بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 56

..........

الواقع دليلا- نفس الإمام الحافظ لهذا الحكم، فإنّه هو حجّة اللّه القاطعة في جميع الأشياء، و هو البرهان الفاصل فيما بين كلّ حقّ و باطل، فحينئذ يتّضح عدم كون المسائل بالقياس إلى المجتهدين في زمان الغيبة ما وجد معها له[1]دليل قطعي، فإنّ وجود الدليل بحسب الواقع مع فرض عدم إمكان الوصول إليه بمنزلة عدمه، و هذا هو عذر المجتهدين في أخذهم بمؤدّيات الاجتهاد لئلّا يلزم خروجهم عن الدين بالمرّة، الّذي قد يعبّر عنه بالمخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي.

و هذه هي الوجوه الّتي تمسّك بها الأمين الأسترآبادي في إبطال طريقة المجتهدين.

[دفع أدلّة الأخباريّين على عدم مشروعيّة الاجتهاد]

و للأخباريّة وجوه اخر في إبطال هذه الطريقة نقلها بعض الأفاضل، و لا بأس بنقلها هنا ثمّ دفعها.

منها: ما دلّ عليه الأخبار المتواترة بل ضرورة دين الإسلام من أنّ: «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة» فإنّ ذلك ينافي الأخذ بالأدلّة الظنّية، ضرورة أنّ الظنّ ممّا يتغيّر و يتبدّل، و حرام اللّه و حلاله ممّا لا يتغيّر و لا يتبدّل.

و عن بعضهم أنّه قد قرّر ذلك: بأنّ كلّ حكم اجتهادي قابل للتغيير مناف للشريعة الإسلاميّة الأبديّة، فينتج: أنّ كلّ حكم اجتهادي مخالف للشريعة الإسلاميّة[2].

و بما بيّنّاه سابقا يظهر الجواب عن ذلك أيضا، و أجاب عنه الفاضل المشار إليه بوجوه اخر:

الأوّل: أنّه منقوض بما يحكم به الأخباريّون لجواز الرجوع عن الحكم بالنسبة إليهم أيضا، كما إذا عملوا بالعموم ثمّ عثروا بعد ذلك على خبر يخصّصه، أو فهموا من الخبر أوّلا حكما ثمّ عدلوا عن فهمهم، و إنكار إمكان ذلك في شأنهم مكابرة ظاهرة، و حينئذ نقول: إنّ حكم الأخباري قابل للتغيير إلى آخر ما ذكر.

و الثاني: إنّه إن أراد بقوله: «كلّ حكم اجتهادي قابل للتغيير» بالنسبة إلى الموضوع المفروض حينئذ مع جميع خصوصيّاته فممنوع، ضرورة أنّه ما دام المجتهد باقيا على حاله الأوّل لا يمكن تغيّر الحكم في شأنه أصلا.

و إن أراد أنّه قابل للتغيّر في الجملة و لو بسبب تغيّر حاله، كأن يصير ظانّا بخلاف ما ظنّه

[1]كذا في الأصل.

[2]هداية المسترشدين 3: 692.


صفحه 57

..........

أوّلا فمسلّم و لا مانع منه، ضرورة أنّ أبديّة الأحكام لا تقضي بعدم اختلافها بحسب اختلاف الأحوال، كيف و اختلاف صلاة الحاضر و المسافر و الصحيح و المريض و القادر و العاجز من الضروريّات و لا منافاة فيه لأبديّة الأحكام الثابتة بالضرورة أصلا، فكذا الحال في المقام.

و الثالث: أنّه إنّ أراد بكون كلّ حكم اجتهادي قابلا للتغيّر أنّ ما يحكم به المجتهدون من الأحكام قابلا للتغيّر فهو ممنوع بل فاسد، لأنّ ما يدركه من الأحكام غير قابل للتغيّر عمّا هو عليه، فإنّه إن كان ما أدركه مطابقا للواقع لم يكن قابلا للتغيير عمّا هو عليه و إن أدرك بعد ذلك خلافه. غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه ثانيا، و إن كان غير مطابق للواقع فكذلك أيضا، غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه أوّلا.

و إن أراد به أنّ نفس حكمه و إدراكه قابل للتغيّر، بأن يدرك ثانيا خلاف ما أدركه أوّلا فيزول إدراكه الأوّل و يخلفه الثاني فممنوع، و لا يلزم من ذلك أن يكون إدراكه مطلقا منافيا للشريعة الأبديّة كما هو القضيّة الكلّية المدّعاة، إذ قبول الإدراك للتغيّر إنّما يقضي بعدم الملازمة بينه و بين إصابة الواقع، لأنّه لا يكون مصيبا للواقع مطلقا، فأقصى ما يلزم من الدليل المذكور أنّ ظنون المجتهدين قد تصيب الواقع و قد تخطئه، و هذا ممّا اتّفق عليه أصحابنا.

و اتّفقوا مع ذلك على وجوب العمل بظنّه، إذ لا منافاة بين عدم إصابة الظنّ للواقع و وجوب العمل بمؤدّاه، كما هو الحال في سائر الطرق المقرّرة في الشريعة[1].

و منها: أنّ فتح سبيل العلم على المكلّفين في تكليفهم بالعلم بالأحكام من اللطف، فيجب أن يكون حاصلا لوجوب اللطف على اللّه تعالى.

أمّا الصغرى: فلما فيه من تقريب العبد إلى الطاعة و إبعاده عن المعصية ما ليس في الظنّ، لوضوح أنّ اليقين ادعى إلى تحصيل الامتثال من الظنّ.

و أمّا الكبرى: فظاهرة[2].

و هذا الدليل كما ترى غير مفهوم المراد، فإنّ الامور المدركة بالوجدان لا بدّ و أن تدرك بالوجدان فلا ينفع في ثبوتها البرهان إذا لم يساعد عليها الوجدان، فكيف إذا أكذبها الوجدان،

[1]هداية المسترشدين 3: 692- 695.

[2]هداية المسترشدين 3: 692- 695.


صفحه 58

..........

و هل هذا إلّا نظير ما لو اقيم البرهان على أن لزيد علما بقيام عمرو و هو يجد من نفسه أنّه لا علم له، فإنّ عدم انفتاح باب العلم بالأحكام في الغالب من ضروريّات الوجدان و المدّعي لانفتاحه يكابر وجدانه، و سنورد زيادة بيان في ذلك.

و مع الغضّ عن ذلك نقول: إنّا لا نعقل إلى العلم بالأحكام قاطبة سبيلا إلّا الإمام المعصوم و حضوره مع تمكّنه من التصرّف، و المفروض أنّه غير حاضر، فالدليل المذكور يكذّبه الفرض، و لو سلّم أنّ إلى العلم بها سبيلا آخر غير الإمام و حضوره، لكن الدليل لا يقتضي إلّا انتصاب أحد الأمرين، و المفروض أنّ الإمام قبل الغيبة كان منتصبا فقد تمّ به اللطف، و اختفاؤه بعد ذلك لدواع خارجيّة لا ترجع إلى اللّه سبحانه لا يوجب إخلالا باللطف، و المنع من تحقّق الدواعي الخارجيّة ليس بلازم بمقتضى ما أخذ في اللطف الواجب من عدم انتهائه إلى الإلجاء.

و مع هذا كلّه نقول: إنّ اللطف إنّما يجب مع عدم مصلحة تقتضي خلافه، فلم يثبت وجوبه مطلقا كما في عدم ظهور الإمام(عليه السلام)مع أنّه من أظهر الألطاف الواجبة.

و من الجائز بالقياس إلى الأدلّة العلميّة قيام مصلحة تقتضي عدم فتح بابها، مع أنّه قد يقال: إنّ عدم إلزام المكلّفين بتحصيل اليقين في خصوصيّات التكاليف هو اللطف، لما في إناطة التكليف بخصوص العلم بالأحكام من الجرح التامّ المؤدّي في كثير من الطباع إلى التقاعد عن الامتثال، و لذا اكتفى الشارع في زمانه من المكلّفين بالأخذ بعدّة من الطرق الغير العلميّة مع انفتاح سبيل العلم.

و قد يقال أيضا: بأنّ الظنّ و العلم مشتركان فيما ذكر من كون اليقين ادعى إلى الامتثال، لأنّ المفروض أنّ الظنّ ما لم يكن منتهيا إلى اليقين لم يعتبر عند أحد، فالمكلّف في مقام العمل عالم بالتكليف قاطع به.

و منها: ما عن بعض المحدّثين: من أنّ المتقدّمين من علمائنا لا يقولون بجواز الاجتهاد و التقليد، و لا يجيزون العمل بغير الكتاب و السنّة من وجوه الاستنباط الظنّية.

و من المعلوم أنّ طريقة المتقدّمين هي الموافقة للأئمّة و لأحاديثهم المتواترة، فإن شذّ منهم شاذّ أحيانا أنكر عليه الأئمّة إن كان في حضورهم، و في هذه الطريقة مباينة لطريقة العامّة مباينة كلّية، و طريقة المتأخّرين موافقة لهم لا تخالفهم إلّا نادرا، ثمّ قال:

و بالجملة فعدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعيّة و عدم جواز العمل بالاستنباطات


صفحه 59

..........

الظنّية كان معلوما من مذهب المتقدّمين من الإماميّة إلى زمان العلّامة، بل كان معلوما عند العامّة و الخاصّة أنّه من اعتقادات الشيعة، و قد نقلوه عن أئمّتهم لتواتر النصّ بذلك عنهم، و هو كما ترى يفيد دعوى إجماع الشيعة الكاشف عن قول الأئمّة على بطلان الاجتهاد في الأحكام الشرعيّة.

و عنه في موضع آخر قال: إنّ القول بحجّية ظنّ المجتهد على نفسه و على من يقلّده مذهب العلّامة و الشهيدين، و الشيخ حسن، و الشيخ عليّ، و الشيخ بهاء الدين، لا غير، و باقي علمائنا المتقدّمين و المتأخّرين على بطلان ذلك كلّه.

ثمّ عنه أنّه ذكر جملة من عبائر القدماء الموهمة لما ادّعاه، فمن جملة ذلك ما ذكره الكليني في أوّل الكافي قال: «و الشرط من اللّه فيما استعبد به خلقه أن يؤدّوا جميع فرائضه بعلم و يقين و بصيرة- إلى أن قال-: و من أراد خذلانه و أن يكون إيمانه معايرا مستودعا سبّب له أسباب الاستحسان و التقليد و التأويل بغير علم و بصيرة».

و ما ذكره الصدوق في العلل بعد ذكر حديث موسى و الخضر قال: «إنّ موسى مع كمال عقله و فضله و محلّه من اللّه تعالى لم يدرك باستنباطه و استدلاله معنى أفعال الخضر، حتّى اشتبه عليه وجه الأمر به، فإذا لم يجز لأنبياء اللّه تعالى و رسله القياس و الاستدلال و الاستخراج كان من دونهم من الامم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك»- إلى أن قال:- «فإذا لم يصلح موسى للاختيار مع فضله و محلّه فكيف تصلح الامّة لاختيار الإمام، و كيف يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعيّة و استخراجها بعقولهم الناقصة و آرائهم المتفاوتة».

و ما ذكره السيّد في الذريعة. قال: «عندنا أنّ الاجتهاد باطل، و أنّ الحقّ مدلول عليه، [و] أنّ من أخطأ غير معذور»[1].

و قد نصّ هناك أيضا: «بأنّ الإماميّة لا يجوز عندهم العمل بالظنّ و لا الرأي و لا القياس و لا الاجتهاد» 2.

و قال في الانتصار في أوّل كتاب القضاء: «إنّما عوّل ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي و الاجتهاد و خطائه ظاهر»[3].

و قال في المسألة الّتي بيّنها: «أنّ من خالفنا اعتمد على الرأي و الاجتهاد دون النصّ و التوقيف، و ذلك لا يجوز» 4.

[1]1 و 2 الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 636.

[3]3 و 4 الانتصار: 488- 495.


صفحه 60

..........

و قال في كتاب الطهارة منه في مسألة مسح الرجلين: «أنّا لا نرى الاجتهاد و لا نقول به»، و قد ذكر أيضا في عدّة من كتبه: «أنّ ما يفيد الظنّ دون العلم لا يجوز العمل به عندنا».

و ما ذكره الشيخ في العدّة قال: «أمّا القياس و الاجتهاد فعندنا أنّهما ليسا بدليلين بل محظور في الشريعة استعمالهما»[1].

و قال في موضع آخر منه: «و لسنا نقول بالاجتهاد و القياس»[2].

و قال أيضا: «و أمّا الظنّ فعندنا أنّه ليس بفاصل في الشريعة تنسب الأحكام إليه، و إن كان تقف أحكام كثيرة عليه نحو تنفيذ الحكم عند شهادة الشاهدين، و نحو جهات القبلة و ما جرى مجراه».

و قال في مواضع من التهذيب: «و إنّا لا نتعدّى الأخبار».

و ما ذكره ابن إدريس في مسألة تعارض البيّنتين بعد ذكر عدّة من المرجّحات قال:

«و لا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا و القياس و الاستحسان و الاجتهاد باطل عندنا».

و ما ذكره الطبرسي في المجمع قال: «لا يجوز العمل بالظنّ عند الإماميّة إلّا في شهادة العدلين و قيم المتلفات و أرش الجنايات».

و ما ذكره المحقّق في المعتبر قال: «ثمّ إنّ أئمّتنا مع هذه الأخلاق الطاهرة و العدالة الظاهرة يصوّبون رأي الإماميّة في الأخذ عنهم و يعيبون على غيرهم ممّن أفتى باجتهاده و قال برأيه، و يمنعون من يأخذ عنه و يستخفّون رأيه و ينسبونه إلى الضلال، و يعلم ذلك علما صادرا عن النقل المتواتر، فلو كان ذلك يسوغ لغيرهم لما عابوا».

و قال فيه أيضا: «و اعلم أنّك مخبر في حال فتواك عن ربّك فما أسعدك إن أخذت بالجزم و ما أخيبك إن بنيت على الوهم، فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى:وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ»[3]*انتهى[4].

ثمّ عنه أنّه قال بعد العبارات المذكورة: «و في ملاحظة أحوال الرواة أيضا ما يفيد ذلك، فقد روى الكشي عن أبي حنيفة قال له: أنت لا تقول شيئا إلّا برواية؟ قال: أجل»[5].

و روى الكشي و غيره عن أكثر علمائنا المتقدّمين و خواصّ الأئمّة(عليهم السلام)أيضا مثل ذلك، بل ما هو أبلغ منه.

[1]عدّة الاصول 1: 9.

[2]عدّة الاصول 1: 146.

[3]البقرة: 169.

[4]هداية المسترشدين 3: 681- 683.

[5]رجال الكشي: 384، رقم 718.


صفحه 61

..........

و قد صنّف جماعة من قدمائنا كتبا في ردّ الاجتهاد و عدم جواز الأخذ به، منها: كتاب «النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد» و ذكره النجاشي[1]و الشيخ في مصنّفات الشيخ الجليل إسماعيل بن عليّ بن إسحاق عن أبي سهل بن نوبخت. و منها: كتاب «النقض في اجتهاد الرأي عليّ ان الراوندي». ذكره الشيخ[2]في ترجمة إسماعيل المذكور نقلا عن ابن النديم أنّه من مصنّفاته. و منها: «الاستفادة في الطعون على الأوائل و الردّ على أصحاب الاجتهاد و القياس» من مصنّفات عبد اللّه بن عبد الرحمن الزبيريّ ذكره النجاشي[3]، و منها:

كتاب «الردّ على من ردّ آثار الرسول و اعتمد على نتائج العقول» من مؤلّفات الشيخ الجليل هلال بن إبراهيم بن أبي الفتح الدلفيّ[4]ذكره النجاشي[5]. و منها: كتاب «النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي» من مؤلّفات الشيخ المفيد[6]، إلى غير ذلك من الكتب في هذا الشأن» انتهى[7].

و الجواب: بمنع منافاة الامور المذكورة لطريقة أصحابنا المجتهدين المعمولة لديهم خلفا عن سلف، و هي الاجتهاد بمعنى بذل الوسع و تحمّل المشقّة في فهم الكتاب و الأخبار النبويّة و الإماميّة، و تمييز ما يعتبر منها عمّا لا يعتبر، و إجراء القواعد المقرّرة في الشريعة من أصالة البراءة و الإباحة و الاحتياط و غيرها من الاصول الممهّدة المعتبرة.

فأمّا عبارة الكليني و الصدوق فهي صريحة فيما ينطبق على ما تقدّم في الخطب و الوصايا و غيرها من الأخبار، من منع البناء في الشريعة على الأخذ بالرأي و القياس و غيرهما من الاستدلالات العقليّة و الاستحسانات الذوقيّة الغير المنتهية إلى القطع بالحكم و لا العلم بالاعتبار على ما هو متداول بين العامّة، و معلوم بضرورة من المذهب أنّ أصحابنا لا يقولون بشيء من ذلك إلّا من شذّ منهم و ضعف، كابن الجنيد على ما اشتهر منه من بنائه على الرأي و القياس.

[1]رجال النجاشي: 31، رقم 68.

[2]الفهرست- للشيخ الطوسي- 31، رقم 36.

[3]رجال النجاشي: 220، رقم 575.

[4]و في المصدر: «المدني» بدل «الدلفيّ» و هو سهو، و الصواب ما أثبتناه في المتن كما ضبطه العلّامة في إيضاح الاشتباه- راجع إيضاح الاشتباه: 315.

[5]رجال النجاشي: 440، رقم 1186.

[6]رجال النجاشي: 399، رقم 1067.

[7]هداية المسترشدين 3: 683.


صفحه 62

..........

و أمّا عبارة السيّد فعلى تقدير كون المراد من الظنّ و الاجتهاد المأخوذين فيها الظنّ الاجتهادي المتداول عند الأصحاب، و الاجتهاد المأخوذ فيه الظنّ بهذا المعنى فهي محمولة على ما يراه في وجه المنع من حجّيّة أخبار الآحاد من قطعيّة الأحكام بالكتاب و الإجماع و الأخبار المفيدة للعلم بتواتر أو استفاضة أو غير ذلك، المعبّر عنها بانفتاح باب العلم على ما هو المعروف منه و من أحزابه، فإنّ هذه الدعوى لو صحّت مطلقة أو في خصوص عصره و ما قاربه لقضت بالمنع ممّا عدا العلم قضاء ضروريّا لا يكاد يخفى على أحد من الإماميّة، و طريقة المجتهدين مبنيّة على فرض الانسداد و عدم التمكّن من العلم في الغالب، و عليه فلا أظنّ السيّد و أحزابه منكرين لتعيّن العمل بالظنّ، كيف و المسألة على هذا التقدير إجماعيّة بل ضروريّة على ما ستعرف، كما أنّ خلافها على تقدير الانفتاح كذلك، بل تكرّر منه التصريح بالجواز بل الإجماع عليه على فرض الانسداد، و قد وقفنا عنه بذلك في غير موضع أشرنا إليه في الأجزاء الاخر من الكتاب.

و عليه ينطبق ما عرفت عن ابن إدريس أيضا، لأنّه كالسيّد في دعوى قطعيّة الأحكام القاضية بعدم حجّية أخبار الآحاد و غيرها من الطرق الغير العلميّة فيها، هذا مع احتمال كون الاجتهاد في كلامهما مرادا به بعض الوجوه التخريجيّة من هوى و رأي أو استخراج علّة بالطرق المعمولة لدى العامّة، كما عرفت نظيره فيما ورد في بعض الأخبار المتقدّمة، و ستعرف أيضا تعيّن الحمل عليه في بعض العبارات المذكورة، كما يحتمل كون الظنّ في كلام السيّد مرادا به الظنّ المستفاد من بعض الوجوه التخريجيّة أو الظنّ الملحوظ بنفسه الغير المنتهي إلى القطع بالاعتبار.

و أمّا عبارة الشيخ فما تضمّن منها لفظ «الاجتهاد» فمحمول على ما تقدّم في بعض الأخبار فيراد به الرأي أو الاستحسان أو غير ذلك ممّا يؤخذ عند العامّة مدركا للحكم، بدليل قوله: «ليسا بدليلين» فإنّ نفي الدليليّة عنه يقتضي كونه في مقابلة من يأخذه دليلا.

و الّذي يقول بجوازه الأصحاب ليس عبارة عندهم عن الدليل، بل هو على ما عرفت سابقا عبارة عن بذل الوسع في فهم الدليل بمقتضى قواعدهم المقرّرة، فبين المعنيين بون بعيد، و ظاهر أنّ المنع من أحدهما لا يستلزم المنع من الآخر.

و ما تضمّن منها لفظ «الظنّ» فظاهره بقرينة استثناء بعض الموضوعات كون المراد بالظنّ فيه ما يستعمل في تشخيص الموضوعات الخارجيّة ليترتّب عليها الأحكام المعلومة في


صفحه 63

..........

الشريعة، فمفاده المنع من التعويل على هذا الظنّ كما هو المشهور بين المجتهدين المتعبّدين في الأحكام بالظنّ المستفاد من الأدلّة المعهودة عندهم و الطرق المقرّرة لديهم، و هذا هو الحقّ في المسألة.

نعم يشكل الحال في استثناء ما ذكره من الشهادة، من حيث إنّ العمل بالشهادة في مواردها ليس من باب التعويل على الظنّ، بل هو تعبّد من الشرع غير منوط بحصول الظنّ، و قد يحمل كلامه هنا على المنع من مطلق الظنّ من حيث إنّه ظنّ، على معنى نفي كونه لذاته و في نفسه حجّة، و ذلك لا ينافي حجّية الظنّ المنتهي إلى العلم، و هو ما يقطع من الأدلّة الشرعيّة القطعيّة بوجوب العمل به.

و في كلامه في العدّة ما يشير إلى إرادة هذا المعنى، حيث إنّه دفع استدلال القائلين بالمنع من القياس بالآيات الدالّة على المنع من الحكم بغير علم، بأنّ: «للمخالف أن يقول: ما قلنا بالقياس إلّا بالعلم و عن العلم، فلم نخالف ظاهر الكتاب، و إنّما ظننتم علينا أنّا نعلّق الأحكام بالظنون و ليس نفعل ذلك، بل الحكم عندنا معلوم و إن كان الطريق إليها الظنّ»[1].

و هذا كما ترى صريح في الرضا بما يقوله المجتهدون من كونهم في أخذهم بالظنون عاملين بالعلم دون الظنّ من حيث هو، فإنّه من هذه الحيثيّة ليس بفاصل في الشريعة، و على تقدير نهوض ما يفيد القطع بالاعتبار فالفاصل حينئذ هو القطع المستفاد من هذا القاطع لا نفسه.

و أمّا ما ذكره في مواضع من التهذيب من «أنّا لا نتعدّى الأخبار» فلا ينافي أيضا ما ذكرناه، لأنّ العمل بالأخبار معناه الأخذ بالظنون المتعلّقة بالأخبار سندا و متنا و دلالة و معارضة، و إنّما أراد بذلك نفي العمل بالقياس و غيره ممّا انفرد به العامّة، و هذا كما ترى غير مقالة أصحابنا المجتهدين.

و أمّا عبارة الطبرسي فيجري فيها ما ذكرناه في توجيه كلام الشيخ من الوجهين أظهرهما ثانيهما، نظرا إلى أنّه يؤذن بدعوى إجماع الإماميّة، فلا تتمّ إلّا في الظنّ المطلق بالنسبة إلى الأحكام إذا لوحظ بنفسه و من حيث هو.

و أمّا عبارة المعتبر فهو مرادفة لعبارتي الكليني و الصدوق، فلم يرد منها ما يرادف المقام كما لا يخفى.

[1]العدّة 2: 668.