بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 596

..........

فتحقيق المقام: أنّ ما لا يصحّ الجمع بينهما من المتعارضين مع ما لا يمكن الجمع بينهما مندرجان في عنواني المقامين الآتيين و هما التعادل و الترجيح، فيعلم حكمهما من البحث في المقامين.

المقام الثاني فيما لو تعارض الدليلان أو الأمارتان و تكافئا من جهة المرجّحات المعتبرة و يعبّر عنه بالتعادل.

[في بيان مقتضى الأصل في المتعادلين]

و الكلام فيه تارة في الصغرى و اخرى في الكبرى.

أمّا الأوّل: فاختلفوا في جواز تعادل الأمارتين على معنى خلوّهما عن المرجّح كما عليه الأكثر و هو المعتمد، و نفاه بعضهم كما عن الكرخي و أحمد بن حنبل، و عزاه في التهذيب إلى قوم، و عن غاية المبادئ أنّهم التزموا بأنّه لا بدّ من ثبوت مرجّح لأحد المتعارضين و إن خفي على المجتهد مسلكه.

لنا: أنّه لا مانع منه عقلا و لا شرعا، أمّا الأوّل: فلأنّ العقل لا يأبى ذلك، و قرّره في المنية: «بأنّه لا يمتنع أن يخبرنا رجلان متساويان في العدالة و الثقة، و احتمال الصدق بحكمين متنافيين و العلم بذلك ضروريّ» انتهى.

و ما اعتمد عليه المانع من المنع العقلي غير صالح للمانعيّة.

و أمّا الثاني: فلأنّه ليس في الأدلّة الشرعيّة و قواعد الشرع ما يقضي بالمنع، بل فيها ما يدلّ على خلاف ذلك كالأخبار الآمرة- من الأخبار العلاجيّة- بالتخيير في الخبرين المتعارضين، لوضوح أنّه لا يصحّ إلّا إذا تكافئا و تساويا من جهة المرجّحات.

احتجّ المانعون: بأنّه لو وقع التعادل بين الأمارتين المتعارضتين فالعمل بهما محال لأدائه إلى اجتماع حكمين متنافيين في موضوع واحد، و تركهما معا يقتضي العبث بوضعهما، إذ وضع أمارة لا يمكن العمل بها عبث و هو أيضا محال، و العمل بإحداهما دون الاخرى ترجيح بلا مرجّح و هو أيضا محال.

و ربّما عزى إليهم القول بجوازه عقلا و عدم وقوعه شرعا، و قرّر ذلك دليلا على عدم الوقوع.

و أيّا ما كان فهو باطل لإمكان اختيار الشقّ الثاني و منع الملازمة، لعدم اختصاص وضع الشارع بالأمارتين المتعارضتين، فبترك العمل بهما معا لمانع التعارض لا يلزم خروج


صفحه 597

..........

الوضع المتعلّق بنوع الأمارة من دون نظر إلى خصوصيّاتها عبثا، كما في جعل الحكم التكليفي المعلّق على العامّ كقوله: «أكرم العلماء» إذا اتّفق التنافي بين فردين منه.

هذا مع جواز اختيار الشقّ الأخير و منع الملازمة أيضا، و يعلم وجهه بمراجعة ما حقّقناه في مسألة التحسين و التقبيح العقليّين عند الكلام في قاعدة استحالة الترجيح من غير مرجّح، و قد بيّنّا ثمّة أنّ الترجيح في عنوان هذه القاعدة عبارة عن اختيار أحد طرفي الممكن، و المرجّح عبارة عمّا يوجب رجحانه في نظر الفاعل المختار عقلائيّا كان أو فاعليّا، و عدم المرجّح فيه عبارة عن انتفاء المرجّح بقسميه، و إنّما يكون الترجيح حينئذ مستحيلا لمدخليّة المرجّح في تحقّق المقدّمة الأخيرة من مقدّمات وقوع أحد طرفي الممكن من فعل شيء و تركه أو من فعل أحد أشياء على البدل و ترك الجميع و هي الإرادة بمعنى الجزم بالإيقاع، لاستحالة وجود الشيء مع انتفاء مقدّمة وجوده كاستحالة أن يختار الفاعل المختار أحدهما ما دام متردّدا بينهما، فلا بدّ في الترجيح من زوال التردّد بمراعاة مرجّح عقلائي أو فاعلي أوجب رجحان أحد الطرفين المستتبع للجزم بإيقاعه، فالتردّد إن كان في أشياء بين فعل أحدها على البدل و ترك الجميع لا بدّ فيه من مرجّح أوجب رجحان أحدها على وجه يستتبع الجزم بإيقاعه، و لو فرض تحقّقه في جانب فعل أحدها كفى في اختيار بعض معيّن منها، لأنّه حينئذ ليس من الترجيح حال التردّد و يكفي فيه الرجحان المشترك على البدل، لوضوح أنّه في مقابلة ترك الجميع ترجيح مع المرجّح، و هو في مقابلة اختيار المعادل لا تردّد بينهما ليستدعي اعتبار مرجّح آخر.

و لا ريب أنّ أدلّة حجّية الأمارة بنوعها مع انضمام استحالة العمل بالمتعارضين من أفرادها تصلح مرجّحة لأحدهما على البدل في مقابلة تركهما معا، فتعيين إحداهما للعمل به و اختياره دون الاخرى ليس من الترجيح بلا مرجّح ليكون مستحيلا، فليتدبّر.

و أمّا الثاني: فاختلفوا في أنّ الدليلين المتعارضين إذا تعادلا بعد عدم إمكان الجمع بينهما فهل الأصل فيهما التساقط- على معنى خروجهما عن الحجّية فيتساقطان فيرجع في الواقعة إلى الأصل الجاري فيها- أو لا؟ و على الثاني فهل الأصل فيهما التخيير على معنى وجوب العمل بأحدهما على البدل و طرح الآخر أو لا؟ فلا بدّ من التوقّف و الرجوع إلى الأصل، وجوه بل أقوال.

فقد يقال: بأنّ الأصل فيهما التساقط، لأنّ الأصل الأوّلي في كلّ دليل غير علمي عدم


صفحه 598

..........

الحجّية، إذ الحجّية الّتي يتولّد منها وجوب العمل أو وجوب العمل الّذي ينتزع منها الحجّية أمر حادث منوط حدوثه بوضع الشارع و جعله و الأصل عدمه، و ليس هنا من جهة الحجّية أصل ثانوي يكون بالقياس إلى المتعارضين واردا على الأصل الأوّلي رافعا لموضوعه، لعدم تناول ما دلّ على حجّية الأدلّة الغير العلميّة للمتعارضين، لأنّه إن كان لبّيّا كالإجماع على تقدير ثبوته فهو أمر معنوي و قضيّة معقولة ليس فيه عموم و لا إطلاق لفظي، و شموله للمتعارضين غير معلوم، فيجب الاقتصار فيه على القدر المتيقّن و ليس إلّا ما لا معارض له، و إن كان لفظيّا من إجماع منقول أو آية أو رواية فدلالتها إنّما هي بالإطلاق و ينصرف إلى ما لا معارض له من الأفراد لأنّه الظاهر الحاضر في الأذهان.

و أيضا فإنّه لو كان متناولا للمتعارضين فإمّا أن يدلّ على وجوب العمل بكلّ منهما على التعيين، أو على وجوب العمل بكلّ منهما على التخيير، أو على وجوب العمل بهما معا فيما إذا كان بينهما قدر مشترك كان الأخذ به عملا بهما معا، كرجحان الفعل أو عدم الإباحة بالمعنى الأخصّ في خبرين كان تعارضهما في الوجوب و الاستحباب، و الكلّ باطل.

أمّا الأوّل: فلامتناع العمل على الوجه المذكور.

و أمّا الثاني: فللزومه استعمال اللفظ في الوجوب العيني بالنسبة إلى ما لا معارض له و الوجوب التخييري بالنسبة إلى المتعارضين و هو غير جائز.

و أمّا الثالث: فلكون كلّ نافيا لما أثبته الآخر و عدم وجود قدر مشترك بين مدلوليهما ليكون الأخذ به عملا بهما.

و توهّم كون رجحان الفعل أو نفي الإباحة قدرا مشتركا بينهما.

يدفعه: أنّ القدر المشترك الّذي يكون الأخذ به عملا بهما معا هو ما اتّفقا عليه لا القدر المشترك الانتزاعي الّذي يعتبره العقل بإلقاء الخصوصيّتين، و ما ذكر ليس من القدر المشترك المتّفق عليه بأن يكون ممّا اتّفقا في الدلالة عليه، لكونه في كلّ بمنزلة الجنس من مدلوله، فيكون في كلّ متفصّلا بما فيه من الفصل.

و لا ريب أنّ الجنس المتفصّل في أحدهما بفصله مع الجنس المتفصّل في الآخر بفصله باعتبار الخارج متغايران، لوضوح أنّ اختلافهما في الفصل يوجب تغايرهما في الجنس من حيث الخارج، و ما يتراءى من كونه متّحدا فيهما إنّما هو باعتبار الذهن بعد إلقاء الخصوصيّتين، و هذا ليس بعين الجنس الموجود فيهما باعتبار الخارج، و ذلك نظير ما لو


صفحه 599

..........

أخبرنا مخبر بمجيء الإنسان و أخبرنا آخر بمجيء الحمار من حيث إنّهما لم يتّفقا في الدلالة على أمر مشترك بينهما، و الحيوان المتفصّل بالناطقيّة مغاير بحسب الخارج للحيوان المتفصّل بالناهقيّة و لهما وجودان متغايران.

نعم إذا ألقى عن كلّ منهما الخصوصيّة الحاصلة من الفصل يبقى الحيوان المطلق و يعبّر عنه بالقدر المشترك، غير أنّه قدر مشترك انتزاعي لا أنّه من الأمر المشترك المتّفق عليه بينهما، فلا يكون الأخذ به عملا بهما معا، بل هو عند التحقيق ترك للعمل بهما معا، و لذا يعتبر في الخبر المتواتر المعنوي الّذي يفيد العلم بالقدر المشترك أن يكون ذلك القدر المشترك ممّا اتّفقت الأخبار في الدلالة عليه بحيث لم يكن اختلافها في الخصوصيّات المستفادة منها آئلا إلى الاختلاف في ذلك القدر المشترك، كما لو اتّفقت الأخبار في تعيين الميّت الّذي اتّفقت على موته أو في تعيين الواقعة الّتي اتّفقت على وقوعها، بأن يخبرنا أحد بأنّ الّذي مات زيد و آخر بأنّه عمرو و ثالث بأنّه بكر و رابع بأنّه خالد و هكذا، أو أخبرنا الأوّل بأنّ الواقعة الّتي وقعت في الخارج موت زيد و الثاني بأنّها قدوم عمرو من السفر و الثالث بأنّها خروج بكر إلى السفر و الرابع بأنّها قيام خالد و هكذا، فإنّه في نحو ذلك يحصل العلم بملاحظة كثرة المخبرين بحدوث موت في الخارج و وقوع واقعة في العالم، بخلاف ما لو اختلفت الأخبار في الخصوصيّات على وجه يؤول إلى اختلافها في القدر المشترك، كما لو أخبرنا أحد بأنّه مات زيد و آخر بأنّه مات عمرو و ثالث بأنّه مات بكر و رابع بأنّه مات خالد و هكذا، أو أخبرنا الأوّل بموت زيد و الثاني بقدوم عمرو من السفر و الثالث بخروج بكر إلى السفر و الرابع بقيام عمرو و هكذا، فإنّه لا يحصل في الأوّل بملاحظة كثرة المخبرين العلم بتحقّق موت في الخارج، و لا في الثاني العلم بوقوع واقعة في العالم و إن بلغت في الكثرة إلى ما بلغت.

و لا ريب أنّ الخبرين المتعارضين أو غيرهما من الدليلين المتعارضين من هذا الباب لا من قبيل الأوّل، لوضوح كون اختلافهما في الفصل اختلافا في الجنس المتفصّل بذلك الفصل، فالدالّ منهما على الوجوب ناف لرجحان الفعل أو عدم الإباحة الّذي هو في ضمن الاستحباب، كما أنّ الدالّ منهما على الاستحباب ينفي الرجحان أو عدم الإباحة الّذي هو في ضمن الوجوب، فليسا واردين بالرجحان المطلق و لا عدم الإباحة المطلق ليكون من القدر المشترك المتّفق عليه.


صفحه 600

..........

و بالجملة اتّفاق المتعارضين على الجنس مع فرض اختلافهما في الفصل غير معقول، لكون كلّ نافيا للجنس المتفصّل بما ينفيه من مدلول الآخر من الفصل.

و الجواب عن ذلك أوّلا على سبيل الإجمال و هو: أنّ إنكار تناول أدلّة الحجّية للمتعارضين سدّ لباب التكلّم و البحث في باب تعارض الدليلين بجميع أنحائه، لوضوح أنّ دليليّة الدليل الغير العلمي منوطة بالحجّيّة، فما ليس بحجّة ليس بدليل، و معه لا يعقل التعارض، و عليه فتعارض الدليلين عنوان لا خارج له أصلا و موضوع لا مصداق له أبدا و هو كما ترى، على أنّ الكلام في مقام التعادل ليس للإشكال في مقتضي الحجّيّة حتّى يمنع وجوده إلّا في القدر المتيقّن، بل للإشكال في علاج منع المانع من العمل بكلا المتعارضين و هو التعارض، و هذا لا يستقيم إلّا بعد الفراغ عن إحراز الحجّية الذاتيّة فيهما معا، و لا يتمّ إلّا بعد نهوض الأدلّة بها فيهما و تناولها لهما سواء كانت لبّيّة أو لفظيّة، و معه فجعل الأصل فيهما مع التعادل التساقط استنادا إلى منع تناول دليل الحجّية لهما كما ترى.

و ثانيا: بمنع عدم تناول أدلّة الحجّية للمتعارضين، بدعوى تناولها لمحلّ التعارض و إن كان على وجه التعادل، سواء فرضناه لبّيّا- كالإجماع على فرض تحقّقه في الأدلّة الغير العلميّة، بناء على عدم قدح ما عليه السيّد المرتضى و أضرابه من القدماء من القول بعدم حجّية أخبار الآحاد الغير المحفوف بقرائن العلم في انعقاده- أو لفظيّا.

أمّا الأوّل: فلأنّ الاسترابة في تناول الإجماع إن كان لوجود القول بالخلاف و هو القول بالتساقط في عنوان التعادل.

ففيه: أوّلا منع وجود هذا القول بين أصحابنا بل هو لبعض العامّة على ما حكي كما في المفاتيح، و أشار إليه المصنّف(رحمه اللّه)حيث قال: «لا نعرف في ذلك من الأصحاب مخالفا و عليه أكثر أهل الخلاف».

و ثانيا: منع كون مبنى التساقط على عدم الحجّية الذاتيّة، و عدم استلزام القول به إنكار الحجّية من أصلها ليستند في ذلك إلى عدم تناول الإجماع لمحلّ التعارض، بل القول به إنّما هو بعد الفراغ عن الحجّية الذاتيّة، كما يرشد إليه اختلافهم في عنوان «التعادل» الّذي هو من لواحق التعارض و افتراقهم فرقا ثلاث أحدها: أهل القول بالتساقط، و لذا استدلّ أهل القول بالتخيير الّذي عليه الأكثر بأنّهما دليلان تعارضا و لا يمكن العمل بهما معا، و لا بأحدهما بالخصوص دون الآخر و لا إسقاطهما فوجب التخيير، و علّل بطلان الأخير


صفحه 601

..........

بأنّ إسقاطهما موجب لإسقاط ما ثبت من الشرع اعتباره، بل التساقط بنفس مفهومه يقتضي الحجّية الذاتيّة لظهوره في استناد سقوط كلا المتعارضين عن درجة الاعتبار في مقام العمل و عدم العمل بهما معا إلى وجود المانع- و هو التعارض- لا إلى فقد المقتضي و هو الحجّية الذاتيّة.

و إن كان لتوهّم طروّ الإجمال لمعقد الإجماع[1]، كما هو ظاهر البيان المتقدّم لمنع تناول الإجماع.

ففيه: منع الإجمال من حيث الكمّيّة و هو عموم الحجّية الذاتيّة لكلّ دليل غير علمي من غير نظر إلى حالة [التعارض] و عدمها، لأنّ المحرز للمقتضي إنّما يحرزه لا بشرط وجود المانع و فقده.

و لقد عرفت أنّ نفس الاختلاف في عنوان «التعادل» دليل على عموم الحجّية للمتعارضين.

نعم فيه إجمال من حيث كيفيّة العمل في المتعارضين حيث لا تعرّض في الإجماع لبيانها، بل لا بدّ من استفادته من الأدلّة الخارجيّة من العقل فقط أو الشرع كذلك أو العقل و الشرع معا، و هذا لا يستلزم الإجمال من حيث الكمّيّة كما في الإجماع المنعقد على وجوب الصلاة المتناول لجميع آحاد المكلّفين مع إجمال معقده من حيث الكيفيّة المختلفة على حسب اختلاف حالات المكلّف من حيث الحضر و السفر و الصحّة و المرض و القدرة و العجز و غيرها.

و أمّا الثاني: فلأنّ ما لا معارض له في الأدلّة الغير العلميّة في غاية الندرة، إذ قلّما يوجد فيها ما لا معارض له أصلا.

فدعوى انصراف الإطلاق في أدلّة الحجّية إليه من غرائب الكلام، بل لو كان هناك انصراف لوجب الإذعان بكونه في جانب ما له معارض لغلبته، بضابطة أنّ المطلق ينصرف إلى مورد الغالب، و دعوى أنّ الحاضر في الأذهان هو ما لا معارض له ممنوعة على مدّعيها، بل الإنصاف و مجانبة الاعتساف يقتضي منع الانصراف رأسا بالنسبة إلى كلا الجانبين، بتقريب: أنّ الحاضر في الأذهان في لحاظ مطلقات الأدلّة اللفظيّة ليس إلّا ذات الدليل الغير العلمي أعني خبر الواحد مثلا بعنوان أنّه خبر لا بوصف المعارضة و لا بوصف عدم المعارضة، و التعارض إنّما يلتفت إليه في لحاظ العمل بعد الفراغ عن إحراز المقتضي لجوازه بل

[1]عطف على قوله: «فلأنّ الاسترابة في تناول الإجماع إن كان لوجود القول بالخلاف الخ».


صفحه 602

..........

وجوبه لا في لحاظ إحراز المقتضي.

و أمّا الوجه الثاني في منع تناول الأدلّة اللفظيّة المشتمل على الترديد.

ففيه: إنّا نختار الشقّ الأوّل و هو الدلالة على وجوب العمل بكلّ منهما بعينه.

و إبطاله بدعوى امتناع العمل على الوجه المذكور.

يدفعه: وضوح إمكان العمل بكلّ واحد بانفراده مع قطع النظر من الآخر و لا بشرط انضمام العمل بالآخر إليه و لا عدم انضمامه إليه، و الامتناع إنّما ينشأ من فرض انضمام أحدهما إلى الآخر و الجمع بينهما في العمل، و هذا لا ينافي إمكان العمل بكلّ منهما بعينه بانفراده إذا لاحظ لا بشرط من الانضمام و الجمع بينهما و عدمه.

غاية الأمر أنّ العقل المستقلّ إذا لاحظ امتناع الجمع بينهما في العمل يحكم بالتخيير بينهما و وجوب العمل بأحدهما على التخيير البدوي، لأنّه ممكن و هو في الحقيقة عمل به بعينه و لازمه بعد الاختيار طرح غير المختار، و لا ضير فيه بالنظر إلى الأدلّة الحجّية و لا يستتبع محذورا، لأنّه لا يوجب تصرّفا فيها بتخصيص و لا تقييد و لا استعمالا لها في المعنيين، لأنّ المنساق منها بحسب دلالة اللفظ و في إرادة اللافظ ليس إلّا الوجوب العيني بالقياس إلى كلّ من المتعارضين، و التخيير المذكور إن صحّحناه مطلقا ليس من التخيير الشرعي المقصود من اللفظ أصالة، بل هو تخيير عقلي يثبت بحكم العقل من باب دلالة الإشارة.

و الأصل فيما ذكرناه- من إمكان العمل بكلّ منهما بعينه إذا أخذ لا بشرط شيء- إنّ أفراد العامّ متساوي الأقدام بالنظر إلى دلالته، فالحكم المعلّق عليه يثبت لكلّ واحد بالاستقلال لا بشرط انضمام كلّ واحد إلى الآخر في العمل و لا بشرط عدم انضمامه إليه، فإذا اتّفق من جهة السوانح الخارجيّة تناف بين فرديه بحيث أوجب امتناع الجمع بينهما في الامتثال لم يناف ذلك إمكان الامتثال في كلّ بعينه إذا اخذ لا بشرط شيء، فإذا حكم العقل حينئذ بالتخيير في الامتثال الموجب بعد اختيار أحدهما لترك الامتثال في الآخر حال الامتثال في الأوّل لتعذّره في هذه الحالة لم يكن ذلك خروجا عن مقتضى العامّ، و لا طرحا لدلالته بالقياس إلى الفرد المذكور، لعدم رجوعه إلى نفي المقتضي لوجوب الامتثال فيه، بل لاستناده إلى وجود المانع من امتثاله.

و إن شئت فاستوضح ذلك بملاحظة قول الشارع: «أطع والديك» المفيد لوجوب إطاعة كلّ من الوالد و الوالدة بعينه، مع كون إطاعة كلّ منهما بانفراده و مع قطع النظر عن إطاعة


صفحه 603

..........

الآخر ممكنة، فإذا اتّفق التنافي في مورد بين أمريهما أوجب ذلك امتناع الجمع بين إطاعتيهما لا امتناع إطاعة كلّ منهما بانفراده.

نعم ربّما يقع الكلام في محلّ البحث في أنّ المانع الّذي يستند إليه المنع و ترك العمل بأحد المتعارضين هل هو وجود المتعارض الآخر- نظير الدليل الاجتهادي في مقابلة الظنّ الاستصحابي عند من يرى العمل به من باب الظنّ النوعي أو الشخصي- أو وجوب العمل به، أو نفس العمل به، أو التعارض الواقع بينهما؟ احتمالات.

و لكن الأوفق بالاعتبار الأقرب إلى الذوق هو الإذعان بثاني الاحتمالات، لأنّ المانع في اصطلاح القوم عبارة عمّا يكون مؤثّرا في العدم علّة فيه، و لا ينطبق ذلك حسبما يدرك بالوجدان إلّا على العمل لا وجوبه، و أردأ الاحتمالات هو الاحتمال الأوّل، لوضوح عدم كون المتعارضين كالظنّ الاستصحابي و الدليل الاجتهادي المقابل له، ليكون الأوّل في اعتباره معلّقا على عدم الثاني فيكون وجوب الثاني مانعا من العمل به.

نعم ربّما أمكن القول باستناد ترك العمل بأحدهما حال العمل بالآخر إلى فقد الشرط و هو القدرة و الإمكان لا إلى وجود المانع، بل جعل ترك العمل بأحدهما من آثار العمل بالآخر، و نسبة المنع إليه لا يخلو عن مسامحة، لأنّ العمل بالآخر إنّما يلازم ترك العمل بأحدهما بواسطة امتناع العمل بأحدهما حال العمل بالآخر الّذي مرجعه إلى امتناع الجمع بينهما في العمل.

و قضيّة ذلك استناد الترك إلى فقد الشرط لا إلى وجود المانع، و من ذلك ربّما يسبق إلى الوهم لزوم الخروج عن مقتضى أدلّة الحجّية في أحد المتعارضين.

غاية الأمر كونه على وجه التخصّص لا التخصيص، فيتّجه قول القائل بعدم تناول أدلّة الحجّية للمتعارضين في الجملة، لأنّ الوجوب المستفاد منها من حيث كونه تكليفا مقيّد بالقدرة و الإمكان، فمفادها في محصّل المعنى هو: أنّه يجب أن يعمل بكلّ ما أمكن العمل به من الأدلّة الغير العلميّة.

و لا ريب أنّه يخرج عن هذا الموضوع ما لا يمكن العمل به، و منه أحد المتعارضين حال العمل بصاحبه فلا يشمله حكم العامّ.

و لكنّه يندفع: بمنع انتفاء الشرط عن كلّ واحد بعينه إذا أخذ بانفراده و مع قطع النظر عن الآخر، لإمكان العمل بكلّ واحد بعينه إذا أخذ على هذا الوجه حسبما بيّنّاه سابقا،