..........
على الإطلاق أو يقتضيه ما دام باقيا؟ و هو(قدّس سرّه)ممّن لا يرى الاستصحاب حجّة في صورة الشكّ في المقتضي.
[في جواز نقض الفتوى و عدمه]
و أمّا ما ذكره في أثناء كلامه- على ما تقدّم- من تنظير رجوع المجتهد عن الفتوى بالنسخ، و كون حكمه حكمه في ارتفاع الحكم المنسوخ عن موارده المتأخّرة عنه و بقاء آثار موارده المتقدّمة، فلا خفاء في فساده أيضا، لأنّ النسخ ارتفاع للحكم الواقعي، و اللازم من ذلك كون آثاره المتقدّمة أيضا امور واقعيّة فلا يعقل ارتفاعها بعد وقوعها، فكيف يقاس عليه مؤدّى الاجتهاد المتعقّب للرجوع الّذي هو حكم ظاهري فيكون الآثار المترتّبة عليه مترتّبة بحسب الظاهر، فإذا تحقّق الرجوع انكشف عدم وقوعها موقعها، فلا مانع من ارتفاعها، بل إطلاق الارتفاع هنا مسامحة، لأنّ الرجوع من باب انكشاف عدم وقوع الآثار من أصلها لا من باب ارتفاع ما وقع بعد وقوعه.
نعم يشكل الحال في الوقائع و الأعمال الصادرة من المجتهد و مقلّده على طبق الفتوى قبل الرجوع بالنسبة إلى مجتهد آخر مخالف له في الرأي و مقلّد ذلك المجتهد في الآثار الراجعة إليهما المترتّبة على الأعمال المذكورة، فهل يجوز لهما ترتيب تلك الآثار عليها كما جاز لنفس المجتهد و مقلّده ما لم يحصل له الرجوع ترتيب الآثار المتعلّقة بهما عليها أو لا يجوز لهما ذلك؟ بناء على تأدية اجتهاد ذلك المجتهد إلى مخالفة الأعمال المذكورة للواقع، فكان كانكشاف مخالفتها لها لنفس المجتهد و مقلّده برجوع المجتهد عن فتواه، فكما لا يجوز لهما ترتيب الآثار الراجعة إليهما بعد الرجوع لانكشاف مخالفتها الواقع بمقتضى الأمارة الّتي نشأ منها الاجتهاد الثاني فكذلك لا يجوز لغيرهما المخالف لهما في المذهب ترتيب الآثار الراجعة إليه عليهما لانكشاف مخالفتها الواقع له بمقتضى الأمارة الموجودة له الّتي نشأ منها اجتهاده، و مرجع الكلام إلى أنّه هل يجوز لمجتهد و مقلّده نقض فتوى مجتهد آخر مخالف لهما في الرأي و المذهب أو لا؟
و تحقيق المقام: أنّ مقتضى القاعدة هو وجوب النقض و عدم جواز ترتيب الآثار المتعلّقة بغير المجتهد و مقلّده على فتوى ذلك المجتهد، كما لا يجوز ذلك لنفس المجتهد و مقلّده بعد الرجوع لتنقيح المناط و وحدة الطريق حسبما أشرنا إليه.
و لكنّ الظاهر أنّ ذلك في كثير من صور المسألة و فروضها خلاف الإجماع، فلا بدّ في تحقيق المسألة من الرجوع إلى الأدلّة الخاصّة غير أدلّة حجّية الأمارات، و عليه فالحقّ أنّ
..........
الحكم يختلف بحسب اختلاف المقامات.
المقام الأوّل: في جواز النقض و عدمه في العبادات
و يظهر أثر هذا البحث في موارد:
منها: عمل الأجير عن الميّت في الصلاة و الصوم و الحجّ و الزيارات و غيرها حسبما يستأجره الوصيّ و غيره، و الأظهر هنا عدم جواز النقض و وجوب ترتيب الآثار على أعمال الأجير و عباداته و لو مع مخالفته بحسب اجتهاده أو تقليد المجتهد في الرأي و المذهب، بل و مع العلم بالمخالفة الشخصيّة، و ذلك لأنّ الظاهر من أدلّة الوصيّة وجوب الاستنابة على الوصيّ عن الميّت ممّن ظاهره صحّة عمله بحسب نظره، أي الاستنابة للعمل الصحيح بالصحّة الظاهريّة في نظر النائب على ما هو مقتضى اجتهاده لو كان مجتهدا أو اجتهاد مجتهده لو كان مقلّدا، و المفروض أنّ عقد الإجارة الواقع فيما بينهما أيضا ينصرف إلى العمل الصحيح صحّة ظاهريّة، و إذا استناب الوصيّ من ظاهره صحّة أعماله على الوجه المذكور و قد أتى النائب أيضا بالأعمال الصحيحة على الوجه المذكور خرج الوصيّ عن عهدة تكليفه و برئت ذمّة النائب أيضا و استحقّ الاجرة و هذا واضح، بل الظاهر أنّه إجماعي على ما يظهر من عمل العلماء و سيرة المسلمين في الأعصار و الأمصار.
و منها: استئجار الوليّ لقضاء فوائت الميّت ففي كون المعتبر في عمل ذلك الأجير هو الصحّة الظاهريّة بالقياس إلى حال الأجير من جهة اجتهاده أو تقليده- و لازمه وجوب ترتيب الآثار و عدم جواز نقض الفتوى- أو الصحّة الواقعيّة بحسب نظر الوليّ و لازمه عدم جواز ترتيب الآثار و وجوب النقض وجهان:
من أنّ الأجير هاهنا نائب عن الميّت فيكفي منه الصحّة الظاهريّة لعين ما ذكرناه في مسألة استنابة الوصيّ، أو نائب عن الوليّ[1]بناء على أنّه بموت الميّت يشتغل ذمّة الوليّ بفوائته فوجب عليه إحراز الصحّة الواقعيّة في عمل نائبه، و لا يكفيه الصحّة الظاهريّة في عمل النائب و إن لم تكن من الصحّة الواقعيّة في نظر الوليّ، لأنّ النائب موضوع للصحّة الظاهريّة في حقّ نفسه لا في حقّ غيره من مكلّف آخر و هو الوليّ و لا يبعد ترجيح الأوّل، لأنّ الواجب على الوليّ أحد الأمرين: من الاستنابة عن الميّت أو نيابته عنه، بناء على أنّ المستفاد من أدلّة الولاية في هذا المقام- و لو بضميمة الإجماع- أنّه يجب على الوليّ إبراء
[1]هذا هو الوجه الثاني من الوجهين.
..........
ذمّة الميّت و تفريغه عمّا اشتغلت به من فوائته، و هذا يتأتّى بالاستنابة عنه كما يتأتّى بالنيابة عنه، كما أنّه يتأتّى بتبرّع متبرّع، فأيّ منهم أقدم على النيابة فيكفيه الصحّة الظاهريّة بالنسبة إلى حاله، و عليه فيجوز للوليّ استنابة من يخالفه في الرأي و المذهب و لو علم المخالفة الشخصيّة.
و منها: مسألة الاقتداء، نظرا إلى اشتراط صحّة صلاة المأموم بصحّة صلاة الإمام، فهل يجوز له الاقتداء بمن خالفه في المذهب و لو مع العلم بالمخالفة الشخصيّة- كما لو كان من رأي الإمام اجتهادا أو تقليدا عدم وجوب السورة في الصلاة، أو صحّتها في وبر الأرانب و الثعالب، أو بالطهارة الحاصلة بما يراه طاهرا كالقليل الملاقي للنجاسة أو طهورا كالمضاف مثلا، و المأموم يخالفه في جميع ذلك- أو لا يجوز؟ وجهان من أنّ شرط صلاة المأموم هل هو الصحّة الظاهريّة لصلاة الإمام أو الصحّة الواقعيّة؟ و الأظهر الثاني.
و لا ينتقض ذلك بصلاة الصفوف المتقدّمة من المأمومين على ذلك، نظرا إلى اشتراط صحّة صلاة الصفّ المتأخّر بصحّة صلاة الصفوف المتقدّمة أيضا، مع أنّه يكفي هنا الصحّة الظاهريّة بحسب حال المأمومين، و لذا لا إشكال عندهم في صحّة اقتداء المتأخّر و لو كان فيمن تقدّم عليه من يخالفه في المذهب أو من لا يحسن القراءة و لو في الأذكار الواجبة إلّا بقدر طاقته، لوضوح الفارق بين المقامين فلا يقاس أحدهما على الآخر، و ذلك: أنّ المأموم المتقدّم لا يضمن للمتأخّر شيئا من أفعال صلاته، بل الغرض من اعتبار وجوده في الصفّ المتقدّم إنّما هو إحراز اتّصال المأموم المتأخّر بواسطته بالإمام، و يكفي فيه إحراز الصحّة الظاهريّة في الصفوف المتقدّمة، بخلاف الإمام فإنّه يضمن قراءة المأموم فلا بدّ و أن يعتبر في صحّة صلاته الصحّة الواقعيّة.
و السرّ فيه: أنّ المأموم مخاطب بالقراءة الصحيحة و لا تكون إلّا الصحيحة الواقعيّة في نظره، فيجب عليه إحراز القراءة الصحيحة الواقعيّة في صلاته بحسب نظره إمّا بمباشرة نفسه كما لو كان منفردا أو بمباشرة غيره كما لو كان مقتديا، و لا يتأتّى ذلك إلّا بإحراز الصحّة الواقعيّة في صلاة الإمام؛ و قضيّة هذا كلّه أن يكون العلم بالمخالفة الشخصيّة مانعا عن الاقتداء.
و هل العلم بالموافقة شرط أو لا، بل يكفي فيه مجرّد عدم العلم بالمخالفة؟ احتمالان بل قولان، أصحّهما الثاني عملا بأصالة الصحّة في فعل المسلم في موضع الشكّ و الاحتمال
..........
و لو مرجوحا، فإنّ المأموم بعد ما ثبت اشتراط صحّة صلاته بالصحّة الواقعيّة لصلاة الإمام فلا بدّ له و أن يحرز تلك الصحّة في صلاة الإمام ليصحّ له الائتمام إمّا بطريق علمي كما في صورة العلم بالموافقة أو بطريق شرعي أقامه الشارع مقام الطريق العلمي، و منه الأصل المذكور الّذي يحرز موضوعه بقيام احتمال الموافقة مطلقا، فإنّه في نحو هذا الموضوع أصل قرّره الشارع ليترتّب عليه المكلّف أحكامه المعلّقة على الفعل الصحيح الصادر من المسلم في موضع احتمال الصحّة.
و ما يقال:- من أنّ غاية ما يثبت بذلك الأصل في المسائل الخلافيّة إنّما هو الصحّة عند الفاعل و المطلوب إثباته إنّما هو الصحّة عند الحامل- كلام قشري ظاهري لا يلتفت إليه، إذ ليس الغرض إجراء ذلك الأصل في المسائل الخلافيّة في صورة العلم بالمخالفة الشخصيّة حتّى يكون نتيجته مجرّد الصحّة الفاعليّة، بل في صورة احتمال الموافقة فمتى ما احتمل في صلاة الإمام وقوعها على وفق مذهب المأموم و لو مرجوحا إمّا لاحتمال رعايته الاحتياط أو لاختياره أفضل الفردين أو توجّه نفسه إلى امتثال الأمر الاستحبابي الوارد بما بنى على عدم وجوبه أو غير ذلك ممّا أمكن كونه منشأ لاحتمال الموافقة لمذهب المأموم و لو كان نحو السهو و النسيان جرى فيه أصالة الصحّة منتجة للصحّة الحامليّة أيضا لا الفاعليّة فقط، و هذا واضح فيما لو كان الاختلاف بين نظر الفاعل و نظر الحامل بالعموم و الخصوص مع كون معتقد الحامل هو الخصوص كما في الأمثلة المتقدّمة.
و أمّا لو كان الاختلاف بينهما بالتباين كالجهر و الإخفات ببسم اللّه في الإخفاتيّة ففرض احتمال الموافقة لمذهب الحامل لا يخلو عن خفاء، إلّا أن يكون لضرب من الاتّفاق بسبب غير اختياري كالسهو و النسيان و سبق اللسان.
و كيف كان فهو فرض بعيد بل في غاية البعد، و لكنّ الخطب فيه سهل بعد ملاحظة قلّة وقوع نحو هذا الاختلاف على وجه دعا إلى تحقّق المخالفة الشخصيّة، مع ما ذكرنا من أنّ المناط في جواز الائتمام و عدمه هو قيام احتمال الموافقة و عدمه فحيثما لم يقم ذلك الاحتمال بحيث علم المخالفة الشخصيّة لم يجز الائتمام، فالإشكال صغرويّ لا كبرويّ.
المقام الثاني: في جواز النقض و عدمه في المعاملات من العقود و الإيقاعات،
فلو ملك شيئا بالعقد الفارسي أو عقد على امرأة بالفارسي أو تزوّج من أرضعته عشرة رضعات لبنائه على أنّه
..........
مملّك أو مورث للزوجيّة، أو تزوّج امرأته الّتي خالعها ثلاثا في المرّة الرابعة من دون محلّل لبنائه على أنّ الخلع فسخ لا طلاق، أو غير ذلك من الأمثلة، فهل يجب على مجتهد آخر مخالف أو مقلّده ترتيب آثار الملكيّة أو الزوجيّة من جواز التصرّف فيما ملكه أو التناول منه بإذنه و عدم جوازهما من دون إذنه و إن أذن له المالك الأوّل، و من حرمة العقد على المتزوّجة لكونها ذات بعل فيحرم عليه إن عقد عليها أبدا، و من جواز النظر إليها و حرمة نكاحها بعد الطلاق أو الوفاة و غيرها من أحكام المصاهرة لو كان المجتهد المخالف أو مقلّده أبا للعاقد أو ابنا له أو لا يجب بل لا يجوز؟
مقتضى القاعدة حسبما بيّنّاه جواز النقض بل وجوبه و عدم جواز ترتيب أحكام الملكيّة أو الزوجيّة أو غيرها، إلّا أنّه لا يظنّ أحدا من الأصحاب جوّز ذلك و رضي به، بل قد يقال:
إنّه خلاف ما علم من ضرورة دين الإسلام، و عليه فالصورة مخرجة من القاعدة بالدليل، و لعلّه الإجماع و الضرورة.
و لعلّ السرّ فيه بالبيان الإجمالي: أنّ الوقائع الشخصيّة من المعاملات الصادرة من المجتهد أو مقلّده في الموارد الخاصّة يجري عند الشارع مجرى حكم المجتهد، فكما لا يجوز نقضه فكذلك لا يجوز نقض الآثار في الوقائع الشخصيّة الصادرة منهما.
و بالبيان التفصيلي: أنّ مؤدّى طريق صاحب الواقعة من الملكيّة أو الزوجيّة أو غيرهما حكم فعلي في حقّه، و قد أخذه الشارع ما دام ثابتا لصاحب الواقعة موضوعا لأحكام ظاهريّة مجعولة لغيره ممّن له تعلّق بتلك الواقعة لجهة من الجهات من مجتهد آخر مخالف في الرأي أو مقلّد ذلك المجتهد و خاطبه بالتعبّد بتلك الأحكام الظاهريّة و لو كانت مخالفة للواقع في نظره، و مرجعه إلى أنّ الشارع قد ألغى ذلك الواقع و أسقط اعتباره في حقّ ذلك الغير ما دام موضوع الأحكام الظاهريّة باقيا و إن اعتبره في حقّه في خصوص الوقائع الصادرة منه من العقود و الإيقاعات، و اعتبار حكم ظاهري متضمّن لإلغاء الواقع و لو في حقّ من اعتقد مخالفته له ليس بعزيز الوجود في الشريعة بل له نظائر كثيرة، و من ذلك حكم الحاكم بالتنصيف في دار تداعى فيها المتداعيان مع ثبوت يدهما معا أو خروج يدهما معا مع تعارض بيّنتهما أو عجزهما عن إقامة البيّنة، حيث يجوز للحاكم أو غيره التصرّف في كلّ من النصفين بإذن من حكم له به من المتداعيين، بل اشتراؤه للنصفين معا مع علمه بأنّ العين بأجمعها في الواقع لأحدهما.
..........
و بالجملة ما أخذه صاحب الواقعة بحسب اجتهاده أو تقليد مجتهده بالعقد الفارسي مثلا ملك فعليّ له، و المرأة المعقود عليها بالعقد الفارسي أو من دون إذن الوليّ زوجة فعليّة، و الأحكام المعلّقة على ملك الغير أو زوجته الراجعة إلى غير صاحب الواقعة ممّن يخالفه في الرأي و المذهب أو يوافقه مترتّبة على الملكيّة الفعليّة أو الزوجيّة الفعليّة و إن لم تصادف الواقع، لأنّ مفاد أدلّة الطرق الاجتهاديّة كون مؤدّياتها أحكاما فعليّة في حقّ المجتهد الآخذ بها و مقلّده و وجوب إمضائها على مجتهد آخر و مقلّديه، و من هنا جاز لمجتهد تجويز تقليد من يخالفه في الرأي، و حينئذ فليس لمجتهد في الوقائع الواقعة المنطبقة على مؤدّى اجتهاد مجتهد آخر إلّا ترتيب الآثار حسبما يقتضيه اجتهاد ذلك المجتهد الّذي هو صاحب الواقعة لا بمقتضى اجتهاد نفسه، فإنّ اجتهاد نفسه بالقياس إلى خصوص هذه الوقائع ملغى، و لكن هذا كلّه إذا كان الاختلاف بينهما في الحكم.
و أمّا لو حصل الاختلاف بينهما في المصاديق و الامور الخارجيّة باعتبار خارجها لا باعتبار حكمها كما لو قامت بيّنة لمجتهد في امرأة مزوّجة على موت زوجها فعقد عليها المجتهد لنفسه أو لغيره على أنّها قد مات زوجها، و هذه البيّنة ليست بعادلة في نظر مجتهد آخر أو قامت عنده بيّنة اخرى على حياة زوجها، فليس لذلك المجتهد أن يرتّب الآثار على مقتضى البيّنة المذكورة، بل يرتّب الآثار على معتقد نفسه أو على مقتضى بيّنة نفسه.
و مثله ما لو قامت البيّنة على حياة زوج المرأة و هي ليست بعادلة في نظر مجتهد آخر بل قامت عنده بيّنة على موته، فكلّ متعبّد بمقتضى أمارته، لأنّ كلّا منهما في الامور الخارجيّة في عرض صاحبه لا في طوله، و المراد بالامور الخارجيّة ما لا تصرّف للشارع فيها، و من هنا لو قامت للمكلّفين بصلاة الميّت بيّنة على أنّ فلانا قد صلّاها و هي عادلة عند أحدهما دون الآخر فيبنى الأوّل على سقوط الصلاة عنه عملا ببيّنته المقتضية لحصولها ممّن قام به الكفاية و لا تسقط عن صاحبه لأنّ مقتضى عدم اعتبار البيّنة في نظره عدم حصولها في الخارج فيجب عليه القيام بها.
و بالجملة متى ما حصل الاختلاف بين صاحب الواقعة و غيره- مجتهدين كانا أو مقلّدين أو مختلفين- في الأحكام الشرعيّة فالاعتبار بمؤدّى طريق صاحب الواقعة، فعلى غيره أيضا ترتيب الآثار عليه من باب الحكم الظاهري، و متى ما حصل الاختلاف بينهما في الموضوعات الخارجيّة فالمتّبع لكلّ معتقده و مؤدّى أمارة نفسه.
..........
و وجه الفرق: أنّ الشارع تصرّف في الأحكام بجعل مؤدّيات الطرق الاجتهاديّة أحكاما فعليّة يترتّب عليها الآثار و لم يتصرّف في الموضوعات الخارجيّة، فليتدبّر.
المقام الثالث: في نقض الفتوى و عدمه في الوقائع المرتبطة بالمجتهد أو مقلّده في الطهارة و الحلّية و غيرهما من الأحكام،
كما لو باشر المغسول مرّة واحدة أو ملاقى الغسالة أو عرق الجنب من الحرام أو الماء القليل للنجاسة أو العصير العنبي بعد الغليان في المأكول أو المشروب أو الملبوس أو الأواني لبنائه على كفاية المرّة في غسل المتنجّسات و على الطهارة في البواقي، أو هيّأ في أدائه للضيافة و غيرها المطبوخ من لحم حيوان يرى حلّيّته أو المشروب من العصير الزبيبي أو التمري بعد الغليان لبنائه فيهما على الحلّيّة، فهل يجوز لمجتهد آخر مخالف في الرأي في المذكورات أو مقلّده عند الابتلاء بنحو هذه الوقائع ترتيب آثار الطهارة أو الحلّيّة، فلا يجب عليهما التجنّب بل يجوز لهما المباشرة و الملاقاة برطوبة و التناول أكلا و شربا أو لا نقضا للفتوى في جميع ذلك؟ الظاهر الثاني لما مرّ من القاعدة المقتضية لذلك مع عدم وجود صارف عنها، بل الظاهر أنّه محلّ وفاق حيث لم نقف على قول بخلافه.
تذنيب [إذا علم ببطلان حكم الحاكم أو بطلان طريقه]
حكم الحاكم إذا قطع ببطلانه أو بطلان طريقه وجب نقضه قولا واحدا و إلّا لم يجز نقضه للحاكم و لا لغيره من حاكم آخر أو مقلّده قولا واحدا، و في كلام بعض الفضلاء: «أنّه موضع وفاق»[1]و الإجماعات المنقولة في كلام العامّة و الخاصّة كثيرة، من غير فرق فيما ذكر بين كون الحكم واردا في الموضوعات الصرفة الّتي طريق الحكم فيها الإقرار أو البيّنة أو اليمين، أو في وقائع من العقود أو الإيقاعات أو المواريث أو غيرها ممّا يتفرّع الحكم فيها على الفتوى، و لا بين رجوع الحاكم بعد حكمه عن فتواه و عدمه، و لا بين بقاء حكم الفتوى بعد الرجوع في الواقعة الشخصيّة- كما لو تراجع إليه المتعاقدان بالفارسيّة في النكاح فحكم بالزوجيّة أو في البيع فحكم بالنقل و الملكيّة، فإنّ حكم فتواه الّتي فرّع عليها الحكم و هي صحّة ذلك العقد يبقى بعد الرجوع- و عدمه كما لو اشترى أحد المتعاقدين لحم حيوان لبناء الحاكم على حلّيته فترافعا إليه فحكم بصحّة العقد و انتقال الثمن إلى البائع
[1]الفصول الغرويّة: 410.
..........
إلى المشتري ثمّ رجع إلى القول بالتحريم، فإنّ الحكم بصحّة العقد و انتقال الثمن و المثمن يبقى بحاله و لا يبقى الحكم بحلّيته في حقّ المشتري بحاله.
و العمدة من دليله الإجماع، و قد يستدلّ بأنّه لو جاز للحاكم نقض حكمه أو لغيره نقض الحكم عند تغيّر الاجتهاد الظنّي و عدمه لجاز نقض النقض و هكذا إلى غير النهاية، و ذلك يفضي إلى عدم الوثوق بحكم الحاكم و عدم استقراره، و هذا خلاف المصلحة الباعثة على نصب الحكّام، و هذا لا يصلح مدركا لتأسيس الحكم الشرعي و إنّما يصلح لتأييد دليله.
و الأولى أن يستدلّ عليه بقوله في مقبولة ابن حنظلة: «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله فبحكم اللّه استخفّ و علينا ردّ، و الرادّ علينا كالرادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك».
[تعليقة] في التعادل و الترجيح
و قد يعبّر ب«التراجيح» جمعا نظرا إلى كثرة وجوه الترجيح، أو لرعاية التناسب اللفظي بينه و بين «التعادل».
و قد يتوهّم كون «التعادل» و «الترجيح» قسمين للتعارض و هو سهو، بل هما حالان في الدليلين المتعارضين باعتبار كونهما متعارضين، فالتعارض وصف اخذ في معروض التعادل و الترجيح، و لذا لا يصحّ الحمل بينهما مع صحّته بين المقسم و كلّ من أقسامه، هذا بناء على تفسير «الترجيح» باقتران الأمارة بما تتقوّى به على معارضها كما في كلام جماعة، قبالا للتعادل الّذي هو عبارة عن تساوي الأمارتين باعتبار خلوّهما عن المزيّة أو اشتمال كلّ منهما على مزيّة.
و أمّا على تفسيره بتقديم إحدى الأمارتين على الاخرى للعمل بها لما معها من المزيّة فهو من فعل المجتهد الناظر في الأمارتين المتعارضتين فلا يعقل كونه قسما من التعارض، مع أنّه بهذا المعنى ما يؤخذ في محمول القضيّة في المسألة الاصوليّة قبالا للتعارض كالتعادل