..........
غيّة قاضية بأن يكون مناط بيّنيّة غيّة جريان ما لا يجري في المجمع عليه من الريب و الاحتمال فيه.
و قد ظهر من طريق البيان المذكور كون الخبر الشاذّ مندرجا في البيّن غيّة وفاقا لبعض الأعلام، و خلافا للأخباريّين فزعموا دخوله في الأمر المشكل الّذي هو من قسم الشبهات المذكورة في كلام رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لذا تمسّكوا لقولهم بوجوب الاحتياط و التوقّف بذلك الحديث المعبّر عنه بحديث التثليث.
و يظهر الإذعان به من بعض مشايخنا أيضا، و الأقوى هو الأوّل لامور:
منها: ما عرفت من قضاء القرينة المقابلة بذلك بعد توجيه تبيّن الغيّ بوجود ريب فيه غير موجود في مقابله.
و منها: قوله(عليه السلام): «و يترك الشاذّ» إلى آخره، و قوله الآخر: «فيجتنب»، المفيد بظاهره لوجوب طرح الخبر الشاذّ، كما هو حكم الترجيح أيضا في جميع مراتبه، و هذا لا يلائم قوله(عليه السلام): «يردّ إلى اللّه» في حكم الأمر المشكل المفيد لوجوب الوقف المغاير للطرح، فتأمّل.
و منها: أنّه لو لا دخوله في القسم الثاني لزم من دخوله في القسم الثالث كون الترجيح و الأخذ بالمرجّحات مستحبّا، لأنّه حكم الشبهات الّتي يندرج فيها الأمر المشكل على ما حقّقناه في محلّه من العمل بأصل البراءة في الشبهات وجوبيّة و تحريميّة و عدم وجوب الاحتياط فيها، بل هو مستحبّ حملا للأمر بالاجتناب عليه، و اللازم باطل كما تقدّم تحقيقه في ردّ السيّد الصدر القائل باستحباب الترجيح.
و من الأعلام من استدلّ في إلزام الأخباريّين على بطلان زعمهم بمثل ذلك، إلّا أنّه قرّر الملازمة على نهج آخر و هو- على ما استفدناه من عبارته مع ما فيها من الغلق و الإجمال-: أنّ كون الخبر الشاذّ من الأمر المشكل المندرج في الشبهات يقضي بكون المجمع عليه أيضا كالخبر الشاذّ من المشتبه، لأنّ الاشتباه أمر نسبي يقتضي في نحو المقام طرفين، فإذا كان أحد طرفيه الخبر الشاذّ كان طرفه الآخر الخبر المجمع عليه.
و لا ريب أنّ مرجع الاشتباه في المجمع عليه- على تقدير تسليمه- إلى الشبهة الوجوبيّة، لدوران الأمر فيهما بين وجوب العمل بالمجمع عليه بعينه و جواز العمل به و بالخبر الشاذّ، و بناؤهم في الشبهات الوجوبيّة على البراءة و استحباب الاحتياط، و يلزم منه استحباب الترجيح بالشهرة بل و بغيرها من المرجّحات، لكون المقبولة المتكفّلة لبيان المرجّحات في
..........
سياق واحد و هم لا يقولون به.
أقول: يمكن لهم الذبّ عن ذلك بمنع الملازمة المذكورة، لأنّ الشبهة الوجوبيّة الّتي نحن نقول فيها بالبراءة ما لو كان من باب الشكّ في التكليف الابتدائي، و الشبهة في مسألة دوران الوجوب- بعد ثبوته يقينا- بين التعيين و التخيير راجعة إلى الشكّ في المكلّف به، إذ لا يدرى أنّ الواجب هو العمل بأحد الأمرين على التعيين أو العمل بكلّ واحد على البدل؟
على أنّ التعيين و التخيير من منوّعات الواجب لا الوجوب، و لذا يقال: «الواجب التعييني» و «الواجب التخييري» و لو فرض لحوقهما في بعض الأحيان الوجوب فهو من باب وصف الشيء بحال متعلّقه، و نحن في الشبهات الوجوبيّة الراجعة إلى المكلّف به قائلون بوجوب الاحتياط عاملون بقاعدة الاشتغال لا أصالة البراءة.
فالحاصل: أنّ الأخباريّين يمكن لهم التفصّي عن الإلزام المذكور بالملازمة[1]المذكورة فالوجه في الملازمة هو ما ذكرناه، غير أنّها دليل إقناعيّ لا يفي بإلزامهم، إلّا أنّ الأمر في ذلك سهل، حيث لم نقف لهم على وجه يعتمد عليه، و لعلّهم حملوا تبيّن الغيّ على صورة العلم.
و يزيّفه: أنّه ليس على حقيقته كما أنّ البيّن رشده أيضا كذلك.
أو أنّ إطلاقهما على المجمع عليه و الخبر الشاذّ مبنيّ على ضرب من الاستعارة و التشبيه باعتبار المشابهة في الحكم من حيث وجوب الاتّباع و وجوب الاجتناب و إلّا يلغو الاستشهاد، لعدم العلم برشد الأوّل أعني صوابه، و لا بغيّ الثاني و هو خلاف الصواب.
و ربّما يستشكل في الرواية بأنّ قضيّة الترتيب الذكري بين الشهرة و بين ما تقدّم من صفات الراوي اعتبار الترتيب بينهما في الحكم، فيقدّم رواية الأعدل أو الأفقه أو الأورع أو الأصدق و لو كان شاذّا على المجمع عليه، لتقدّم مرتبة الأعدليّة و أخواتها في الترجيح على الشهرة، فلو كان خبران أحدهما مجمع عليه و الآخر شاذّ و لكن رواية عن الإمام أعدل أو أفقه مثلا من راوي الأوّل المجمع عليه عنه[2]وجب الأخذ به دون المجمع عليه، عملا بظاهر الرواية المفيدة لاعتبار الترتيب، و هذا يشبه بكونه خلاف الإجماع من جهة جريان سيرة العلماء بالعمل بالخبر المشهور دون غيره و إن كان راويه أعدل من راوي المشهور.
[1]و الأوفق بسياق العبارة أن يقال: «إنّ الأخباريّين يمكن لهم التفصّي عن الإلزام المذكور بمنع الملازمة المذكورة، فالوجه في منع الملازمة هو ما ذكرناه ...» و اللّه العالم.
[2]عطف على قوله: «و لعلّهم حملوا تبيّن الغيّ على صورة العلم»، فافهم و تأمّل.
..........
و أمّا ما قد يسبق إلى الوهم من أنّ هذا الفرض ممّا لا يكاد يتحقّق، بناء على ما تقدّم من تفسير المجمع عليه باتّفاق أصحاب الحديث على نقله و روايته و تفسير الخبر الشاذّ باختصاص نقله و روايته ببعض هؤلاء، فإنّ راوي الشاذّ على هذا التقدير قد روى المجمع عليه أيضا لأنّه من جملة نقلته، فلا يصحّ وقوع أفعل التفضيل عليه باعتبار روايته للخبر الشاذّ لا باعتبار روايته للخبر المجمع عليه.
فيدفعه: ما نبّهنا عليه عند تفسير النوعين من أنّ المجمع عليه ما اتّفق جميع الأصحاب على نقله من الراوي من الإمام و الخبر الشاذّ ما اختصّ نقله من الراوي بواحد، فالراوي في كلّ منهما من الإمام واحد لا أنّه في أحدهما جميع الأصحاب، و لذا قال السائل عند فرض التساوي بينهما من جهة الصفات الأربع: «فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا» مع أنّه لو لا ذلك لكان الخبر المجمع عليه في كثير من أفراده من المتواتر بل ممّا فوق التواتر في كثرة المخبرين و في جملة اخرى من المستفيض و ما يقرب من التواتر.
و على التقديرين بل التقادير يخرج عن التعارض و لو لمزيّة كثرة الرواة و استفاضته.
و بالجملة فضابط الخبر المجمع عليه ليس هو كثرة الرواة من الإمام و لا الاتّفاق على روايته من الإمام، بل الراوي فيه من الإمام واحد كما أنّه في الخبر الشاذّ واحد، فهذان الراويان قد ينظر فيهما من حيث العدالة، و قد ينظر فيهما من حيث الفقاهة، و قد ينظر فيهما من حيث الصدق، و قد ينظر فيهما من حيث الورع، فإن كان أحدهما أعدل من الآخر أو أفقه أو أصدق أو أورع على سبيل منع الخلوّ يقدّم روايته على رواية صاحبه مطلقا، و إن كان الأوّل من الشاذّ و الثاني من المجمع عليه، و هذا هو محلّ الإشكال بالنظر إلى مقتضى المقبولة من تأخّر رتبة الترجيح بالشهرة من الترجيح بالأعدليّة و أخواتها الّتي هي من صفات الراوي المعبّر عنها بالمرجّحات السنديّة.
و أمّا ما قد يقال في التفصّي عن الإشكال- من عدم كون غرض الإمام(عليه السلام)حصر المرجّحات فيما ذكره، و لا استيفاء جميعها و استقصائها، و لا بيان كيفيّة الترجيح بها، و إنّما ذكر الامور المذكورة في المقبولة من باب المثال، قصدا إلى بيان أنّ الأعدليّة ممّا يصلح للمرجّحية و كذلك الأفقهيّة و الأصدقيّة و الأورعيّة، و أنّ الشهرة أيضا تصلح للمرجّحية، فلم يتعلّق غرضه بأزيد من ذلك كمّا و لا كيفا، فلا يستفاد منها اعتبار الترتيب حتّى ينافي الإجماع المذكور على تقديم الشهرة على المرجّحات الأربع المتقدّمة عليها في الذكر-
..........
فممّا لا وقع له، إذ مبنى الإشكال المذكور على ظهور الترتيب الذكري في اعتبار الترتيب، بل هو ظاهر سياق السؤال و الجواب مع انضمام إطلاق الأمر بالأخذ بما رواه الأعدل و الأفقه و الأصدق و الأورع بالقياس إلى كون أحدهما مشهورا و الآخر شاذّا، و إلى كونهما مشهورين، فما ذكر في التفصّي إبداء احتمال مخالف للظاهر، فلا بدّ في تنزيل الرواية عليه من شاهد و لا يكفي فيه مجرّد الاحتمال.
و التحقيق في رفع الإشكال إمّا منع الإجمال المدّعى على العمل بالخبر المشهور دون غيره و إن كان راويه أعدل من راوي المشهور، أو تقييد معقده بعدم ظهور أعدليّة راوي غير المشهور لهم، على معنى إجماعهم على العمل بالخبر المشهور دون غيره و إن كان راويه أعدل في الواقع لا في نظرهم لعدم معرفتهم للأعدل من العادل و لا الأفقه من الفقيه.
و توضيح ذلك: أنّ العمل بالمرجّحات إن كان من باب الظنّ الخاصّ المقتضي للاقتصار على المنصوص و عدم التعدّي منه إلى غير المنصوص فنمنع إجماع العلماء على العمل بالخبر المشهور مطلقا و لو مع وجود رواية الأعدل أو الأفقه و نحوه، كيف و الأخباريّة منهم القائلة بالظنّ الخاصّ و عدم جواز التعدّي عن المرجّحات المنصوصة لا يقولون بهذه المقالة، بل اللازم من مذهبهم عدم الأخذ بالخبر المشهور ما دامت رواية الأعدل أو الأفقه موجودة.
و مع ذلك كيف يتحقّق الإجماع على تقديم المشهور مطلقا، إلّا أن يراد به إجماع من عدا الأخباريّة من أصحابنا المجتهدين.
و إن كان من باب الظنّ المطلق على معنى أنّ المرجّحات إنّما يؤخذ بها لأنّها تفيد الوثوق و الاطمئنان بصدق الخبر لا مطلقا كما عليه الأكثر و أصحابنا المجتهدين، فلا بدّ من تقييد معقد الإجماع المدّعى على تقديم الخبر المشهور على غيره مطلقا، بأن يقال: إنّ الترجيح بالشهرة ليس إلّا من جهة أنّ الشهرة تفيد الوثوق و الاطمئنان بصدق الخبر، و هذا كما ترى موجود في خبر الأعدل أو الأفقه أو الأصدق أو الأورع أيضا، فإنّ الأعدليّة و غيرها ربّما تفيد ظنّ الصدق و الوثوق به، بل نشاهد في فتاوى مجتهد أنّ إخبار عادل و فقيه بفتوى من فتاوى المجتهد عن سماع من المجتهد يفيد من الوثوق و الاطمئنان ما لا يفيده شهرة خلافه بين مقلّديه، فلم لا يجوز أن يكون نظر الإمام(عليه السلام)في تقديم الأعلميّة و الأفقهيّة و غيرها إلى هذه الجهة؟
و من البيّن أنّ الحال إذا كان هذه فيجب تقديم رواية الأعدل أو الأفقه على رواية
..........
غيره و إن كانت مشهورة بين الأصحاب، لكون الوثوق و الاطمئنان بالصدق في جانب الأعدل و الأفقه، و لكنّه فرع على التميّز و معرفة الموضوع و إحراز الأعلميّة و الأفقهيّة و الأصدقيّة و الأورعيّة، و هذا أمر صار في غير زمان الأئمّة(عليهم السلام)و لا سيّما أزماننا هذه من المشكلات من جهة بعد العهد و عدم ملاقاة الرواة و عدم الاطّلاع على مراتبهم في العدالة و العلم و الفقاهة و نحوها، فصار معرفة أنّ هذا الراوي في العدالة أو الفقاهة كان بتلك المنزلة و إنّ غيره لم يكن بتلك المنزلة في غاية العسر و الصعوبة، بل ربّما كان متعذّرا، فلأجل ذلك جرى ديدن العلماء بالعمل بالخبر المشهور و ترك الشاذّ الغير المشهور، فإنّه ليس من جهة بنائهم على أنّ الخبر الشاذّ لا يعمل به و إن كان راويه أعدل و الوثوق به أكثر، بل من جهة أنّه لم يظهر لهم الأعدليّة الموجبة لزيادة الوثوق، بخلاف عصر الأئمّة(عليهم السلام)فإنّ الأصحاب ثمّة كانوا يعرفون العادل من الفاسق و الأعدل من العادل و الأفقه من الفقيه، و لذا كان الإمام(عليه السلام)يأمرهم بالأخذ بخبر الأعدل و الأفقه و نحوه ثمّ بالأخذ بالمشهور مع التساوي في العدالة و الفقاهة و غيرها.
ثمّ قال: «قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم» و هذا شاهد قويّ بل دليل قطعي على أنّ المراد بالشهرة في الخبر المشهور المجمع عليه هو الشهرة في الرواية، على معنى اتّفاق أصحاب الحديث على نقله من الراوي لا الشهرة في الرواية و العمل معا، و لا الشهرة في العمل فقط، و لا الشهرة في الفتوى و هي اتّفاقهم على الفتوى بما وافق مدلول الخبر من دون أن يستندوا فيها إليه و لا روايتهم إيّاه.
أمّا الأخير فواضح، و أمّا الثاني و الثالث فلأنّ الاتّفاق على العمل بالمتنافيين غير معقول، بخلاف اتّفاقهم على نقل المتعارضين و ذكرهما في كتب الحديث أو الفقه، فإنّه ممّا لا استحالة فيه بل و لا بعد فيه بل هو واقع كثيرا.
قوله(عليه السلام): «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة» و في هذا أيضا شهادة بعدم كون نظر الإمام(عليه السلام)في الترجيح مقصورا على ما يذكر من المرجّحات، و أنّ ما ذكره إنّما هو من باب المثال لا من جهة الحصر، و إلّا فقضيّة ظاهر «واو» الجمع مدخليّة الانضمام بين الثلاثة في المرجّحية و الترجيح بها، و هو خلاف الإجماع على كون كلّ من موافقة الكتاب و موافقة السنّة بانفراده مرجّحا من دون حاجة إلى انضمام الآخر إليه، نظرا إلى أنّ المراد بالسنّة هي
..........
السنّة النبويّة القطعيّة قولا أو فعلا أو تقريرا، مع أنّ كون كلّ منهما دليلا مستقلّا و حجّة برأسها ممّا يقتضي كون موافقة كلّ بانفراده مرجّحا بل بطريق أولى، فلا جهة لجعل المجموع مرجّحا إلّا إرادة المثال.
ثمّ الموافقة للكتاب و السنّة قد تكون حقيقيّة، و قد تكون حكميّة، و الحقيقيّة قد تكون كلّية و يعبّر عنها بالتباين الكلّي، و قد تكون جزئيّة و يعبّر عنها بالتباين الجزئي.
أمّا الاولى: فهي أن يكون الخبر الموافق متّحد الحكم مع الكتاب و السنّة مع كونه متّحد الموضوع معهما، بأن يكون موضوعه عين موضوعهما.
و أمّا الثانية: فهي أن يكون متّحد الحكم معهما مع كونه متّحد الموضوع معهما باعتبار اندراج موضوعه في موضوعهما.
و أمّا الثالثة: فهي أن لا يتّحد الخبر الموافق معهما موضوعا و لا حكما، بل كان بينه و بينهما مناسبة ما من حيث عدم الحرج على الترك أو الفعل.
و يعلم جريان هذه الأقسام في المخالفة للكتاب و السنّة بالمقايسة، فقد تكون حقيقيّة كلّيّة، و قد تكون حقيقيّة جزئيّة، و قد تكون حكميّة.
أمّا القسم: الأوّل فلم نجد له مثالا، إذ لم يوجد في الأخبار ما خالف الكتاب و السنّة بالتباين الكلّي و كان مع ذلك مشهورا مجمعا عليه.
و أمّا القسم الثاني: فهو ما اختلف حكمه مع حكم الكتاب و السنّة مع اتّحاد موضوعه لموضوعهما باعتبار اندراجه فيه، و مثاله: الخبر الدالّ على نجاسة الحديد مثلا مع الخبر الدالّ على طهارته قبالا لقوله تعالى: وخَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، فإنّ مخالفة الأوّل و موافقة الثاني له حقيقيّة مع كونها جزئيّة باعتبار كون الحديد مندرجا فيما خلق في الأرض.
و مثال الثالث: الخبر الدالّ على وجوب غسل الجمعة أو على حرمة شرب التتن مع الخبر الدالّ على الاستحباب أو على الإباحة قبالا لما دلّ من عموم الكتاب كقوله تعالى:لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰاأو السنّة كقوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن أمّتي تسعة- منها:
ما لا يعلمون» على أنّ كلّما لم يعلم حكمه بالخصوص يبنى فيه على البراءة و عدم التكليف، فإنّ موضوعه ما لم يعلم حكمه بالخصوص و حكمه الإباحة من حيث إنّها حكم ظاهري مجعول للمكلّف الجاهل، و موضوع الخبرين الواقعة من حيث هي، و الحكم المستفاد من كلّ منهما حكم واقعي مجعول للمكلّف العالم.
..........
و لا ريب أنّ إطلاق الموافقة و المخالفة على مثل ذلك مسامحة في التعبير و إطلاق مجازي، إذ مع تعدّد الموضوع بكونه ما لم يعلم حكمه بالخصوص في الكتاب و السنّة و الواقعة الخاصّة من حيث هي في الخبرين و تغاير الحكم من حيث الظاهريّة و الواقعيّة لا موافقة و لا مخالفة حقيقيّة، فهذا القسم لا يندرج في إطلاق قوله: «فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة» مع أنّ هذا يرجع إلى موافقة الأصل و مخالفته و يدخل في عنوان المقرّر و الناقل، و للكلام في كون موافقة الأصل مرجّحة و عدمها و في تقديم المقرّر أو الناقل محلّ آخر يأتي.
و ينبغي القطع أيضا بخروج القسم الأوّل عن عنوان الترجيح بموافقة الكتاب و السنّة، و عن إطلاق قوله: «فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة» إلى آخره، و إن كانت المخالفة في الخبر المخالف حقيقيّة، لأنّه- مع عدم وجود مثال له- بمخالفته الكلّيّة خرج عن الحجّية و سقط عن الاعتبار، إذ على تقدير بناء العمل عليه لا جهة لصحّته إلّا النسخ و هو على ما حقّق في محلّه غير سائغ، لكونه من نسخ الكتاب و السنّة القطعيّة بخبر الواحد، مع أنّه من الأخبار الإماميّة- كما هو مورد المقبولة- و هو جهة اخرى لمنع كونه ناسخا لحكم الكتاب و السنّة النبويّة.
و بهذا كلّه يخرج المقام عن عنوان تعارض الدليلين، فانحصر مورد الترجيح بالموافقة و المخالفة للكتاب و السنّة في القسم الثاني، و هو الظاهر أيضا من إطلاق قوله: «فما وافق و ما خالف».
ثمّ إنّ الخبرين المشهورين قد يتساويان و يتشاركان في الموافقة أو المخالفة للكتاب و السنّة، بأن يكونا معا موافقين لهما أو مخالفين لهما و مع ذلك كان أحدهما مخالفا للعامّة و الآخر موافقا لهم، فتعرّض الراوي للسؤال عن حكمه إلّا أنّه خصّ صورة موافقتهما الكتاب و السنّة بالذكر، حيث قال: «قلت: جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة، و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟» و مثاله: ما لو ورد خبران في بيع المكره أو البيع الفضولي أحدهما دالّ على الصحّة و هو موافق لقوله تعالى:أَوْفُوا بِالْعُقُودِوأَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَو الآخر على البطلان و هو موافق لقوله تعالى:لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍو كان بناء العامّة على الصحّة أو البطلان.
..........
قوله: «ما خالف العامّة ففيه الرشاد» أمر بالأخذ بما خالف العامّة تعليلا بأنّ فيه الرشاد، و فيه أيضا شاهد بأنّ المناط في مقام الترجيح الأخذ بما هو أصوب و أقرب إلى الواقع، لأنّ الرشاد هو الصواب فدلّ على أنّ الواجب هو الأخذ بكلّ ما أوجب في الخبر كونه رشادا و صوابا.
و عن المحدّث الكاشاني أنّه أورد في المقام في تقديمهم ما خالف العامّة بأنّ ذلك أخذ بمرجّح و طرح لمرجّح آخر و هو موافقة الكتاب، لأنّ أحد الخبرين المخالف للعامّة مخالف للعامّ الكتابي فالأخذ به و طرح الآخر أخذ بما خالف الكتاب و طرح لما وافقه.
و لكن يدفعه أوّلا: أنّ الخبر المخالف للعامّة كما أنّه مخالف لعامّ كتابي كذلك موافق لعامّ كتابي آخر، فالأخذ به أخذ بما وافق الكتاب أيضا، فهو جمع بين مرجّحين، لا أنّه أخذ بمرجّح و طرح بمرجّح آخر كما لا يخفى.
و ثانيا: أنّ تخصيص العامّ الكتابي بخبر الواحد جائز فلا بدّ من تخصيص أحد العامّين، و المانع من أخذ أحد الخبرين مخصّصا له دون آخر في محلّ التعارض إنّما هو الاشتغال بالتعارض، و إذا ارتفع هذا المانع بتقديم ما خالف العامّة بقي [الآخر] سليما عن المعارض فيخصّص به العامّ المخالف له، و هو الّذي دلّ بعمومه على الصحّة في بيع المكره مثلا أو الفساد في الفضولي في المثال المفروض، فلا مخالفة فيه بعد إعمال التخصيص للكتاب، فلا يبقى للكتاب مقتضى يوافقه ما يوافق العامّة حتّى يلزم من تقديم مخالفة العامّة طرح موافقة الكتاب.
و بالجملة الأمر دائر بين طرح مرجّح رأسا و هو مخالفة العامّة و الأخذ بذلك المرجّح الموجب لانتفاء موضوع مرجّح آخر، و لا ريب أنّه لا يلزم من ذلك طرح ذلك المرجّح الآخر لكون السالبة بانتفاء الموضوع، نظير تقديم الخاصّ على العامّ و الدليل الاجتهادي على الأصل، فإنّه لو قدّمنا العامّ أو الأصل لزم طرح الخاصّ و الدليل الاجتهادي المفروض وجود مقتضى الحجّية فيهما، بخلاف ما لو قدّمنا الخاصّ و الدليل الاجتهادي فلا يلزم طرح، إذ بتقديمهما ينتفي المقتضي لحجّية العامّ و موضوع الأصل.
أمّا الأوّل: فلأنّ حجّية العامّ إنّما هو من جهة أصالة الحقيقة المبنيّة على فقد القرينة، و الخاصّ يصلح قرينة، فيبقى العمل بالعامّ بلا مقتضى له.
و أمّا الثاني: فلأنّ موضوع الأصل إنّما هو الشكّ أو أنّ العمل به منوط بفقد الدليل