بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 643

..........

كون الواقعة الّتي تعارض فيها الخبران ممّا يمكن فيه الاحتياط، و ثانيهما: عدم موافقة المتعارضين و لا مخالفتهما الاحتياط، فالمقبولة منزلة على إحدى صورتي انتفاء الأمرين.

و من الجهة الرابعة: بالجمع بينهما بحمل المرفوعة على حال انسداد باب العلم و صورة عدم التمكّن من السؤال بخلاف المقبولة الآمرة بالوقف و السؤال المخصوصة بحال التمكّن من العلم و السؤال، و مرجع هذا الجمع أيضا إلى حمل المطلق على المقيّد كما هو واضح.

الموضع الثاني: الّذي هو أيضا من جهات الإشكال بين الأخبار العلاجيّة الاختلاف الموجود فيها من حيث الإطلاق و التقييد في الأمر بالترجيح أو بالتوقّف،

فإنّك إذا لاحظت مجموعها لوجدت بعضها ما هو في الأمر بالترجيح مقيّد بحالة التمكّن من العلم و السؤال كالمقبولة، و بعضها ما هو مطلق في الأمر بالترجيح كالمرفوعة و غيرها.

و بعضها ما هو مقيّد فيه أيضا بحالة انسداد باب العلم و عدم التمكّن من السؤال كرواية سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا، قال: «لا تعمل بواحد منهما حتّى تلقى صاحبك فتسأل، قلت: لا بدّ أن يعمل بواحد منهما، قال: خذ بما فيه خلاف العامّة» فإنّ ترخيص العمل بما يخالف العامّة مقيّد بعدم المناص عن العمل بأحدهما، و هذا لا يتحقّق إلّا مع عدم تمكّن السؤال حال الابتلاء بالواقعة.

و بعضها ما هو مقيّد في الأمر بالتوقّف بفقد المرجّحات كالمقبولة، و بعضها ما هو مطلق فيه.

و لكنّ الأمر في الذبّ عن هذا الإشكال أيضا هيّن، لأنّه يقيّد مطلق الأمر بالتوقّف بما إذا لم يمكن هناك مرجّح أصلا أخذا بموجب الأخبار الآمرة بالترجيح، و يطرح المقيّد منها بحالة عدم التمكّن أخذا بموجب المقيّد منها بحالة التمكّن الّذي لا ينافي مطلقاتها.

فإن قلت: العكس أيضا ممكن.

قلت: الأوّل راجح بل متعيّن، لعدم صلاحية المقيّد بعدم التمكّن لمعارضة غيره، لمكان كثرة الأخبار الآمرة بالترجيح مطلقة و مقيّدة و قوّتها في حدّ ذاتها و اعتضادها بالعمل و الاعتبار و مرجّحات اخر بخلاف العكس.

الموضع الثالث: ما ينشأ ممّا دلّ على قصر حكم الترجيح على المرجّحات المحرزة

للدلالة من دون تعرّض لبيان الترجيح بمرجّحات اخر ممّا يرجع إلى السند أو المتن أو المضمون، كخبر أبي حيّون عن الرضا(عليه السلام): «أنّ في أخبارنا محكما كمحكم القرآن، و متشابها كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا».


صفحه 644

..........

و خبر داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام): «يقول أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، أنّ الكلمة لتصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب» فإنّ «المحكم» عند الاصوليّين و إن كان هو القدر المشترك بين النصّ و الظاهر، و «المتشابه» هو القدر المشترك بين المجمل و المؤوّل، إلّا أنّ المراد بهما هنا ما يعمّ الأظهر في مقابلة الظاهر و الظاهر في مقابلة النصّ، فالأوّل محكم و الثاني متشابه باعتبار تطرّق التأويل إليه بصرفه إلى خلاف الظاهر، و معنى الردّ هو الحمل كحمل العامّ على الخاصّ و المطلق على المقيّد و المجمل على المبين.

و قوله: «أنتم أفقه الناس» يريد به الحثّ على المبالغة و الاجتهاد في التوصّل إلى المقاصد و المرادات بمراجعة القرائن و إعمال الاصول و القواعد المحرزة للدلالات المشخّصة للمرادات، و مرجعه إلى الترجيح بمرجّحات الدلالة من دون التفات إلى مرجّحات السند و غيرها، و هو يقضي بوجوب ردّ العامّ أو المطلق إلى الخاصّ أو المقيّد و إن كان راوي العامّ و المطلق أعدل أو أفقه أو أصدق أو أورع و هكذا، و يلزم من ذلك طرح الأخبار المتكفّلة لبيان المرجّحات السنديّة و غيرها.

و يندفع هذا الإشكال أيضا: بأن نقول بموجب هذين الخبرين و ما بمعناهما، لأنّه الحقّ الّذي لا محيص عنه لقيام الإجماع الضروري على تقديم المرجّحات الدلاليّة- ما دامت موجودة صالحة لإحراز الدلالة و ترجيحها في أحد المتعارضين عليها في المتعارض الآخر- على المرجّحات السنديّة، و غيرها فحيثما أمكن الجمع بين المتعارضين بترجيح الدلالة لا يلتفت إلى مرجّحات السند أو المتن أو المضمون الّتي مرجع الترجيح بها إلى طرح الخالي عنها، و عليه مضافا إلى طريقة العلماء بناء العرف أيضا، و لا يلزم بذلك ما ذكر من طرح الأخبار المتكفّلة لبيان المرجّحات السنديّة و غيرها لأنّها مخصّصة بواسطة الإجماع و غيره بما إذا لم يكن هناك مرجّح دلالتي.

الموضع الرابع: ما ينشأ ممّا ورد في بعض الأخبار من الترجيح بالأحدثيّة،

كما في خبر أبي عمرو الكناني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «يا أبا عمرو أ رأيت لو حدّثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا، ثمّ جئت بعد ذلك تسألني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك، بأيّهما كنت تأخذ؟ قلت: بأحدثهما و أدع الآخر، قال: قد أصبت يا أبا عمرو، أبى اللّه إلّا أن يعبد سرّا، أما و اللّه لئن فعلتم ذلك أنّه لخير لي و لكم، أبى اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة».


صفحه 645

..........

و في معناه مرسلة الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:

«أ رأيتك لو حدّثتك بحديث العام ثمّ جئتني من قابل فحدّثتك بخلافه بأيّهما كنت تأخذ؟

قال كنت آخذ بالأخير، فقال لي: رحمك اللّه تعالى».

و وجه الإشكال: أنّ أحدثيّة أحد الخبرين و تأخّر صدوره عن الآخر لا مدخليّة لها في الترجيح، و ليست مزيّة في الخبر المتأخّر لتوجب تعيّن الأخذ به، فما معنى الترجيح بها؟

و يمكن الذبّ عن هذا الإشكال: إمّا بأن يقال: إنّ هذا تعبّد من الشارع فيجب علينا اتّباعه و إن لم نعلم حكمته كسائر موارد التعبّد.

أو يقال: بكون ذلك من باب النسخ حيثما اجتمع شرائطه، فيكون الخبر المتأخّر ناسخا، و من حكم الناسخ تعيّن الأخذ به، بناء على جوازه بعد انقطاع الوحي، مع كون معنى ناسخيّة المتأخّر كشفه عن انتهاء مدّة الحكم في وقت صدوره، و قد أخبر به النبيّ وصيّه في زمان الوحي و أعلمه إيّاه و أمره بإظهاره في وقته، كما يشهد له موثّقة محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): ما بال أقوام يروون عن فلان عن فلان عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)لا يتّهمون بالكذب، فيجيء منكم خلافه؟ قال: «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» و لكن يأباه قوله-: «أبي اللّه إلّا أن يعبد سرّا- إلى قوله-: أبي اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة».

أو يقال: بخروج الخبرين مخرج التقيّة العمليّة الراجعة إلى الراوي المخاطب لا التقيّة القوليّة المخصوصة بالإمام(عليه السلام)في البيان مع تردّدها بين الخبر المتقدّم أو الخبر المتأخّر و تعيّن التعبّد بالمتأخّر على التقديرين.

و السرّ في ذلك: أنّ موجب التقيّة في حقّه إن كان متحقّقا حال صدور الأوّل كان الثاني صادرا على جهة بيان الواقع، و إن كان متحقّقا حال صدور الثاني كان ذلك الثاني صادرا على جهة التقيّة، و على التقديرين يجب التعبّد به.

و بعبارة اخرى: إنّ في زمان صدور الأخير إن لم يكن موجب التقيّة متحقّقا في حقّه وجب عليه اتّباعه على أنّه الحكم الواقعي، و إن كان متحقّقا وجب عليه اتّباعه على أنّه الحكم الظاهري التابع للتقيّة.

و أمّا احتمال تعيّن التعبّد بالأوّل فممّا يقطع بانتفائه، لاستلزامه كون الأخير صادرا على جهة التقيّة القوليّة المخصوصة بالإمام(عليه السلام)، أو كونه صادرا على جهة اللغويّة، و الأوّل خلاف الفرض و الثاني محال على المعصوم الحكيم.


صفحه 646

..........

و يشكل هذا البيان بعدم جريانه في حقّ من تأخّر عن الراوي إلى زماننا هذا، فلم يثبت كون الأحدثيّة مرجّحة مطلقا، بل غاية ما ثبت كونها مرجّحة في خصوص المخاطب الواحد الّذي اختلف في حقّه الخبران على الوجه الوارد في روايتي الكناني و ابن المختار.

اللهمّ إلّا أن يقال: بتعيّن الأخذ بالأحدث لغير المخاطب أيضا ممّن تأخّر عنه، بتقريب:

أنّ صدور هذا الخبر لمخاطبه بحسب الواقع إن كان على جهة بيان الحكم الواقعي فلا بدّ لنا من الأخذ به أيضا لمشاركتنا لهم في التكاليف، و إن كان على جهة التقيّة و كان موجب التقيّة موجودا في حقّنا أيضا فلا مناص لنا من الأخذ به أيضا لوجوب التقيّة علينا أيضا، و إلّا فيقع الشكّ في جهة صدور هذا الخبر هل هي التقيّة أو بيان الواقع؟ فينفى احتمال التقيّة فيه بأصالة عدمها الّتي هي من الاصول المحكّمة المجمع عليها، و بعد انضمام ذلك الأصل إليه يتعيّن الأخذ به أيضا.

و لا يعارض ذلك الأصل بأصالة عدم التقيّة في الخبر المتقدّم، لأنّا لم نقصد به إلى إثبات كون صدور الخبر المتقدّم على جهة التقيّة ليقابل بنحو هذه المعارضة.

و لكن في هذا البيان من المغالطة ما لا يخفى، إذ على تقدير كون صدور الخبر الأحدث لمخاطبه على جهة التقيّة- كما عليه مبنى الشقّ الثاني من الترديد- فلا يعقل الشكّ في جهة صدوره و أنّها التقيّة على تقدير عدم تحقّق موجب التقيّة بالنسبة إلينا، بل قضيّة ذلك أن لا يجوز لنا الأخذ به و يتعيّن الأخذ بالخبر المتقدّم، فالبيان المذكور واضح الفساد جدّا.

و هاهنا بيان آخر و هو: أنّا نفرض الخبر الأحدث ابتداء مشكوك الحال من حيث جهة صدوره- أ هو التقيّة أو لا؟- في نظرنا كما هو كذلك بالفرض، و بانضمام أصالة عدم التقيّة إليه نثبت تعيّن العمل به.

و لكن يزيّفه أيضا: أنّ الخبر المتقدّم أيضا مشكوك الحال في نظرنا من هذه الجهة، و جريان الأصل المذكور لنفي احتمال التقيّة به متساوي النسبة إليه و إلى الخبر الأحدث، فإعماله في أحدهما دون الآخر تحكّم بحت و ترجيح بلا مرجّح. و يمكن إثبات تعيّن الأخذ به ببيان ثالث و هو: أنّ الأحدثيّة في الخبر الأحدث ما يحتمل كونه مرجّحا في نظر الشارع، فبانضمام قاعدة الاشتغال يتعيّن الأخذ به لا بالخبر المتقدّم.

و هذا أيضا ضعيف، باعتبار أنّه عدول عمّا نصّ بكونه مرجّحا في الروايتين إلى إثبات تعيّن العمل بقاعدة الاشتغال، و المقصود بالبحث مرجّحية الأحدثيّة ليكون تعيّن العمل


صفحه 647

..........

بالأحدث لترجيحه على معارضه بمرجّح منصوص لا غير.

نعم يمكن إثبات تعيّن الأخذ به من جهة الترجيح بالأحدثيّة بطريق آخر، و هو التزام كون الصادر على جهة بيان الواقع من المعصوم إنّما هو الخبر الأحدث حتّى بالنسبة إلى مخاطبه، و أنّ الخبر المتقدّم إنّما صدر على جهة التقيّة لا غير، و ذلك لأنّ المصلحة في زمان الصدور في حقّ بعض الأشخاص قد تقتضي أن يأمره المعصوم أوّلا بالعمل بما وافق العامّة في السرّ و العلانيّة ليعرف عندهم بذلك كونه منهم، و يطمئنّوا منه بذلك حتّى لا يفتّشوا فيما بعد عن أحواله، و لم يتعرّضوا له باختباره في عمله في خلواته، ثمّ يبيّن له فيما بعد ذلك الحكم الواقعي و يأمره بالتعبّد به سرّا و في خلواته و بكتمانه عن المعاندين، كما يشهد بذلك قصّة داود بن زربي[1]مع أبي جعفر منصور الدوانيقي المرويّة في باب كون الوضوء مثنى مثنى لا ثلاثا ثلاثا إلّا في مقام التقيّة، حيث أمره أبو عبد اللّه(عليه السلام)أوّلا بما وافق طريقة العامّة حقنا لدمه و صونا له عمّا أضمره منصور من قتله لما بلغه من كونه من الرفضة ثمّ بيّن له الواقع و أمره به.

فلم لا يجوز أن يكون مورد الروايتين و نظائرهما من هذا الباب، بل لا بدّ من الإذعان به لشهادة قوله في خبر الكناني: «أبى اللّه إلّا أن يعبد سرّا» فإنّه إرشاد للراوي إلى طريقة العمل بالواقع المخالف لمذهب العامّة في زمان التقيّة، و أمر بالتعبّد به سرّا لا علانية، و هذا أيضا ضرب من التقيّة لأنّها قد تتأتّى بإظهار الموافقة لهم و قد تتأتّى بكتمان المخالفة لهم، و عليه ينطبق قوله(عليه السلام): «أبى اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة» بعد ما أمره بالتعبّد بالخبر الأحدث سرّا، و مرجعه إلى الأمر بكتمان العمل به، فليتدبّر.

فإنّا لم نجد تحرير المقام في كلام الأعلام، و كأنّه للغفلة عمّا ذكرناه لم يتعرّض معظم الاصوليّين من أصحابنا لذكر هذا المرجّح أصلا كما نبّه عليه بعض الفضلاء.

المطلب الثاني [جواز التعدّي من المرجّحات المنصوصة إلى غيرها]

في أنّه إذا ثبت وجوب الترجيح و علم المرجّحات المنصوصة الّتي هي صفات الراوي ثمّ الشهرة ثمّ موافقة الكتاب و السنّة ثمّ مخالفة العامّة ثمّ مخالفة أميل حكّامهم، فهل يجوز التعدّي منها إلى غيرها من المزايا الغير المنصوصة- و هي الّتي لم يصرّح بها في النصوص بالخصوص، كما عليه جمهور المجتهدين لإجماعهم خلفا عن سلف على عدم الاقتصار،

[1]الوسائل 1: 443 الباب 31 من أبواب الوضوء ح 2.


صفحه 648

..........

بل قيل ادّعى بعضهم ظهور الإجماع على وجوب العمل بالراجح من الدليلين و عدم ظهور الخلاف فيه- أو لا؟ بل يجب الاقتصار على المنصوص بالخصوص كما عليه الأخباريّون، حتّى أنّه طعن غير واحد منهم على المجتهدين بأنّهم يعتمدون في الترجيحات على امور اعتمد عليها العامّة في كتبهم ممّا ليس منه في النصوص عين و لا أثر، و من ذلك ما عن صاحب الحدائق في مقدّمات الكتاب من «أنّه قد ذكر علماء الاصول من الترجيحات في هذا المقام ما لا يرجع أكثرها إلى محصّل، و المعتمد عندنا ما ورد من أهل بيت الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)من الأخبار المشتملة على وجوه الترجيحات» انتهى.

و ظاهر أنّه كما أنّ فائدة البحث عن أصل وجوب الترجيح و عدمه إنّما تظهر على القول بحجّية أخبار الآحاد من باب الظنّ الخاصّ لا من باب الظنّ المطلق المنوط بالظنّ الشخصي الّذي لم ينفتح بابه إلّا بدليل الانسداد- بل قد عرفت أنّ على هذا المذهب لا يعقل التعارض بين الخبرين و لا يقع قطّ حتّى يرجع لعلاجه إلى المرجّحات ثمّ ينظر في جواز التعدّي و عدمه، بل المناط هو الظنّ الشخصي و هو دائما يكون مع أحد المتعارضين فيخرج الآخر عن الحجّية- فكذلك فائدة البحث عن التعدّي و الاقتصار أيضا تظهر على هذا القول، إذ على الظنّ المطلق ينوط الأمر بالعمل بكلّ مزيّة أوجبت الظنّ الشخصي بصدور الخبر أو مطابقته الواقع منصوصة كانت أو لا.

و حينئذ نقول: إنّ مقتضى الأصل من جهة الاشتغال بعد ثبوت التكليف في المتعارضين بالعمل إمّا بأحدهما على التعيين أو بكلّ منهما على التخيير هو تعيّن العمل بما اشتمل منهما على ما احتمل كونه مرجّحا عند الشارع، لكونه مبرئ للذمّة على اليقين بخلاف غيره، لكون جواز العمل به بل كونه مبرئ للذمّة مشكوكا.

هذا مضافا إلى أنّ المستفاد من أخبار الترجيح المتكفّلة لبيان المرجّحات- و لو بمعونة فهم جمهور الأصحاب و فتاويهم- وجوب العمل بكلّ مزيّة أوجبت أقربيّة ذيها إلى الواقع كائنة ما كانت، و بذلك يخرج عن إطلاقات أخبار التخيير المتناولة لصورتي وجود المرجّحات الغير المنصوصة مع أحد المتعارضين و انتفائها الحاكمة أو الواردة على الأصل المذكور بحملها على صورة التكافؤ من جميع الجهات من باب حمل المطلق على المقيّد.

و قد يمنع إطلاقها أيضا بدعوى اختصاصها بصورة التكافؤ من جميع الوجوه استنادا إلى شهادة التأمّل الصادق فيها بذلك، و دون استفادة الاختصاص المذكور من نفس


صفحه 649

..........

أخبار التخيير خرط القتاد.

نعم قوله(عليه السلام): «إذن تخيّر أحدهما ودع الآخر» في ذيل المقبولة مقيّدا بالتساوي من جهة المرجّحات المذكورة فيها، غير أنّه لا يلازم كونه مقيّدا بالتساوي من جهة سائر المرجّحات الغير المذكورة فيها، إلّا أن يستفاد منها عدم وجوب الاقتصار على ما ذكر فيها بل وجوب التعدّي إلى كلّ مزيّة أوجبت أقربيّة ذيها إلى الواقع، و بعد استفادة ذلك صار التخيير المستفاد منها مقيّدا بالتكافؤ من جهة جميع المزايا المنصوصة و الغير المنصوصة، ثمّ يحمل عليه سائر مطلقات أخبار التخيير من باب حمل المطلق على المقيّد.

فالعمدة في المقام إنّما هو النظر في استفادة وجوب الترجيح بكلّ مزيّة موجبة لأقربيّة ذيها إلى الواقع، و يكفي في ذلك ما نبّهنا عليه عند شرح المقبولة، فإنّ فيها على ما نبّهنا عليه مواضع من الدلالة على هذا المطلب، و لا بأس بالإشارة إلى بعض تلك المواضع هنا.

فمن جملة ذلك الترجيح بالأصدقيّة في المقبولة، و في معناه الترجيح بالأوثقيّة في مرفوعة زرارة، فإنّ الصدق عبارة عن مطابقة الواقع و الأصدق بصيغة التفضيل عبارة عن الأقرب إلى مطابقة الواقع، فالترجيح بالأصدقيّة مرجعه إلى الترجيح بالأقربيّة إلى الواقع، فيدلّ ذلك على أنّ المناط في باب الترجيح إنّما هو الأقربيّة من دون مدخليّة لخصوص سبب دون آخر، فلو كان راوي أحدهما أضبط و أثبت أو أعرف باللغة في مقام النقل بالمعنى كان خبره أقرب إلى مطابقة الواقع، و من ذلك يجوز التعدّي إلى غير صفات الراوي من الكيفيّات اللاحقة بالرواية كالنقل باللفظ و النقل بالمعنى، فالمنقول باللفظ أقرب إلى الواقع إذ لا يحتمل فيه ما يحتمل في المنقول بالمعنى من الاشتباه في فهم المعنى و الغفلة عن حقيقة المراد.

و من جملة ذلك أيضا تعليل الإمام(عليه السلام)للترجيح بالشهرة في الخبر المشهور بأنّ المجمع عليه لا ريب فيه، بتقريب: ما مرّ من عدم كون المراد من الريب المنفيّ فيه سنخ الريب و طبيعته ليلزم من نفيه كون الخبر قطعيّا في سنده و متنه و دلالته، و إلّا لم يمكن كونهما معا مشهورين على ما فرضهما الراوي بعد ذلك، بل الريب الإضافي، على معنى أنّه ليس فيه الريب المحتمل في الخبر الشاذّ.

فحاصل التعليل: أنّ المجمع عليه لا يحتمل فيه ما يحتمل في الشاذّ، و لا ريب أنّ ما كان من الخبرين أقلّ احتمالا كان أقرب إلى الواقع، و ما كثر الاحتمال فيه كان أبعد عن


صفحه 650

..........

الواقع، فرجع الترجيح بما ذكر إلى ترجيح الأقرب إلى الواقع، و التعليل بعد إلقاء الخصوصيّة يفيد عموم العلّة و تأثيرها في الحكم حيث توجد.

و من جملة ذلك أيضا تعليله(عليه السلام)للترجيح بمخالفة العامّة بكون الرشد في خلافهم، و في بعض الروايات كون الحقّ في خلافهم.

و قضيّة ذلك كون مناط الترجيح هو الأقربيّة إلى الحقّ و الأبعديّة عن الباطل، و من تهافت الأخباريّة في زعمهم للاقتصار على المنصوص- مع أنّ ظاهر النصّ في الترجيح بصفات الراوي اعتبار اجتماع الصفات الأربع- عدم اقتصارهم على ظاهر النصّ بجعلهم كلّ واحد مرجّحا بانفراده، غاية ما هنا لك قيام صارف و هو الإجماع على أنّ الرواية ليست على ظاهرها، فجعل كلّ واحد من الصفات الأربع مرجّحا مستقلّا تعبّديّا ليس بأولى من جعل ورودها من باب المثال، بدعوى: أنّ الترجيح بكلّ واحد من هذه الصفات لإفادة أنّ العبرة في الترجيح بقوّة ظنّ الصدور و اطمئنان الصدق و الوثوق بمطابقة الواقع.

هذا و من تهافتهم أيضا أنّ ظاهر النصّ في الترجيح بصفات الراوي اعتبار العلم بالأعدل و الأفقه و الأصدق و الأورع، و هو في الأزمنة المتأخّرة عن أعصار الرواة إلى زماننا هذا غير ممكن الحصول، إذ لا طريق إلى إحراز هذه الصفات في الغالب إلّا بيانات علماء الرجال و هي أخبار آحاد لا تفيد العلم، بل غايتها الظنّ، فالترجيح بما ظنّ من هذه الصفات خروج عن المنصوص، و المفروض عدم بلوغ الأخبار المذكورة حدّ البيّنة لتكون حجّة تعبّديّة.

فإن قالوا: بأنّ ذلك ظنّ اجتهادي قام الدليل على اعتباره، يقع الكلام في دليله و ليس إلّا دليل الانسداد، و هو يقضي بجواز العمل بكلّ ما يورث ظنّ الصدور بل الصدق، و ربّما يحصل من غير المنصوص من الظنّ ما لا يحصل من المنصوص، مع أنّ الاقتصار على المنصوص ربّما يؤدّي إلى سدّ باب الترجيح، إذ إحراز صفات الراوي و لو ظنّا غير متيسّر غالبا لغير المعاصرين للرواة و الملاقين لهم، و كتب الرجال غير متكفّلة لبيان هذه المزايا، و الشهرة لترجيح الخبر المشهور أيضا ممّا لا يتيسّر إحرازه، سواء اريد به ما أجمع الكلّ على نقله أو ما رواه الأكثر، لأنّ الروايات الّتي بأيدينا اليوم لم يبلغنا إلّا بواسطة كتاب أو كتابين أو ثلاثة أو أربعة فهذا المرجّح أيضا إنّما يتيسّر حصوله لأهل زمان الصدور.

و بالجملة فإحراز كون أحد الخبرين مشهورا قلّما يتّفق لنا في هذه الأزمنة.

ثمّ ننقل الكلام إلى موافقة الكتاب و السنّة، أمّا موافقة السنّة فممّا لا مصداق لنا، إذ ليس