بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 593

..........

يعدّل بدعوى عدم العلم بصدور موجب الفسق، و من الظاهر عدم التعارض بينهما، و إطلاق هذا التعليل كإطلاق تقديم قول الجارح و إن كان عندنا عليلا- كما حقّقناه و فصّلناه في محلّه- غير أنّ المقصود هنا بيان عدم جريان الجمع بهذا المعنى في مسألة تعارض البيّنتين لكون تصديق كلّ منهما تكذيبا للاخرى.

و السرّ فيه: أنّ كلّا منهما إخبار بالحقّ عن علم.

بل المراد به الأخذ بكلّ منهما في نصف المدّعى به، فلو قامت بيّنتان عند التداعي في عين شخصيّة يجمع بينهما بإعطاء نصف تلك العين أحد المتداعيين عملا ببيّنته في الجملة و النصف الآخر المتداعي الآخر عملا ببيّنته أيضا في الجملة، و مثله ما لو اختلف مقوّمان في تقويم عين معيّنة، فقال أحدهما: بأنّ قيمتها عشرة، و الآخر: أنّها اثنا عشر، فيجمع بينهما بأخذ نصف كلّ منهما فيحكم بأنّ قيمة العين أحد عشر، لأنّه مجموع النصفين من المجموعين، فهل الجمع بهذا المعنى أولى هنا من طرح إحداهما بالكلّية و الأخذ بالاخرى كذلك تخييرا أو لا؟

و الّذي يظهر من ثاني الشهيدين في تمهيد القواعد هو الأولويّة، بل جعل التنصيف الّذي يحكم به الحاكم في تعارض البيّنتين من فروع أولويّة الجمع بين الدليلين و ثمراته، و هذا بظاهره مشكل بل لا وجه له، لعدم إمكان الجمع بحيث يجدي في ارتفاع التعارض، إذ المانع من الأخذ بنصف مقتضى كلّ منهما بعينه مانع من الأخذ بالنصف الآخر من كلّ منهما، ضرورة أنّه لا مانع في المقام من العمل بهما معا في النصف الساقط إلّا المعارضة، و هي كما أنّها موجودة بالنسبة إلى أحد النصفين فكذلك موجودة بالنسبة إلى النصف الآخر، لوضوح أنّ كلّا منهما تقتضي ثبوت تمام الحقّ لصاحبها، و المقتضي لثبوت تمام الحقّ يقتضي ثبوت بعض الحقّ أيضا، فيقع التعارض بينهما في كلّ من النصفين، و طرح النصف عن مقتضى كلّ منهما لا يقضي بعدم المعارضة بينهما بل هي بعد باقية على حالها، و جعلها مانعة في البعض دون غيره كما ترى.

و بالجملة مآل الجمع بهذا المعنى إلى الأخذ بكلّ منهما في الجملة و طرح كلّ منهما في الجملة، و نحن نقول: إنّه ليس بأولى من طرح إحداهما بالكلّية و الأخذ بالاخرى بالكلّية، و ليس لأحد أن يجعل الأوّل أرجح بالنظر إلى دلالة ما دلّ على وجوب العمل بالأمارات و البيّنات، لأنّه كما أنّ الأوّل موافقة لتلك الأدلّة بالعمل بالبعض في الكلّ فكذلك الثاني أيضا


صفحه 594

..........

موافقة لها بالعمل بالكلّ في البعض، و لا يعقل للأوّل رجحان على الثاني لاشتمال كلّ على عمل في الجملة و مخالفة في الجملة.

غاية الفرق بينهما حصول العمل و المخالفة في بعض الكلّ و كلّ البعض، و كون ذلك موجبا لرجحان أحدهما على الآخر غير معقول، و ليس مبنى بناء الأصحاب في عنوان هذه المسألة على التنصيف من غير خلاف يعرف بينهم على كون ذلك جمعا بل الحكم إجماعي ظاهرا، و لعلّ النكتة فيه أنّ المخالفة القطعيّة في الجملة مع الموافقة القطعيّة كذلك أولى من المخالفة و الموافقة الاحتماليّتين في نظائر المقام.

و توضيح ذلك: إنّ إعمال البيّنة و نحوها من الأمارات إنّما هو لأجل إثبات حقّ من حقوق الآدميّين، و العمل بالبيّنات لإثبات الحقوق و الأموال ليس كالعمل بالأدلّة لإثبات الأحكام و التكاليف، فإنّ المخالفة القطعيّة في الأحكام و التكاليف- على ما حقّق في محلّه- غير جائزة، فلو اجتمع الواجب و الحرام و اشتبها كالإناءين المشتبهين مثلا إذا وجب استعمال أحدهما و حرم استعمال الآخر فلا يجوز القول باستعمال كليهما و لا بترك استعمال كليهما لاستلزام كلّ منهما مخالفة قطعيّة، أمّا الأوّل فلاستلزامه ارتكاب المحرّم بعنوان القطع، و أمّا الثاني فلاستلزامه ترك الواجب بعنوان القطع، و إن استلزم كلّ منهما القطع بالموافقة من جهة فعل الواجب في الأوّل و ترك الحرام في الثاني، بل في نحو ذلك لا بدّ من استعمال أحدهما و ترك الآخر بحكم القوّة العاقلة بأولويّة المخالفة و الموافقة الاحتماليّتين بالقياس إلى المخالفة و الموافقة القطعيّتين، بخلاف المقام الّذي هو من الحقوق فإنّ القطع بإثبات نصف الحقّ لصاحبه مع إبطال نصفه الآخر أولى من احتمال إثبات تمام الحقّ مع احتمال إبطال تمام حقّه، و ذلك لبناء العرف و استقرار طريقة الشارع عليه، و لذا ترى الناس في الخصومات و المنازعات لا يزالون يبادر أذهانهم إلى الإصلاح بين المتنازعين و يحملونها مهما أمكن على الصلح، بل صار أولويّة ذلك و رجحانه عندهم من سجاياهم، و قد ورد في الروايات أيضا ما يقضي بذلك و نطق به الكتاب العزيز أيضا.

فصار محصّل الكلام: أنّ بناء الناس في تعارض البيّنات و نحوها على عكس بنائهم في الأدلّة المتعارضة، لبنائهم ثمّة على الجمع بين الحقوق.

و يؤيّده الاعتبار أيضا من حيث إنّ التنصيف و الأخذ بكلّ منهما في البعض تسوية و هي لا تقتضي داعيا إلّا رفع الخصومة و قطع المنازعة، بخلاف الأخذ بإحداهما و طرح


صفحه 595

..........

الاخرى فإنّه ربّما يتبع الدواعي النفسانيّة من الميل و البغض و غيرهما ممّا لا تنضبط، و الدواعي من الارتشاء و لذا يسأل الحاكم و يؤاخذ و ربّما يتّهم، فالتسوية ممّا ينقطع به الخصومة و ينسدّ به باب المنازعة و يتحفّظ به الحاكم عن التهمة، فالحكمة الإلهيّة تقتضي جعله التنصيف و العمل بكلّ في البعض ميزانا للعمل بالبيّنات في موضوع التعارض.

ثمّ إنّ هذا كلّه في منع أولويّة الجمع، و لمّا كان ذلك بمجرّده لا يلازم أولويّة الطرح اللازم من التخيير فينبغي التكلّم في ذلك.

و ليعلم أوّلا: أنّ الدليلين الظنّيين- كما هو موضوع المسألة- ليسا كالقطعيّين، فإنّ قطعيّة سند الدليل تأبى عن طرحه، فإن كان دلالتاهما ظنّية و انحصر طريق الجمع بينهما في تأويل بعيد فيهما و تنزيل كلّ منهما على احتمال لا يساعد عليه فهم العرف و لم يشهد له شاهد خارجي فالحكم ما أشرنا إليه سابقا من أنّه لا مناص فيهما من التوقّف و الرجوع إلى الأصل، و أمّا مع نصوصيّة دلالتيهما فإمّا أن يكون المورد ممّا يجوز فيه النسخ و لا يجري فيه التقيّة كما لو كانا من الكتاب أو من الأخبار النبويّة فلا مناص فيهما من التزام النسخ بجعل أحدهما ناسخا و الآخر منسوخا، و لا بدّ في تميز الناسخ من المنسوخ معرفة التاريخ، أو يكون ممّا يجوز فيه التقيّة و لا يجري فيه النسخ كما لو كانا من الأخبار الإماميّة فلا مناص من التزام جهة التقيّة في صدورهما، و إن لم يقصد بها العمل و لا إظهار الموافقة في المذهب بل مجرّد إلقاء الخلاف بين الشيعة على ما ورد في الروايات مع إشكال فيه يأتي وجهه في بحث المرجّحات.

بخلاف ما لو كانا ظنّيين سندا فإنّ احتمال النسخ لا يجري فيهما و إن كانا من الأخبار النبويّة، لعدم جواز النسخ بخبر الواحد، و احتمال التقيّة يندفع بالأصل، و حينئذ فإذا لم يكن الجمع بالمعنى المتقدّم أولى فقد يقال بأولويّة الطرح تمسّكا ببناء العرف، فإنّ أوّل ما يلاحظه العرف عند سماع الخبر إنّما هو الدلالة و المضمون، فإذا عارضه مثله كما في «أكرم زيدا» و «لا تكرم زيدا» يبقى متردّدا و متحيّرا و يشاهد نفسه عاجزا من العمل بهما معا لانتقاله إلى عدم إمكانه فيختار أحدهما للعمل و يطرح الآخر من جهة تفطّنه بكون أدلّة الحجّية و الاعتبار مقيّدة بالإمكان و لا ممكن إلّا هذا، و ذلك عندنا ليس بسديد، لأنّه لو لم ندّع كون بناء العرف في نحو ذلك من جهة التحيّر الناشئ من التعارض على التوقّف و العمل بالأصل إلى أن يتبيّن المخرج منه فلا أقلّ من منع كون بنائهم على التخيير.


صفحه 596

..........

فتحقيق المقام: أنّ ما لا يصحّ الجمع بينهما من المتعارضين مع ما لا يمكن الجمع بينهما مندرجان في عنواني المقامين الآتيين و هما التعادل و الترجيح، فيعلم حكمهما من البحث في المقامين.

المقام الثاني فيما لو تعارض الدليلان أو الأمارتان و تكافئا من جهة المرجّحات المعتبرة و يعبّر عنه بالتعادل.

[في بيان مقتضى الأصل في المتعادلين]

و الكلام فيه تارة في الصغرى و اخرى في الكبرى.

أمّا الأوّل: فاختلفوا في جواز تعادل الأمارتين على معنى خلوّهما عن المرجّح كما عليه الأكثر و هو المعتمد، و نفاه بعضهم كما عن الكرخي و أحمد بن حنبل، و عزاه في التهذيب إلى قوم، و عن غاية المبادئ أنّهم التزموا بأنّه لا بدّ من ثبوت مرجّح لأحد المتعارضين و إن خفي على المجتهد مسلكه.

لنا: أنّه لا مانع منه عقلا و لا شرعا، أمّا الأوّل: فلأنّ العقل لا يأبى ذلك، و قرّره في المنية: «بأنّه لا يمتنع أن يخبرنا رجلان متساويان في العدالة و الثقة، و احتمال الصدق بحكمين متنافيين و العلم بذلك ضروريّ» انتهى.

و ما اعتمد عليه المانع من المنع العقلي غير صالح للمانعيّة.

و أمّا الثاني: فلأنّه ليس في الأدلّة الشرعيّة و قواعد الشرع ما يقضي بالمنع، بل فيها ما يدلّ على خلاف ذلك كالأخبار الآمرة- من الأخبار العلاجيّة- بالتخيير في الخبرين المتعارضين، لوضوح أنّه لا يصحّ إلّا إذا تكافئا و تساويا من جهة المرجّحات.

احتجّ المانعون: بأنّه لو وقع التعادل بين الأمارتين المتعارضتين فالعمل بهما محال لأدائه إلى اجتماع حكمين متنافيين في موضوع واحد، و تركهما معا يقتضي العبث بوضعهما، إذ وضع أمارة لا يمكن العمل بها عبث و هو أيضا محال، و العمل بإحداهما دون الاخرى ترجيح بلا مرجّح و هو أيضا محال.

و ربّما عزى إليهم القول بجوازه عقلا و عدم وقوعه شرعا، و قرّر ذلك دليلا على عدم الوقوع.

و أيّا ما كان فهو باطل لإمكان اختيار الشقّ الثاني و منع الملازمة، لعدم اختصاص وضع الشارع بالأمارتين المتعارضتين، فبترك العمل بهما معا لمانع التعارض لا يلزم خروج


صفحه 597

..........

الوضع المتعلّق بنوع الأمارة من دون نظر إلى خصوصيّاتها عبثا، كما في جعل الحكم التكليفي المعلّق على العامّ كقوله: «أكرم العلماء» إذا اتّفق التنافي بين فردين منه.

هذا مع جواز اختيار الشقّ الأخير و منع الملازمة أيضا، و يعلم وجهه بمراجعة ما حقّقناه في مسألة التحسين و التقبيح العقليّين عند الكلام في قاعدة استحالة الترجيح من غير مرجّح، و قد بيّنّا ثمّة أنّ الترجيح في عنوان هذه القاعدة عبارة عن اختيار أحد طرفي الممكن، و المرجّح عبارة عمّا يوجب رجحانه في نظر الفاعل المختار عقلائيّا كان أو فاعليّا، و عدم المرجّح فيه عبارة عن انتفاء المرجّح بقسميه، و إنّما يكون الترجيح حينئذ مستحيلا لمدخليّة المرجّح في تحقّق المقدّمة الأخيرة من مقدّمات وقوع أحد طرفي الممكن من فعل شيء و تركه أو من فعل أحد أشياء على البدل و ترك الجميع و هي الإرادة بمعنى الجزم بالإيقاع، لاستحالة وجود الشيء مع انتفاء مقدّمة وجوده كاستحالة أن يختار الفاعل المختار أحدهما ما دام متردّدا بينهما، فلا بدّ في الترجيح من زوال التردّد بمراعاة مرجّح عقلائي أو فاعلي أوجب رجحان أحد الطرفين المستتبع للجزم بإيقاعه، فالتردّد إن كان في أشياء بين فعل أحدها على البدل و ترك الجميع لا بدّ فيه من مرجّح أوجب رجحان أحدها على وجه يستتبع الجزم بإيقاعه، و لو فرض تحقّقه في جانب فعل أحدها كفى في اختيار بعض معيّن منها، لأنّه حينئذ ليس من الترجيح حال التردّد و يكفي فيه الرجحان المشترك على البدل، لوضوح أنّه في مقابلة ترك الجميع ترجيح مع المرجّح، و هو في مقابلة اختيار المعادل لا تردّد بينهما ليستدعي اعتبار مرجّح آخر.

و لا ريب أنّ أدلّة حجّية الأمارة بنوعها مع انضمام استحالة العمل بالمتعارضين من أفرادها تصلح مرجّحة لأحدهما على البدل في مقابلة تركهما معا، فتعيين إحداهما للعمل به و اختياره دون الاخرى ليس من الترجيح بلا مرجّح ليكون مستحيلا، فليتدبّر.

و أمّا الثاني: فاختلفوا في أنّ الدليلين المتعارضين إذا تعادلا بعد عدم إمكان الجمع بينهما فهل الأصل فيهما التساقط- على معنى خروجهما عن الحجّية فيتساقطان فيرجع في الواقعة إلى الأصل الجاري فيها- أو لا؟ و على الثاني فهل الأصل فيهما التخيير على معنى وجوب العمل بأحدهما على البدل و طرح الآخر أو لا؟ فلا بدّ من التوقّف و الرجوع إلى الأصل، وجوه بل أقوال.

فقد يقال: بأنّ الأصل فيهما التساقط، لأنّ الأصل الأوّلي في كلّ دليل غير علمي عدم


صفحه 598

..........

الحجّية، إذ الحجّية الّتي يتولّد منها وجوب العمل أو وجوب العمل الّذي ينتزع منها الحجّية أمر حادث منوط حدوثه بوضع الشارع و جعله و الأصل عدمه، و ليس هنا من جهة الحجّية أصل ثانوي يكون بالقياس إلى المتعارضين واردا على الأصل الأوّلي رافعا لموضوعه، لعدم تناول ما دلّ على حجّية الأدلّة الغير العلميّة للمتعارضين، لأنّه إن كان لبّيّا كالإجماع على تقدير ثبوته فهو أمر معنوي و قضيّة معقولة ليس فيه عموم و لا إطلاق لفظي، و شموله للمتعارضين غير معلوم، فيجب الاقتصار فيه على القدر المتيقّن و ليس إلّا ما لا معارض له، و إن كان لفظيّا من إجماع منقول أو آية أو رواية فدلالتها إنّما هي بالإطلاق و ينصرف إلى ما لا معارض له من الأفراد لأنّه الظاهر الحاضر في الأذهان.

و أيضا فإنّه لو كان متناولا للمتعارضين فإمّا أن يدلّ على وجوب العمل بكلّ منهما على التعيين، أو على وجوب العمل بكلّ منهما على التخيير، أو على وجوب العمل بهما معا فيما إذا كان بينهما قدر مشترك كان الأخذ به عملا بهما معا، كرجحان الفعل أو عدم الإباحة بالمعنى الأخصّ في خبرين كان تعارضهما في الوجوب و الاستحباب، و الكلّ باطل.

أمّا الأوّل: فلامتناع العمل على الوجه المذكور.

و أمّا الثاني: فللزومه استعمال اللفظ في الوجوب العيني بالنسبة إلى ما لا معارض له و الوجوب التخييري بالنسبة إلى المتعارضين و هو غير جائز.

و أمّا الثالث: فلكون كلّ نافيا لما أثبته الآخر و عدم وجود قدر مشترك بين مدلوليهما ليكون الأخذ به عملا بهما.

و توهّم كون رجحان الفعل أو نفي الإباحة قدرا مشتركا بينهما.

يدفعه: أنّ القدر المشترك الّذي يكون الأخذ به عملا بهما معا هو ما اتّفقا عليه لا القدر المشترك الانتزاعي الّذي يعتبره العقل بإلقاء الخصوصيّتين، و ما ذكر ليس من القدر المشترك المتّفق عليه بأن يكون ممّا اتّفقا في الدلالة عليه، لكونه في كلّ بمنزلة الجنس من مدلوله، فيكون في كلّ متفصّلا بما فيه من الفصل.

و لا ريب أنّ الجنس المتفصّل في أحدهما بفصله مع الجنس المتفصّل في الآخر بفصله باعتبار الخارج متغايران، لوضوح أنّ اختلافهما في الفصل يوجب تغايرهما في الجنس من حيث الخارج، و ما يتراءى من كونه متّحدا فيهما إنّما هو باعتبار الذهن بعد إلقاء الخصوصيّتين، و هذا ليس بعين الجنس الموجود فيهما باعتبار الخارج، و ذلك نظير ما لو


صفحه 599

..........

أخبرنا مخبر بمجيء الإنسان و أخبرنا آخر بمجيء الحمار من حيث إنّهما لم يتّفقا في الدلالة على أمر مشترك بينهما، و الحيوان المتفصّل بالناطقيّة مغاير بحسب الخارج للحيوان المتفصّل بالناهقيّة و لهما وجودان متغايران.

نعم إذا ألقى عن كلّ منهما الخصوصيّة الحاصلة من الفصل يبقى الحيوان المطلق و يعبّر عنه بالقدر المشترك، غير أنّه قدر مشترك انتزاعي لا أنّه من الأمر المشترك المتّفق عليه بينهما، فلا يكون الأخذ به عملا بهما معا، بل هو عند التحقيق ترك للعمل بهما معا، و لذا يعتبر في الخبر المتواتر المعنوي الّذي يفيد العلم بالقدر المشترك أن يكون ذلك القدر المشترك ممّا اتّفقت الأخبار في الدلالة عليه بحيث لم يكن اختلافها في الخصوصيّات المستفادة منها آئلا إلى الاختلاف في ذلك القدر المشترك، كما لو اتّفقت الأخبار في تعيين الميّت الّذي اتّفقت على موته أو في تعيين الواقعة الّتي اتّفقت على وقوعها، بأن يخبرنا أحد بأنّ الّذي مات زيد و آخر بأنّه عمرو و ثالث بأنّه بكر و رابع بأنّه خالد و هكذا، أو أخبرنا الأوّل بأنّ الواقعة الّتي وقعت في الخارج موت زيد و الثاني بأنّها قدوم عمرو من السفر و الثالث بأنّها خروج بكر إلى السفر و الرابع بأنّها قيام خالد و هكذا، فإنّه في نحو ذلك يحصل العلم بملاحظة كثرة المخبرين بحدوث موت في الخارج و وقوع واقعة في العالم، بخلاف ما لو اختلفت الأخبار في الخصوصيّات على وجه يؤول إلى اختلافها في القدر المشترك، كما لو أخبرنا أحد بأنّه مات زيد و آخر بأنّه مات عمرو و ثالث بأنّه مات بكر و رابع بأنّه مات خالد و هكذا، أو أخبرنا الأوّل بموت زيد و الثاني بقدوم عمرو من السفر و الثالث بخروج بكر إلى السفر و الرابع بقيام عمرو و هكذا، فإنّه لا يحصل في الأوّل بملاحظة كثرة المخبرين العلم بتحقّق موت في الخارج، و لا في الثاني العلم بوقوع واقعة في العالم و إن بلغت في الكثرة إلى ما بلغت.

و لا ريب أنّ الخبرين المتعارضين أو غيرهما من الدليلين المتعارضين من هذا الباب لا من قبيل الأوّل، لوضوح كون اختلافهما في الفصل اختلافا في الجنس المتفصّل بذلك الفصل، فالدالّ منهما على الوجوب ناف لرجحان الفعل أو عدم الإباحة الّذي هو في ضمن الاستحباب، كما أنّ الدالّ منهما على الاستحباب ينفي الرجحان أو عدم الإباحة الّذي هو في ضمن الوجوب، فليسا واردين بالرجحان المطلق و لا عدم الإباحة المطلق ليكون من القدر المشترك المتّفق عليه.


صفحه 600

..........

و بالجملة اتّفاق المتعارضين على الجنس مع فرض اختلافهما في الفصل غير معقول، لكون كلّ نافيا للجنس المتفصّل بما ينفيه من مدلول الآخر من الفصل.

و الجواب عن ذلك أوّلا على سبيل الإجمال و هو: أنّ إنكار تناول أدلّة الحجّية للمتعارضين سدّ لباب التكلّم و البحث في باب تعارض الدليلين بجميع أنحائه، لوضوح أنّ دليليّة الدليل الغير العلمي منوطة بالحجّيّة، فما ليس بحجّة ليس بدليل، و معه لا يعقل التعارض، و عليه فتعارض الدليلين عنوان لا خارج له أصلا و موضوع لا مصداق له أبدا و هو كما ترى، على أنّ الكلام في مقام التعادل ليس للإشكال في مقتضي الحجّيّة حتّى يمنع وجوده إلّا في القدر المتيقّن، بل للإشكال في علاج منع المانع من العمل بكلا المتعارضين و هو التعارض، و هذا لا يستقيم إلّا بعد الفراغ عن إحراز الحجّية الذاتيّة فيهما معا، و لا يتمّ إلّا بعد نهوض الأدلّة بها فيهما و تناولها لهما سواء كانت لبّيّة أو لفظيّة، و معه فجعل الأصل فيهما مع التعادل التساقط استنادا إلى منع تناول دليل الحجّية لهما كما ترى.

و ثانيا: بمنع عدم تناول أدلّة الحجّية للمتعارضين، بدعوى تناولها لمحلّ التعارض و إن كان على وجه التعادل، سواء فرضناه لبّيّا- كالإجماع على فرض تحقّقه في الأدلّة الغير العلميّة، بناء على عدم قدح ما عليه السيّد المرتضى و أضرابه من القدماء من القول بعدم حجّية أخبار الآحاد الغير المحفوف بقرائن العلم في انعقاده- أو لفظيّا.

أمّا الأوّل: فلأنّ الاسترابة في تناول الإجماع إن كان لوجود القول بالخلاف و هو القول بالتساقط في عنوان التعادل.

ففيه: أوّلا منع وجود هذا القول بين أصحابنا بل هو لبعض العامّة على ما حكي كما في المفاتيح، و أشار إليه المصنّف(رحمه اللّه)حيث قال: «لا نعرف في ذلك من الأصحاب مخالفا و عليه أكثر أهل الخلاف».

و ثانيا: منع كون مبنى التساقط على عدم الحجّية الذاتيّة، و عدم استلزام القول به إنكار الحجّية من أصلها ليستند في ذلك إلى عدم تناول الإجماع لمحلّ التعارض، بل القول به إنّما هو بعد الفراغ عن الحجّية الذاتيّة، كما يرشد إليه اختلافهم في عنوان «التعادل» الّذي هو من لواحق التعارض و افتراقهم فرقا ثلاث أحدها: أهل القول بالتساقط، و لذا استدلّ أهل القول بالتخيير الّذي عليه الأكثر بأنّهما دليلان تعارضا و لا يمكن العمل بهما معا، و لا بأحدهما بالخصوص دون الآخر و لا إسقاطهما فوجب التخيير، و علّل بطلان الأخير