بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 584

..........

و بالجملة فعلى تقدير وجود مرجّح الدلالة تكون المسألة من تعارض الأظهر و الظاهر، و من الظاهر تقديم الأظهر على الظاهر.

لا يقال: إنّ الجمع في تعارض العامّين من وجه و ما بمعناهما ممكن، بل لم يزل واقعا حتّى على ما ذكرت من وجوب التوقّف، بتقريب: أنّ المراد بالجمع المبحوث عنه ما يقابل الطرح على وجه التخيير أو على وجه الترجيح الّذي هو من عوارض السند، فيراد بالجمع حينئذ الأخذ بسندي العامّين على معنى البناء على صدورهما، فيكونان كالسندين القطعيّين و هو يستلزم بعد إرجاع التأويل إلى أحدهما للأخذ بدلالتيهما أيضا أن تعيّن محلّ الدلالة المجازيّة بقرينة أو شاهد خارجي أو مرجّح دلالتي أو تساقط الدلالتين من جهة التعارض ثمّ الرجوع إلى الأصل أو التوقّف فيهما من جهة طروّ الإجمال لهما ثمّ الرجوع إلى الأصل، أو الأخذ بما وافق منهما الأصل على مذهب من يرى موافقة الأصل من المرجّحات، و هذه الأحكام كلّها كما ترى من خواصّ الجمع بالمعنى المذكور و آثاره المترتّبة عليه، إذ على تقدير الطرح السندي لأحدهما لم يتّجه شيء منها كما هو واضح. فالتوقّف المتقدّم ثمّ الرجوع إلى الأصل متفرّع على الجمع، و معه كيف يقال بعدم اندراج عنوان المسألة الثانية في القضيّة المشهورة إمّا لعدم إمكان الجمع فيه أو لعدم جريان أدلّة هذه القضيّة فيه؟

لأنّا نقول: إنّ المراد بالجمع و إن كان ما ذكر و لكن لا على إطلاقه، بل بحيث يؤدّي إلى العمل بدلالتي الدليلين الحقيقيّتين أو المجازيّتين أو المختلفتين بالحقيقة و المجاز، و إذا لم يتعيّن محلّ الدلالة المجازيّة بسبب الإجمال الناشئ من معارضة أصالة الحقيقة في أحدهما لمثلها في الآخر دخل الجمع في غير الممكن و لو باعتبار عدم إمكان قيده.

المسألة الثالثة: فيما كان الجمع بينهما بإرجاع التأويل إليهما معا بتخصيص أو غيره من سائر أنواع التجوّز،

و هذه الصورة هي القدر المتيقّن من مورد القضيّة المشهورة، بل الظاهر اختصاصها بها بل هو المقطوع به، لخروج الصورتين المتقدّمتين عنها خروجا موضوعيّا حيث لا تعارض بين النصّ و الظاهر حقيقة لضابطة الورود أو الحكومة حسبما بيّنّاه، و لو فرض فيهما تعارض فهو بدويّ صوري لا يعبأ به في باب تعارض الدليلين، و لا يمكن الجمع بين العامّين من وجه و ما بمعناهما حسبما قرّرناه بما لا مزيد عليه، مع ما سمعت من بياناتنا الاخر لمنع جريان القضيّة المشهورة في الصورة الثانية، مضافا إلى عدم انطباق الاستدلال الآتي عليها مع ما اعترض عليه و ما ردّ به الاعتراض إلّا على


صفحه 585

..........

الصورة الثالثة، و أيضا فإنّ ظاهر كلامهم يعطي كون المورد على تقدير العجز عن الجمع من مسألتي التعادل و الترجيح المستلزم لطرح سندي تخييرا أو ترجيحا، و لا يصحّ شيء من ذلك في العامّ و الخاصّ المطلقين و ما بمعناهما، و لا العامّين من وجه و ما بمعناهما، إذ ليس فيهما طرح سندي حتّى في العامّين من وجه، إذ السند لا يتبعّض بأن يكون العامّ صادرا بالنسبة إلى بعض أفراده و غير صادر بالنسبة إلى البعض الآخر، و المفروض وقوع العمل بكلّ من العامّين في مادّة افتراقه، و من هنا جاء الاضطرار بعد فقد المرجّحات الدلاليّة إلى التوقّف و الرجوع إلى الأصل من جهة الإجمال في الدلالة.

نعم في العامّ و الخاصّ المطلقين قد يطرح الخاصّ فيما إذا اعتضد عموم العامّ بموافقة الكتاب أو الإجماع أو دليل العقل أو غير ذلك ممّا يتوهّن به سند الخاصّ إلى أن يخرج عن الحجّية رأسا، غير أنّه كما ترى ليس من الطرح السندي المترتّب على التخيير أو الترجيح في مسألتي التعادل و الترجيح في شيء.

أمّا الأوّل: فواضح.

و أمّا الثاني: فلما عرفت من أنّ الترجيح هو التقديم بالمزيّة المعتبرة الّتي لم تبلغ حدّ الحجّية و لا التوهين.

و كيف كان فاختلف في أولويّة الجمع بالقياس إلى الطرح.

فالمعروف بين أوائل الاصوليّين حيث وقع هذه القضيّة أو مرادفها في كلامهم كون الجمع مع إمكانه أولى من الطرح، و قد سمعت كلام ابن أبي جمهور مدّعيا عليه إجماع العلماء، و أنكره جماعة من محقّقي متأخّري الاصوليّين و منهم بعض الأعلام و عليه بعض مشايخنا(قدّس اللّه أرواحهم)، و قد فرضوا الكلام في الظنّين من حيث السند كالخبرين، و الظاهر أنّه لا يتفاوت الحال بينهما و بين القطعيّين سندا مع ظنّية الدلالة كالكتابين و الخبرين المتواترين لفظا، أو الكتاب مع الخبر المتواتر إن فرض فيهما تعارض التباين، و نحن نفرض الخبرين الظنّيين قطعيّين و نتكلّم على تقدير قطعيّة سنديهما أيضا.

و نقول: إنّ وقوع التعارض فيهما مع ملاحظة استحالة التناقض في كلام الشارع و امتناع اجتماع النقيضين و الضدّين قرينة عقليّة توجب تعذّر حقيقة كلا المتعارضين و تصرف كلّا منهما إلى مجازه، و حينئذ فإن انحصر المجاز المحتمل في كلّ واحد في واحد فلا إشكال في تعيّن الحمل عليه، و إن تعدّد المجاز المحتمل فيهما فإن كان بعضها أقرب عرفا إلى


صفحه 586

..........

الحقيقة من الباقي فلا إشكال أيضا في تعيّن حمل كلّ منهما على أقرب مجازاته- بضابطة أنّه إذا تعذّرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى- و إلّا فإن أقام قرينة في كلّ منهما على تعيين بعضها فلا إشكال في تعيّن الحمل عليه أيضا، و إلّا فلا سبيل في شيء منهما إلى حمله على أحد مجازاته المحتملة لمكان الإجمال، باعتبار تردّده بعد تعذّر حقيقته بين مجازاته، فمثل هذا ممّا لا يمكن فيه الجمع، فلا مناص من الوقف ثمّ الرجوع إلى الأصل، و كذا نفرض هذه الصور الأربع في الظنّيين، و الصورة الرابعة ما تعذّر حقيقة كلّ من المتعارضين و تعدّد مجازاته و لم يكن بعضها أقرب من بعض و لم يقم قرينة خارجيّة أيضا على تعيين بعضها، ففي مثل ذلك كيف يقال: بأنّ الجمع بينهما أولى من طرح أحدهما؟

و بالتأمّل فيما ذكرنا ينقدح فساد ما قد يقال: من أنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على حجّية الدليلين المتعارضين- كالخبرين و نحوهما- أو عمومه لزوم الجمع بينهما و العمل بهما مهما أمكن، فإنّهما في حدّ ذاتهما و إن كانا ظنّيين إلّا أنّ دليل حجّيتهما يصيّرهما كالقطعيّين، و كما أنّ القطعيّين كالكتابين و الخبرين المتواترين إذا تعارضا يجمع بينهما و يعمل بهما فكذا ما هو بمنزلتهما، إذ لو اريد بالجمع الأخذ بسندي المتعارضين على وجه يؤخذ معه بمدلوليهما المجازيين و يجعل دلالتهما المجازيّة مدركا للحكم الشرعي و مناطا لاستنباطه كما هو معنى العمل بهما فهو غير ممكن في القطعيّين و الظنّيين معا.

و إن اريد به مجرّد حفظ سنديهما عن الطرح و لو بإبداء احتمال بعيد في دلالتيهما المجازيّتين و إن لم يترتّب عليه فائدة العمل و استنباط الحكم الشرعي، نظرا إلى أنّه كما أنّ قطعيّة سندي القطعيّين تأبى عن طرح أحدهما و الحكم عليه بعدم الصدور، فكذلك حجّية سندي الظنّيين تأبى عن طرح أحدهما و الحكم عليه بعدم الصدور كما هو طريقة الشيخ في الجمع بين الأخبار المتعارضة الّذي تداوله في التهذيبين.

ففيه: أنّه جمع لا يجدي نفعا في علاج التعارض، و ليس من الجمع المبحوث عنه المقابل للطرح في مسألتي التعادل و الترجيح.

هذا مع إشكال آخر يرد على الاستدلال بإطلاق أدلّة حجّية السند لإثبات أولويّة الجمع و المنع من الطرح، فإنّ الطرح لا ينافي مقتضى أدلّة الحجّية و لا يوجب تقييدا في مطلقاتها و لا تخصيصا في عموماتها حتّى يتمسّك لمنعه بإطلاقها و عمومها.

و توضيحه: أنّ منع العمل بالدليل الظنّي قد يكون لفقد المقتضي لجواز العمل به، و قد


صفحه 587

..........

يكون لوجود المانع من العمل به، و الحجّية الذاتيّة مقتضية للجواز و التعارض أو الإجمال الناشئ منه مانع، و أدلّة الحجّية إنّما تنهض لإحراز المقتضي و هو الحجّية الذاتيّة في كلّ من المتعارضين، و طرح أحدهما بعنوان التخيير أو الترجيح عند قائليه لا يرجع إلى إنكار الحجّية الذاتيّة فيه لينافي مقتضى أدلّة الحجّية، بل يستند إلى وجود المانع من العمل بهما معا، فالتمسّك بإطلاق أدلّة الحجّية أو عمومها لنفي جواز الطرح ليس بسديد.

و كيف كان فلو كان مراد القائلين بأولويّة الجمع مهما أمكن هو الجمع على هذا الوجه- و ضابطه إرجاع التأويل إلى الدليلين معا مطلقا و لو بتنزيلهما على احتمال بعيد لا يقبله الطبع و لم يساعد عليه فهم العرف و لم يشهد به قرينة خارجيّة- فالأقوى بل الحقّ الّذي لا محيص عنه أنّه غير جائز فضلا عن تعيّنه و وجوبه.

أمّا أوّلا: فلعدم صحّة هذا النحو من التأويل في الدليل عرفا، فالجمع المذكور بهذا الاعتبار داخل فيما لا يمكن عرفا.

و أمّا ثانيا: فلعدم ترتّب فائدة العمل عليه، إذ العمل بالدليل عبارة عمّا اشتمل على التعبّد بالدليل سندا و دلالة، و الدلالة عبارة عن كشف الدليل و لو بنوعه عن الواقع بعنوان ظهور أوّلي و هو ظهور الحقيقة بملاحظة أصالة الحقيقة، أو ظهور ثانوي و هو ظهور المجاز مع قرينة المجاز و ما يقوم مقامها.

و لا ريب في انتفاء الظهورين في مفروض المقام، أمّا الأوّل: فلزواله بفرض التعارض.

و أمّا الثاني: فلعدم بلوغ احتمال ما احتمل فيه من المجاز حدّ الظهور، و الجمع الّذي لا يترتّب عليه فائدة العمل ممّا ينبغي القطع ببطلانه.

و أمّا ثالثا: فلأخبار العلاجيّة المتكفّلة لبيان المرجّحات الآمرة بالترجيحات أو بالتخيير مطلقا أو مع فقد المرجّح، فإنّها بإطلاقها بل عمومها الناشئ من ترك الاستفصال تشمل ما يجري فيه وجه من وجوه الجمع و لو بعيدا من الخبرين المتعارضين بل الغالب فيهما ذلك، فالأمر بالترجيح مطلقا و من غير استفصال عمّا يمكن فيه الجمع و ما لا يمكن ينفي أولويّة مطلق الجمع بل جوازه أيضا.

و المناقشة فيه بأنّه لو صحّ التمسّك بترك الاستفصال هنا لزم القول بعدم جواز الجمع مطلقا حتّى في نحو الصورة المتقدّمة ممّا انحصر المعنى المجازي المحتمل في كلّ من المتعارضين في واحد، و ما كان بعض مجازاته المحتملة أقرب، و ما شهد بتعيينه منها قرينة


صفحه 588

..........

خارجيّة و غير ذلك ممّا لا إشكال في أولويّة الجمع فيه بالقياس إلى الطرح و لو بعنوان الترجيح.

يدفعها: خروج نحو هذه الصور من موارد هذه الأخبار بمقتضى سياقاتها و أسئلتها، لظهورها في كون السائلين فيها عن حكم الخبرين المتعارضين في مقام الحيرة في كيفيّة العمل و طريقه، و لا حيرة في نحو الصور المذكورة.

و أمّا رابعا: فلأنّه لو صحّ الجمع على الوجه المذكور لزم خروج الأخبار المذكورة على كثرتها بلا مورد، أو انحصارها في بعض الفروض النادرة الّذي لا يليق بذلك الاعتناء و الاهتمام الموجود في تلك الأخبار بتقريب: أنّه قلّما يتّفق في الأخبار المتعارضة ما لا يمكن فيه إجراء وجه من وجوه الجمع البعيدة.

و أمّا خامسا: فلاستقرار عمل العلماء قديما و حديثا على عدم الالتفات إلى كلّ جمع، و التزام الترجيح و الرجوع إلى المرجّحات مع غلبة إمكان الجمع بوجه من الوجوه البعيدة، حتّى أنّ الشيخ الّذي تداول هذا النحو من الجمع في التهذيبين لم يعمل به و لم يتّخذه مناطا للاستنباط و لا مدركا للحكم الشرعي، بل ابن جمهور الّذي تقدّم منه إطلاق القول بأولويّة الجمع مدّعيا عليه الإجماع لا يظنّ به و لا بمن دونه اعتباره الجمع بهذا المعنى- و هو تنزيل كلّ من المتعارضين على احتمال بعيد لا يقبله الطبع، و لا يساعد عليه فهم العرف و لا يشهد به قرينة- فيجوز أن يكون مراده و مراد موافقيه في إطلاق القول بأولويّة الجمع ما هو من قبيل الصور المذكورة لا مطلق ما احتمل و لو بعيدا و إن قيّدوه بالإمكان، بناء على إرادة الإمكان العرفي منه لا مجرّد التجويز و الاحتمال العقلي.

و يمكن دعوى ظهور ذيل عبارته المتقدّمة حيث قال: «و إن لم تتمكّن من ذلك و لم يظهر لك وجه فارجع إلى العمل بهذا الحديث» في ذلك، لأنّ قوله: «لم يظهر لك وجه» يفيد اعتبار بلوغ احتمال وجه الجمع مرتبة الظهور، و يلزم من ذلك انصراف قوله: «إن لم تتمكّن» إلى الإمكان العرفي، و عليه فيكون معقد الإجماع الّذي نقله هو ذلك لا مطلق ما أمكن عقلا و إن امتنع عرفا، و لو لا ذلك لبطل دعوى الإجماع من رأسه لما عرفت من استقرار عمل العلماء أو أكثرهم على خلافه.

هذا كلّه مع أنّ أولويّة الجمع بالمعنى المذكور ممّا لا دليل عليه و لا شاهد له من عقل و لا نقل.

و أمّا ما استدلّ عليه من: أنّ الأصل في الدليلين الإعمال فيجب الجمع بينهما مهما


صفحه 589

..........

أمكن لاستحالة الترجيح من غير مرجّح، فهو أضعف شيء ذكر في المقام و أوهن من بيت العنكبوت، و ذلك لأنّ القاعدة المستفادة من أدلّة حجّية الأدلّة الغير العلميّة و إن كانت وجوب إعمال الدليلين إلّا أنّه مقيّد بالإمكان، و لا يمكن إلّا حيث لا تعارض بينهما، فكلّ دليلين بينهما تعارض التباين لا يمكن إعمالهما معا.

و توضيحه: أنّ إعمال الدليلين إنّما يجب من حيث دليليّتهما، و لا ريب أنّ دليليّة الدليل كالخبر الظنّي منوطة بأمرين: أحدهما السند و هو صدوره، و الآخر دلالته، و الأوّل يحرز بجعل الشارع حيث أوجب علينا بمقتضى أدلّة الحجّية تنزيله منزلة الدليل القطعي في وجوب التعبّد بدلالته و الالتزام بمدلوله على أنّه الحكم الواقعي، كما أنّ الثاني يحرز بأصالة الحقيقة و ما بمعناها من الاصول اللفظيّة. و إن شئت قلت: إنّه يحرز بالظهور أوّليا كان أو ثانويّا.

فمعنى إعمال الدليل حينئذ التعبّد بدلالته المحرزة بالظهور تنزيلا لسنده الظنّي منزلة السند القطعي، و عليه ففي الدليلين المتعارضين كقوله(عليه السلام): «ثمن العذرة سحت» و قوله(عليه السلام):

«لا بأس ببيع العذرة» يتصوّر وجوه أربع:

الأوّل: أن يؤخذ بسنديهما مع الأخذ بظهوريهما.

الثاني: أن يؤخذ بسنديهما مع الأخذ بظهور أحدهما و طرح ظهور الآخر.

الثالث: أن يؤخذ بسنديهما مع طرح ظهوريهما معا.

الرابع: أن يؤخذ بأحدهما سندا و ظهورا و يطرح الآخر.

و الأوّلان باطلان لعدم إمكانهما عقلا، أمّا الأوّل منهما: فلفرض التعارض، و أمّا الثاني منهما: فلأنّ التعارض لا يرتفع بمجرّد رفع اليد عن ظهور أحدهما، لبقائه بين خلاف ظاهر أحدهما و ظهور الآخر.

و الصحيح من الوجهين الأخيرين أيضا ثانيهما، لأنّ طرح ظهوريهما الأوّليين مع عدم انعقاد ظهور ثانوي فيهما في معنى ترك العمل بهما رأسا و هو خروج عن مقتضى أدلّة الحجّية، بخلاف الوجه الأخير الّذي يؤخذ فيه بأحدهما بتمامه، فإنّه إعمال للدليل بالمعنى المتقدّم، و لا يلزم من طرح الآخر خروج عن مقتضى أدلّة الحجّية بتقييد أو تخصيص، إمّا لما بيّنّاه سابقا من أنّ ترك العمل بأحد المتعارضين إنّما هو لمانع التعارض و لا يؤول إلى إنكار حجّيته الذاتيّة فلا ينافيها، أو لأن أدلّة الحجّية مقيّدة بإمكان العمل و ظاهر أنّ العمل


صفحه 590

..........

بكلا المتعارضين غير ممكن، فترك العمل بأحدهما حال العمل بالآخر لعدم إمكانه، فهو خروج موضوعي لا حكمي.

و ما يقال: من أنّ الأمر هنا دائر بين طرح ظهورين و طرح سند و ظهور كما هو اللازم من طرح أحدهما رأسا، و الأوّل أولى لأنّ فيه عملا بكلّ من الدليلين في الجملة بخلاف الثاني فإنّه طرح لأحدهما بالكلّية.

ففيه أوّلا: منع تحقّق العمل بكلّ منهما في الجملة على تقدير طرح ظهوريهما، لما عرفت من أنّه في معنى ترك العمل بهما رأسا، إذ لا يبقى لهما دلالة يتعبّد بها بعد طرح ظهوريهما معا، فالأمر في الحقيقة دائر بين ترك العمل بهما معا و ترك العمل بأحدهما، و ظاهر أنّ الثاني أولى بالنظر إلى أدلّة حجّية السند.

و ثانيا: منع لزوم طرح سند و ظهور على تقدير طرح أحدهما رأسا، إذ الظاهر تابع للسند فما لم يسلم السند لم يعقل معه ظهور، و طرح السند في قوّة الحكم على أحدهما بعدم الصدور، و معه لا يبقى لطرح الظهور محلّ، فإنّ الدلالة المحرزة بالظهور اللفظي عبارة عن فهم المعنى من اللفظ على أنّه مراد للمعصوم و إلّا لم يكن المدلول حكما شرعيّا، و بعد طرح السند الّذي هو في قوّة الحكم عليه بعدم صدوره من المعصوم لا يتأتّى الدلالة بالمعنى المذكور، فلا ظهور حتّى يطرح بعد طرح السند، فالسالبة باعتبار انتفاء الموضوع.

و بما بيّنّاه ظهر فساد ما ذكر في الدليل تفريعا على أصالة إعمال الدليلين من أنّه يجب الجمع بينهما مهما أمكن، فإنّ الجمع بالمعنى المبحوث عنه في معنى ترك العمل بهما رأسا فلا يكون جائزا فضلا عن وجوبه.

كما ظهر بما بيّنّاه أيضا منع ما استدلّ به على الوجوب من استحالة الترجيح بلا مرجّح إن اريد به لزوم التخصيص في أدلّة الحجّية من غير مخصّص، و إن اريد به التعيين بلا معيّن، ففيه: أنّ الطرح اللازم من التخيير إنّما بحكم العقل أو العرف بالتخيير إن قلنا به، فلا يكون من باب تعيين أحدهما بالخصوص للعمل حتّى يستحيل من غير معيّن، مع أنّ الطرح قد يكون لمرجّح مع أحدهما المعيّن إن دخل المورد بعد عدم إمكان الجمع في عنوان «الترجيح» فلا يكون بلا مرجّح.

و قد يستدلّ على أولويّة الجمع- كما في النهاية و التهذيب و المنية و غيرها-: بأنّ دلالة اللفظ على تمام مفهومه أصليّة و على جزئه تبعيّة، و الجمع بين الدليلين بمعنى العمل بكلّ


صفحه 591

..........

منهما من وجه دون وجه آخر ترك للدلالة التابعة، و العمل بأحدهما دون آخر ترك للدلالة الأصليّة، و الأوّل أولى.

و اعترضه في النهاية: بأنّ العمل بكلّ منهما من وجه عمل بالدلالة التابعة في كلّ منهما، و العمل بأحدهما دون آخر عمل بالدلالة الأصليّة و التابعة في أحدهما و إبطال لهما في الآخر.

و لا ريب أنّ العمل بأصل و تابع أولى من العمل بالتابعين و إبطال الأصلين. و ردّه في المنية: بأنّ العمل بأصل و تابع إنّما يكون أولى إذا كانا لدليلين كما في النصّ و الظاهر، حيث يطرح ظهور الظاهر بنصوصيّة النصّ، و أمّا إذا كانا لدليل واحد فلا نسلّم كون العمل بهما أولى من العمل بالتابعين لدليلين.

و أنت خبير بما في الاعتراض و ردّه، لمنع تعدّد الدلالة على تقدير العمل بأحد الدليلين و ترك العمل بالآخر بالكلّية.

و التحقيق في الجواب: أنّ العمل بكلّ من الدليلين في وجه دون آخر ترك للعمل بدلالة كلّ منهما و عمل بالاحتمال الغير البالغ حدّ الدلالة المعتبرة، فهو في الحقيقة ترك للعمل بالدليلين معا، بخلاف العمل بأحدهما بتمامه و طرح الآخر، و يظهر وجهه بملاحظة ما مرّ في جواب الوجه السابق.

و قد يقال: إنّه قد يمكن الجمع بين المتباينين فيما لو اشتمل كلّ منهما على جهة نصوصيّة وجهة ظهور، بأن يكون نصّا من جهة و ظاهر من اخرى، فيطرح ظاهر كلّ بنصّ الآخر، و ذلك كما في قوله(عليه السلام): «ثمن العذرة سحت» مع قوله(عليه السلام): «لا بأس ببيع العذرة» فإنّ الأوّل نصّ في عذرة غير مأكول اللحم، و ظاهر في عذرة مأكول اللحم و الثاني بالعكس، للقطع في الأوّل بدخول عذرة غير المأكول في المراد على كلا تقديري إرادة عذرة المأكول منه و عدم إرادته، و مرجعه إلى القطع بعدم إرادة عذرة المأكول منه بدون إرادة عذرة غير المأكول.

و في الثاني بدخول عذرة المأكول في المراد على كلا تقديري إرادة عذرة غير المأكول منه و عدم إرادته، و مرجعه إلى القطع بعدم إرادة عذرة غير المأكول بدون إرادة عذرة المأكول.

و قضيّة طرح ظاهر كلّ بنصّ الآخر تخصيص الأوّل بعذرة غير المأكول و تخصيص الثاني بعذرة المأكول.

أقول: و هذا أيضا عند التحقيق و في النظر الدقيق غير سديد، لأنّ القطع بدلالة العامّ في