بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 571

..........

لما لا يعلم حكمه من حيث الحرمة و النجاسة و غيرهما بالخصوص، أي الواقعة من حيث جهالة حكمها الواقعي، فيقال في الغناء أو العصير العنبي بعد الغليان مثلا عند جهالة حكمهما الواقعي من حيث الحرمة و النجاسة و غيرهما: «إنّ هذا ما لا يعلم حكمه بالخصوص، و كلّما لا يعلم حكمه بالخصوص فهو مباح أو طاهر، فهذا مباح أو طاهر» فإذا عثر على نصّ دالّ على حرمة الأوّل أو نجاسة الثاني صار الأوّل ما علم حرمته و الثاني ما علم نجاسته و ارتفع به عنهما عدم العلم بحكم الواقعة بالخصوص المأخوذ في موضوع الأصلين، فالنصّ المفروض وارد عليهما لرفعه بدلالته عن المورد موضوعهما، فالإباحة و الطهارة اللّتين هما مفاد الأصلين لا تجريان في هذا المورد. لاستحالة جريان الحكم مع ارتفاع الموضوع، فيبقى الحرمة و النجاسة المستفادة من النصّ سليمة عن المعارض.

هذا فيما لو كان النصّ المفروض قطعيّا واضح، و أمّا ما كان ظنّيا في دلالته أو سنده أو فيهما معا- كالشهرة و الإجماع المنقول و خبر الواحد- مع فرض حجّية كلّ من باب الظنّ الخاصّ أو المطلق فقد يتوهّم وقوع التعارض بينها و بين الأصل، لأنّ قصارى ما يحصل منها الظنّ بالحرمة أو النجاسة و هو أيضا من أفراد عدم العلم المأخوذ في موضوع الأصل، فيقال في الغناء أو العصير: أنّه من حيث إنّه ما ظنّ حرمته أو نجاسته حرام أو نجس، و من حيث إنّه ما لم يعلم حرمته أو نجاسته بالخصوص مباح أو ظاهر، و لا نعني من التعارض إلّا هذا.

و لكن يزيّفه: أنّ هذا إنّما يتوجّه على تقدير كون المأخوذ في موضوع الأصل عدم العلم الحقيقي بحكم الواقعة بالخصوص و هذا خلف، بل المراد به ما يعمّ العلم الحقيقي و العلم الشرعي، و الظنّ الثابت حجّيته بدليل علمي من عقلي أو سمعي علم شرعي، فبورود الأمارة الظنّية في الواقعة يحصل العلم الشرعي بحكم الواقعة بالخصوص و يرتفع به موضوع الأصل و هو عدم العلم بالمعنى الأعمّ.

و السرّ في عموم موضوع الأصل أنّ أدلّة حجّية الأمارة الظنّية القاضية بعدم الاعتناء باحتمال مخالفتها الواقع متعرّضة بهذا المضمون لحال أدلّة اعتبار الاصول، ببيان: أنّ عدم العلم المأخوذ في موضوعها أعمّ من عدم القطع و عدم الظنّ الحاصل من تلك الأمارة.

و لا ريب أنّ بورود الأمارة و دلالتها الظنّية على الحكم من نجاسة أو حرمة أو وجوب أو على خلاف مقتضى الحالة السابقة في الاستصحاب و نحو ذلك يرتفع ذلك الموضوع، فالأمارة الظنّية كائنة ما كانت إن اعتبرت مقيسة إلى الأصل كانت واردة و رافعة لموضوعه،


صفحه 572

..........

كما أنّ أدلّة حجّيّتها إن اخذت مقيسة إلى أدلّة الأصل كانت حاكمة عليها بالمعنى الآتي، فورود الأمارات الظنّية على الاصول العمليّة ليس بنفسها بل بانضمام أدلّة حجّيّتها و اعتبار حكومتها على أدلّة الاصول.

لكن هذا في الاصول الّتي مؤدّياتها أحكام شرعيّة مجعولة من الشارع، كأصلي البراءة و الإباحة و الاستصحاب بناء على استفادتها من عمومات الكتاب و السنّة، و أمّا لو كانت أحكاما عقليّة صرفة من دون جعل شرعي فيها- كالبراءة الأصليّة، و وجوب الاحتياط على القول به، و التخيير في مسألة دوران الأمر بين المحذورين الّتي يحكم بها العقل لعدم البيان في الأوّل و احتمال العقاب في الثاني و عدم الترجيح في الثالث- فلا حاجة في اعتبار ورود الأمارة عليها إلى ملاحظة أدلّة حجّيّتها و اعتبار حكومتها، و إن احتاجت الأمارة في حجّيّتها إلى وجود تلك الأدلّة، بل الأمارة بعد الحجّية بنفسها رافعة لموضوعات هذه الاصول و هي عدم البيان و احتمال العقاب و عدم الترجيح، لأنّها في الأوّل بيان و في الثاني تؤمننا عن العقاب و في الثالث مرجّحة، فمع ورودها لا يحكم العقل بالبراءة و لا الاحتياط و لا التخيير، فيبقى الحكم المستفاد منها سليما عن المعارض.

و إنّما جعل المذكورات من الموضوع لحكم العقل مع أنّها مناط له و حيثيّات تعليليّة لا تقييديّة، إذ ليس المراد بالموضوع في نظائر المقام هو الموضوع المنطقي الّذي يعدّ عندهم من أجزاء القضيّة، و هو ما وضع و عيّن لأن يحكم عليه بالمحمول، بل المراد به ما له مدخليّة في الحكم و لو كان بالقياس إليه من قبيل العلّة أو السبب و الشرط الاصوليّين، و إطلاق الموضوع على هذا المعنى في كلامهم شائع، و منه ما في مباحث المنطوق و المفهوم من جعل معيار الفرق بينهما كون الموضوع في الأوّل مذكورا في الكلام و في الثاني غير مذكور فيه، و عدّهم منه المجيء و عدم المجيء مثلا في مدلولي «إن جاءك زيد فأكرمه» مع كون المجيء سببا اصوليّا لوجوب إكرامه، بل عدم العلم المأخوذ في موضوع الاصول على تقدير كونها من المجعولات الشرعيّة أيضا عند التحقيق مناط للحكم و حيثيّة تعليليّة في الواقع لا حيثيّة تقييديّة و إن كان يؤخذ وصفا للواقعة و يعبّر عنها بما لم يعلم حكمه بالخصوص، لوضوح أنّ الإباحة المجعولة و غيرها لا تعرض الواقعة الغير المعلومة الحكم بوصف أنّها كذلك على وجه يكون عدم معلوميّة الحكم جزءا لمعروض الإباحة، بل إنّما تعرض الواقعة لجهالة حكمها الواقعي و من حيث عدم العلم بحكمها بالخصوص، و لا نعني من الحيثيّة التعليليّة إلّا هذا المعنى.


صفحه 573

[عدم التعارض بين الأدلّة الاجتهاديّة و الاصول العمليّة]

..........

فظهر من جميع ما ذكرنا أنّ ورود الأدلّة الاجتهاديّة على الاصول العمليّة و عدم وقوع التعارض بينها ليس لتعدّد موضوعيهما- بمعنى الموضوع المنطقي- ليكون ذلك من متفرّعات اعتبار وحدة الموضوع في التعارض المنطقي، ليكون ذلك من متفرّعات اعتبار وحدة الموضوع في التعارض كما يظهر من بعض مشايخنا(قدّس سرّه)و فرّعناه عليه أيضا في صدر الكلام تبعا له(قدّس سرّه)، بل إنّما هو لعدم جريان حكم الأصل في مورد الدليل الاجتهادي.

و قد عرفت أنّ تعارض الدليلين إنّما هو باعتبار تنافي مدلوليهما و لا يتأتّى ذلك إلّا بتوارد المدلولين على محلّ واحد، و مدلول الدليل الاجتهادي مع مدلول الأصل لا يتواردان أبدا على مورد واحد، فيبقى مدلول الدليل الاجتهادي حيثما وجد سليما عمّا يعارضه من طرف الأصل لعدم جريانه مع وجوده.

ثمّ إنّ ما بيّنّاه سابقا في الأمارة الظنّية مقيسة إلى الأصل العملي على تقدير كون مؤدّاه من المجعولات الشرعيّة من أنّ عدم وقوع التعارض بينهما لورودها عليه و كونها رافعة لموضوعه و لكن بعد ملاحظة حكومة أدلّة حجّيتها على أدلّة اعتباره مبنيّ على تفسير الحكومة بكون أدلّة حجّية الأمارة بإفادتها عدم الاعتناء باحتمال مخالفة الأمارة للواقع متعرّضة لبيان كون موضوع الأصل أعمّ من العلم الحقيقي و العلم الشرعي الّذي منه الظنّ المستفاد من الأمارة.

و أمّا على تقدير تفسيرها بكونها بإفادتها عدم الاعتناء باحتمال الخلاف متعرّضة لحال أدلّة الاصول بنفي الحكم الكلّي المستفاد منها من الإباحة أو الطهارة أو غيرها عن مورد الأمارة- أعني ما ظنّ وجوبه أو حرمته أو نجاسته من جهة الأمارة- فلا يكون الوجه في عدم وقوع التعارض بينهما ورود الأمارة عليها، بل مجرّد حكومة أدلّة حجّيتها على أدلّة اعتبارها الّتي مرجعها إلى نفي حكم الأصل عن مورد الأمارة، لكون موضوع الأصل حينئذ ما لم يعلم حكمه بالخصوص بالعلم الحقيقي خاصّة لا أعمّ منه و من العلم الشرعي.

و لا ريب أنّ الواقعة المظنونة الحكم مندرجة بحسب المفهوم في هذا الموضوع.

غاية الأمر أنّ أدلّة حجّية الأمارة المفيدة لذلك الظنّ بمضمونها تعرّضت لنفي حكم ذلك الموضوع عن الواقعة المظنونة الحكم.

فقد ظهر من جميع ما قرّرناه أنّ الأدلّة الاجتهاديّة من حيث إنّها لا تعارضها الاصول العمليّة على أنحاء:


صفحه 574

..........

منها: ما كان بنفسه رافعا لموضوع الأصل باعتبار إفادته العلم بحكم الواقعة بالخصوص كالإجماع و النصّ القطعي بتواتر و نحوه، سواء كان مؤدّى الأصل حكما عقليّا صرفا أو مجعولا شرعيّا.

و منها: ما كان بنفسه أيضا رافعا لموضوع الأصل مع كونه ظنّيا إذا كان مؤدّى الأصل حكما عقليّا كالشهرة و الإجماع المنقول و نحوهما بعد ثبوت حجّيّتها بدليل علمي.

و منها: ما كان رافعا لموضوع الأصل مع كونه ظنّيا لكن لا بنفسه بل بمعونة حكومة دليل حجّيته على دليل اعتبار الأصل إذا كان مؤدّاه من المجعولات الشرعيّة، مع تفسير الحكومة بما يكون مفادها تعميم موضوع الأصل بالقياس إلى عدم العلم الشرعي.

و منها: ما كان باعتبار مجرّد حكومة دليل حجّيته على دليل الأصل على تقدير تفسير الحكومة بما يرجع حاصله إلى التعرّض لنفي حكم الأصل عن المورد.

و الكلّ في جهة جامعة واحدة، و هي أنّ عدم وقوع التعارض بينها و بين الاصول العمليّة إنّما هو لعدم توارد مدلوليهما على محلّ واحد، لوضوح أنّ كلّ مورد يجري فيه الأصل لا يوجد فيه دليل اجتهادي، و كلّ مورد يوجد فيه دليل اجتهادي لا يجري فيه الأصل، فافهم و لا تغفل.

[عدم التعارض بين الحاكم و المحكوم عليه]

و كما أنّه لا يقع التعارض بين الوارد و المورود كذلك لا يقع بين الحاكم و المحكوم عليه، و المراد من حكومة أحد الدليلين على الآخر أن يكون أحد الدليلين بمضمونه و مدلوله اللفظي متعرّضا لحال دليل آخر ببيان مقدار موضوعه بإدخال شيء فيه لولاه لم يكن داخلا، أو بإخراج شيء منه لولاه لم يكن خارجا، أو ببيان مقدار مدلوله و هو الحكم المستفاد منه بإثباته لشيء لولاه لما شمله، أو نفيه عن شيء لولاه لشمله، و الأوّل هو الحاكم و الثاني هو المحكوم عليه.

و بيان مقدار الموضوع مع بيان مقدار المدلول متلازمان، لاستلزام بيان كلّ منهما بيان صاحبه، بتقريب: أنّ الحكم و موضوعه بحسب الخارج متلازمان فيكونان في مقداريهما عموما و خصوصا متطابقان، لوضوح أنّ حكم القضيّة في لحاظ الحاكم لا يزيد على موضوعها و لا ينقص منه، كما أنّ موضوعها في لحاظه لا يزيد على حكمها و لا ينقص منه.

و بالجملة فالدليل الحاكم كأنّه بنفس مضمونه يفسّر الدليل المحكوم عليه، و يبيّن حقيقة المراد منه و مقداره موضوعا و حكما.

و قضيّة ذلك أن يكون الحاكم مرتبطا بالمحكوم عليه، و دليليّته منوطة بوجوده، و لذا


صفحه 575

..........

قد يقال في ميزان الحكومة: أن يكون الدليل الحاكم بحيث لو لا الدليل المحكوم عليه لكان لغوا خاليا عن المورد.

فالحاكم باعتبار أنّ تعرّضه لحال المحكوم عليه قد يكون بإدخال شيء في موضوعه و إثبات حكمه لذلك الشيء، و قد يكون بإخراج شيء عن موضوعه و نفي حكمه عن ذلك الشيء قسمان، إلّا أنّ أكثر الأمثلة المذكورة في هذا الباب منطبقة على القسم الثاني، فمن أمثلته ما دلّ على أنّه لا حكم للشكّ مع الكثرة و لا بعد الفراغ و لا في النافلة و لا لشكّ الإمام أو المأموم مع حفظ الآخر، فإنّه حاكم على الأدلّة المتكفّلة لبيان أحكام الشكوك من تأثيره في بطلان العبادة أو البناء [على الأكثر] أو تدارك المشكوك فيه أو غير ذلك، و ناطق بنفس مضمون «لا حكم للشكّ في هذه الصور» بأنّ المراد من الشكّ في تلك الأدلّة ما عدا هذه الشكوك، أو أنّه بنفس هذا المضمون ينفي أحكام الشكّ عن هذه الشكوك.

و منها[1]: الأدلّة النافية للعسر و الحرج بالقياس إلى سائر الأدلّة الخاصّة المثبتة التكاليف الإلزاميّة في أبواب العبادات و غيرها، فإنّ قوله تعالى: إنّمايُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَينفي التكاليف الإلزاميّة المستفادة من تلك الأدلّة عن موارد العسر، و يدلّ بنفس هذا المضمون على خروج تلك الموارد عن موضوعات هذه الأدلّة.

و منها: الأدلّة النافية للضرر بالقياس إلى الأدلّة الخاصّة المتكفّلة لبيان الأحكام الشرعيّة تكليفيّة و وضعيّة، فإنّ قوله: «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» بنفس هذا المضمون ينفي الأحكام المستلزمة للضرر و يدلّ على خروج موارد الضرر عن موضوعات تلك الأدلّة، إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على الخبير البصير. بل لم نقف للقسم الأوّل على مثال واضح خال عن التكلّف، حتّى أنّ ما قد يذكر في مثال هذا القسم- من حكومة الأدلّة الدالّة على أنّ من تيقّن الطهارة و شكّ في الحدث يبني على الطهارة على مثل قوله تعالى:إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْو قوله(عليه السلام): «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» و قوله:

«لا صلاة إلّا بطهور» إلى غير ذلك من أدلّة وجوب الوضوء و اشتراط الطهارة للصلاة الظاهرة في اعتبار الوضوء المتيقّن و اعتبار اليقين في إحراز الطهارة، لقضائها بأنّ شرط الصلاة أعمّ من الطهارة المتيقّنة و الطهارة المستصحبة، أو بأنّ اليقين المعتبر في إحراز الطهارة أعمّ من

[1]هذا و ما بعده من أمثلة القسم الثاني من أقسام الحكومة الّتي أشار إليها آنفا بقوله: «و من أمثلته ما دلّ على أنّه لا حكم للشكّ مع الكثرة الخ».


صفحه 576

..........

اليقين العقلي و اليقين الشرعي، أو بأنّه يكفي فيه اليقين بحصول الوضوء و حدوث الطهارة و لا يعتبر فيه اليقين و البقاء إلى أن يحصل اليقين بعدم البقاء- فهو أيضا أوفق بكون الحكومة فيه بالنفي و الإخراج، لأنّ قوله تعالى:إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِإلى آخره يقتضي وجوب الوضوء عند كلّ قيام إلى الصلاة، و قوله: «إذا دخل الوقت» إلى آخره، «و لا صلاة» إلى آخره بظاهره يقتضي اعتبار الطهارة الواقعيّة الّتي لا تحرز إلّا بطريق العلم، و قوله(عليه السلام): «إذا استيقنت أنّك قد أحدثت» إلى آخره، يحكم عليها بنفس مضمونه بأنّ الوضوء إنّما يجب عند قيام إلى الصلاة مصادف ليقين الحدث، و لا يجب عند القيام المصادف لعدم يقين الحدث، و لا يجب اليقين بالطهارة في احرازها مع كون الحالة السابقة على الشكّ في الحدث هي الطهارة.

و كيف كان فلأجل أنّ مرجع الحكومة بالتعبير الثاني إلى إخراج ما هو من أفراد موضوع الدليل عن تحت ذلك الدليل و نفي حكمه عمّا هو من أفراد موضوعه، فقد يشتبه الحكومة و الحاكم بالتخصيص و المخصّص المنفصل في نحو «أكرم العلماء» و «لا تكرم زيدا» بتقريب:

أنّ التخصيص إخراج ما لولاه لدخل، و المخصّص ما يوجب خروج الفرد عن العامّ و يقتضي نفي حكمه عن الفرد، و لأجل ذا جاز الحكم على المخصّص أيضا بكونه مفسّرا للعامّ و مبيّنا لحقيقة المراد منه.

و فيه: أنّ الحاكم و المخصّص و إن كانا متشاركين في المفسّريّة و البيانيّة إلّا أنّهما يتفارقان في أنّ الحاكم بنفس مضمونه متعرّض لحال المحكوم عليه بالتفسير و البيان، و لذا كان دليليّته باعتبار دلالته منوطة بوجوده بحيث لولاه لكان لغوا و خاليا عن المورد، بخلاف المخصّص الّذي يلحقه وصف المفسّريّة و البيانيّة لعارض بواسطة حكم العقل لئلّا يلزم التناقض و اجتماع المتنافيين، أو بمعونة فهم العرف كونه قرينة منفصلة، بل مبنى فهم العرف أيضا على حكم العقل بالتقريب المذكور، فإنّ أهل العرف عقلاء و فهمهم للقرينيّة إنّما هو لحكم عقولهم بامتناع التناقض و اجتماع المتنافيين، و لذا لو لا أحد الأمرين لم يرتبط المخصّص بالعامّ و لم يكن دليليّته باعتبار دلالته منوطة بوجود العامّ، و لا يلزم من فرض عدم وروده خروج المخصّص لغوا و خاليا عن المورد.

[الفرق بين الحكومة و التخصيص و الحاكم و المخصّص]

و من البيان المذكور يظهر السرّ في عدم وقوع التعارض بين الحاكم و المحكوم عليه، إذ لا يعقل منافاة بين المفسّر و المفسَّر، بل ليس للحاكم مدلول سوى بيان مقدار موضوع المحكوم عليه و حكمه فكأنّهما معا دليل واحد.


صفحه 577

[جريان قاعدة الورود و الحكومة فيما بين الاصول اللفظيّة و النصوص القطعيّة أو الظنّيّة]

..........

و قد يجري قاعدة الورود و الحكومة فيما بين الاصول اللفظيّة المعمولة في الأدلّة الشرعيّة كأصالة الحقيقة و أصالة العموم و أصالة الإطلاق مع ما يوجب الخروج عنها من النصوص القطعيّة و الظنّية.

و تفصيل القول في ذلك: أنّ الأصل اللفظي- كأصالة العموم مثلا- إمّا أن يكون معتبرا من باب الظنّ النوعي على معنى كونه بنوعه و كونه بحيث لو خلّي و طبعه يفيد الظنّ بإرادة الحقيقة و العموم و إن كان في بعض الأحيان لا يفيده لمنع مانع و سنوح بعض السوانح، أو من جهة أصالة عدم القرينة أو أصالة عدم التخصيص أو غيرها من الاصول العدميّة المعمولة في الألفاظ، و على التقديرين فالنصّ المخالف المخرج عنه إمّا أن يكون مع نصوصيّة دلالته قطعيّ السند بحيث يفيد القطع بخلاف الحقيقة، أو ظنّي السند على وجه يوجب الظنّ بخلاف الحقيقة، فالصور أربعة:

فإن اعتبرنا الأصل من باب الظنّ النوعي كان النصّ المخرج منه واردا عليه قطعيّا كان أو ظنّيا، لأنّ هذا الظنّ النوعي كالظنّ الاستصحابي- على القول بكون الاستصحاب من باب الظنّ- تعليقي، على معنى كون اعتباره في اقتضاء ترتيب أحكام الحقيقة عند العرف و الشرع معلّقا على عدم العلم و لا الظنّ المعتبر و لو ضعيفا بخلاف الحقيقة فهذا موضوعه، و لا ريب أنّ النصّ قطعيّا أو ظنّيا يرفع هذا الموضوع.

و إن اعتبرناه من جهة الأصل العدمي فإن كان النصّ قطعيّا كان واردا عليه، لأنّه بإفادته العلم بخلاف الحقيقة يرفع موضوع الأصل المذكور و هو عدم العلم بإرادة المجاز الملازم لاحتمال إرادة الحقيقة، و هذا معنى ما يقال: من أنّ العمل بالنصّ القطعي في مقابل الظاهر كالعمل بالدليل العلمي في مقابل الأصل العملي.

و إن كان ظنّيا كان حاكما عليه، لأنّ دليل حجّية الظنّ الحاصل منه يدلّ على المنع من الاعتناء باحتمال إرادة الحقيقة من العامّ مثلا، فهو بهذا المدلول متعرّض لحال دليل اعتبار الأصل الدالّ على جواز الاعتناء بالاحتمال المذكور بإجراء أحكام الحقيقة لمجرّده بإخراج الاحتمال القائم في مورد النصّ الظنّي عن موضوع الأصل و نفي حكمه عن هذا الفرد الخاصّ، فالنصّ حاكم على الأصل حينئذ باعتبار كون دليل اعتباره حاكما على دليل اعتبار الأصل.

و بعبارة اخرى: دليل اعتبار الأصل يفيد وجوب العمل بحكم العامّ و حمله على العموم


صفحه 578

..........

ما لم يعلم بالتخصيص، و دليل حجّية النصّ الظنّي السند يفيد المنع من ذلك فيما ورد نصّ ظنّي بخلاف العامّ مع كونه ممّا لا يعلم معه بالتخصيص.

[عدم التعارض بين دليلين قطعيّين و لا بين ظنّيّين و لا بين قطعي و ظنّي]

ثمّ ليعلم أنّه لا يقع التعارض بين دليلين قطعيّين، و لا بين قطعيّ و ظنّي، و لا بين ظنّيين.

أمّا الأوّل: فتارة بالوجدان، فإنّا ندرك بضرورة الوجدان [لو] أنّ دليلا قطعيّا أفاد القطع بالواقع و كشف عنه فلا يحصل من غيره القطع بخلافه.

و اخرى: بالبرهان، فإنّ تعارض القطعيّين يقتضي حصول العلم بالمدلولين، و هو يقتضي وقوع المعلومين و هو محال، لاستحالة اجتماع النقيضين و الضدّين، فإمّا أن لا يحصل العلم من شيء منهما فيخرجان عن الدليليّة و يسقطان عن الحجّية أو يحصل من أحدهما دون الآخر فهو الحجّة دون صاحبه، و من البيّن أنّ غير الحجّة لا يعارض الحجّة.

و أمّا الثاني: فلاستحالة حصول الظنّ بخلاف المقطوع به، و إلّا لزم اجتماع النقيضين في الذهن، لأنّ القطع عبارة عن الترجيح المانع من النقيض، و المنع و عدم المنع متناقضان.

و أمّا الثالث: فللزوم اجتماع النقيضين في الذهن أيضا، لأنّ الظنّ عبارة عن الاحتمال الراجح، و رجحان احتمال أحد طرفي النقيض يستلزم مرجوحيّة احتمال الطرف الآخر، ففرض حصول الظنّ منهما يوجب اجتماع الرجحان و المرجوحيّة في كلّ من الاحتمالين.

فإمّا أن لا يحصل الظنّ منهما فيخرجان عن الحجّية، أو عن أحدهما فيخرج ذلك عن الحجّية.

فانحصر مورد التعارض في الأدلّة الظنّية المعتبرة من باب الظنّ النوعي كخبر الواحد و الإجماع المنقول و غيرهما، و هذا هو مراد من أطلق انحصار التعارض في الظنّيين- و هو ما كان دليليّته منوطة بجعل الشارع لإفادة نوعه الظنّ و إن كان قد لا يفيده فعلا لسنوح بعض السوانح و عروض بعض الموانع، لا لإفادته الظنّ الفعلي بحيث لو لا حصوله خرج عن الدليليّة و الاعتبار- و لا سيّما قدماء أصحابنا و من يحذو حذوهم من المتأخّرين، حيث لم يعهد عندهم دليل ظنّي إلّا على هذا الوجه، و لم يكن باب الظنّ الفعلي الّذي يعبّر عنه بالظنّ المطلق مفتوحا لديهم، ثمّ جرى مجراهم في التعبير بهذه العبارة المطلقة من فتح باب الظنّ المطلق مريدا بها المقيّد أعني ما كان ظنّيا بالنوع.

و قد يورد على ما ذكروه من منع التعارض في القطعيّين و تجويزه في الظنّيين بما لا وقع له، و محصّله: عدم صحّة التفكيك بين النوعين، إذ لو اريد بالظنّي ما يفيد الظنّ الشخصي