بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 626

..........

إلى جميع الصفات الأربع، و ضابطه عدم وقوع أفعل تفضيل بينهما، أي لا يقال على واحد منهما: أنّه أعدل و لا أفقه و لا أصدق و لا أورع، فإنّه بعدم تقدّم ذكر المرجّحات الأربع يقضي بأنّ اجتماعها ممّا لا مدخليّة في الترجيح و المرجّحيّة، بل المجموع و كلّ واحد و كلّ اثنين و كلّ ثلاثة متشاركة في أصل المرجّحيّة.

و وجه الدلالة عليه: أنّ الجواب السابق بظاهره يفيد وجود المرجّحات الأربع بأجمعها في أحد الخبرين، و السؤال اللاحق فرض لانتفاء الجميع عنهما معا، و بينهما باعتبار وجود واحدة منها تارة و وجود اثنتين منهما اخرى و وجود ثلاثة منها ثالثة وسائط كثيرة ترتقي إلى أربعة عشر صورة، و هذه الوسائط إمّا مندرجة في عنوان الجواب السابق المسوق لإعطاء المرجّحيّة، أو في عنوان السؤال اللاحق المسوق لفرض التساوي، و الثاني باطل لعدم صدق قوله: «لا يفضل أحدهما على صاحبه» بمعنى عدم وقوع أفعل تفضيل بينهما على شيء من تلك الوسائط كما هو واضح، فتعيّن الأوّل و لا يستقيم ذلك إلّا على تقدير عدم كون «الواو» على ظاهره المفيد لاعتبار الاجتماع.

و توهّم جواز الإهمال بالقياس إلى الوسائط المذكورة- على معنى عدم تعرّض الرواية جوابا و سؤالا لحال تلك الوسائط- فلا يفيد قوله(عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما» حكما لها، و لا قوله: «فإنّهما عدلان مرضيّان»- إلى آخره- سؤالا عن حكمها.

يدفعه: أنّ احتمال الإهمال من الإمام(عليه السلام)و السائل في هذه الوسائط على كثرتها مع كون كلّ منها أو أكثرها أكثر وقوعا في الخارج من صورة اجتماع المرجّحات الأربع في راو واحد، و صورة انتفاء الجميع عن الراويين معا، بل مع كثرة وقوع كلّ من الوسائط و ندرة وقوع كلّ من اجتماع الجميع و انتفاء الجميع بعيد بل في غاية البعد، فلا بدّ إمّا من القول بأنّ الإمام(عليه السلام)تعرّض لبيان حكمها في الجواب السابق، أو من القول بأنّ السائل تعرّض للسؤال عن حكمها في السؤال اللاحق، فلا محالة هو إمّا استفاد حكمها من حيث وجوب الترجيح و عدم الفرق فيه بين وجود الجميع و وجود البعض وحدانيّا و ثنائيّا و ثلاثيّا من قول الإمام(عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما» إلى آخره، أو تعرّض للسؤال عن حكمها و حكم انتفاء الجميع بقوله: «أنّهما عدلان مرضيّان لا يفضل على صاحبه»، و الثاني باطل لما عرفت من عدم صدق عنوان هذا السؤال على شيء من الوسائط، و الأوّل هو المطلوب.

و بالجملة فظاهر أنّ السائل فهم من كلام الإمام(عليه السلام)كون الصفات المذكورة مع الاجتماع


صفحه 627

..........

و مع الانفراد مرجّحة، و بذلك يصرف «الواو» عمّا هو ظاهر فيه من مدخليّة اجتماع الأربع في المرجّحيّة.

لا يقال: إنّ ما ذكرته على تقدير استفادته من السؤال لا يجدي نفعا في إثبات عموم المرجّحية لما عدا صورة اجتماع الأربع، لأنّه فهم من السائل و هو ليس بمعصوم حتّى يكون فهمه مناطا للحكم.

لأنّا نقول أوّلا: أنّ الرواية من الخطابات الشفاهيّة، و الراوي مخاطب و فهم المخاطب في الخطابات الشفاهيّة إذا كان من أهل اللسان حجّة.

و ثانيا: أنّ المعصوم قرّره على فهمه و هو حجّة اخرى.

و بما بيّنّاه يندفع ما أورده بعض المجتهدين على الأخباريّة- في قولهم بمرجّحية كلّ واحد من الصفات الأربع بانفراده، مع مصيرهم إلى الاقتصار على المرجّحات المنصوصة و عدم التعدّي و التسرّي إلى غيرها- من النقض بأنّ: ما بنيتم عليه ينقضه عملكم، لأنّ ما يدلّ عليه النصّ في هذه الصفات إنّما هو مرجّحية المجموع من حيث هو لمكان «واو» الجمع، و قد تعدّيتم عن المنصوص إلى غيره و هو جعل كلّ واحد مرجّحا و لو مع الانفراد.

إذ يمكن لهم التفصّي عن ذلك بأنّ قضيّة «واو» الجمع و إن كان كذلك إلّا أنّا فهمنا من القرينة الموجودة في النصّ خلافه، فخرجنا من مقتضى الظاهر من جهة هذه القرينة.

ثمّ على ما بيّنّاه و استظهرناه أمكن دعوى جواز التسرّي إلى غير هذه الصفات ممّا ليس بمنصوص من صفات الراوي، لأنّ ما فرضه السائل سؤال عن التساوي و عدم التفاضل في جميع الجهات الراجعة إلى الراوي كما هو المنساق من قوله: «لا يفضل أحدهما على صاحبه» عرفا كما لا يخفى على من تأمّل قليلا، فيكون مفاده مع انضمام التقرير: «أنّ كلّ فضيلة في أحد الراويين يوجب رجحان روايته و إن لم تكن من الامور المنصوص بها بالخصوص» مضافا إلى ما تقدّم و ما سيأتي في كلام الإمام(عليه السلام)ممّا كان دلالته على هذا المعنى أظهر و أوضح من ذلك.

ثمّ إنّ الإمام(عليه السلام)بعد السؤال المذكور المفروض لصورة اليأس عن الترجيح بالصفات الراجعة إلى الراوي المعبّر عنها بالمرجّحات السنديّة انتقل عنها إلى مرجّحات المتن، فقال:

«ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور» و المراد بالمجمع عليه ما اتّفق


صفحه 628

..........

أصحاب الحديث على روايته على وجه القبول، بعبارة اخرى: اتّفاقهم على روايته و تلقّيه بالقبول، و بالشاذّ ما اختصّ روايته و قبوله ببعض هؤلاء، على معنى أنّ ذلك البعض مع روايته لما رواه الآخرون و قبوله إيّاه روى غيره ممّا لم يروه الآخرون و قبله، فالأوّل هو المجمع عليه و الثاني هو الشاذّ.

و محصّل الفرق بينهما: أنّ المجمع [عليه] ما اتّفق أصحاب الحديث و نقلته على نقله من الراوي عن الإمام، و الشاذّ ما نقله بعض هؤلاء من الراوي عن الإمام، و كون المجمع عليه عبارة عن هذا المعنى لا ينافيه إطلاق «المشهور» عليه في قوله: «يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور»، إذ الشهرة لا تلازم وجود الخلاف لغة و لا عرفا عامّا و لا خاصّا، بأن يكون المشهور ملازما لأن يكون في مقابله خلاف، فإنّ الشهرة لغة عبارة عن ظهور الشيء، و المشهور: المعروف، و منه: «شهر سيفه»، أي سلّه، لأنّه بإخراجه من الغمد أظهره، و هذا يشمل صورة الاتّفاق و ما يوجد معه الخلاف فيكون أعمّ من المجمع عليه مطلقا، فإطلاقه عليه في الرواية إنّما هو باعتبار أحد فرديه، فحمله عليه ليس تصرّفا فيه حتّى يستبعد لعدم تحقّق نقل فيه لغة و لا عرفا عامّا و لا خاصّا، و إطلاق الشهرة في لسان الاصوليّين على ما في مقابله خلاف حيثما يطلق عليه- قبالا للإجماع بناء على إطلاقه على ما لا يقابله الخلاف- غير مناف لذلك أيضا، بل هو أيضا باعتبار المعنى العامّ لعدم ابتنائه على النقل، و لو تصرّف فهو تصرّف محدث مبتن على الاصطلاح، و ظاهر أنّ الخطابات الشرعيّة لا تنزّل على الامور المحدثة الاصطلاحيّة، بل العبرة فيها إنّما هي بالمعاني اللغويّة أو العرفيّة.

قوله: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ... الخ» تعليل لما أمر به من الأخذ بالمجمع عليه، فيفيد بعمومه جواز التعدّي إلى كلّ مزيّة موجبة لانتفاء الريب في جانبها كائنة ما كانت، و ذلك لأنّ الريب المنفيّ في قضيّة التعليل عن المجمع عليه ليس عبارة عن سنخ الريب و طبيعته حتّى يكون معناه: أنّه لا ريب فيه أصلا لا سندا و لا متنا و لا دلالة و لا مضمونا، و يشهد ذلك امور:

منها: تأخّر ذكره عن الأعدليّة و غيرها من صفات الراوي و مرجّحات السند، فإنّه قاض بأنّ رتبته متأخّرة عن مرتبة أعدليّة الراوي و غيرها من الثلاث المتقدّمة، و ذلك لا يجامع انتفاء طبيعة الريب عنه المستلزم لانتفائه بجميع أفراده و إلّا لوجب ذكره قبل ذكرها.

و منها: ما يفرضه الراوي فيما بعد ذلك من كونهما معا مشهورين رواهما الثقات عنكم،


صفحه 629

..........

لوضوح امتناع انتفاء طبيعة الريب عن كلّ من المتعارضين و إلّا لزم التناقض.

و منها: المرجّحات الّتي ذكرها الإمام(عليه السلام)فيما بعد ذلك، فإنّ كلّ مرجوح في مقابلة راجحه فيه ريب.

فلا بدّ و أن يكون الريب المنفيّ هنا إضافيّا، على معنى أنّ الريب المنفيّ فيه هو شخص الريب الّذي هو موجود في الشاذّ، و معناه: أنّه بالإضافة إلى الشاذّ لا ريب فيه و إن كان فيه ريب آخر مشترك بينه و بين الشاذّ، و مرجعه إلى اختصاص الشاذّ لشذوذه بريب لا يجري في المجمع عليه.

و بعبارة اخرى: أنّ المجمع عليه لكونه مجمعا عليه لا يحتمل فيه ما احتمل في الشاذّ لكونه شاذّا، و إن كانا متشاركين في الاحتمالات الاخر الجارية فيهما من حيث إنّهما خبر العدل الفقيه الصادق الورع، فيستفاد من التعليل المذكور- بعد توجيه الريب المنفيّ بما عرفت- كبرى كلّية و هو: أنّه كلّما دار الأمر بين شيئين لا يجري في أحدهما ما يجري في صاحبه من الريب و الاحتمال وجب فيهما الأخذ بما لا يجري فيه الريب و الاحتمال، و حينئذ يتعدّى إلى المرجّحات الغير المنصوصة أيضا ممّا أمكن اندراجه تحت الكلّية المذكورة، بل يتعدّى إلى ما لو كان فيهما معا ريب و لكن كان الريب الموجود في أحدهما أقلّ أو أضعف منه في الآخر فيتعيّن الأخذ به، لأنّه لا يجري فيه ما يجري في صاحبه من الريب، بل يمكن إجراء هذا العموم في الظنّ بل مطلق الأدلّة الظنّية، نظرا إلى أنّ الموهوم يجري فيه من الريب و الاحتمال ما لا يجري في المظنون- و لو باعتبار ضعف الاحتمال فيه- فيجب اتّباعه، و بذلك يثبت أصل حجّية الظنّ بل الأدلّة الظنّية أيضا.

و ممّا يشهد بالعموم و الكلّية المذكورين استشهاد الإمام(عليه السلام)لما أعطاه من وجوب الأخذ بالمجمع عليه لأنّه لا ريب فيه، و وجوب طرح الشاذّ الّذي فيه الريب بقوله(عليه السلام):

«إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ إلى اللّه».

و ظاهر أنّ المجمع عليه مندرج في الأمر البيّن رشده، فينتظم بذلك قياس آخر صورته:

«أنّ المجمع عليه أمر بيّن رشده، و كلّ أمر بيّن رشده يجب اتّباعه».

و لا ريب أنّ كون المجمع عليه من الأمر البيّن رشده لا جهة له إلّا ما تقدّم من أنّه لا يجري فيه من الريب ما يجري في الشاذّ، و قضيّة ذلك أن يكون مناط بيّنيّة الأمر أن لا يجري فيه ما يجري في غيره من الريب و الاحتمال، و قرينة المقابلة بينه و بين الأمر البيّن


صفحه 630

..........

غيّة قاضية بأن يكون مناط بيّنيّة غيّة جريان ما لا يجري في المجمع عليه من الريب و الاحتمال فيه.

و قد ظهر من طريق البيان المذكور كون الخبر الشاذّ مندرجا في البيّن غيّة وفاقا لبعض الأعلام، و خلافا للأخباريّين فزعموا دخوله في الأمر المشكل الّذي هو من قسم الشبهات المذكورة في كلام رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لذا تمسّكوا لقولهم بوجوب الاحتياط و التوقّف بذلك الحديث المعبّر عنه بحديث التثليث.

و يظهر الإذعان به من بعض مشايخنا أيضا، و الأقوى هو الأوّل لامور:

منها: ما عرفت من قضاء القرينة المقابلة بذلك بعد توجيه تبيّن الغيّ بوجود ريب فيه غير موجود في مقابله.

و منها: قوله(عليه السلام): «و يترك الشاذّ» إلى آخره، و قوله الآخر: «فيجتنب»، المفيد بظاهره لوجوب طرح الخبر الشاذّ، كما هو حكم الترجيح أيضا في جميع مراتبه، و هذا لا يلائم قوله(عليه السلام): «يردّ إلى اللّه» في حكم الأمر المشكل المفيد لوجوب الوقف المغاير للطرح، فتأمّل.

و منها: أنّه لو لا دخوله في القسم الثاني لزم من دخوله في القسم الثالث كون الترجيح و الأخذ بالمرجّحات مستحبّا، لأنّه حكم الشبهات الّتي يندرج فيها الأمر المشكل على ما حقّقناه في محلّه من العمل بأصل البراءة في الشبهات وجوبيّة و تحريميّة و عدم وجوب الاحتياط فيها، بل هو مستحبّ حملا للأمر بالاجتناب عليه، و اللازم باطل كما تقدّم تحقيقه في ردّ السيّد الصدر القائل باستحباب الترجيح.

و من الأعلام من استدلّ في إلزام الأخباريّين على بطلان زعمهم بمثل ذلك، إلّا أنّه قرّر الملازمة على نهج آخر و هو- على ما استفدناه من عبارته مع ما فيها من الغلق و الإجمال-: أنّ كون الخبر الشاذّ من الأمر المشكل المندرج في الشبهات يقضي بكون المجمع عليه أيضا كالخبر الشاذّ من المشتبه، لأنّ الاشتباه أمر نسبي يقتضي في نحو المقام طرفين، فإذا كان أحد طرفيه الخبر الشاذّ كان طرفه الآخر الخبر المجمع عليه.

و لا ريب أنّ مرجع الاشتباه في المجمع عليه- على تقدير تسليمه- إلى الشبهة الوجوبيّة، لدوران الأمر فيهما بين وجوب العمل بالمجمع عليه بعينه و جواز العمل به و بالخبر الشاذّ، و بناؤهم في الشبهات الوجوبيّة على البراءة و استحباب الاحتياط، و يلزم منه استحباب الترجيح بالشهرة بل و بغيرها من المرجّحات، لكون المقبولة المتكفّلة لبيان المرجّحات في


صفحه 631

..........

سياق واحد و هم لا يقولون به.

أقول: يمكن لهم الذبّ عن ذلك بمنع الملازمة المذكورة، لأنّ الشبهة الوجوبيّة الّتي نحن نقول فيها بالبراءة ما لو كان من باب الشكّ في التكليف الابتدائي، و الشبهة في مسألة دوران الوجوب- بعد ثبوته يقينا- بين التعيين و التخيير راجعة إلى الشكّ في المكلّف به، إذ لا يدرى أنّ الواجب هو العمل بأحد الأمرين على التعيين أو العمل بكلّ واحد على البدل؟

على أنّ التعيين و التخيير من منوّعات الواجب لا الوجوب، و لذا يقال: «الواجب التعييني» و «الواجب التخييري» و لو فرض لحوقهما في بعض الأحيان الوجوب فهو من باب وصف الشيء بحال متعلّقه، و نحن في الشبهات الوجوبيّة الراجعة إلى المكلّف به قائلون بوجوب الاحتياط عاملون بقاعدة الاشتغال لا أصالة البراءة.

فالحاصل: أنّ الأخباريّين يمكن لهم التفصّي عن الإلزام المذكور بالملازمة[1]المذكورة فالوجه في الملازمة هو ما ذكرناه، غير أنّها دليل إقناعيّ لا يفي بإلزامهم، إلّا أنّ الأمر في ذلك سهل، حيث لم نقف لهم على وجه يعتمد عليه، و لعلّهم حملوا تبيّن الغيّ على صورة العلم.

و يزيّفه: أنّه ليس على حقيقته كما أنّ البيّن رشده أيضا كذلك.

أو أنّ إطلاقهما على المجمع عليه و الخبر الشاذّ مبنيّ على ضرب من الاستعارة و التشبيه باعتبار المشابهة في الحكم من حيث وجوب الاتّباع و وجوب الاجتناب و إلّا يلغو الاستشهاد، لعدم العلم برشد الأوّل أعني صوابه، و لا بغيّ الثاني و هو خلاف الصواب.

و ربّما يستشكل في الرواية بأنّ قضيّة الترتيب الذكري بين الشهرة و بين ما تقدّم من صفات الراوي اعتبار الترتيب بينهما في الحكم، فيقدّم رواية الأعدل أو الأفقه أو الأورع أو الأصدق و لو كان شاذّا على المجمع عليه، لتقدّم مرتبة الأعدليّة و أخواتها في الترجيح على الشهرة، فلو كان خبران أحدهما مجمع عليه و الآخر شاذّ و لكن رواية عن الإمام أعدل أو أفقه مثلا من راوي الأوّل المجمع عليه عنه[2]وجب الأخذ به دون المجمع عليه، عملا بظاهر الرواية المفيدة لاعتبار الترتيب، و هذا يشبه بكونه خلاف الإجماع من جهة جريان سيرة العلماء بالعمل بالخبر المشهور دون غيره و إن كان راويه أعدل من راوي المشهور.

[1]و الأوفق بسياق العبارة أن يقال: «إنّ الأخباريّين يمكن لهم التفصّي عن الإلزام المذكور بمنع الملازمة المذكورة، فالوجه في منع الملازمة هو ما ذكرناه ...» و اللّه العالم.

[2]عطف على قوله: «و لعلّهم حملوا تبيّن الغيّ على صورة العلم»، فافهم و تأمّل.


صفحه 632

..........

و أمّا ما قد يسبق إلى الوهم من أنّ هذا الفرض ممّا لا يكاد يتحقّق، بناء على ما تقدّم من تفسير المجمع عليه باتّفاق أصحاب الحديث على نقله و روايته و تفسير الخبر الشاذّ باختصاص نقله و روايته ببعض هؤلاء، فإنّ راوي الشاذّ على هذا التقدير قد روى المجمع عليه أيضا لأنّه من جملة نقلته، فلا يصحّ وقوع أفعل التفضيل عليه باعتبار روايته للخبر الشاذّ لا باعتبار روايته للخبر المجمع عليه.

فيدفعه: ما نبّهنا عليه عند تفسير النوعين من أنّ المجمع عليه ما اتّفق جميع الأصحاب على نقله من الراوي من الإمام و الخبر الشاذّ ما اختصّ نقله من الراوي بواحد، فالراوي في كلّ منهما من الإمام واحد لا أنّه في أحدهما جميع الأصحاب، و لذا قال السائل عند فرض التساوي بينهما من جهة الصفات الأربع: «فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا» مع أنّه لو لا ذلك لكان الخبر المجمع عليه في كثير من أفراده من المتواتر بل ممّا فوق التواتر في كثرة المخبرين و في جملة اخرى من المستفيض و ما يقرب من التواتر.

و على التقديرين بل التقادير يخرج عن التعارض و لو لمزيّة كثرة الرواة و استفاضته.

و بالجملة فضابط الخبر المجمع عليه ليس هو كثرة الرواة من الإمام و لا الاتّفاق على روايته من الإمام، بل الراوي فيه من الإمام واحد كما أنّه في الخبر الشاذّ واحد، فهذان الراويان قد ينظر فيهما من حيث العدالة، و قد ينظر فيهما من حيث الفقاهة، و قد ينظر فيهما من حيث الصدق، و قد ينظر فيهما من حيث الورع، فإن كان أحدهما أعدل من الآخر أو أفقه أو أصدق أو أورع على سبيل منع الخلوّ يقدّم روايته على رواية صاحبه مطلقا، و إن كان الأوّل من الشاذّ و الثاني من المجمع عليه، و هذا هو محلّ الإشكال بالنظر إلى مقتضى المقبولة من تأخّر رتبة الترجيح بالشهرة من الترجيح بالأعدليّة و أخواتها الّتي هي من صفات الراوي المعبّر عنها بالمرجّحات السنديّة.

و أمّا ما قد يقال في التفصّي عن الإشكال- من عدم كون غرض الإمام(عليه السلام)حصر المرجّحات فيما ذكره، و لا استيفاء جميعها و استقصائها، و لا بيان كيفيّة الترجيح بها، و إنّما ذكر الامور المذكورة في المقبولة من باب المثال، قصدا إلى بيان أنّ الأعدليّة ممّا يصلح للمرجّحية و كذلك الأفقهيّة و الأصدقيّة و الأورعيّة، و أنّ الشهرة أيضا تصلح للمرجّحية، فلم يتعلّق غرضه بأزيد من ذلك كمّا و لا كيفا، فلا يستفاد منها اعتبار الترتيب حتّى ينافي الإجماع المذكور على تقديم الشهرة على المرجّحات الأربع المتقدّمة عليها في الذكر-


صفحه 633

..........

فممّا لا وقع له، إذ مبنى الإشكال المذكور على ظهور الترتيب الذكري في اعتبار الترتيب، بل هو ظاهر سياق السؤال و الجواب مع انضمام إطلاق الأمر بالأخذ بما رواه الأعدل و الأفقه و الأصدق و الأورع بالقياس إلى كون أحدهما مشهورا و الآخر شاذّا، و إلى كونهما مشهورين، فما ذكر في التفصّي إبداء احتمال مخالف للظاهر، فلا بدّ في تنزيل الرواية عليه من شاهد و لا يكفي فيه مجرّد الاحتمال.

و التحقيق في رفع الإشكال إمّا منع الإجمال المدّعى على العمل بالخبر المشهور دون غيره و إن كان راويه أعدل من راوي المشهور، أو تقييد معقده بعدم ظهور أعدليّة راوي غير المشهور لهم، على معنى إجماعهم على العمل بالخبر المشهور دون غيره و إن كان راويه أعدل في الواقع لا في نظرهم لعدم معرفتهم للأعدل من العادل و لا الأفقه من الفقيه.

و توضيح ذلك: أنّ العمل بالمرجّحات إن كان من باب الظنّ الخاصّ المقتضي للاقتصار على المنصوص و عدم التعدّي منه إلى غير المنصوص فنمنع إجماع العلماء على العمل بالخبر المشهور مطلقا و لو مع وجود رواية الأعدل أو الأفقه و نحوه، كيف و الأخباريّة منهم القائلة بالظنّ الخاصّ و عدم جواز التعدّي عن المرجّحات المنصوصة لا يقولون بهذه المقالة، بل اللازم من مذهبهم عدم الأخذ بالخبر المشهور ما دامت رواية الأعدل أو الأفقه موجودة.

و مع ذلك كيف يتحقّق الإجماع على تقديم المشهور مطلقا، إلّا أن يراد به إجماع من عدا الأخباريّة من أصحابنا المجتهدين.

و إن كان من باب الظنّ المطلق على معنى أنّ المرجّحات إنّما يؤخذ بها لأنّها تفيد الوثوق و الاطمئنان بصدق الخبر لا مطلقا كما عليه الأكثر و أصحابنا المجتهدين، فلا بدّ من تقييد معقد الإجماع المدّعى على تقديم الخبر المشهور على غيره مطلقا، بأن يقال: إنّ الترجيح بالشهرة ليس إلّا من جهة أنّ الشهرة تفيد الوثوق و الاطمئنان بصدق الخبر، و هذا كما ترى موجود في خبر الأعدل أو الأفقه أو الأصدق أو الأورع أيضا، فإنّ الأعدليّة و غيرها ربّما تفيد ظنّ الصدق و الوثوق به، بل نشاهد في فتاوى مجتهد أنّ إخبار عادل و فقيه بفتوى من فتاوى المجتهد عن سماع من المجتهد يفيد من الوثوق و الاطمئنان ما لا يفيده شهرة خلافه بين مقلّديه، فلم لا يجوز أن يكون نظر الإمام(عليه السلام)في تقديم الأعلميّة و الأفقهيّة و غيرها إلى هذه الجهة؟

و من البيّن أنّ الحال إذا كان هذه فيجب تقديم رواية الأعدل أو الأفقه على رواية