بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 633

..........

فممّا لا وقع له، إذ مبنى الإشكال المذكور على ظهور الترتيب الذكري في اعتبار الترتيب، بل هو ظاهر سياق السؤال و الجواب مع انضمام إطلاق الأمر بالأخذ بما رواه الأعدل و الأفقه و الأصدق و الأورع بالقياس إلى كون أحدهما مشهورا و الآخر شاذّا، و إلى كونهما مشهورين، فما ذكر في التفصّي إبداء احتمال مخالف للظاهر، فلا بدّ في تنزيل الرواية عليه من شاهد و لا يكفي فيه مجرّد الاحتمال.

و التحقيق في رفع الإشكال إمّا منع الإجمال المدّعى على العمل بالخبر المشهور دون غيره و إن كان راويه أعدل من راوي المشهور، أو تقييد معقده بعدم ظهور أعدليّة راوي غير المشهور لهم، على معنى إجماعهم على العمل بالخبر المشهور دون غيره و إن كان راويه أعدل في الواقع لا في نظرهم لعدم معرفتهم للأعدل من العادل و لا الأفقه من الفقيه.

و توضيح ذلك: أنّ العمل بالمرجّحات إن كان من باب الظنّ الخاصّ المقتضي للاقتصار على المنصوص و عدم التعدّي منه إلى غير المنصوص فنمنع إجماع العلماء على العمل بالخبر المشهور مطلقا و لو مع وجود رواية الأعدل أو الأفقه و نحوه، كيف و الأخباريّة منهم القائلة بالظنّ الخاصّ و عدم جواز التعدّي عن المرجّحات المنصوصة لا يقولون بهذه المقالة، بل اللازم من مذهبهم عدم الأخذ بالخبر المشهور ما دامت رواية الأعدل أو الأفقه موجودة.

و مع ذلك كيف يتحقّق الإجماع على تقديم المشهور مطلقا، إلّا أن يراد به إجماع من عدا الأخباريّة من أصحابنا المجتهدين.

و إن كان من باب الظنّ المطلق على معنى أنّ المرجّحات إنّما يؤخذ بها لأنّها تفيد الوثوق و الاطمئنان بصدق الخبر لا مطلقا كما عليه الأكثر و أصحابنا المجتهدين، فلا بدّ من تقييد معقد الإجماع المدّعى على تقديم الخبر المشهور على غيره مطلقا، بأن يقال: إنّ الترجيح بالشهرة ليس إلّا من جهة أنّ الشهرة تفيد الوثوق و الاطمئنان بصدق الخبر، و هذا كما ترى موجود في خبر الأعدل أو الأفقه أو الأصدق أو الأورع أيضا، فإنّ الأعدليّة و غيرها ربّما تفيد ظنّ الصدق و الوثوق به، بل نشاهد في فتاوى مجتهد أنّ إخبار عادل و فقيه بفتوى من فتاوى المجتهد عن سماع من المجتهد يفيد من الوثوق و الاطمئنان ما لا يفيده شهرة خلافه بين مقلّديه، فلم لا يجوز أن يكون نظر الإمام(عليه السلام)في تقديم الأعلميّة و الأفقهيّة و غيرها إلى هذه الجهة؟

و من البيّن أنّ الحال إذا كان هذه فيجب تقديم رواية الأعدل أو الأفقه على رواية


صفحه 634

..........

غيره و إن كانت مشهورة بين الأصحاب، لكون الوثوق و الاطمئنان بالصدق في جانب الأعدل و الأفقه، و لكنّه فرع على التميّز و معرفة الموضوع و إحراز الأعلميّة و الأفقهيّة و الأصدقيّة و الأورعيّة، و هذا أمر صار في غير زمان الأئمّة(عليهم السلام)و لا سيّما أزماننا هذه من المشكلات من جهة بعد العهد و عدم ملاقاة الرواة و عدم الاطّلاع على مراتبهم في العدالة و العلم و الفقاهة و نحوها، فصار معرفة أنّ هذا الراوي في العدالة أو الفقاهة كان بتلك المنزلة و إنّ غيره لم يكن بتلك المنزلة في غاية العسر و الصعوبة، بل ربّما كان متعذّرا، فلأجل ذلك جرى ديدن العلماء بالعمل بالخبر المشهور و ترك الشاذّ الغير المشهور، فإنّه ليس من جهة بنائهم على أنّ الخبر الشاذّ لا يعمل به و إن كان راويه أعدل و الوثوق به أكثر، بل من جهة أنّه لم يظهر لهم الأعدليّة الموجبة لزيادة الوثوق، بخلاف عصر الأئمّة(عليهم السلام)فإنّ الأصحاب ثمّة كانوا يعرفون العادل من الفاسق و الأعدل من العادل و الأفقه من الفقيه، و لذا كان الإمام(عليه السلام)يأمرهم بالأخذ بخبر الأعدل و الأفقه و نحوه ثمّ بالأخذ بالمشهور مع التساوي في العدالة و الفقاهة و غيرها.

ثمّ قال: «قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم» و هذا شاهد قويّ بل دليل قطعي على أنّ المراد بالشهرة في الخبر المشهور المجمع عليه هو الشهرة في الرواية، على معنى اتّفاق أصحاب الحديث على نقله من الراوي لا الشهرة في الرواية و العمل معا، و لا الشهرة في العمل فقط، و لا الشهرة في الفتوى و هي اتّفاقهم على الفتوى بما وافق مدلول الخبر من دون أن يستندوا فيها إليه و لا روايتهم إيّاه.

أمّا الأخير فواضح، و أمّا الثاني و الثالث فلأنّ الاتّفاق على العمل بالمتنافيين غير معقول، بخلاف اتّفاقهم على نقل المتعارضين و ذكرهما في كتب الحديث أو الفقه، فإنّه ممّا لا استحالة فيه بل و لا بعد فيه بل هو واقع كثيرا.

قوله(عليه السلام): «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة» و في هذا أيضا شهادة بعدم كون نظر الإمام(عليه السلام)في الترجيح مقصورا على ما يذكر من المرجّحات، و أنّ ما ذكره إنّما هو من باب المثال لا من جهة الحصر، و إلّا فقضيّة ظاهر «واو» الجمع مدخليّة الانضمام بين الثلاثة في المرجّحية و الترجيح بها، و هو خلاف الإجماع على كون كلّ من موافقة الكتاب و موافقة السنّة بانفراده مرجّحا من دون حاجة إلى انضمام الآخر إليه، نظرا إلى أنّ المراد بالسنّة هي


صفحه 635

..........

السنّة النبويّة القطعيّة قولا أو فعلا أو تقريرا، مع أنّ كون كلّ منهما دليلا مستقلّا و حجّة برأسها ممّا يقتضي كون موافقة كلّ بانفراده مرجّحا بل بطريق أولى، فلا جهة لجعل المجموع مرجّحا إلّا إرادة المثال.

ثمّ الموافقة للكتاب و السنّة قد تكون حقيقيّة، و قد تكون حكميّة، و الحقيقيّة قد تكون كلّية و يعبّر عنها بالتباين الكلّي، و قد تكون جزئيّة و يعبّر عنها بالتباين الجزئي.

أمّا الاولى: فهي أن يكون الخبر الموافق متّحد الحكم مع الكتاب و السنّة مع كونه متّحد الموضوع معهما، بأن يكون موضوعه عين موضوعهما.

و أمّا الثانية: فهي أن يكون متّحد الحكم معهما مع كونه متّحد الموضوع معهما باعتبار اندراج موضوعه في موضوعهما.

و أمّا الثالثة: فهي أن لا يتّحد الخبر الموافق معهما موضوعا و لا حكما، بل كان بينه و بينهما مناسبة ما من حيث عدم الحرج على الترك أو الفعل.

و يعلم جريان هذه الأقسام في المخالفة للكتاب و السنّة بالمقايسة، فقد تكون حقيقيّة كلّيّة، و قد تكون حقيقيّة جزئيّة، و قد تكون حكميّة.

أمّا القسم: الأوّل فلم نجد له مثالا، إذ لم يوجد في الأخبار ما خالف الكتاب و السنّة بالتباين الكلّي و كان مع ذلك مشهورا مجمعا عليه.

و أمّا القسم الثاني: فهو ما اختلف حكمه مع حكم الكتاب و السنّة مع اتّحاد موضوعه لموضوعهما باعتبار اندراجه فيه، و مثاله: الخبر الدالّ على نجاسة الحديد مثلا مع الخبر الدالّ على طهارته قبالا لقوله تعالى: وخَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، فإنّ مخالفة الأوّل و موافقة الثاني له حقيقيّة مع كونها جزئيّة باعتبار كون الحديد مندرجا فيما خلق في الأرض.

و مثال الثالث: الخبر الدالّ على وجوب غسل الجمعة أو على حرمة شرب التتن مع الخبر الدالّ على الاستحباب أو على الإباحة قبالا لما دلّ من عموم الكتاب كقوله تعالى:لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰاأو السنّة كقوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن أمّتي تسعة- منها:

ما لا يعلمون» على أنّ كلّما لم يعلم حكمه بالخصوص يبنى فيه على البراءة و عدم التكليف، فإنّ موضوعه ما لم يعلم حكمه بالخصوص و حكمه الإباحة من حيث إنّها حكم ظاهري مجعول للمكلّف الجاهل، و موضوع الخبرين الواقعة من حيث هي، و الحكم المستفاد من كلّ منهما حكم واقعي مجعول للمكلّف العالم.


صفحه 636

..........

و لا ريب أنّ إطلاق الموافقة و المخالفة على مثل ذلك مسامحة في التعبير و إطلاق مجازي، إذ مع تعدّد الموضوع بكونه ما لم يعلم حكمه بالخصوص في الكتاب و السنّة و الواقعة الخاصّة من حيث هي في الخبرين و تغاير الحكم من حيث الظاهريّة و الواقعيّة لا موافقة و لا مخالفة حقيقيّة، فهذا القسم لا يندرج في إطلاق قوله: «فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة» مع أنّ هذا يرجع إلى موافقة الأصل و مخالفته و يدخل في عنوان المقرّر و الناقل، و للكلام في كون موافقة الأصل مرجّحة و عدمها و في تقديم المقرّر أو الناقل محلّ آخر يأتي.

و ينبغي القطع أيضا بخروج القسم الأوّل عن عنوان الترجيح بموافقة الكتاب و السنّة، و عن إطلاق قوله: «فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة» إلى آخره، و إن كانت المخالفة في الخبر المخالف حقيقيّة، لأنّه- مع عدم وجود مثال له- بمخالفته الكلّيّة خرج عن الحجّية و سقط عن الاعتبار، إذ على تقدير بناء العمل عليه لا جهة لصحّته إلّا النسخ و هو على ما حقّق في محلّه غير سائغ، لكونه من نسخ الكتاب و السنّة القطعيّة بخبر الواحد، مع أنّه من الأخبار الإماميّة- كما هو مورد المقبولة- و هو جهة اخرى لمنع كونه ناسخا لحكم الكتاب و السنّة النبويّة.

و بهذا كلّه يخرج المقام عن عنوان تعارض الدليلين، فانحصر مورد الترجيح بالموافقة و المخالفة للكتاب و السنّة في القسم الثاني، و هو الظاهر أيضا من إطلاق قوله: «فما وافق و ما خالف».

ثمّ إنّ الخبرين المشهورين قد يتساويان و يتشاركان في الموافقة أو المخالفة للكتاب و السنّة، بأن يكونا معا موافقين لهما أو مخالفين لهما و مع ذلك كان أحدهما مخالفا للعامّة و الآخر موافقا لهم، فتعرّض الراوي للسؤال عن حكمه إلّا أنّه خصّ صورة موافقتهما الكتاب و السنّة بالذكر، حيث قال: «قلت: جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة، و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟» و مثاله: ما لو ورد خبران في بيع المكره أو البيع الفضولي أحدهما دالّ على الصحّة و هو موافق لقوله تعالى:أَوْفُوا بِالْعُقُودِوأَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَو الآخر على البطلان و هو موافق لقوله تعالى:لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍو كان بناء العامّة على الصحّة أو البطلان.


صفحه 637

..........

قوله: «ما خالف العامّة ففيه الرشاد» أمر بالأخذ بما خالف العامّة تعليلا بأنّ فيه الرشاد، و فيه أيضا شاهد بأنّ المناط في مقام الترجيح الأخذ بما هو أصوب و أقرب إلى الواقع، لأنّ الرشاد هو الصواب فدلّ على أنّ الواجب هو الأخذ بكلّ ما أوجب في الخبر كونه رشادا و صوابا.

و عن المحدّث الكاشاني أنّه أورد في المقام في تقديمهم ما خالف العامّة بأنّ ذلك أخذ بمرجّح و طرح لمرجّح آخر و هو موافقة الكتاب، لأنّ أحد الخبرين المخالف للعامّة مخالف للعامّ الكتابي فالأخذ به و طرح الآخر أخذ بما خالف الكتاب و طرح لما وافقه.

و لكن يدفعه أوّلا: أنّ الخبر المخالف للعامّة كما أنّه مخالف لعامّ كتابي كذلك موافق لعامّ كتابي آخر، فالأخذ به أخذ بما وافق الكتاب أيضا، فهو جمع بين مرجّحين، لا أنّه أخذ بمرجّح و طرح بمرجّح آخر كما لا يخفى.

و ثانيا: أنّ تخصيص العامّ الكتابي بخبر الواحد جائز فلا بدّ من تخصيص أحد العامّين، و المانع من أخذ أحد الخبرين مخصّصا له دون آخر في محلّ التعارض إنّما هو الاشتغال بالتعارض، و إذا ارتفع هذا المانع بتقديم ما خالف العامّة بقي [الآخر] سليما عن المعارض فيخصّص به العامّ المخالف له، و هو الّذي دلّ بعمومه على الصحّة في بيع المكره مثلا أو الفساد في الفضولي في المثال المفروض، فلا مخالفة فيه بعد إعمال التخصيص للكتاب، فلا يبقى للكتاب مقتضى يوافقه ما يوافق العامّة حتّى يلزم من تقديم مخالفة العامّة طرح موافقة الكتاب.

و بالجملة الأمر دائر بين طرح مرجّح رأسا و هو مخالفة العامّة و الأخذ بذلك المرجّح الموجب لانتفاء موضوع مرجّح آخر، و لا ريب أنّه لا يلزم من ذلك طرح ذلك المرجّح الآخر لكون السالبة بانتفاء الموضوع، نظير تقديم الخاصّ على العامّ و الدليل الاجتهادي على الأصل، فإنّه لو قدّمنا العامّ أو الأصل لزم طرح الخاصّ و الدليل الاجتهادي المفروض وجود مقتضى الحجّية فيهما، بخلاف ما لو قدّمنا الخاصّ و الدليل الاجتهادي فلا يلزم طرح، إذ بتقديمهما ينتفي المقتضي لحجّية العامّ و موضوع الأصل.

أمّا الأوّل: فلأنّ حجّية العامّ إنّما هو من جهة أصالة الحقيقة المبنيّة على فقد القرينة، و الخاصّ يصلح قرينة، فيبقى العمل بالعامّ بلا مقتضى له.

و أمّا الثاني: فلأنّ موضوع الأصل إنّما هو الشكّ أو أنّ العمل به منوط بفقد الدليل


صفحه 638

..........

الاجتهادي، فإذا وجد الدليل ارتفع الشكّ و انتفى الشرط فيبقى بلا موضوع، فترك العمل به و بالعامّ ليس طرحا لهما، بل من جهة أنّه لا موضوع لهما و لا محلّ للعمل بهما.

و بالجملة مقتضى مرجّحية مخالفة العامّة و قابليّة العامّ الكتابي للتخصيص و صلاحية الخبر المخالف لأن يكون مخصّصا له نهوض ذلك الخبر لتخصيص العامّ الكتابي، فيصير من العامّ المخصّص و خرج بذلك عن ظاهره، فلم يبق للخبر الآخر موافقة له لأنّها أمر إضافيّ نسبي تنتفي بانتفاء أحد منتسبيه و هو هنا ظاهر الكتاب، فلا يلزم منه طرح مرجّح اصلا، بخلاف ما لو بنينا على تقديم الخبر الموافق فإنّه يستلزم طرح مرجّح ثابت المرجحيّة و طرح دليل محرز معه مقتضى الحجّية.

و ربّما يتوهّم استلزامه الدور أيضا، بتقريب: أنّ وجوب العمل به موقوف على موافقته الكتاب، و هي موقوفة على عدم جواز العمل بالخبر المخالف، و هو موقوف على وجوب العمل به، فوجوب العمل به موقوف على وجوب العمل به و هو محال، فتأمّل.

ثمّ قال: «قلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا» أي وافقا الكتاب و العامّة فيما لو كانت المسألة من خلافيّات العامّة كما في البيع الفضولي مثلا بأن تقول فرقة بصحّته و اخرى ببطلانه.

و بالجملة هذا سؤال عن موافقة الخبرين للعامّة و الكتاب جميعا، «قال: تنظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم، فيترك، و يؤخذ الآخر» و قد جعل المرجّح أقلّيّة ميل الحكّام و القضاة.

ثمّ قال: «قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فارجه حتّى تلقى إمامك» و قد سئل عمّا لو كان الخبران بكليهما ممّا يميل إليه الحكّام، و قوله(عليه السلام):

«أرجه» إلى آخره، أمر بالوقف بعد العجز عن الترجيح و فقد المرجّحات ثمّ السؤال عن حقيقة الحال عند الوصول إلى الإمام(عليه السلام)، و من الظاهر أنّه فرع التمكّن من الوصول إلى حضرته، فيدلّ ذلك على كونهم متمكّنين من العلم و السؤال، و لأجل ذا قد يقال: إنّ هذا الخبر يدلّ على أنّ حجّية المرجّحات المذكورة فيه بل مطلق المرجّحات بناء على جواز التعدّي إلى غير المنصوصة- كما نبّهنا على استفادته من الخبر و سنوضحه أيضا- إنّما هو من باب الظنّ الخاصّ، من حيث جواز الأخذ بها في حال إمكان العلم و انفتاح بابه من دون انحصاره بصورة تعذّر العلم و انسداد بابه، باعتبار كون المجوّز للأخذ بها دليل الانسداد، نظرا إلى أنّ الأمر بالوقف و السؤال الّذي هو فرع التمكّن من السؤال إنّما وقع عقيب الأمر


صفحه 639

..........

بإعمال المرجّحات، فيكون الأمر بإعمالها أيضا واردا حال التمكّن، و لا نعني من الانفتاح إلّا هذا.

بل قد يقال: إنّ هذا الخبر و غيره من الأخبار العلاجيّة بأسرها تدلّ على حجّية أخبار الآحاد من باب الظنّ الخاصّ، على معنى عدم كون مناط حجّيتها انسداد باب العلم، لأنّها تقضي بأنّ الرواة السائلين عن علاج المتعارضين كان بناؤهم على العمل بأخبار الآحاد، و المفروض انفتاح باب العلم لهم لتمكّنهم من السؤال مع تقرير الأئمّة(عليهم السلام)إيّاهم على هذه الطريقة.

و من البعيد كون التعارض المسئول عن حكمه في تلك الروايات واقعا فيما بين الأخبار المتواترة، و إلّا ما كان الإمام يأمرهم بالرجوع إلى المرجّحات السنديّة و صفات الراوي من الأعدليّة و غيرهما ممّا يوجب ظنّ الصدور و الوثوق به، بل لا يعقل التعارض بين الأخبار المتواترة بناء على ما تقدّم الإشارة إليه من استحالة تعارض الدليلين القطعيّين، فلا بدّ و أن يكون التعارض المذكور مفروضا في أخبار الآحاد الغير العلميّة.

و من البيّن أنّ السؤال عن علاج التعارض لم يكن إلّا لأن يظهر فائدته في مقام العمل، فلو لا العمل بها جائزا لهم لم يكن للسؤال عن علاج التعارض في متعارضاتها وجه، و لأجل ذلك قد يعدّ الأخبار العلاجيّة من أدلّة حجّية خبر الواحد بالخصوص لا من جهة انسداد باب العلم.

و لكن التحقيق لا يساعد على استفادة عموم هذا المطلب من هذه الأخبار بالقياس إلى ما هو محلّ النزاع في مسألة حجّية خبر الواحد من الأخبار الموجودة بأيدينا اليوم المودعة في الكتب الأربعة و غيرها الّتي اعتراها من الاختلالات و العوارض و الحوادث و السوانح في أسانيدها و متونها و دلالاتها ما لم يعتر شيء منها أو أكثرها لأخبار الآحاد الموجودة لدى أصحاب الأئمّة المتداولة عندهم، لجواز كونها نوعا خاصّا في وصف خاصّ و حالة مخصوصة بشرط خاصّ لم يكن شيء من هذه الخصوصيّات موجودة في أخبار اليوم، و دلالة الروايات على ما ذكر ليست بلفظ عامّ و لا مطلق يتناول بعمومه أو إطلاقه أخبارنا اليوم، بل بدلالة التزاميّة مع انضمام التقرير إليه، فلا تكون إلّا من باب القضيّة المعنويّة على وجه الإهمال الّتي يجب الاقتصار فيها على القدر المعلوم.

و قد يستشكل في أمره(عليه السلام)بالوقف لصورة فقد المرجّحات دون الرجوع إلى الاصول


صفحه 640

..........

و القواعد مثل قاعدة: «القرعة لكلّ أمر مشكل» و قاعدة: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» مع أنّ الواقعة الّتي هي مورد الرواية لا محالة يجري فيها شيء من الاصول أو القواعد، فالأمر بالوقف دون ما يجري فيها من الأصل أو القاعدة ينافي حجّيتها و التعبّد بها، فلا بدّ إمّا من فرض الواقعة بحيث لا يجري فيها الاصول و القواعد أصلا و هو في غاية الإشكال، إذ لا يكاد يتّفق من المواريث و لا غيرها من وقائع الخصومة ما لا يجري فيها شيء من الاصول أو القواعد، أو من القول باختصاص حجّية تلك الاصول و القواعد بحال انسداد باب العلم و الواقعة في مورد سؤال الرواية إنّما وقعت في حال الانفتاح، و هذا أشكل إشكالا من سابقه لأنّ حجّية الاصول و القواعد إنّما تثبت بأدلّة خاصّة لا فرق في إطلاقها بين الانفتاح و الانسداد، و لم يطرأها ما يوجب تخصيصها و لا تقييدها بحالة الانسداد، لا أنّه ثبت اعتبارها بدليل الانسداد ليختصّ بحالة الانسداد، فالإشكال المذكور قويّ.

أقول: و يمكن الذبّ عنه بأنّ الواقعة في مورد الرواية- على ما نبّهنا عليه سابقا و استظهرناه من صدر الرواية- من قبيل الشبهات الحكميّة الّتي لا يجري فيها الاصول الّتي اخذ في موضوعها في الشبهات الحكميّة تعذّر العلم، و لذا يشترط في العلم بها الفحص، و لا يجري فيها القواعد المشار إليها المختصّة بالموضوعات، فانحصر المناص في الوقف الّذي أمر به الإمام(عليه السلام).

ثمّ إنّ في الأخبار العلاجيّة من جهة معارضته بعضها لبعض مواضع من الإشكال ينبغي الإشارة إليها و إلى ما يدفعها:

الموضع الأوّل: جهات الاختلاف و المعارضة بين المقبولة و مرفوعة زرارة المتقدّمة.

فمنها: المعارضة بينها من حيث تقديم صفات الراوي على الشهرة في المقبولة و تقديم الشهرة على صفات الراوي في المرفوعة.

فإنّ الأوّل يقتضي تقدّم الصفات على الشهرة في المرتبة، و الثاني بالعكس، مع مخالفة المرفوعة في عدم الاشتمال على الأفقهيّة و الأصدقيّة و الأورعيّة، إلّا أن يدفع ذلك بدعوى كون الأوثقيّة المذكورة فيها جهة جامعة بين الجميع، لوضوح أنّه يحصل بخبر الأفقه أو الأصدق أو الأورع من الوثوق ما لا يحصل بغيره.

و يشكل: بأنّ الأوثقيّة تختلف معناها باعتبار الحيثيّة، نظرا إلى أنّ الوثاقة يراد منها ما هو بحسب ما يضاف إليه فيختلف معناها بهذا الاعتبار، فالأوثقيّة إذا اعتبرت بين