..........
فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات[1].
و منها: مرفوعة زرارة بن أعين قال: سألت الباقر(عليه السلام)فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان[2]المتعارضان فبأيّهما آخذ؟ فقال(عليه السلام): يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذّ النادر.
قال: فقلت: يا سيّدي إنّهما مشهوران مرويّان عنكم، فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك.
فقلت: إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان، فقال: انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه، و خذ بما خالفهم فإنّ الحقّ فيما خالفهم.
فقلت: ربّما كان معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط.
فقلت: إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال: إذن فتخيّر أحدهما و تأخذ بما فيه و تدع الآخر[3].
و منها: ما عن الصدوق في عيون الأخبار باسناده عن الرضا(عليه السلام)أنّه قال- في حديث طويل-: فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فأعرضوهما على كتاب اللّه، فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما فاتّبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللّه، فما كان في السنّة موجودا منهيّا عنه نهي حرام أو مأمورا به عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أمر إلزام فاتّبعوا ما وافق نهي النبيّ و أمره، و ما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة ثمّ كان الخبر الآخر خلافه فذاك رخصة فيما عافه رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و كرهه و لم يحرّمه فذلك الّذي يسع الأخذ بهما جميعا أو بأيّهما شئت وسّعك اللّه الاختيار من باب التسليم و الاتّباع و الردّ إلى رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوه إلينا علمه فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكفّ و التثبّت و الوقوف، و أنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيان من عندنا.
و منها: ما عن القطب الراوندي في رسالته في الصحيح بسنده عن عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه قال: قال الصادق(عليه السلام): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب
[1]الكافي 1: 68 باب اختلاف الحديث ح 10، الوسائل 18: 175 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.
[2]و الظاهر أنّ الترديد وقع من الراوي لا من السائل (منه).
[3]عوالي اللآلي 4: 133 الحديث 229.
..........
اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فذروه، فإن لم تجدوه في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامّة فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخذوه.
و منها: ما عنه أيضا بسنده عن الحسين بن السري قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم».
و منها: ما عنه بسنده أيضا عن الحسن بن الجهم في حديث، قلت: لم- يعني العبد الصالح(عليه السلام)- يروى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)شيء و يروى عنه أيضا خلاف ذلك فبأيّهما نأخذ؟
قال: «خذ بما خالف القوم و ما وافق للقوم فاجتنبه»[1].
و منها: ما عنه بسنده أيضا عن محمّد بن عبد اللّه قال: قلت للرضا(عليه السلام): كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ قال: «إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا ما خالف منهما العامّة فخذوه، و انظروا ما يوافق أخبارهم فذروه».
و منها: ما عن الاحتجاج بسنده عن سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا، قال: لا يعمل بواحد منهما حتّى تلقي صاحبك فتسأل، قلت: لا بدّ أن يعمل بواحد منهما، «قال: خذ بما فيه خلاف العامّة».
و منها: ما عن الكافي بسنده عن المعلّى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إذا جاء حديث عن أوّلكم و حديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ قال: خذوا به حتّى يبلغكم عن الحيّ، فإن بلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله، قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): أما و اللّه لا يدخلكم إلّا فيما يسعكم.
و منها: ما عن الكافي بسنده إلى الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: أريتك لو حدّثتك بحديث العام ثمّ جئتني من قابل فحدّثتك بخلافه بأيّهما كنت تأخذ؟ قال: كنت آخذ بالأخير، قال لي: رحمك اللّه تعالى.
و منها: ما عن الكافي أيضا بسنده عن أبي عمرو الكناني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: يا أبا عمرو أ رأيت لو حدّثتك بحديث أو افتيك بفتيا، ثمّ جئت بعد ذلك تسألني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك و أفتيتك بخلاف ذلك، بأيّهما تأخذ؟ قلت: بأحدثهما و أدع الآخر، قال: قد أصبت يا أبا عمرو، أبى اللّه إلّا أن يعبد سرّا، أما و اللّه لئن فعلتم ذلك أنّه لخير لي و لكم، أبي اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة.
[1]الوسائل 27: 118 باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 28.
..........
و منها: ما عن الكافي بسنده عن محمّد بن مسلم قال: قلت: لأبي عبد اللّه(عليه السلام)ما بال أقوام يروون عن فلان عن فلان عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)لا يتّهمون بالكذب فيجىء منكم خلافه؟ قال: إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن.
و منها: ما عن الكافي أيضا بسنده عن أبي حيّون مولى الرضا(عليه السلام)أنّ في أخبارنا محكما كمحكم القرآن و متشابها كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا.
و منها: ما عن معاني الأخبار بسنده عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، أنّ الكلمة لتصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب.
و ينبغي التعرّض لشرح فقرات المقبولة تحقيقا للحال و تبيينا للمرام في محلّ المقال.
فنقول: قوله: «بينهما منازعة في دين أو ميراث» مع انضمام قوله- فيما يأتي-: «و كلاهما اختلفا في حديثكم» في كون المنازعة إنّما وقعت بينهما لشبهة حكميّة من جهة جهالة حكم من أحكام الدين أو الميراث، مثل أنّ الدين هل يعتبر من صلب المال أو من الثلث؟
و إنّ أولاد الأولاد هل يقومون في الإرث مقام آبائهم أو أنهم كأولاد الصلب يقتسمون على التفاوت للذكر مثل حظّ الانثيين من دون ملاحظة من يتقرّبون إليه؟
و قضيّة ذلك كون اختلاف الحاكمين في الحكم اختلافا في الفتوى ناشئا عن اختلاف الحديثين.
قوله: «فإنّما يأخذ سحتا و إن كان حقّه ثابتا» قيل: ينبغي أن يخصّص ذلك بما لو كان حقّه كلّيّا في الذمّة كعشرة دراهم، لاستناد تعيينه للأداء إلى الحكم الّذي هو نحو إجبار و هو من وظيفة السلطان العادل لا سلطان الجور، فلا يتعيّن بذلك التعيين فيكون باقيا في ملك المديون فيكون بالنسبة إلى الدائن سحتا، بخلاف ما لو كان عينا شخصيّة و هو يعلم كونها حقّه فإنّه لا يعقل كونها سحتا.
و عن صاحب الكفاية الاستشكال في العين حيث ذكر: «أنّ الحكم بعدم جواز أخذ شيء بحكمهم و إن كان له حقّا في الدين ظاهر، و في العين لا يخلو عن إشكال. و قيل في وجه الإشكال في العين دون الدين أنّ الثاني يحتاج إلى تشخيص لا يتأتّى إلّا من المالك و المفروض أنّه مجبور بحكمهم لا أنّه راض بخلاف الأوّل».
..........
و فيه- مع أنّ ذلك ينافي وقوع السؤال عن الدين و الميراث الّذي لا يكون في الغالب إلّا عينا-: أنّ ما ذكر اجتهاد في مقابلة النصّ، و عدم احتياج العين الشخصيّة إلى تعيين و تشخيص من هي في يده و كونها حقّه في نفس الأمر و هو يعلم به لا ينافي حرمة أخذها و التصرّف فيها لعارض، لأنّه بسبب استناده إلى حكم الطاغوت ممّا لم يمضه الشارع بل نهى عنه و إن كان الآخذ و المتصرّف مالكا، و عليه فيكون المراد بالسحت ما يكون سحتا بالعرض لا بالذات، نظير العين المرهونة و المال المحجور عليه، بل السحتيّة في الدين أيضا لا يستقيم إلّا بإرادة العرضيّة نظرا إلى أنّ المشخّص له لا يكون إلّا المالك، فتأمّل.
قوله: «و قد أمر اللّه عزّ و جلّ أن يكفر به ... الخ» إشارة إلى قوله تعالى:أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِالآية نزلت في شأن الزبير بن العوام نازع رجلا من اليهود في حديقة فقال الزبير: ترضى بابن شبهة اليهودي: و قال اليهودي؟ ترضى بمحمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟
و بالجملة اختار اليهودي محمّدا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)لأن يتحاكما عنده، و أنكره الزبير فاختار عالما يهوديّا للتحاكم عنده، فأنزل اللّه تعالىأَ لَمْ تَرَالآية.
قوله(عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما، و أفقههما، و أصدقهما في الحديث، و أورعهما» قد جمع في ذلك أربعة من المرجّحات، و حيث إنّ العدالة بمعنى الحالة النفسانيّة الباعثة على ملازمة التقوى من الكيفيّات القابلة للتفاضل و الشدّة و الضعف، فالمراد بالأعدليّة كون راوي أحد الخبرين أقوى ملكة للبعث على ملازمة التقوى، و أمّا الأصدقيّة فالمراد به إمّا كون أحد الراويين أقوى ملكة للبعث على ملازمة الصدق، أو كون موارد صدق أحدهما أكثر من موارد صدق الآخر، أو كون اعتماد الناس على قول أحدهما أزيد من الآخر، أو كون الظنّ بصدق أحدهما أقوى من الظنّ بصدق الآخر.
ثمّ إنّ الصفات الأربع كلّها ترجع إلى السند لكونها من صفات الراوي، و الأفقهيّة تزيد على غيرها في أنّها تصلح مع ذلك للرجوع إلى المضمون، و ذلك لأنّ الراوي إذا كان فقيها فهو يعرف قواعد الاستنباط و يتفطّن لنكاته و دقائقه، فلا يغفل و لا يذهل عند استماع الرواية فلا يختلط عليه الأمر في فهم حقيقة المراد، فيكون ما فهمه من كلام المعصوم أقرب إلى الواقع ممّا فهمه غيره ممّن ليس بفقيه.
و يظهر أثر ذلك فيما لو قال الإمام(عليه السلام): «إذا بقي إلى انتصاف الليل مقدار صلاة العشاء
..........
فهو مختصّ به» فالفقيه لالتفاته إلى أنّ مقدار صلاة العشاء أعمّ من أربع ركعات العشاء يفهم من كلام الإمام(عليه السلام)عموم الاختصاص لأربع ركعات الحاضر و ركعتي المسافر و الخائف، و إذا أراد نقل الحديث بالمعنى فلا يبدّل مقدار صلاة العشاء بأربع ركعات العشاء، بخلاف غير الفقيه الّذي ليس عالما بمواقع المعاني فربّما يختلط عليه فيفهم من مقدار صلاة العشاء أربع ركعات العشاء، حتّى أنّه عند النقل بالمعنى يعبّر عنه بذلك فيتغيّر به الحكم الشرعي لعدم استفادته حكم الاختصاص لركعتي المسافر و الخائف.
و بالجملة للفقاهة و الأفقهيّة مدخليّة تامّة في قرب المضمون و أقربيّته إلى الواقع.
ثمّ إنّ الأعدليّة و إن كانت تستلزم الأصدقيّة على تقدير رجوعها إلى السند كما أنّ العدالة تستلزم الصدق، إلّا أنّه ربّما يمكن الفرق بينهما بأنّ اعتبار العدالة يمكن أن لا يكون لأجل مطابقة الواقع بل لخصوصيّة اخرى موجبة لمصلحة ثانويّة، بخلاف الصدق الّذي هو عبارة عن مطابقة الخبر للواقع فإنّ اعتباره لا يكون إلّا لأجل المطابقة، فاعتبار الأصدقيّة لا تكون إلّا من جهة أنّ خبر الأصدق أقرب إلى الواقع من خبر غيره، فيحصل منه كلّيّة مطّردة في سائر المقامات أيضا، و هو أنّ مناط الترجيح هو الأقربيّة إلى الواقع، فكلّما كان أحد المتعارضين أقرب إلى الواقع فهو المتعيّن، فإذا فرضنا مع أحد المتعارضين أمارة خارجيّة غير منصوصة أوجبت كونه أقرب إلى الواقع من شهرة أو أولويّة أو نحوها تعيّن الأخذ به لهذه الضابطة.
ثمّ إنّ «واو» الجمع في عطف هذه الصفات بعضها إلى بعض تفيد بظاهرها كون المجموع بوصف الاجتماع مرجّحا، و أمّا كون كلّ واحد أو كلّ اثنين أو كلّ ثلاثة منها أيضا مرجّحا فلا يستفاد من ظاهر قوله: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما» إلى آخره.
و حينئذ فلا بدّ في إثبات مرجّحية ما عدا الجميع من إجماع على نفي مدخليّة الهيئة الاجتماعيّة في الترجيح بتلك الصفات، أو رواية اخرى قاضية بذلك، أو قرينة في نفس المقبولة كاشفة عن عدم كون «الواو» على ظاهره، بإرادة صلاحية هذه الصفات للترجيح مع الاجتماع و مع الانفراد وحدانيّا و ثنائيّا و ثلاثيّا، و لكنّ القرينة على ذلك موجودة في نفس هذه الرواية، و هي قول السائل: «فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه» مرادا به فرض التساوي بين الراويين في العدالة و الفقاهة و الصدق و الورع بحيث لا يفضل أحدهما على صاحبه، و مرجعه إلى انتفاء الأفضليّة فيهما بالنسبة
..........
إلى جميع الصفات الأربع، و ضابطه عدم وقوع أفعل تفضيل بينهما، أي لا يقال على واحد منهما: أنّه أعدل و لا أفقه و لا أصدق و لا أورع، فإنّه بعدم تقدّم ذكر المرجّحات الأربع يقضي بأنّ اجتماعها ممّا لا مدخليّة في الترجيح و المرجّحيّة، بل المجموع و كلّ واحد و كلّ اثنين و كلّ ثلاثة متشاركة في أصل المرجّحيّة.
و وجه الدلالة عليه: أنّ الجواب السابق بظاهره يفيد وجود المرجّحات الأربع بأجمعها في أحد الخبرين، و السؤال اللاحق فرض لانتفاء الجميع عنهما معا، و بينهما باعتبار وجود واحدة منها تارة و وجود اثنتين منهما اخرى و وجود ثلاثة منها ثالثة وسائط كثيرة ترتقي إلى أربعة عشر صورة، و هذه الوسائط إمّا مندرجة في عنوان الجواب السابق المسوق لإعطاء المرجّحيّة، أو في عنوان السؤال اللاحق المسوق لفرض التساوي، و الثاني باطل لعدم صدق قوله: «لا يفضل أحدهما على صاحبه» بمعنى عدم وقوع أفعل تفضيل بينهما على شيء من تلك الوسائط كما هو واضح، فتعيّن الأوّل و لا يستقيم ذلك إلّا على تقدير عدم كون «الواو» على ظاهره المفيد لاعتبار الاجتماع.
و توهّم جواز الإهمال بالقياس إلى الوسائط المذكورة- على معنى عدم تعرّض الرواية جوابا و سؤالا لحال تلك الوسائط- فلا يفيد قوله(عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما» حكما لها، و لا قوله: «فإنّهما عدلان مرضيّان»- إلى آخره- سؤالا عن حكمها.
يدفعه: أنّ احتمال الإهمال من الإمام(عليه السلام)و السائل في هذه الوسائط على كثرتها مع كون كلّ منها أو أكثرها أكثر وقوعا في الخارج من صورة اجتماع المرجّحات الأربع في راو واحد، و صورة انتفاء الجميع عن الراويين معا، بل مع كثرة وقوع كلّ من الوسائط و ندرة وقوع كلّ من اجتماع الجميع و انتفاء الجميع بعيد بل في غاية البعد، فلا بدّ إمّا من القول بأنّ الإمام(عليه السلام)تعرّض لبيان حكمها في الجواب السابق، أو من القول بأنّ السائل تعرّض للسؤال عن حكمها في السؤال اللاحق، فلا محالة هو إمّا استفاد حكمها من حيث وجوب الترجيح و عدم الفرق فيه بين وجود الجميع و وجود البعض وحدانيّا و ثنائيّا و ثلاثيّا من قول الإمام(عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما» إلى آخره، أو تعرّض للسؤال عن حكمها و حكم انتفاء الجميع بقوله: «أنّهما عدلان مرضيّان لا يفضل على صاحبه»، و الثاني باطل لما عرفت من عدم صدق عنوان هذا السؤال على شيء من الوسائط، و الأوّل هو المطلوب.
و بالجملة فظاهر أنّ السائل فهم من كلام الإمام(عليه السلام)كون الصفات المذكورة مع الاجتماع
..........
و مع الانفراد مرجّحة، و بذلك يصرف «الواو» عمّا هو ظاهر فيه من مدخليّة اجتماع الأربع في المرجّحيّة.
لا يقال: إنّ ما ذكرته على تقدير استفادته من السؤال لا يجدي نفعا في إثبات عموم المرجّحية لما عدا صورة اجتماع الأربع، لأنّه فهم من السائل و هو ليس بمعصوم حتّى يكون فهمه مناطا للحكم.
لأنّا نقول أوّلا: أنّ الرواية من الخطابات الشفاهيّة، و الراوي مخاطب و فهم المخاطب في الخطابات الشفاهيّة إذا كان من أهل اللسان حجّة.
و ثانيا: أنّ المعصوم قرّره على فهمه و هو حجّة اخرى.
و بما بيّنّاه يندفع ما أورده بعض المجتهدين على الأخباريّة- في قولهم بمرجّحية كلّ واحد من الصفات الأربع بانفراده، مع مصيرهم إلى الاقتصار على المرجّحات المنصوصة و عدم التعدّي و التسرّي إلى غيرها- من النقض بأنّ: ما بنيتم عليه ينقضه عملكم، لأنّ ما يدلّ عليه النصّ في هذه الصفات إنّما هو مرجّحية المجموع من حيث هو لمكان «واو» الجمع، و قد تعدّيتم عن المنصوص إلى غيره و هو جعل كلّ واحد مرجّحا و لو مع الانفراد.
إذ يمكن لهم التفصّي عن ذلك بأنّ قضيّة «واو» الجمع و إن كان كذلك إلّا أنّا فهمنا من القرينة الموجودة في النصّ خلافه، فخرجنا من مقتضى الظاهر من جهة هذه القرينة.
ثمّ على ما بيّنّاه و استظهرناه أمكن دعوى جواز التسرّي إلى غير هذه الصفات ممّا ليس بمنصوص من صفات الراوي، لأنّ ما فرضه السائل سؤال عن التساوي و عدم التفاضل في جميع الجهات الراجعة إلى الراوي كما هو المنساق من قوله: «لا يفضل أحدهما على صاحبه» عرفا كما لا يخفى على من تأمّل قليلا، فيكون مفاده مع انضمام التقرير: «أنّ كلّ فضيلة في أحد الراويين يوجب رجحان روايته و إن لم تكن من الامور المنصوص بها بالخصوص» مضافا إلى ما تقدّم و ما سيأتي في كلام الإمام(عليه السلام)ممّا كان دلالته على هذا المعنى أظهر و أوضح من ذلك.
ثمّ إنّ الإمام(عليه السلام)بعد السؤال المذكور المفروض لصورة اليأس عن الترجيح بالصفات الراجعة إلى الراوي المعبّر عنها بالمرجّحات السنديّة انتقل عنها إلى مرجّحات المتن، فقال:
«ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور» و المراد بالمجمع عليه ما اتّفق
..........
أصحاب الحديث على روايته على وجه القبول، بعبارة اخرى: اتّفاقهم على روايته و تلقّيه بالقبول، و بالشاذّ ما اختصّ روايته و قبوله ببعض هؤلاء، على معنى أنّ ذلك البعض مع روايته لما رواه الآخرون و قبوله إيّاه روى غيره ممّا لم يروه الآخرون و قبله، فالأوّل هو المجمع عليه و الثاني هو الشاذّ.
و محصّل الفرق بينهما: أنّ المجمع [عليه] ما اتّفق أصحاب الحديث و نقلته على نقله من الراوي عن الإمام، و الشاذّ ما نقله بعض هؤلاء من الراوي عن الإمام، و كون المجمع عليه عبارة عن هذا المعنى لا ينافيه إطلاق «المشهور» عليه في قوله: «يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور»، إذ الشهرة لا تلازم وجود الخلاف لغة و لا عرفا عامّا و لا خاصّا، بأن يكون المشهور ملازما لأن يكون في مقابله خلاف، فإنّ الشهرة لغة عبارة عن ظهور الشيء، و المشهور: المعروف، و منه: «شهر سيفه»، أي سلّه، لأنّه بإخراجه من الغمد أظهره، و هذا يشمل صورة الاتّفاق و ما يوجد معه الخلاف فيكون أعمّ من المجمع عليه مطلقا، فإطلاقه عليه في الرواية إنّما هو باعتبار أحد فرديه، فحمله عليه ليس تصرّفا فيه حتّى يستبعد لعدم تحقّق نقل فيه لغة و لا عرفا عامّا و لا خاصّا، و إطلاق الشهرة في لسان الاصوليّين على ما في مقابله خلاف حيثما يطلق عليه- قبالا للإجماع بناء على إطلاقه على ما لا يقابله الخلاف- غير مناف لذلك أيضا، بل هو أيضا باعتبار المعنى العامّ لعدم ابتنائه على النقل، و لو تصرّف فهو تصرّف محدث مبتن على الاصطلاح، و ظاهر أنّ الخطابات الشرعيّة لا تنزّل على الامور المحدثة الاصطلاحيّة، بل العبرة فيها إنّما هي بالمعاني اللغويّة أو العرفيّة.
قوله: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ... الخ» تعليل لما أمر به من الأخذ بالمجمع عليه، فيفيد بعمومه جواز التعدّي إلى كلّ مزيّة موجبة لانتفاء الريب في جانبها كائنة ما كانت، و ذلك لأنّ الريب المنفيّ في قضيّة التعليل عن المجمع عليه ليس عبارة عن سنخ الريب و طبيعته حتّى يكون معناه: أنّه لا ريب فيه أصلا لا سندا و لا متنا و لا دلالة و لا مضمونا، و يشهد ذلك امور:
منها: تأخّر ذكره عن الأعدليّة و غيرها من صفات الراوي و مرجّحات السند، فإنّه قاض بأنّ رتبته متأخّرة عن مرتبة أعدليّة الراوي و غيرها من الثلاث المتقدّمة، و ذلك لا يجامع انتفاء طبيعة الريب عنه المستلزم لانتفائه بجميع أفراده و إلّا لوجب ذكره قبل ذكرها.
و منها: ما يفرضه الراوي فيما بعد ذلك من كونهما معا مشهورين رواهما الثقات عنكم،