بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 599

..........

أخبرنا مخبر بمجيء الإنسان و أخبرنا آخر بمجيء الحمار من حيث إنّهما لم يتّفقا في الدلالة على أمر مشترك بينهما، و الحيوان المتفصّل بالناطقيّة مغاير بحسب الخارج للحيوان المتفصّل بالناهقيّة و لهما وجودان متغايران.

نعم إذا ألقى عن كلّ منهما الخصوصيّة الحاصلة من الفصل يبقى الحيوان المطلق و يعبّر عنه بالقدر المشترك، غير أنّه قدر مشترك انتزاعي لا أنّه من الأمر المشترك المتّفق عليه بينهما، فلا يكون الأخذ به عملا بهما معا، بل هو عند التحقيق ترك للعمل بهما معا، و لذا يعتبر في الخبر المتواتر المعنوي الّذي يفيد العلم بالقدر المشترك أن يكون ذلك القدر المشترك ممّا اتّفقت الأخبار في الدلالة عليه بحيث لم يكن اختلافها في الخصوصيّات المستفادة منها آئلا إلى الاختلاف في ذلك القدر المشترك، كما لو اتّفقت الأخبار في تعيين الميّت الّذي اتّفقت على موته أو في تعيين الواقعة الّتي اتّفقت على وقوعها، بأن يخبرنا أحد بأنّ الّذي مات زيد و آخر بأنّه عمرو و ثالث بأنّه بكر و رابع بأنّه خالد و هكذا، أو أخبرنا الأوّل بأنّ الواقعة الّتي وقعت في الخارج موت زيد و الثاني بأنّها قدوم عمرو من السفر و الثالث بأنّها خروج بكر إلى السفر و الرابع بأنّها قيام خالد و هكذا، فإنّه في نحو ذلك يحصل العلم بملاحظة كثرة المخبرين بحدوث موت في الخارج و وقوع واقعة في العالم، بخلاف ما لو اختلفت الأخبار في الخصوصيّات على وجه يؤول إلى اختلافها في القدر المشترك، كما لو أخبرنا أحد بأنّه مات زيد و آخر بأنّه مات عمرو و ثالث بأنّه مات بكر و رابع بأنّه مات خالد و هكذا، أو أخبرنا الأوّل بموت زيد و الثاني بقدوم عمرو من السفر و الثالث بخروج بكر إلى السفر و الرابع بقيام عمرو و هكذا، فإنّه لا يحصل في الأوّل بملاحظة كثرة المخبرين العلم بتحقّق موت في الخارج، و لا في الثاني العلم بوقوع واقعة في العالم و إن بلغت في الكثرة إلى ما بلغت.

و لا ريب أنّ الخبرين المتعارضين أو غيرهما من الدليلين المتعارضين من هذا الباب لا من قبيل الأوّل، لوضوح كون اختلافهما في الفصل اختلافا في الجنس المتفصّل بذلك الفصل، فالدالّ منهما على الوجوب ناف لرجحان الفعل أو عدم الإباحة الّذي هو في ضمن الاستحباب، كما أنّ الدالّ منهما على الاستحباب ينفي الرجحان أو عدم الإباحة الّذي هو في ضمن الوجوب، فليسا واردين بالرجحان المطلق و لا عدم الإباحة المطلق ليكون من القدر المشترك المتّفق عليه.


صفحه 600

..........

و بالجملة اتّفاق المتعارضين على الجنس مع فرض اختلافهما في الفصل غير معقول، لكون كلّ نافيا للجنس المتفصّل بما ينفيه من مدلول الآخر من الفصل.

و الجواب عن ذلك أوّلا على سبيل الإجمال و هو: أنّ إنكار تناول أدلّة الحجّية للمتعارضين سدّ لباب التكلّم و البحث في باب تعارض الدليلين بجميع أنحائه، لوضوح أنّ دليليّة الدليل الغير العلمي منوطة بالحجّيّة، فما ليس بحجّة ليس بدليل، و معه لا يعقل التعارض، و عليه فتعارض الدليلين عنوان لا خارج له أصلا و موضوع لا مصداق له أبدا و هو كما ترى، على أنّ الكلام في مقام التعادل ليس للإشكال في مقتضي الحجّيّة حتّى يمنع وجوده إلّا في القدر المتيقّن، بل للإشكال في علاج منع المانع من العمل بكلا المتعارضين و هو التعارض، و هذا لا يستقيم إلّا بعد الفراغ عن إحراز الحجّية الذاتيّة فيهما معا، و لا يتمّ إلّا بعد نهوض الأدلّة بها فيهما و تناولها لهما سواء كانت لبّيّة أو لفظيّة، و معه فجعل الأصل فيهما مع التعادل التساقط استنادا إلى منع تناول دليل الحجّية لهما كما ترى.

و ثانيا: بمنع عدم تناول أدلّة الحجّية للمتعارضين، بدعوى تناولها لمحلّ التعارض و إن كان على وجه التعادل، سواء فرضناه لبّيّا- كالإجماع على فرض تحقّقه في الأدلّة الغير العلميّة، بناء على عدم قدح ما عليه السيّد المرتضى و أضرابه من القدماء من القول بعدم حجّية أخبار الآحاد الغير المحفوف بقرائن العلم في انعقاده- أو لفظيّا.

أمّا الأوّل: فلأنّ الاسترابة في تناول الإجماع إن كان لوجود القول بالخلاف و هو القول بالتساقط في عنوان التعادل.

ففيه: أوّلا منع وجود هذا القول بين أصحابنا بل هو لبعض العامّة على ما حكي كما في المفاتيح، و أشار إليه المصنّف(رحمه اللّه)حيث قال: «لا نعرف في ذلك من الأصحاب مخالفا و عليه أكثر أهل الخلاف».

و ثانيا: منع كون مبنى التساقط على عدم الحجّية الذاتيّة، و عدم استلزام القول به إنكار الحجّية من أصلها ليستند في ذلك إلى عدم تناول الإجماع لمحلّ التعارض، بل القول به إنّما هو بعد الفراغ عن الحجّية الذاتيّة، كما يرشد إليه اختلافهم في عنوان «التعادل» الّذي هو من لواحق التعارض و افتراقهم فرقا ثلاث أحدها: أهل القول بالتساقط، و لذا استدلّ أهل القول بالتخيير الّذي عليه الأكثر بأنّهما دليلان تعارضا و لا يمكن العمل بهما معا، و لا بأحدهما بالخصوص دون الآخر و لا إسقاطهما فوجب التخيير، و علّل بطلان الأخير


صفحه 601

..........

بأنّ إسقاطهما موجب لإسقاط ما ثبت من الشرع اعتباره، بل التساقط بنفس مفهومه يقتضي الحجّية الذاتيّة لظهوره في استناد سقوط كلا المتعارضين عن درجة الاعتبار في مقام العمل و عدم العمل بهما معا إلى وجود المانع- و هو التعارض- لا إلى فقد المقتضي و هو الحجّية الذاتيّة.

و إن كان لتوهّم طروّ الإجمال لمعقد الإجماع[1]، كما هو ظاهر البيان المتقدّم لمنع تناول الإجماع.

ففيه: منع الإجمال من حيث الكمّيّة و هو عموم الحجّية الذاتيّة لكلّ دليل غير علمي من غير نظر إلى حالة [التعارض] و عدمها، لأنّ المحرز للمقتضي إنّما يحرزه لا بشرط وجود المانع و فقده.

و لقد عرفت أنّ نفس الاختلاف في عنوان «التعادل» دليل على عموم الحجّية للمتعارضين.

نعم فيه إجمال من حيث كيفيّة العمل في المتعارضين حيث لا تعرّض في الإجماع لبيانها، بل لا بدّ من استفادته من الأدلّة الخارجيّة من العقل فقط أو الشرع كذلك أو العقل و الشرع معا، و هذا لا يستلزم الإجمال من حيث الكمّيّة كما في الإجماع المنعقد على وجوب الصلاة المتناول لجميع آحاد المكلّفين مع إجمال معقده من حيث الكيفيّة المختلفة على حسب اختلاف حالات المكلّف من حيث الحضر و السفر و الصحّة و المرض و القدرة و العجز و غيرها.

و أمّا الثاني: فلأنّ ما لا معارض له في الأدلّة الغير العلميّة في غاية الندرة، إذ قلّما يوجد فيها ما لا معارض له أصلا.

فدعوى انصراف الإطلاق في أدلّة الحجّية إليه من غرائب الكلام، بل لو كان هناك انصراف لوجب الإذعان بكونه في جانب ما له معارض لغلبته، بضابطة أنّ المطلق ينصرف إلى مورد الغالب، و دعوى أنّ الحاضر في الأذهان هو ما لا معارض له ممنوعة على مدّعيها، بل الإنصاف و مجانبة الاعتساف يقتضي منع الانصراف رأسا بالنسبة إلى كلا الجانبين، بتقريب: أنّ الحاضر في الأذهان في لحاظ مطلقات الأدلّة اللفظيّة ليس إلّا ذات الدليل الغير العلمي أعني خبر الواحد مثلا بعنوان أنّه خبر لا بوصف المعارضة و لا بوصف عدم المعارضة، و التعارض إنّما يلتفت إليه في لحاظ العمل بعد الفراغ عن إحراز المقتضي لجوازه بل

[1]عطف على قوله: «فلأنّ الاسترابة في تناول الإجماع إن كان لوجود القول بالخلاف الخ».


صفحه 602

..........

وجوبه لا في لحاظ إحراز المقتضي.

و أمّا الوجه الثاني في منع تناول الأدلّة اللفظيّة المشتمل على الترديد.

ففيه: إنّا نختار الشقّ الأوّل و هو الدلالة على وجوب العمل بكلّ منهما بعينه.

و إبطاله بدعوى امتناع العمل على الوجه المذكور.

يدفعه: وضوح إمكان العمل بكلّ واحد بانفراده مع قطع النظر من الآخر و لا بشرط انضمام العمل بالآخر إليه و لا عدم انضمامه إليه، و الامتناع إنّما ينشأ من فرض انضمام أحدهما إلى الآخر و الجمع بينهما في العمل، و هذا لا ينافي إمكان العمل بكلّ منهما بعينه بانفراده إذا لاحظ لا بشرط من الانضمام و الجمع بينهما و عدمه.

غاية الأمر أنّ العقل المستقلّ إذا لاحظ امتناع الجمع بينهما في العمل يحكم بالتخيير بينهما و وجوب العمل بأحدهما على التخيير البدوي، لأنّه ممكن و هو في الحقيقة عمل به بعينه و لازمه بعد الاختيار طرح غير المختار، و لا ضير فيه بالنظر إلى الأدلّة الحجّية و لا يستتبع محذورا، لأنّه لا يوجب تصرّفا فيها بتخصيص و لا تقييد و لا استعمالا لها في المعنيين، لأنّ المنساق منها بحسب دلالة اللفظ و في إرادة اللافظ ليس إلّا الوجوب العيني بالقياس إلى كلّ من المتعارضين، و التخيير المذكور إن صحّحناه مطلقا ليس من التخيير الشرعي المقصود من اللفظ أصالة، بل هو تخيير عقلي يثبت بحكم العقل من باب دلالة الإشارة.

و الأصل فيما ذكرناه- من إمكان العمل بكلّ منهما بعينه إذا أخذ لا بشرط شيء- إنّ أفراد العامّ متساوي الأقدام بالنظر إلى دلالته، فالحكم المعلّق عليه يثبت لكلّ واحد بالاستقلال لا بشرط انضمام كلّ واحد إلى الآخر في العمل و لا بشرط عدم انضمامه إليه، فإذا اتّفق من جهة السوانح الخارجيّة تناف بين فرديه بحيث أوجب امتناع الجمع بينهما في الامتثال لم يناف ذلك إمكان الامتثال في كلّ بعينه إذا اخذ لا بشرط شيء، فإذا حكم العقل حينئذ بالتخيير في الامتثال الموجب بعد اختيار أحدهما لترك الامتثال في الآخر حال الامتثال في الأوّل لتعذّره في هذه الحالة لم يكن ذلك خروجا عن مقتضى العامّ، و لا طرحا لدلالته بالقياس إلى الفرد المذكور، لعدم رجوعه إلى نفي المقتضي لوجوب الامتثال فيه، بل لاستناده إلى وجود المانع من امتثاله.

و إن شئت فاستوضح ذلك بملاحظة قول الشارع: «أطع والديك» المفيد لوجوب إطاعة كلّ من الوالد و الوالدة بعينه، مع كون إطاعة كلّ منهما بانفراده و مع قطع النظر عن إطاعة


صفحه 603

..........

الآخر ممكنة، فإذا اتّفق التنافي في مورد بين أمريهما أوجب ذلك امتناع الجمع بين إطاعتيهما لا امتناع إطاعة كلّ منهما بانفراده.

نعم ربّما يقع الكلام في محلّ البحث في أنّ المانع الّذي يستند إليه المنع و ترك العمل بأحد المتعارضين هل هو وجود المتعارض الآخر- نظير الدليل الاجتهادي في مقابلة الظنّ الاستصحابي عند من يرى العمل به من باب الظنّ النوعي أو الشخصي- أو وجوب العمل به، أو نفس العمل به، أو التعارض الواقع بينهما؟ احتمالات.

و لكن الأوفق بالاعتبار الأقرب إلى الذوق هو الإذعان بثاني الاحتمالات، لأنّ المانع في اصطلاح القوم عبارة عمّا يكون مؤثّرا في العدم علّة فيه، و لا ينطبق ذلك حسبما يدرك بالوجدان إلّا على العمل لا وجوبه، و أردأ الاحتمالات هو الاحتمال الأوّل، لوضوح عدم كون المتعارضين كالظنّ الاستصحابي و الدليل الاجتهادي المقابل له، ليكون الأوّل في اعتباره معلّقا على عدم الثاني فيكون وجوب الثاني مانعا من العمل به.

نعم ربّما أمكن القول باستناد ترك العمل بأحدهما حال العمل بالآخر إلى فقد الشرط و هو القدرة و الإمكان لا إلى وجود المانع، بل جعل ترك العمل بأحدهما من آثار العمل بالآخر، و نسبة المنع إليه لا يخلو عن مسامحة، لأنّ العمل بالآخر إنّما يلازم ترك العمل بأحدهما بواسطة امتناع العمل بأحدهما حال العمل بالآخر الّذي مرجعه إلى امتناع الجمع بينهما في العمل.

و قضيّة ذلك استناد الترك إلى فقد الشرط لا إلى وجود المانع، و من ذلك ربّما يسبق إلى الوهم لزوم الخروج عن مقتضى أدلّة الحجّية في أحد المتعارضين.

غاية الأمر كونه على وجه التخصّص لا التخصيص، فيتّجه قول القائل بعدم تناول أدلّة الحجّية للمتعارضين في الجملة، لأنّ الوجوب المستفاد منها من حيث كونه تكليفا مقيّد بالقدرة و الإمكان، فمفادها في محصّل المعنى هو: أنّه يجب أن يعمل بكلّ ما أمكن العمل به من الأدلّة الغير العلميّة.

و لا ريب أنّه يخرج عن هذا الموضوع ما لا يمكن العمل به، و منه أحد المتعارضين حال العمل بصاحبه فلا يشمله حكم العامّ.

و لكنّه يندفع: بمنع انتفاء الشرط عن كلّ واحد بعينه إذا أخذ بانفراده و مع قطع النظر عن الآخر، لإمكان العمل بكلّ واحد بعينه إذا أخذ على هذا الوجه حسبما بيّنّاه سابقا،


صفحه 604

..........

و أدلّة الحجّية أيضا إنّما دلّت على وجوب العمل بكلّ واحد لا بشرط انضمام العمل بالآخر و لا بشرط عدمه، و الامتناع إنّما ينشأ من فرض الانضمام لا مطلقا.

و قضيّة ذلك سقوط الوجوب عن العمل بأحدهما لطروّ الامتناع له بعد ثبوته، لا عدم ثبوت الوجوب له رأسا، فلا يلزم خروج من مقتضى أدلّة الحجّية بالنسبة إلى شيء من المتعارضين لا بعنوان التخصيص و لا بعنوان التخصّص.

و بالجملة خروج الفرد عن العامّ بالتخصيص أو التخصّص دفع لحكم العامّ عن الفرد و منع لثبوته له ابتداء، و سقوطه عن الفرد بعد ثبوته لطروّ الامتناع رفع له و هو فرع اندراجه تحته و شموله له، نظير من وجب عليه الصلاة أوّل الوقت لاجتماعه شرائط الاختيار ثمّ طرأه في أثناء الوقت عذرا أوجب سقوط الوجوب عنه.

فظهر من جميع ما قرّرناه أنّ القول بأنّ الأصل في المتعارضين خروجهما عن الحجّية من جهة عدم تناول أدلّة الحجّية ليتفرّع عليه القول بأنّ الأصل في عنوان «التعادل» التساقط بإطلاقه ليس بسديد.

نعم ربّما يتّجه ذلك فيما كان من الأدلّة الغير العلميّة حجّيته منوطة بالظنّ الشخصي كالشهرة و الأولويّة الظنّية بل خبر الواحد و الإجماع المنقول إن قلنا بالحجّية فيهما من باب الظنّ المطلق استنادا إلى دليل الانسداد، أو غيره ممّا يفيد إناطة الحجّية بالظنّ الاطمئناني الّذي لا يكون إلّا فعليّا، فإنّ التعارض الواقع بينهما على هذا التقدير أوجب عدم حصول الظنّ الشخصي منهما فيخرجان عن الحجّية رأسا لفقدهما ما هو مناط الحجّية فيتساقطان، كما أومأنا إليه أيضا في مفتتح الباب عند بيان عدم وقوع التعارض بين ظنّيين شخصيّين كالقطعيّين، بل ما ذكرناه من التساقط لخروجهما عن الحجّية على التقدير المذكور من متفرّعات هذه القاعدة.

ثمّ بعد ما ثبت أنّ الأصل في المتعارضين على وجه التعادل ليس هو التساقط بقول مطلق، و هل الأصل فيهما حينئذ مع قطع النظر عن الأدلّة الخاصّة هو التخيير مطلقا أو التوقّف كذلك؟

فقد يقال: بأنّ الأصل هو التخيير تنظيرا للمتعارضين بالواجبين المتزاحمين كإنقاذ الغريق و إطفاء الحريق في موضع مزاحمة أحدهما للآخر أو لمثله بحيث لم يمكن الجمع بينهما في الامتثال لاتّفاقهما في زمان واحد، فكما أنّ العقل المستقلّ لا يجوّز تركهما معا


صفحه 605

..........

لمجرّد عدم إمكان فعلهما معا بل يحكم بالتخيير و يلزم المكلّف بأداء أحدهما لإمكانه و بقاء القدرة عليه، فكذلك في المتعارضين، فإنّ الدليلين في موضع عدم التعارض يجب العمل بكلّ منهما بانفراده و إذا حصل التعارض بينهما لا يجوز ترك العمل بهما معا لمجرّد عدم إمكان الجمع بينهما في العمل، فإنّ العقل لا يجوّزه بل يحكم بالتخيير لإمكان العمل بأحدهما على هذا الوجه.

و هذا عندنا موضع نظر بل عند التحقيق ليس بسديد أيضا، لبطلان التنظير و المقايسة، لوضوح الفرق بين ما نحن فيه و الواجبين المضيّقين في موضع المزاحمة.

و وجه الفرق: أنّ كلّا من الواجبين المضيّقين مشتمل على مصلحة كامنة فيه باعثة على إيجابه، ففي موضع عدم المزاحمة يجب تحصيل المصلحتين معا بأداء الواجبين معا، و إذا حصل المزاحمة بينهما تعذّر تحصيل المصلحتين معا، و لكن لا يلزم من تعذّر تحصيلهما معا جواز تفويتهما معا لإمكان تحصيل إحداهما، فيلزم العقل بذلك و لا يجوّز التفويت رأسا، و أمّا فيما نحن فيه فكون المتعارضين كالواجبين المتزاحمين إنّما يستقيم أن لو قلنا بالحجّية في الأدلّة الغير العلميّة على وجه الموضوعيّة، و هي أنّ الأمارة الغير العلميّة بقيامها في الواقعة أوجبت حدوث مصلحة فيها مؤثّرة في حدوث حكم على طبقها في مقابلة مصلحة الواقع، بحيث إنّ الشارع قطع النظر عن مصلحة الواقع و اكتفى بالمصلحة الحادثة من قيام الأمارة فأوجب العمل بها مراعاة لتحصيل هذه المصلحة، فعلى هذا التقدير كان المتعارضان كالواجبين المتزاحمين في أنّ عدم إمكان تحصيل المصلحتين معا لمكان التعارض لا يقضي بجواز تفويت إحدى المصلحتين، بل يجب في حكم العقل تحصيلها على وجه التخيير.

و لكن هذا تقدير فاسد لبطلان الجعل الموضوعي في الأمارات من جهة بطلان التصويب بل الصحيح فيها إنّما هو الجعل الطريقي، و هو أنّ الشارع جعل الأمارة طريقا و أمر باتّباعها لكونها غالب المطابقة للواقع، فالمصلحة الداعية إلى جعلها و التعبّد بها إنّما هي غلبة مطابقتها الواقع كما هو الحال في الأمارات المعمولة في الموضوعات الخارجيّة الّتي بأيدينا اليوم، حيث نعلم بأنّ الأمر الشرعي باتّباعها إنّما نشأ من غلبة مطابقتها الواقع، و الأمر باتّباع الأمارة لأجل هذه المصلحة ممّا يجوّزه العقل على الحكيم و لا قبح فيه أصلا، و إن كانت الأمارة قد يتّفق أنّها تخالف الواقع لأنّها في جنب المطابقة نادرة، فالأمر باتّباعها لأجل


صفحه 606

..........

المطابقة الغالبيّة مع فقد الطرق العلميّة و فقد أمارة تكون دائمة المطابقة للواقع أولى و أوفق بقواعد الحكمة من منع اتّباعها لأجل المخالفة النادرة، بل هو ممّا يجب عليه عملا بمقتضى الحكمة و أداء لحقّها بتمامها.

و حينئذ فلو تعارضت الأمارة المجعولة على هذا الوجه لمثلها كالخبرين إذا كان أحدهما آمرا و الآخر ناهيا لم يرجع ذلك إلى تعارض المصلحتين، للجزم بعدم اشتمال شيء منهما على المصلحة الباعثة على الأمر باتّباعها و هي غلبة المطابقة، فإنّ كلّا منهما خبر شخصي و جزئي حقيقي لنوع خبر الواحد و لا يصدق عليه أنّه غالب المطابقة للواقع بل لا يعقل ذلك فيه، و إنّما لوحظت الغلبة في النوع بما هو نوع، فإذا كان كلّ منهما خاليا عن تلك المصلحة فلا يبقى فيه إلّا نفس المطابقة، و هي على تقدير ثبوتها مصلحة واحدة غير متعيّنة متردّدة بين هذا و بين ذلك، للقطع الضروري بعدم إمكان مطابقتهما معا، لاستحالة اجتماع المتناقضين و اجتماع المتضادّين، مع احتمال مخالفتهما معا في بعض الأحيان، فلا محالة يحصل العلم بمخالفة أحدهما، و من المعلوم أنّ ما علم تفصيلا أو إجمالا مخالفته للواقع ليس بحجّة، و قد اشتبه ذلك بما علم أو احتمل مطابقته الواقع فيؤول التعارض بينهما إلى اشتباه الحجّة بغير الحجّة و العقل المستقلّ في مثله يحكم بوجوب التوقّف فيهما عن العمل و الرجوع إلى الأصل، لا بالتخيير مطلقا إن لم نقل بالترجيح بموافقة الأصل فيما وافقه أحدهما، و إلّا اختصّ التوقّف بما لو خالف كلاهما الأصل.

فتلخّص من جميع ما قرّرناه: أنّ الأدلّة المتعارضة فيما لا يمكن الجمع بين المتعارضين على أنواع، أو أنّ أحكامها من حيث أصالة التساقط أو التخيير أو التوقّف تختلف باختلاف التقادير و فروض جعلها من حيث كونه على وجه الموضوعيّة أو الطريقيّة من باب الظنّ الشخصي أو النوعي، فعلى الجعل الطريقي مع إناطة الحجّية بالظنّ الشخصي استنادا إلى دليل الانسداد أو غيره ممّا أفاد حجّية الأخبار و غيرها من باب الظنّ الاطمئناني يتّجه القول بالتساقط، و على الجعل الموضوعي يتّجه القول بالتخيير، و على الجعل الطريقي مع الاكتفاء بالظنّ النوعي يتّجه القول بالتوقّف.

[مقتضى الأدلّة الخاصّة في المتعادلين]

هذا كلّه بالنظر إلى الأصل و القاعدة مع قطع النظر عن الأدلّة الخاصّة، و أمّا مع ملاحظة الأدلّة الخاصّة فالحكم تابع لما يساعد عليه الدليل، و لذا ترى أنّ أصحابنا- على ما حكاه السيّد في المفاتيح- بين قائل بالتخيير ذهب إليه الشيخ و المحقّق و العلّامة و المصنّف في