..........
ما لم يعلم بالتخصيص، و دليل حجّية النصّ الظنّي السند يفيد المنع من ذلك فيما ورد نصّ ظنّي بخلاف العامّ مع كونه ممّا لا يعلم معه بالتخصيص.
[عدم التعارض بين دليلين قطعيّين و لا بين ظنّيّين و لا بين قطعي و ظنّي]
ثمّ ليعلم أنّه لا يقع التعارض بين دليلين قطعيّين، و لا بين قطعيّ و ظنّي، و لا بين ظنّيين.
أمّا الأوّل: فتارة بالوجدان، فإنّا ندرك بضرورة الوجدان [لو] أنّ دليلا قطعيّا أفاد القطع بالواقع و كشف عنه فلا يحصل من غيره القطع بخلافه.
و اخرى: بالبرهان، فإنّ تعارض القطعيّين يقتضي حصول العلم بالمدلولين، و هو يقتضي وقوع المعلومين و هو محال، لاستحالة اجتماع النقيضين و الضدّين، فإمّا أن لا يحصل العلم من شيء منهما فيخرجان عن الدليليّة و يسقطان عن الحجّية أو يحصل من أحدهما دون الآخر فهو الحجّة دون صاحبه، و من البيّن أنّ غير الحجّة لا يعارض الحجّة.
و أمّا الثاني: فلاستحالة حصول الظنّ بخلاف المقطوع به، و إلّا لزم اجتماع النقيضين في الذهن، لأنّ القطع عبارة عن الترجيح المانع من النقيض، و المنع و عدم المنع متناقضان.
و أمّا الثالث: فللزوم اجتماع النقيضين في الذهن أيضا، لأنّ الظنّ عبارة عن الاحتمال الراجح، و رجحان احتمال أحد طرفي النقيض يستلزم مرجوحيّة احتمال الطرف الآخر، ففرض حصول الظنّ منهما يوجب اجتماع الرجحان و المرجوحيّة في كلّ من الاحتمالين.
فإمّا أن لا يحصل الظنّ منهما فيخرجان عن الحجّية، أو عن أحدهما فيخرج ذلك عن الحجّية.
فانحصر مورد التعارض في الأدلّة الظنّية المعتبرة من باب الظنّ النوعي كخبر الواحد و الإجماع المنقول و غيرهما، و هذا هو مراد من أطلق انحصار التعارض في الظنّيين- و هو ما كان دليليّته منوطة بجعل الشارع لإفادة نوعه الظنّ و إن كان قد لا يفيده فعلا لسنوح بعض السوانح و عروض بعض الموانع، لا لإفادته الظنّ الفعلي بحيث لو لا حصوله خرج عن الدليليّة و الاعتبار- و لا سيّما قدماء أصحابنا و من يحذو حذوهم من المتأخّرين، حيث لم يعهد عندهم دليل ظنّي إلّا على هذا الوجه، و لم يكن باب الظنّ الفعلي الّذي يعبّر عنه بالظنّ المطلق مفتوحا لديهم، ثمّ جرى مجراهم في التعبير بهذه العبارة المطلقة من فتح باب الظنّ المطلق مريدا بها المقيّد أعني ما كان ظنّيا بالنوع.
و قد يورد على ما ذكروه من منع التعارض في القطعيّين و تجويزه في الظنّيين بما لا وقع له، و محصّله: عدم صحّة التفكيك بين النوعين، إذ لو اريد بالظنّي ما يفيد الظنّ الشخصي
..........
فهو كالقطعي في عدم وقوع التعارض فيه لاستحالة حصول الظنّ الشخصي بكلا طرفي النقيض، و لو اريد به النوعي فمثله القطعي في جواز التعارض لو كان نوعيّا، لأنّ مبنى الظنّ النوعي على تقدير حصول الظنّ و إن لم يحصل فعلا و هذا ممكن في القطعي أيضا.
و فيه: أنّ مبنى الظنّ النوعي على جعل الشارع و هذا غير موجود في الأدلّة القطعيّة كالإجماع و الخبر المتواتر و نحوهما، فإنّ الأوّل دليل بنفسه لكشفه عن قول المعصوم و الثاني بنفسه دليل لأنّه بنفسه يفيد العلم بصدقه فدليليّته منوطة بصفة دائرة مدارها وجودا و عدما، و حينئذ فلا معنى لملاحظة النوع و تقدير القطع فيه، فإنّ ما لا يتّفق فيه صفة القطع خرج عن الدليليّة، إذ الدليل هو الصفة لا سببها إلّا أن يكون السبب مع قطع النظر عن صفة القطع من مجعولات الشارع كالخبر المتواتر، فإنّه إذا لم يفد القطع قد يندرج في الخبر الظنّي الّذي جعله الشارع بشرائطه دليلا بهذا الاعتبار، و لكنّه يدخل على هذا التقدير في الأدلّة الغير القطعيّة و كلامنا في الأدلّة القطعيّة من حيث إنّها قطعيّة.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الدليل القطعي و الظنّي الّذي حجّيته من جهة اندراجه في الظنّ المطلق لا يعقل فيهما التعارض، لا بينهما و لا بين كلّ لمثله، فما حصل من صفة القطع في القطعي و الظنّ في الظنّي فهو الحجّة، بل الحجّة نفس الصفة لا سببها فما لم يحصل منه القطع و لا الظنّ فليس بدليل.
ثمّ إنّ التعارض بين الدليلين كالخبرين مثلا إمّا أن يكون للشبهة في دلالتيهما، أو للشبهة في سنديهما بالمعنى الأعمّ ممّا يرجع إلى الصدور و ما يرجع إلى جهة الصدور.
و على الثاني فإمّا أن يكون التعارض على وجه التعادل و هو تكافؤ المتعارضين من جهة المرجّحات- و المرجّح عبارة عن المزيّة المعتبرة في أحد المتعارضين، فلا عبرة بالمزيّة الغير المعتبرة كموافقة أحدهما القياس أو الاستحسان أو النوم و الرمل و الجفر و غير ذلك فلا تكون مناطا للترجيح و لا تنافي التعادل- أو يكون على وجه الترجيح على معنى كون علاج التعارض بالترجيح، و هو عبارة- على أحد الاصطلاحين المتقدّمين- عن تقديم أحد الدليلين على صاحبه لمزيّة معتبرة فيه غير بالغة حدّ الحجّية بالقياس إليه، بأن تكون مناطا لحجّيته و موجبة لكونه حجّة مستقلّة، و لا حدّ التوهين[1]بالقياس إلى معارضه بأن توهن من جهتها و يسقط عن الحجّية، و لذا لا يسمّى الصحّة في الخبر الصحيح في مقابلة الخبر
[1]عطف على قوله: «غير بالغة حدّ الحجّية» أي: و لا بالغة حدّ التوهين الخ.
..........
الضعيف مرجّحة لكونها مناطا لحجّيته، و لا الشهرة في الخبر المشهور في مقابلة الشاذّ النادر مرجّحة، لأنّها أو جبت في الطرف المقابل سقوطه عن الحجّية و خروجه عن الدليليّة، فتأمّل.
و السرّ في هذا الاعتبار أنّ العمل بمقتضى المزيّة الّتي بلغت إلى حدّ الحجّية أو التوهين ليس من باب الترجيح، لأنّه فرع على التعارض و هو على التقديرين منتف.
فالكلام في جميع باب التعارض يقع في مقامات:
المقام الأوّل فيما لو كان التعارض من جهة الشبهة في دلالة المتعارضين
مع قطع النظر عن سنديهما الّتي طريق رفعها و علاج التعارض الناشئ منهما الجمع بينهما، و هو العمل بهما معا إن أمكن و لو بنحو من التأويل، و نتكلّم هنا في القضيّة المشهورة المتداولة على ألسنة الاصوليّين المعبّر عنها: «بأنّ الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح» و هذه القضيّة مع اشتهارها ربّما ادّعي الإجماع عليها كما عن الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللآلئ فيما حكي عنه من قوله: «أنّ كلّ حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك أوّلا البحث عن معناهما و كيفيّة دلالة ألفاظهما، فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل و الدلالات فاحرص عليه و اجتهد في تحصيله، فإنّ العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما و تعطيله بإجماع العلماء، فإذا لم تتمكّن منه و لم يظهر لك وجه فارجع إلى العمل بهذا الحديث، و أشار بهذا إلى مقبولة عمر بن حنظلة» انتهى.
و إطلاقها يعطي أولويّة ما أمكن من الجمع من الطرح في كلّ من مسألتي التعادل و الترجيح.
و بعبارة اخرى: كون الجمع مع التعادل أولى من التخيير و مع وجود المرجّح أولى من الترجيح، و مرجعه إلى أنّه مع إمكان الجمع يتعيّن مراعاته و لا يبنى على التخيير مع تكافؤ الدليلين، و لا يلاحظ المرجّحات و إن وجدت مع أحدهما.
و كيف كان فهل لها أصل مطلقا، أو لا مطلقا، أو يختلف حالها على حسب اختلاف الصور؟
و بيانها: أنّ الجمع بين الدليلين قد يتأتّى بإرجاع التأويل إلى أحدهما بعينه فلا يحتاج إلى شاهد كالعامّ و الخاصّ المطلقين كقوله: «أكرم العلماء» و «لا تكرم زيدا» و «أعتق رقبة» و «لا تعتق كافرة» و مثلها نحو «اغتسل للجمعة» و «لا بأس بترك غسل الجمعة» و ضابطه الكلّي وقوع التعارض بين النصّ و الظاهر، و نعني بالنصّ ما يعمّ الأظهر.
و قد يتأتّى بإرجاع التأويل إلى أحدهما لا بعينه فيحتاج إلى شاهد خارجي، كما في
..........
العامّين من وجه و ما بحكمها من الظاهرين، كقوله: «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق» و «ينبغي غسل الجمعة» و «اغتسل للجمعة» لظهور الأوّل بمادّته في الاستحباب و الثاني بهيئته في الوجوب، فلا بدّ إمّا من إرجاع الأوّل إلى الثاني بحمله على الوجوب أو إرجاع الثاني إلى الأوّل بحمله على الاستحباب.
و قد يتأتّى بإرجاع التأويل إليهما معا فيحتاج إلى شاهدين، و قد يكتفى بشاهد واحد إذا صار أحدهما بانضمام شاهد التصرّف فيه قرينة على التصرّف في الآخر كما في المتباينين، كقوله: «أكرم العلماء» و «لا تكرم العلماء» إذ لا يندفع التعارض عمّا بينهما إلّا بتطرّق التصرّف إليهما معا بحمل الأوّل على بعض الأفراد كالفقهاء مثلا و الثاني على البعض الباقي كالحكماء مثلا.
و نحوه قوله: «ثمن العذرة سحت» و قوله: «لا بأس ببيع العذرة» و من طرق الجمع بينهما حمل الأوّل على عذرة غير مأكول اللحم و الثاني على عذرة مأكول اللحم. و لكن لا بدّ لكلّ من شاهد.
و من أمثلته أيضا «اغتسل للجمعة» و «لا تغتسل للجمعة» لظهور الأوّل في الوجوب و الثاني في التحريم، و من طرق الجمع بينهما حمل الأوّل على مجرّد الرخصة في الفعل- أعني الإباحة- و الثاني على مرجوحيّة الفعل فيثبت بهما الكراهة، و الظاهر أنّ هذا ممّا يكتفى فيه بشاهد واحد و يستغنى به عن الشاهد الآخر،
فلا بدّ في هذا المقام من التكلّم في مسائل ثلاث:
المسألة الاولى: فيما كان الجمع بينهما بإرجاع التأويل إلى أحدهما بعينه،
و هو الظاهر الّذي يتعيّن الخروج عن ظهوره بحمله على خلافه تخصيصا أو تقييدا أو تجوّزا، ففي نحوه ينبغي القطع بتعيّن الجمع و كونه أولى من الطرح.
و السرّ فيه ورود النصّ أو حكومته على ما يقابله و هو أصالة الحقيقة في جانب الظاهر بالمعنى الأعمّ من أصالة العموم و أصالة الإطلاق، حسبما تقدّم بيانه فيما ذكرناه أخيرا من جريان قاعدة الورود و الحكومة في الاصول اللفظيّة.
و من هنا ظهر أنّه لا تعارض حقيقة في هذه الصورة، و لو كان فهو صوريّ أو بدويّ لما بيّنّاه من عدم وقوع التعارض بين الوارد و المورود و لا بين الحاكم و المحكوم عليه، و مرجع هذا الجمع إلى وجوب تقديم النصّ على الظاهر بالخروج عن ظهوره و وجه تقدّمه كونه
..........
واردا أو حاكما على أصالة الحقيقة فيه.
و أمّا الكلام في سائر ما يتعلّق بهذه المسألة و من جملته التكلّم في بعض صغريات النصّ و الظاهر و الأظهر، و التكلّم في بعض مسائل تعارض الأحوال الّذي مرجعه إلى تعارض الظاهرين، أو النصّ و الظاهر، أو الأظهر و الظاهر فسنورده إن شاء اللّه تعالى في خاتمة الباب.
المسألة الثانية: فيما كان الجمع بينهما بإرجاع التأويل إلى أحدهما لا بعينه المحتاج إلى شاهد خارجي،
و احتياجه هنا إلى شاهد مفقود بالفرض شاهد واضح بعدم جريان قاعدة أولويّة الجمع في تلك الصورة لعدم إمكانه.
و توضيحه: أنّ إرادة ظاهري المتعارضين غير ممكنة لاستحالة التناقض في كلام الشارع، و ما اريد منهما خلاف ظاهره- كما هو المتيقّن- لفقد القرينة عليه غير متعيّن، فاحتمال ذلك في كلّ منهما معارض بمثله في الآخر، و مرجعه إلى معارضة أصالة الحقيقة في أحدهما لمثلها في الآخر، فالأخذ بأحدهما دون اخرى ترجيح بلا مرجّح، فهذه الصورة داخلة فيما لا يمكن فيه الجمع بين المتعارضين، فلا يجري فيها قاعدة أولويّة الجمع الّتي موضوعها إمكان الجمع، مع أنّ الأدلّة المستدلّ بها على تلك القاعدة على تقدير تماميّتها و نهوضها لإثبات أصل القاعدة غير جارية هنا، لأنّ من تلك الأدلّة الإجماع المنقول الّذي تقدّم في كلام ابن أبي جمهور و هو موهون بعمل العلماء في المسائل الفرعيّة في موارد تعارض العامّين من وجه و ما بحكمها، على ما يظهر للمتتبّع من الأخذ بالمرجّحات الدلاليّة على تقدير وجودها و التوقّف ثمّ الرجوع إلى الأصل على تقدير فقدها.
و منها[1]: أنّ الأصل في الدليلين الإعمال فيجب الجمع بينهما مهما أمكن، لاستحالة الترجيح من غير مرجّح.
و فيه: أنّ المراد بالأصل المذكور القاعدة المستنبطة من أدلّة حجّية سندي الدليلين المقتضية لوجوب تقديم السند على الدلالة عند التعارض الناشئ عن الشبهة في الدلالة، و معناه الأخذ بالسند و طرح الدلالة، و هذا على ما تقدّم لا يخلو إمّا أن يكون من باب الورود أو من باب الحكومة، إذ قد عرفت أنّ مقابل السند أصالة الحقيقة المحرزة للدلالة، كما قد عرفت أنّ السند حيثما صحّ تقديمه على الدلالة إمّا وارد على الأصل المحرز لها أو حاكم عليه، و إنّما يصحّ اعتبار الورود أو الحكومة على الأصل فيما سلم عن معارضة مثله
[1]هذه من جملة ما استدلّ بها على قاعدة اولويّة الجمع مهما أمكن.
..........
كما في النصّ و الظاهر، و هو فيما نحن فيه في أحد الدليلين معارض بمثله في الآخر، فإمّا أن يعتبر الورود و الحكومة في سند كلّ منهما بالقياس إلى أصل صاحبه فيلزم طرح الدليلين بالقياس إلى مادّة الاجتماع في العامّين من وجه و طرحهما مطلقا في غيرهما و المقصود هو الجمع و العمل لا الطرح، أو يعتبرا في سند أحدهما بالنسبة إلى الأصل في صاحبه و هو لمعارضة الأصلين ترجيح بلا مرجّح.
و منها: أنّ دلالة اللفظ على تمام معناه أصليّة و على جزئه تبعيّة، و الجمع يستلزم طرح الدلالة التبعيّة، و هو أولى من طرح الدلالة الأصليّة الّذي يلزم من التخيير أو الترجيح الراجعين إلى السند.
و فيه: أنّ هذا الدليل على تقدير تماميّته مخصوص بالمتبائنين و لا يجري في العامّين من وجه، لعدم دوران الأمر فيهما بين طرح الدلالة التبعيّة و طرح الدلالة الأصليّة، بل الأمر فيهما بين طرح الدلالة التبعيّة في أحدهما و طرحها في الآخر، و الترجيح هنا من جهة فقد القرينة غير ممكن.
و ملخّص ما ذكرناه: أنّ القضيّة المشهورة غير جارية فيما نحن فيه لعدم إمكان الجمع فيه حتّى يتكلّم في أولويّته، إذ عدم إمكان الجمع المخرج للمورد عن تلك القضيّة أعمّ من كونه لنصوصيّة دلالة كلّ من المتعارضين و من كونه لمعارضة أصالة الحقيقة في أحدهما لمثلها في الآخر، مع عدم جريان أدلّته فيه أمّا الإجماع المنقول فمع أنّه في نفسه ممّا لا يعبأ به موهون باستقرار عمل العلماء بخلافه، و أمّا أولويّة إعمال الدليلين فلاختصاصها بمسألة النصّ و الظاهر و مسألة المتباينين.
و أمّا أولويّة طرح الدلالة التبعيّة فلاختصاصها بالمتبائنين، و حينئذ ففي المسألة المبحوث عنها- أعني تعارض العامّين من وجه مع فقد القرينة و انتفاء الشاهد الخارجي- لا مناص من الرجوع إلى المرجّحات الدلاليّة، فإن وجد منها ما يرجّح دلالة أحدهما يؤخذ به و يطرح دلالة الآخر، و إلّا وجب التوقّف و الرجوع إلى الأصل حسبما يناسب المورد من الاصول العمليّة.
و المراد بمرجّح الدلالة كلّ مزيّة لو اعتمد عليها المتكلّم الحكيم في إفادة المراد ارتفع عنه القبح اللازم من الإغراء بالجهل في الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه، و ميزانه أظهريّة إحدى الدلالتين بضابطة أنّها في متفاهم العرف توجب انفهام إرادة خلاف ظاهر الظاهر.
..........
و بالجملة فعلى تقدير وجود مرجّح الدلالة تكون المسألة من تعارض الأظهر و الظاهر، و من الظاهر تقديم الأظهر على الظاهر.
لا يقال: إنّ الجمع في تعارض العامّين من وجه و ما بمعناهما ممكن، بل لم يزل واقعا حتّى على ما ذكرت من وجوب التوقّف، بتقريب: أنّ المراد بالجمع المبحوث عنه ما يقابل الطرح على وجه التخيير أو على وجه الترجيح الّذي هو من عوارض السند، فيراد بالجمع حينئذ الأخذ بسندي العامّين على معنى البناء على صدورهما، فيكونان كالسندين القطعيّين و هو يستلزم بعد إرجاع التأويل إلى أحدهما للأخذ بدلالتيهما أيضا أن تعيّن محلّ الدلالة المجازيّة بقرينة أو شاهد خارجي أو مرجّح دلالتي أو تساقط الدلالتين من جهة التعارض ثمّ الرجوع إلى الأصل أو التوقّف فيهما من جهة طروّ الإجمال لهما ثمّ الرجوع إلى الأصل، أو الأخذ بما وافق منهما الأصل على مذهب من يرى موافقة الأصل من المرجّحات، و هذه الأحكام كلّها كما ترى من خواصّ الجمع بالمعنى المذكور و آثاره المترتّبة عليه، إذ على تقدير الطرح السندي لأحدهما لم يتّجه شيء منها كما هو واضح. فالتوقّف المتقدّم ثمّ الرجوع إلى الأصل متفرّع على الجمع، و معه كيف يقال بعدم اندراج عنوان المسألة الثانية في القضيّة المشهورة إمّا لعدم إمكان الجمع فيه أو لعدم جريان أدلّة هذه القضيّة فيه؟
لأنّا نقول: إنّ المراد بالجمع و إن كان ما ذكر و لكن لا على إطلاقه، بل بحيث يؤدّي إلى العمل بدلالتي الدليلين الحقيقيّتين أو المجازيّتين أو المختلفتين بالحقيقة و المجاز، و إذا لم يتعيّن محلّ الدلالة المجازيّة بسبب الإجمال الناشئ من معارضة أصالة الحقيقة في أحدهما لمثلها في الآخر دخل الجمع في غير الممكن و لو باعتبار عدم إمكان قيده.
المسألة الثالثة: فيما كان الجمع بينهما بإرجاع التأويل إليهما معا بتخصيص أو غيره من سائر أنواع التجوّز،
و هذه الصورة هي القدر المتيقّن من مورد القضيّة المشهورة، بل الظاهر اختصاصها بها بل هو المقطوع به، لخروج الصورتين المتقدّمتين عنها خروجا موضوعيّا حيث لا تعارض بين النصّ و الظاهر حقيقة لضابطة الورود أو الحكومة حسبما بيّنّاه، و لو فرض فيهما تعارض فهو بدويّ صوري لا يعبأ به في باب تعارض الدليلين، و لا يمكن الجمع بين العامّين من وجه و ما بمعناهما حسبما قرّرناه بما لا مزيد عليه، مع ما سمعت من بياناتنا الاخر لمنع جريان القضيّة المشهورة في الصورة الثانية، مضافا إلى عدم انطباق الاستدلال الآتي عليها مع ما اعترض عليه و ما ردّ به الاعتراض إلّا على
..........
الصورة الثالثة، و أيضا فإنّ ظاهر كلامهم يعطي كون المورد على تقدير العجز عن الجمع من مسألتي التعادل و الترجيح المستلزم لطرح سندي تخييرا أو ترجيحا، و لا يصحّ شيء من ذلك في العامّ و الخاصّ المطلقين و ما بمعناهما، و لا العامّين من وجه و ما بمعناهما، إذ ليس فيهما طرح سندي حتّى في العامّين من وجه، إذ السند لا يتبعّض بأن يكون العامّ صادرا بالنسبة إلى بعض أفراده و غير صادر بالنسبة إلى البعض الآخر، و المفروض وقوع العمل بكلّ من العامّين في مادّة افتراقه، و من هنا جاء الاضطرار بعد فقد المرجّحات الدلاليّة إلى التوقّف و الرجوع إلى الأصل من جهة الإجمال في الدلالة.
نعم في العامّ و الخاصّ المطلقين قد يطرح الخاصّ فيما إذا اعتضد عموم العامّ بموافقة الكتاب أو الإجماع أو دليل العقل أو غير ذلك ممّا يتوهّن به سند الخاصّ إلى أن يخرج عن الحجّية رأسا، غير أنّه كما ترى ليس من الطرح السندي المترتّب على التخيير أو الترجيح في مسألتي التعادل و الترجيح في شيء.
أمّا الأوّل: فواضح.
و أمّا الثاني: فلما عرفت من أنّ الترجيح هو التقديم بالمزيّة المعتبرة الّتي لم تبلغ حدّ الحجّية و لا التوهين.
و كيف كان فاختلف في أولويّة الجمع بالقياس إلى الطرح.
فالمعروف بين أوائل الاصوليّين حيث وقع هذه القضيّة أو مرادفها في كلامهم كون الجمع مع إمكانه أولى من الطرح، و قد سمعت كلام ابن أبي جمهور مدّعيا عليه إجماع العلماء، و أنكره جماعة من محقّقي متأخّري الاصوليّين و منهم بعض الأعلام و عليه بعض مشايخنا(قدّس اللّه أرواحهم)، و قد فرضوا الكلام في الظنّين من حيث السند كالخبرين، و الظاهر أنّه لا يتفاوت الحال بينهما و بين القطعيّين سندا مع ظنّية الدلالة كالكتابين و الخبرين المتواترين لفظا، أو الكتاب مع الخبر المتواتر إن فرض فيهما تعارض التباين، و نحن نفرض الخبرين الظنّيين قطعيّين و نتكلّم على تقدير قطعيّة سنديهما أيضا.
و نقول: إنّ وقوع التعارض فيهما مع ملاحظة استحالة التناقض في كلام الشارع و امتناع اجتماع النقيضين و الضدّين قرينة عقليّة توجب تعذّر حقيقة كلا المتعارضين و تصرف كلّا منهما إلى مجازه، و حينئذ فإن انحصر المجاز المحتمل في كلّ واحد في واحد فلا إشكال في تعيّن الحمل عليه، و إن تعدّد المجاز المحتمل فيهما فإن كان بعضها أقرب عرفا إلى