..........
و القواعد مثل قاعدة: «القرعة لكلّ أمر مشكل» و قاعدة: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» مع أنّ الواقعة الّتي هي مورد الرواية لا محالة يجري فيها شيء من الاصول أو القواعد، فالأمر بالوقف دون ما يجري فيها من الأصل أو القاعدة ينافي حجّيتها و التعبّد بها، فلا بدّ إمّا من فرض الواقعة بحيث لا يجري فيها الاصول و القواعد أصلا و هو في غاية الإشكال، إذ لا يكاد يتّفق من المواريث و لا غيرها من وقائع الخصومة ما لا يجري فيها شيء من الاصول أو القواعد، أو من القول باختصاص حجّية تلك الاصول و القواعد بحال انسداد باب العلم و الواقعة في مورد سؤال الرواية إنّما وقعت في حال الانفتاح، و هذا أشكل إشكالا من سابقه لأنّ حجّية الاصول و القواعد إنّما تثبت بأدلّة خاصّة لا فرق في إطلاقها بين الانفتاح و الانسداد، و لم يطرأها ما يوجب تخصيصها و لا تقييدها بحالة الانسداد، لا أنّه ثبت اعتبارها بدليل الانسداد ليختصّ بحالة الانسداد، فالإشكال المذكور قويّ.
أقول: و يمكن الذبّ عنه بأنّ الواقعة في مورد الرواية- على ما نبّهنا عليه سابقا و استظهرناه من صدر الرواية- من قبيل الشبهات الحكميّة الّتي لا يجري فيها الاصول الّتي اخذ في موضوعها في الشبهات الحكميّة تعذّر العلم، و لذا يشترط في العلم بها الفحص، و لا يجري فيها القواعد المشار إليها المختصّة بالموضوعات، فانحصر المناص في الوقف الّذي أمر به الإمام(عليه السلام).
ثمّ إنّ في الأخبار العلاجيّة من جهة معارضته بعضها لبعض مواضع من الإشكال ينبغي الإشارة إليها و إلى ما يدفعها:
الموضع الأوّل: جهات الاختلاف و المعارضة بين المقبولة و مرفوعة زرارة المتقدّمة.
فمنها: المعارضة بينها من حيث تقديم صفات الراوي على الشهرة في المقبولة و تقديم الشهرة على صفات الراوي في المرفوعة.
فإنّ الأوّل يقتضي تقدّم الصفات على الشهرة في المرتبة، و الثاني بالعكس، مع مخالفة المرفوعة في عدم الاشتمال على الأفقهيّة و الأصدقيّة و الأورعيّة، إلّا أن يدفع ذلك بدعوى كون الأوثقيّة المذكورة فيها جهة جامعة بين الجميع، لوضوح أنّه يحصل بخبر الأفقه أو الأصدق أو الأورع من الوثوق ما لا يحصل بغيره.
و يشكل: بأنّ الأوثقيّة تختلف معناها باعتبار الحيثيّة، نظرا إلى أنّ الوثاقة يراد منها ما هو بحسب ما يضاف إليه فيختلف معناها بهذا الاعتبار، فالأوثقيّة إذا اعتبرت بين
..........
المجتهدين كانت ظاهرة في الأفقهيّة، و إذا اعتبرت بين الشاهدين كانت ظاهرة في الأعدليّة، و إذا اعتبرت بين المخبرين كانت ظاهرة في الأصدقيّة، إذ الوثوق في مقام الإخبار يرجع إلى مطابقة الخبر و المفروض أنّهما في المرفوعة اعتبرت بين المخبرين فتصرف إلى الصدق لا غير، إلّا أنّ الأمر في ذلك سهل، و الحمل على إرادة القدر الجامع في مقام الجمع و علاج التعارض ممكن و إن كان في تعيينه نظر لخلوّه عن شاهد الجمع.
و منها: اشتمال المرفوعة في صورة تساوي الخبرين في الأعدليّة و الأوثقيّة على الأمر بأخذ ما يخالف العامّة مطلقا من غير اعتبار لموافقة الكتاب و السنّة و مخالفتهما، فتدلّ على تقديم المخالف على الموافق و إن وافق الكتاب و السنّة أيضا، و المقبولة قد دلّت على تقديم ما يوافقهما على المخالف لها، ثمّ تقديم ما يخالف العامّة على الموافق لهم على تقدير موافقتهما الكتاب و السنّة.
و منها: اشتمال المرفوعة بعد تساويهما في مخالفة العامّة أو موافقتهم على الأمر بأخذ ما وافق الاحتياط و المقبولة دلّت في هذا الفرض على وجوب التوقّف من دون اعتبار الاحتياط.
و منها: اشتمال المرفوعة بعد فقد جميع المرجّحات على الأمر بالتخيير و المقبولة قد دلّت على وجوب التوقّف و على هذا فيشكل العمل بهذين الخبرين. و يمكن دفع الإشكال من الجهة الاولى تارة: بالجمع بينهما بالأخذ بظاهر المقبولة و إرجاع المرفوعة إليها بحملها على مجرّد بيان ما يصلح للترجيح من دون نظر و قصد إلى كيفيّة الترجيح و ترتيب المرجّحات من حيث التقديم و التأخير كما تقدّم الإشارة إليه.
و اخرى: بطرح المرفوعة رأسا لعدم صلاحيتها لمعارضة المقبولة لضعفها بسبب عدم وجودها في جوامع الأخبار، مع كون المعتبرة موجودة في الجوامع المعتبرة الّتي عليها المعوّل و إليها المرجع كجوامع المشايخ الثلاث عطّر اللّه مراقدهم و شكر اللّه مساعيهم، مع كونها متلقّاة بالقبول عند الأصحاب و لذا سمّيت مقبولة و هذا يقتضي كون المرفوعة مردودة عندهم.
و ثالثة: بترجيح المقبولة بما معها من المرجّحات السنديّة من حيث الأعدليّة و الأفقهيّة و الأورعيّة، فإنّ كون المشايخ الثلاث قدّس أرواحهم في أعلى مراتب العدالة و الفقاهة و الصداقة و الورع من الواضحات الّتي لا حاجة لها إلى البيان، بخلاف المرفوعة فإنّ راويها عن العلّامة و هو ابن أبي الجمهور ليس بتلك المثابة، بل هو على ما وصف مقدوح و مطعون عليه، و ربّما يرمى إلى الغلوّ و غيره من الآراء الفاسدة و المذاهب الباطلة، و لذا ترى أنّ
..........
صاحب الحدائق مع كونه من الأخباريّين الّذين ليس ديدنهم في العمل بالأخبار على الطعن بالسند و لا الراوي و لا اعتبار الأنواع الّتي أحدثها المتأخّرون طعن على هذه الرواية في سندها و راويها، و قال: لا اعتداد بهذا الخبر و لا بالكتاب الّذي هو فيه و لا بكاتبه».
لا يقال: إنّ مع المرفوعة أيضا مرجّحا و هو الشهرة، على ما سبق إليه الإشارة من أنّ المشهور بين العلماء تقديم الخبر المشهور على غيره و إن كان راويه أعدل أو أفقه أو أصدق أو أورع، و المرفوعة موافقة من حيث الدلالة لتلك الشهرة لقضائها بتقديم المشهور على خبر الأعدل و الأفقه و غيره على حسب ما هو المشهور.
لأنّا نمنع تحقّق الشهرة بالمعنى الّذي يعدّ من المرجّحات- و هو شهرة الرواية- في المرفوعة، بل المتحقّق فيها- على تقدير تسليمه- إنّما هو الشهرة الفتوائيّة لا بمعنى عمل الأكثر بمضمونها لينجبر ضعفها أو قصورها بالعمل، بل بمعنى موافقة مضمونها لفتوى الأكثر، و هذه ليست من الشهرة المرجّحة للمتن في شيء، مع تطرّق المنع إلى تحقّق الشهرة بهذا المعنى لو اريد به أنّ الأصحاب يقدّمون الخبر المشهور على غيره ممّا رواه الأعدل في الواقع مع علمهم بأعدليّة راويه، و لو اريد به أنّهم يقدّمون المشهور على ما كان راويه أعدل في الواقع من حيث عدم علمهم بأعدليّة الراوي فهو و إن كان مسلّما غير أنّه لا ينافي اتّفاقهم على تقديم رواية الأعدل في موضع العلم بالأعدليّة على رواية غير الأعدل و إن كانت مشهورة من حيث الرواية كما نبّهنا عليه سابقا.
كما يمكن دفع الإشكال من الجهة الثانية: بإعمال قاعدة حمل المطلق على المقيّد، بتقريب: أنّ النسبة بين المرفوعة و المقبولة عموم و خصوص مطلق، إذ المقبولة في الأمر بالأخذ بما خالف العامّة مقيّدة بصورة تساوي الخبرين في الموافقة للكتاب و المرفوعة مطلقة بالقياس إلى هذه الصورة و إلى صورة مخالفة أحدهما للكتاب و موافقة الآخر له أو مخالفتهما معا له أو ما لم يكن في الكتاب شيء يوافقهما أو يخالفهما.
و من البيّن أنّ المطلق قابل للتقييد، فليحمل على ما عدا صورة موافقة أحدهما و مخالفة الآخر للكتاب.
و من الجهة الثالثة: بحمل المقبولة على صورة لم يمكن الاحتياط في الواقعة باعتبار دوران الأمر فيها بين المحذورين، أو على صورة موافقة الخبرين أو مخالفتهما الاحتياط، نظرا إلى أنّ الأمر بالأخذ بما وافق الاحتياط الوارد في المرفوعة مشروط بأمرين، أحدهما:
..........
كون الواقعة الّتي تعارض فيها الخبران ممّا يمكن فيه الاحتياط، و ثانيهما: عدم موافقة المتعارضين و لا مخالفتهما الاحتياط، فالمقبولة منزلة على إحدى صورتي انتفاء الأمرين.
و من الجهة الرابعة: بالجمع بينهما بحمل المرفوعة على حال انسداد باب العلم و صورة عدم التمكّن من السؤال بخلاف المقبولة الآمرة بالوقف و السؤال المخصوصة بحال التمكّن من العلم و السؤال، و مرجع هذا الجمع أيضا إلى حمل المطلق على المقيّد كما هو واضح.
الموضع الثاني: الّذي هو أيضا من جهات الإشكال بين الأخبار العلاجيّة الاختلاف الموجود فيها من حيث الإطلاق و التقييد في الأمر بالترجيح أو بالتوقّف،
فإنّك إذا لاحظت مجموعها لوجدت بعضها ما هو في الأمر بالترجيح مقيّد بحالة التمكّن من العلم و السؤال كالمقبولة، و بعضها ما هو مطلق في الأمر بالترجيح كالمرفوعة و غيرها.
و بعضها ما هو مقيّد فيه أيضا بحالة انسداد باب العلم و عدم التمكّن من السؤال كرواية سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا، قال: «لا تعمل بواحد منهما حتّى تلقى صاحبك فتسأل، قلت: لا بدّ أن يعمل بواحد منهما، قال: خذ بما فيه خلاف العامّة» فإنّ ترخيص العمل بما يخالف العامّة مقيّد بعدم المناص عن العمل بأحدهما، و هذا لا يتحقّق إلّا مع عدم تمكّن السؤال حال الابتلاء بالواقعة.
و بعضها ما هو مقيّد في الأمر بالتوقّف بفقد المرجّحات كالمقبولة، و بعضها ما هو مطلق فيه.
و لكنّ الأمر في الذبّ عن هذا الإشكال أيضا هيّن، لأنّه يقيّد مطلق الأمر بالتوقّف بما إذا لم يمكن هناك مرجّح أصلا أخذا بموجب الأخبار الآمرة بالترجيح، و يطرح المقيّد منها بحالة عدم التمكّن أخذا بموجب المقيّد منها بحالة التمكّن الّذي لا ينافي مطلقاتها.
فإن قلت: العكس أيضا ممكن.
قلت: الأوّل راجح بل متعيّن، لعدم صلاحية المقيّد بعدم التمكّن لمعارضة غيره، لمكان كثرة الأخبار الآمرة بالترجيح مطلقة و مقيّدة و قوّتها في حدّ ذاتها و اعتضادها بالعمل و الاعتبار و مرجّحات اخر بخلاف العكس.
الموضع الثالث: ما ينشأ ممّا دلّ على قصر حكم الترجيح على المرجّحات المحرزة
للدلالة من دون تعرّض لبيان الترجيح بمرجّحات اخر ممّا يرجع إلى السند أو المتن أو المضمون، كخبر أبي حيّون عن الرضا(عليه السلام): «أنّ في أخبارنا محكما كمحكم القرآن، و متشابها كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا».
..........
و خبر داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام): «يقول أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، أنّ الكلمة لتصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب» فإنّ «المحكم» عند الاصوليّين و إن كان هو القدر المشترك بين النصّ و الظاهر، و «المتشابه» هو القدر المشترك بين المجمل و المؤوّل، إلّا أنّ المراد بهما هنا ما يعمّ الأظهر في مقابلة الظاهر و الظاهر في مقابلة النصّ، فالأوّل محكم و الثاني متشابه باعتبار تطرّق التأويل إليه بصرفه إلى خلاف الظاهر، و معنى الردّ هو الحمل كحمل العامّ على الخاصّ و المطلق على المقيّد و المجمل على المبين.
و قوله: «أنتم أفقه الناس» يريد به الحثّ على المبالغة و الاجتهاد في التوصّل إلى المقاصد و المرادات بمراجعة القرائن و إعمال الاصول و القواعد المحرزة للدلالات المشخّصة للمرادات، و مرجعه إلى الترجيح بمرجّحات الدلالة من دون التفات إلى مرجّحات السند و غيرها، و هو يقضي بوجوب ردّ العامّ أو المطلق إلى الخاصّ أو المقيّد و إن كان راوي العامّ و المطلق أعدل أو أفقه أو أصدق أو أورع و هكذا، و يلزم من ذلك طرح الأخبار المتكفّلة لبيان المرجّحات السنديّة و غيرها.
و يندفع هذا الإشكال أيضا: بأن نقول بموجب هذين الخبرين و ما بمعناهما، لأنّه الحقّ الّذي لا محيص عنه لقيام الإجماع الضروري على تقديم المرجّحات الدلاليّة- ما دامت موجودة صالحة لإحراز الدلالة و ترجيحها في أحد المتعارضين عليها في المتعارض الآخر- على المرجّحات السنديّة، و غيرها فحيثما أمكن الجمع بين المتعارضين بترجيح الدلالة لا يلتفت إلى مرجّحات السند أو المتن أو المضمون الّتي مرجع الترجيح بها إلى طرح الخالي عنها، و عليه مضافا إلى طريقة العلماء بناء العرف أيضا، و لا يلزم بذلك ما ذكر من طرح الأخبار المتكفّلة لبيان المرجّحات السنديّة و غيرها لأنّها مخصّصة بواسطة الإجماع و غيره بما إذا لم يكن هناك مرجّح دلالتي.
الموضع الرابع: ما ينشأ ممّا ورد في بعض الأخبار من الترجيح بالأحدثيّة،
كما في خبر أبي عمرو الكناني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «يا أبا عمرو أ رأيت لو حدّثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا، ثمّ جئت بعد ذلك تسألني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك، بأيّهما كنت تأخذ؟ قلت: بأحدثهما و أدع الآخر، قال: قد أصبت يا أبا عمرو، أبى اللّه إلّا أن يعبد سرّا، أما و اللّه لئن فعلتم ذلك أنّه لخير لي و لكم، أبى اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة».
..........
و في معناه مرسلة الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:
«أ رأيتك لو حدّثتك بحديث العام ثمّ جئتني من قابل فحدّثتك بخلافه بأيّهما كنت تأخذ؟
قال كنت آخذ بالأخير، فقال لي: رحمك اللّه تعالى».
و وجه الإشكال: أنّ أحدثيّة أحد الخبرين و تأخّر صدوره عن الآخر لا مدخليّة لها في الترجيح، و ليست مزيّة في الخبر المتأخّر لتوجب تعيّن الأخذ به، فما معنى الترجيح بها؟
و يمكن الذبّ عن هذا الإشكال: إمّا بأن يقال: إنّ هذا تعبّد من الشارع فيجب علينا اتّباعه و إن لم نعلم حكمته كسائر موارد التعبّد.
أو يقال: بكون ذلك من باب النسخ حيثما اجتمع شرائطه، فيكون الخبر المتأخّر ناسخا، و من حكم الناسخ تعيّن الأخذ به، بناء على جوازه بعد انقطاع الوحي، مع كون معنى ناسخيّة المتأخّر كشفه عن انتهاء مدّة الحكم في وقت صدوره، و قد أخبر به النبيّ وصيّه في زمان الوحي و أعلمه إيّاه و أمره بإظهاره في وقته، كما يشهد له موثّقة محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): ما بال أقوام يروون عن فلان عن فلان عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)لا يتّهمون بالكذب، فيجيء منكم خلافه؟ قال: «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» و لكن يأباه قوله-: «أبي اللّه إلّا أن يعبد سرّا- إلى قوله-: أبي اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة».
أو يقال: بخروج الخبرين مخرج التقيّة العمليّة الراجعة إلى الراوي المخاطب لا التقيّة القوليّة المخصوصة بالإمام(عليه السلام)في البيان مع تردّدها بين الخبر المتقدّم أو الخبر المتأخّر و تعيّن التعبّد بالمتأخّر على التقديرين.
و السرّ في ذلك: أنّ موجب التقيّة في حقّه إن كان متحقّقا حال صدور الأوّل كان الثاني صادرا على جهة بيان الواقع، و إن كان متحقّقا حال صدور الثاني كان ذلك الثاني صادرا على جهة التقيّة، و على التقديرين يجب التعبّد به.
و بعبارة اخرى: إنّ في زمان صدور الأخير إن لم يكن موجب التقيّة متحقّقا في حقّه وجب عليه اتّباعه على أنّه الحكم الواقعي، و إن كان متحقّقا وجب عليه اتّباعه على أنّه الحكم الظاهري التابع للتقيّة.
و أمّا احتمال تعيّن التعبّد بالأوّل فممّا يقطع بانتفائه، لاستلزامه كون الأخير صادرا على جهة التقيّة القوليّة المخصوصة بالإمام(عليه السلام)، أو كونه صادرا على جهة اللغويّة، و الأوّل خلاف الفرض و الثاني محال على المعصوم الحكيم.
..........
و يشكل هذا البيان بعدم جريانه في حقّ من تأخّر عن الراوي إلى زماننا هذا، فلم يثبت كون الأحدثيّة مرجّحة مطلقا، بل غاية ما ثبت كونها مرجّحة في خصوص المخاطب الواحد الّذي اختلف في حقّه الخبران على الوجه الوارد في روايتي الكناني و ابن المختار.
اللهمّ إلّا أن يقال: بتعيّن الأخذ بالأحدث لغير المخاطب أيضا ممّن تأخّر عنه، بتقريب:
أنّ صدور هذا الخبر لمخاطبه بحسب الواقع إن كان على جهة بيان الحكم الواقعي فلا بدّ لنا من الأخذ به أيضا لمشاركتنا لهم في التكاليف، و إن كان على جهة التقيّة و كان موجب التقيّة موجودا في حقّنا أيضا فلا مناص لنا من الأخذ به أيضا لوجوب التقيّة علينا أيضا، و إلّا فيقع الشكّ في جهة صدور هذا الخبر هل هي التقيّة أو بيان الواقع؟ فينفى احتمال التقيّة فيه بأصالة عدمها الّتي هي من الاصول المحكّمة المجمع عليها، و بعد انضمام ذلك الأصل إليه يتعيّن الأخذ به أيضا.
و لا يعارض ذلك الأصل بأصالة عدم التقيّة في الخبر المتقدّم، لأنّا لم نقصد به إلى إثبات كون صدور الخبر المتقدّم على جهة التقيّة ليقابل بنحو هذه المعارضة.
و لكن في هذا البيان من المغالطة ما لا يخفى، إذ على تقدير كون صدور الخبر الأحدث لمخاطبه على جهة التقيّة- كما عليه مبنى الشقّ الثاني من الترديد- فلا يعقل الشكّ في جهة صدوره و أنّها التقيّة على تقدير عدم تحقّق موجب التقيّة بالنسبة إلينا، بل قضيّة ذلك أن لا يجوز لنا الأخذ به و يتعيّن الأخذ بالخبر المتقدّم، فالبيان المذكور واضح الفساد جدّا.
و هاهنا بيان آخر و هو: أنّا نفرض الخبر الأحدث ابتداء مشكوك الحال من حيث جهة صدوره- أ هو التقيّة أو لا؟- في نظرنا كما هو كذلك بالفرض، و بانضمام أصالة عدم التقيّة إليه نثبت تعيّن العمل به.
و لكن يزيّفه أيضا: أنّ الخبر المتقدّم أيضا مشكوك الحال في نظرنا من هذه الجهة، و جريان الأصل المذكور لنفي احتمال التقيّة به متساوي النسبة إليه و إلى الخبر الأحدث، فإعماله في أحدهما دون الآخر تحكّم بحت و ترجيح بلا مرجّح. و يمكن إثبات تعيّن الأخذ به ببيان ثالث و هو: أنّ الأحدثيّة في الخبر الأحدث ما يحتمل كونه مرجّحا في نظر الشارع، فبانضمام قاعدة الاشتغال يتعيّن الأخذ به لا بالخبر المتقدّم.
و هذا أيضا ضعيف، باعتبار أنّه عدول عمّا نصّ بكونه مرجّحا في الروايتين إلى إثبات تعيّن العمل بقاعدة الاشتغال، و المقصود بالبحث مرجّحية الأحدثيّة ليكون تعيّن العمل
..........
بالأحدث لترجيحه على معارضه بمرجّح منصوص لا غير.
نعم يمكن إثبات تعيّن الأخذ به من جهة الترجيح بالأحدثيّة بطريق آخر، و هو التزام كون الصادر على جهة بيان الواقع من المعصوم إنّما هو الخبر الأحدث حتّى بالنسبة إلى مخاطبه، و أنّ الخبر المتقدّم إنّما صدر على جهة التقيّة لا غير، و ذلك لأنّ المصلحة في زمان الصدور في حقّ بعض الأشخاص قد تقتضي أن يأمره المعصوم أوّلا بالعمل بما وافق العامّة في السرّ و العلانيّة ليعرف عندهم بذلك كونه منهم، و يطمئنّوا منه بذلك حتّى لا يفتّشوا فيما بعد عن أحواله، و لم يتعرّضوا له باختباره في عمله في خلواته، ثمّ يبيّن له فيما بعد ذلك الحكم الواقعي و يأمره بالتعبّد به سرّا و في خلواته و بكتمانه عن المعاندين، كما يشهد بذلك قصّة داود بن زربي[1]مع أبي جعفر منصور الدوانيقي المرويّة في باب كون الوضوء مثنى مثنى لا ثلاثا ثلاثا إلّا في مقام التقيّة، حيث أمره أبو عبد اللّه(عليه السلام)أوّلا بما وافق طريقة العامّة حقنا لدمه و صونا له عمّا أضمره منصور من قتله لما بلغه من كونه من الرفضة ثمّ بيّن له الواقع و أمره به.
فلم لا يجوز أن يكون مورد الروايتين و نظائرهما من هذا الباب، بل لا بدّ من الإذعان به لشهادة قوله في خبر الكناني: «أبى اللّه إلّا أن يعبد سرّا» فإنّه إرشاد للراوي إلى طريقة العمل بالواقع المخالف لمذهب العامّة في زمان التقيّة، و أمر بالتعبّد به سرّا لا علانية، و هذا أيضا ضرب من التقيّة لأنّها قد تتأتّى بإظهار الموافقة لهم و قد تتأتّى بكتمان المخالفة لهم، و عليه ينطبق قوله(عليه السلام): «أبى اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة» بعد ما أمره بالتعبّد بالخبر الأحدث سرّا، و مرجعه إلى الأمر بكتمان العمل به، فليتدبّر.
فإنّا لم نجد تحرير المقام في كلام الأعلام، و كأنّه للغفلة عمّا ذكرناه لم يتعرّض معظم الاصوليّين من أصحابنا لذكر هذا المرجّح أصلا كما نبّه عليه بعض الفضلاء.
المطلب الثاني [جواز التعدّي من المرجّحات المنصوصة إلى غيرها]
في أنّه إذا ثبت وجوب الترجيح و علم المرجّحات المنصوصة الّتي هي صفات الراوي ثمّ الشهرة ثمّ موافقة الكتاب و السنّة ثمّ مخالفة العامّة ثمّ مخالفة أميل حكّامهم، فهل يجوز التعدّي منها إلى غيرها من المزايا الغير المنصوصة- و هي الّتي لم يصرّح بها في النصوص بالخصوص، كما عليه جمهور المجتهدين لإجماعهم خلفا عن سلف على عدم الاقتصار،
[1]الوسائل 1: 443 الباب 31 من أبواب الوضوء ح 2.