام الاجتهاد باقيا، و لذا ينتقض مؤدّى الاجتهاد الأوّل من غير فرق فيه بين الوقائع السابقة و الوقائع اللاحقة، بخلاف ما كان من قبيل الامور المخترعة الّتي يرجع لإحرازها بأجزائها و شروطها من العبادات و سائر العقود و الإيقاعات إلى الفتوى المتكفّلة لبيان الأجزاء و الشرائط، فإنّ تغيّر الاجتهاد في مثل ذلك يوجب تغيّر الموضوع، و هو لا يوجب انتقاض الأحكام و الآثار المترتّبة على الموضوع الأوّل المنطبق في وقوعه الخارجي على الفتوى الاولى بدلالة الوجوه الأربعة المتقدّمة.
[1]الفصول الغرويّة: 409.
..........
و فيه: بطلان أصل الدعوى مع فساد أدلّته.
أمّا الأوّل: فلأنّ الواقعة إذا كانت من قبيل الامور المخترعة من العبادات و سائر العقود و الإيقاعات و إن كان يجب لإحراز وقوعها في الخارج تطبيقها على الفتوى، لكن لا على أنّ مؤدّاها أمر مستقلّ واقع في طرف العرض من الواقع هو المأمور به في العبادات، و السبب المشروع في العقود و الإيقاعات و إن غاير الواقع لبطلان الجعل الموضوعي في الأمارات على ما بيّنّاه مرارا، بل على أنّه الواقع بمعنى المأمور به الواقعي و السبب الواقعي، فمعنى وجوب الأخذ به وجوب ترتيب آثار الواقع عليه على أنّه الواقع لا ما يغايره، و لا يعقل ذلك إلّا ما لم يتحقّق الرجوع، إذ الرجوع معناه انكشاف أنّ المأتيّ به غير المأمور به الواقعي و المأمور به الواقعي غير مأتيّ به، و إنّ ما وقع من الصيغة الّتي يرى المجتهد صحّتها أوّلا غير السبب الواقعي المشروع الّذي يترتّب عليه الملكيّة أو الزوجيّة أو البينونة أو الحرّيّة أو غيرها، و السبب الواقعي المشروع غير واقع، و مع ذلك فكيف يعقل ترتيب آثار الواقع على الوقائع السابقة على الرجوع؟
و بالجملة فإن أراد الفاضل المتقدّم ذكره من كون الواقعة ممّا تعيّن أخذه بمقتضى الفتوى أنّ ما أخذه المجتهد أو مقلّده من الواقعة بمقتضى الفتوى كان حكمه الواقعيّ الأوّلي فلا ينتقض بعد الرجوع الآثار اللاحقة بها قبله، فلا يجب في العبادة كالصلاة بلا سورة أو مستصحبة لشعر الأرانب و الثعالب و نحو ذلك إعادة لو كان الرجوع في الوقت و لا قضاء لو كان في خارج الوقت.
ففيه: أنّه تصويب باطل.
و إن أراد أنّ مؤدّى الاجتهاد السابق الّذي وقعت الواقعة على طبقه و إن لم يكن هو المأمور به الواقعي الأوّلي إلّا أنّه كان بدلا عن الواقعي الأوّلي ما دام الاجتهاد المذكور باقيا تنزيلا له منزلة الأعذار الموجبة للبدليّة.
ففيه- مع أنّه نوع من التصويب أيضا-: أنّ هذا المعنى ممّا لا يستفاد من أدلّة الطرق الّتي وقع فيها الاجتهاد و نشأ منها الفتوى، بل قصارى ما استفيد منها وجوب الأخذ بمؤدّى الطرق على أنّه الواقع، لا على أنّه شيء في عرضه أو أنّه بدل منه.
و إن أراد غير هذين المعنيين فمقتضى الدليل و القاعدة وجوب الإعادة مع بقاء الوقت و القضاء مع خروجه إن لم يكن إجماع على خلافه، كما هو قضيّة عدم سقوط الأمر في
..........
الوقت، فإنّ سقوطه مبنيّ على إدراك الواقع أو إدراك بدله، و المفروض بعد انكشاف فساد الاجتهاد عدم حصول شيء من الأمرين.
و بالجملة لو صحّ الالتزام بالتصويب على أحد المعنيين اتّجه القول بالإجزاء و سقوط الإعادة و القضاء، و إلّا فلا محيص من القول بعدم الإجزاء فلا مناص من الإعادة و القضاء، و لذا ترى أنّ ثاني الشهيدين في تمهيد القواعد فرّع الإجزاء و عدمه على التخطئة و التصويب، و حيث إنّ التصويب باطل فمقتضى القاعدة هو وجوب نقض الفتوى بعد رجوع المجتهد بالنسبة إلى الوقائع السابقة أيضا، كما أنّها تنتقض بالنسبة إلى الوقائع اللاحقة، سواء تعلّقت بالعبادات أو المعاملات من العقود و الإيقاعات و الأحكام.
و أمّا الثاني: فأمّا فساد الوجه الأوّل فلعدم كون مبنى القول بانتقاض الفتوى بالقياس إلى الوقائع السابقة أيضا على إجراء حكمي الاجتهادين و ترتيب آثار مؤدّاهما على الواقعة الواحدة بحسب زماني ما قبل الرجوع و ما بعده، بل على إجراء أحكام الاجتهاد الثاني عليها لا غير، بناء على أنّ معنى انكشاف فساد الاجتهاد تبيّن عدم حكم له حدث بسببه في الواقعة واقع في طرف العرض من الواقع أو في طرف طوله بناء على البدليّة.
و أمّا فساد الوجه الثاني و الثالث فقد أشرنا إليه سابقا، و أمّا فساد الوجه الرابع فلما بيّنّاه أيضا من استحالة الاستصحاب مع سريان شكّه إن قرّر بالقياس إلى نفس الآثار المترتّبة كما هو ظاهر عبارته، و إن قرّر بالقياس إلى وجوب ترتيبها الثابت قبل الرجوع.
ففيه: أنّه بهذا المعنى أشدّ استحالة، لوضوح استحالة ترتيب آثار الواقع على ما انكشف انتفاء الواقع فيه و تبيّن مغايرته له، مع عدم ثبوت بدليّته منه.
و الحاصل: أنّ المأتيّ به مع المأمور به الواقعي موضوعان متغايران و لا يمكن إجراء أحكام أحدهما على الآخر مع فرض عدم ثبوت البدليّة فيما بينهما.
و قد يجاب أيضا: بأنّ الآثار لمّا كانت آثار مؤدّى الاجتهاد المتقدّم فكان ذلك الاجتهاد علّة لثبوتها و المفروض زواله.
و لا ريب أنّ زوال العلّة- كما هو المفروض- يستلزم زوال المعلول، فتأمّل.
و أيضا فإنّ الاستصحاب المفروض من باب الشكّ في المقتضي لا من باب الشكّ في المانع، على معنى الشكّ في رافعيّة الطارئ و هو الاجتهاد اللاحق كما تخيّله، إذ لا يدري مقدار اقتضاء الاجتهاد السابق المقتضي لترتّب الآثار المترتّبة عليه و أنّه هل يقتضي ترتّبها
..........
على الإطلاق أو يقتضيه ما دام باقيا؟ و هو(قدّس سرّه)ممّن لا يرى الاستصحاب حجّة في صورة الشكّ في المقتضي.
[في جواز نقض الفتوى و عدمه]
و أمّا ما ذكره في أثناء كلامه- على ما تقدّم- من تنظير رجوع المجتهد عن الفتوى بالنسخ، و كون حكمه حكمه في ارتفاع الحكم المنسوخ عن موارده المتأخّرة عنه و بقاء آثار موارده المتقدّمة، فلا خفاء في فساده أيضا، لأنّ النسخ ارتفاع للحكم الواقعي، و اللازم من ذلك كون آثاره المتقدّمة أيضا امور واقعيّة فلا يعقل ارتفاعها بعد وقوعها، فكيف يقاس عليه مؤدّى الاجتهاد المتعقّب للرجوع الّذي هو حكم ظاهري فيكون الآثار المترتّبة عليه مترتّبة بحسب الظاهر، فإذا تحقّق الرجوع انكشف عدم وقوعها موقعها، فلا مانع من ارتفاعها، بل إطلاق الارتفاع هنا مسامحة، لأنّ الرجوع من باب انكشاف عدم وقوع الآثار من أصلها لا من باب ارتفاع ما وقع بعد وقوعه.
نعم يشكل الحال في الوقائع و الأعمال الصادرة من المجتهد و مقلّده على طبق الفتوى قبل الرجوع بالنسبة إلى مجتهد آخر مخالف له في الرأي و مقلّد ذلك المجتهد في الآثار الراجعة إليهما المترتّبة على الأعمال المذكورة، فهل يجوز لهما ترتيب تلك الآثار عليها كما جاز لنفس المجتهد و مقلّده ما لم يحصل له الرجوع ترتيب الآثار المتعلّقة بهما عليها أو لا يجوز لهما ذلك؟ بناء على تأدية اجتهاد ذلك المجتهد إلى مخالفة الأعمال المذكورة للواقع، فكان كانكشاف مخالفتها لها لنفس المجتهد و مقلّده برجوع المجتهد عن فتواه، فكما لا يجوز لهما ترتيب الآثار الراجعة إليهما بعد الرجوع لانكشاف مخالفتها الواقع بمقتضى الأمارة الّتي نشأ منها الاجتهاد الثاني فكذلك لا يجوز لغيرهما المخالف لهما في المذهب ترتيب الآثار الراجعة إليه عليهما لانكشاف مخالفتها الواقع له بمقتضى الأمارة الموجودة له الّتي نشأ منها اجتهاده، و مرجع الكلام إلى أنّه هل يجوز لمجتهد و مقلّده نقض فتوى مجتهد آخر مخالف لهما في الرأي و المذهب أو لا؟
و تحقيق المقام: أنّ مقتضى القاعدة هو وجوب النقض و عدم جواز ترتيب الآثار المتعلّقة بغير المجتهد و مقلّده على فتوى ذلك المجتهد، كما لا يجوز ذلك لنفس المجتهد و مقلّده بعد الرجوع لتنقيح المناط و وحدة الطريق حسبما أشرنا إليه.
و لكنّ الظاهر أنّ ذلك في كثير من صور المسألة و فروضها خلاف الإجماع، فلا بدّ في تحقيق المسألة من الرجوع إلى الأدلّة الخاصّة غير أدلّة حجّية الأمارات، و عليه فالحقّ أنّ
..........
الحكم يختلف بحسب اختلاف المقامات.
المقام الأوّل: في جواز النقض و عدمه في العبادات
و يظهر أثر هذا البحث في موارد:
منها: عمل الأجير عن الميّت في الصلاة و الصوم و الحجّ و الزيارات و غيرها حسبما يستأجره الوصيّ و غيره، و الأظهر هنا عدم جواز النقض و وجوب ترتيب الآثار على أعمال الأجير و عباداته و لو مع مخالفته بحسب اجتهاده أو تقليد المجتهد في الرأي و المذهب، بل و مع العلم بالمخالفة الشخصيّة، و ذلك لأنّ الظاهر من أدلّة الوصيّة وجوب الاستنابة على الوصيّ عن الميّت ممّن ظاهره صحّة عمله بحسب نظره، أي الاستنابة للعمل الصحيح بالصحّة الظاهريّة في نظر النائب على ما هو مقتضى اجتهاده لو كان مجتهدا أو اجتهاد مجتهده لو كان مقلّدا، و المفروض أنّ عقد الإجارة الواقع فيما بينهما أيضا ينصرف إلى العمل الصحيح صحّة ظاهريّة، و إذا استناب الوصيّ من ظاهره صحّة أعماله على الوجه المذكور و قد أتى النائب أيضا بالأعمال الصحيحة على الوجه المذكور خرج الوصيّ عن عهدة تكليفه و برئت ذمّة النائب أيضا و استحقّ الاجرة و هذا واضح، بل الظاهر أنّه إجماعي على ما يظهر من عمل العلماء و سيرة المسلمين في الأعصار و الأمصار.
و منها: استئجار الوليّ لقضاء فوائت الميّت ففي كون المعتبر في عمل ذلك الأجير هو الصحّة الظاهريّة بالقياس إلى حال الأجير من جهة اجتهاده أو تقليده- و لازمه وجوب ترتيب الآثار و عدم جواز نقض الفتوى- أو الصحّة الواقعيّة بحسب نظر الوليّ و لازمه عدم جواز ترتيب الآثار و وجوب النقض وجهان:
من أنّ الأجير هاهنا نائب عن الميّت فيكفي منه الصحّة الظاهريّة لعين ما ذكرناه في مسألة استنابة الوصيّ، أو نائب عن الوليّ[1]بناء على أنّه بموت الميّت يشتغل ذمّة الوليّ بفوائته فوجب عليه إحراز الصحّة الواقعيّة في عمل نائبه، و لا يكفيه الصحّة الظاهريّة في عمل النائب و إن لم تكن من الصحّة الواقعيّة في نظر الوليّ، لأنّ النائب موضوع للصحّة الظاهريّة في حقّ نفسه لا في حقّ غيره من مكلّف آخر و هو الوليّ و لا يبعد ترجيح الأوّل، لأنّ الواجب على الوليّ أحد الأمرين: من الاستنابة عن الميّت أو نيابته عنه، بناء على أنّ المستفاد من أدلّة الولاية في هذا المقام- و لو بضميمة الإجماع- أنّه يجب على الوليّ إبراء
[1]هذا هو الوجه الثاني من الوجهين.
..........
ذمّة الميّت و تفريغه عمّا اشتغلت به من فوائته، و هذا يتأتّى بالاستنابة عنه كما يتأتّى بالنيابة عنه، كما أنّه يتأتّى بتبرّع متبرّع، فأيّ منهم أقدم على النيابة فيكفيه الصحّة الظاهريّة بالنسبة إلى حاله، و عليه فيجوز للوليّ استنابة من يخالفه في الرأي و المذهب و لو علم المخالفة الشخصيّة.
و منها: مسألة الاقتداء، نظرا إلى اشتراط صحّة صلاة المأموم بصحّة صلاة الإمام، فهل يجوز له الاقتداء بمن خالفه في المذهب و لو مع العلم بالمخالفة الشخصيّة- كما لو كان من رأي الإمام اجتهادا أو تقليدا عدم وجوب السورة في الصلاة، أو صحّتها في وبر الأرانب و الثعالب، أو بالطهارة الحاصلة بما يراه طاهرا كالقليل الملاقي للنجاسة أو طهورا كالمضاف مثلا، و المأموم يخالفه في جميع ذلك- أو لا يجوز؟ وجهان من أنّ شرط صلاة المأموم هل هو الصحّة الظاهريّة لصلاة الإمام أو الصحّة الواقعيّة؟ و الأظهر الثاني.
و لا ينتقض ذلك بصلاة الصفوف المتقدّمة من المأمومين على ذلك، نظرا إلى اشتراط صحّة صلاة الصفّ المتأخّر بصحّة صلاة الصفوف المتقدّمة أيضا، مع أنّه يكفي هنا الصحّة الظاهريّة بحسب حال المأمومين، و لذا لا إشكال عندهم في صحّة اقتداء المتأخّر و لو كان فيمن تقدّم عليه من يخالفه في المذهب أو من لا يحسن القراءة و لو في الأذكار الواجبة إلّا بقدر طاقته، لوضوح الفارق بين المقامين فلا يقاس أحدهما على الآخر، و ذلك: أنّ المأموم المتقدّم لا يضمن للمتأخّر شيئا من أفعال صلاته، بل الغرض من اعتبار وجوده في الصفّ المتقدّم إنّما هو إحراز اتّصال المأموم المتأخّر بواسطته بالإمام، و يكفي فيه إحراز الصحّة الظاهريّة في الصفوف المتقدّمة، بخلاف الإمام فإنّه يضمن قراءة المأموم فلا بدّ و أن يعتبر في صحّة صلاته الصحّة الواقعيّة.
و السرّ فيه: أنّ المأموم مخاطب بالقراءة الصحيحة و لا تكون إلّا الصحيحة الواقعيّة في نظره، فيجب عليه إحراز القراءة الصحيحة الواقعيّة في صلاته بحسب نظره إمّا بمباشرة نفسه كما لو كان منفردا أو بمباشرة غيره كما لو كان مقتديا، و لا يتأتّى ذلك إلّا بإحراز الصحّة الواقعيّة في صلاة الإمام؛ و قضيّة هذا كلّه أن يكون العلم بالمخالفة الشخصيّة مانعا عن الاقتداء.
و هل العلم بالموافقة شرط أو لا، بل يكفي فيه مجرّد عدم العلم بالمخالفة؟ احتمالان بل قولان، أصحّهما الثاني عملا بأصالة الصحّة في فعل المسلم في موضع الشكّ و الاحتمال
..........
و لو مرجوحا، فإنّ المأموم بعد ما ثبت اشتراط صحّة صلاته بالصحّة الواقعيّة لصلاة الإمام فلا بدّ له و أن يحرز تلك الصحّة في صلاة الإمام ليصحّ له الائتمام إمّا بطريق علمي كما في صورة العلم بالموافقة أو بطريق شرعي أقامه الشارع مقام الطريق العلمي، و منه الأصل المذكور الّذي يحرز موضوعه بقيام احتمال الموافقة مطلقا، فإنّه في نحو هذا الموضوع أصل قرّره الشارع ليترتّب عليه المكلّف أحكامه المعلّقة على الفعل الصحيح الصادر من المسلم في موضع احتمال الصحّة.
و ما يقال:- من أنّ غاية ما يثبت بذلك الأصل في المسائل الخلافيّة إنّما هو الصحّة عند الفاعل و المطلوب إثباته إنّما هو الصحّة عند الحامل- كلام قشري ظاهري لا يلتفت إليه، إذ ليس الغرض إجراء ذلك الأصل في المسائل الخلافيّة في صورة العلم بالمخالفة الشخصيّة حتّى يكون نتيجته مجرّد الصحّة الفاعليّة، بل في صورة احتمال الموافقة فمتى ما احتمل في صلاة الإمام وقوعها على وفق مذهب المأموم و لو مرجوحا إمّا لاحتمال رعايته الاحتياط أو لاختياره أفضل الفردين أو توجّه نفسه إلى امتثال الأمر الاستحبابي الوارد بما بنى على عدم وجوبه أو غير ذلك ممّا أمكن كونه منشأ لاحتمال الموافقة لمذهب المأموم و لو كان نحو السهو و النسيان جرى فيه أصالة الصحّة منتجة للصحّة الحامليّة أيضا لا الفاعليّة فقط، و هذا واضح فيما لو كان الاختلاف بين نظر الفاعل و نظر الحامل بالعموم و الخصوص مع كون معتقد الحامل هو الخصوص كما في الأمثلة المتقدّمة.
و أمّا لو كان الاختلاف بينهما بالتباين كالجهر و الإخفات ببسم اللّه في الإخفاتيّة ففرض احتمال الموافقة لمذهب الحامل لا يخلو عن خفاء، إلّا أن يكون لضرب من الاتّفاق بسبب غير اختياري كالسهو و النسيان و سبق اللسان.
و كيف كان فهو فرض بعيد بل في غاية البعد، و لكنّ الخطب فيه سهل بعد ملاحظة قلّة وقوع نحو هذا الاختلاف على وجه دعا إلى تحقّق المخالفة الشخصيّة، مع ما ذكرنا من أنّ المناط في جواز الائتمام و عدمه هو قيام احتمال الموافقة و عدمه فحيثما لم يقم ذلك الاحتمال بحيث علم المخالفة الشخصيّة لم يجز الائتمام، فالإشكال صغرويّ لا كبرويّ.
المقام الثاني: في جواز النقض و عدمه في المعاملات من العقود و الإيقاعات،
فلو ملك شيئا بالعقد الفارسي أو عقد على امرأة بالفارسي أو تزوّج من أرضعته عشرة رضعات لبنائه على أنّه
..........
مملّك أو مورث للزوجيّة، أو تزوّج امرأته الّتي خالعها ثلاثا في المرّة الرابعة من دون محلّل لبنائه على أنّ الخلع فسخ لا طلاق، أو غير ذلك من الأمثلة، فهل يجب على مجتهد آخر مخالف أو مقلّده ترتيب آثار الملكيّة أو الزوجيّة من جواز التصرّف فيما ملكه أو التناول منه بإذنه و عدم جوازهما من دون إذنه و إن أذن له المالك الأوّل، و من حرمة العقد على المتزوّجة لكونها ذات بعل فيحرم عليه إن عقد عليها أبدا، و من جواز النظر إليها و حرمة نكاحها بعد الطلاق أو الوفاة و غيرها من أحكام المصاهرة لو كان المجتهد المخالف أو مقلّده أبا للعاقد أو ابنا له أو لا يجب بل لا يجوز؟
مقتضى القاعدة حسبما بيّنّاه جواز النقض بل وجوبه و عدم جواز ترتيب أحكام الملكيّة أو الزوجيّة أو غيرها، إلّا أنّه لا يظنّ أحدا من الأصحاب جوّز ذلك و رضي به، بل قد يقال:
إنّه خلاف ما علم من ضرورة دين الإسلام، و عليه فالصورة مخرجة من القاعدة بالدليل، و لعلّه الإجماع و الضرورة.
و لعلّ السرّ فيه بالبيان الإجمالي: أنّ الوقائع الشخصيّة من المعاملات الصادرة من المجتهد أو مقلّده في الموارد الخاصّة يجري عند الشارع مجرى حكم المجتهد، فكما لا يجوز نقضه فكذلك لا يجوز نقض الآثار في الوقائع الشخصيّة الصادرة منهما.
و بالبيان التفصيلي: أنّ مؤدّى طريق صاحب الواقعة من الملكيّة أو الزوجيّة أو غيرهما حكم فعلي في حقّه، و قد أخذه الشارع ما دام ثابتا لصاحب الواقعة موضوعا لأحكام ظاهريّة مجعولة لغيره ممّن له تعلّق بتلك الواقعة لجهة من الجهات من مجتهد آخر مخالف في الرأي أو مقلّد ذلك المجتهد و خاطبه بالتعبّد بتلك الأحكام الظاهريّة و لو كانت مخالفة للواقع في نظره، و مرجعه إلى أنّ الشارع قد ألغى ذلك الواقع و أسقط اعتباره في حقّ ذلك الغير ما دام موضوع الأحكام الظاهريّة باقيا و إن اعتبره في حقّه في خصوص الوقائع الصادرة منه من العقود و الإيقاعات، و اعتبار حكم ظاهري متضمّن لإلغاء الواقع و لو في حقّ من اعتقد مخالفته له ليس بعزيز الوجود في الشريعة بل له نظائر كثيرة، و من ذلك حكم الحاكم بالتنصيف في دار تداعى فيها المتداعيان مع ثبوت يدهما معا أو خروج يدهما معا مع تعارض بيّنتهما أو عجزهما عن إقامة البيّنة، حيث يجوز للحاكم أو غيره التصرّف في كلّ من النصفين بإذن من حكم له به من المتداعيين، بل اشتراؤه للنصفين معا مع علمه بأنّ العين بأجمعها في الواقع لأحدهما.