بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 647

..........

بالأحدث لترجيحه على معارضه بمرجّح منصوص لا غير.

نعم يمكن إثبات تعيّن الأخذ به من جهة الترجيح بالأحدثيّة بطريق آخر، و هو التزام كون الصادر على جهة بيان الواقع من المعصوم إنّما هو الخبر الأحدث حتّى بالنسبة إلى مخاطبه، و أنّ الخبر المتقدّم إنّما صدر على جهة التقيّة لا غير، و ذلك لأنّ المصلحة في زمان الصدور في حقّ بعض الأشخاص قد تقتضي أن يأمره المعصوم أوّلا بالعمل بما وافق العامّة في السرّ و العلانيّة ليعرف عندهم بذلك كونه منهم، و يطمئنّوا منه بذلك حتّى لا يفتّشوا فيما بعد عن أحواله، و لم يتعرّضوا له باختباره في عمله في خلواته، ثمّ يبيّن له فيما بعد ذلك الحكم الواقعي و يأمره بالتعبّد به سرّا و في خلواته و بكتمانه عن المعاندين، كما يشهد بذلك قصّة داود بن زربي[1]مع أبي جعفر منصور الدوانيقي المرويّة في باب كون الوضوء مثنى مثنى لا ثلاثا ثلاثا إلّا في مقام التقيّة، حيث أمره أبو عبد اللّه(عليه السلام)أوّلا بما وافق طريقة العامّة حقنا لدمه و صونا له عمّا أضمره منصور من قتله لما بلغه من كونه من الرفضة ثمّ بيّن له الواقع و أمره به.

فلم لا يجوز أن يكون مورد الروايتين و نظائرهما من هذا الباب، بل لا بدّ من الإذعان به لشهادة قوله في خبر الكناني: «أبى اللّه إلّا أن يعبد سرّا» فإنّه إرشاد للراوي إلى طريقة العمل بالواقع المخالف لمذهب العامّة في زمان التقيّة، و أمر بالتعبّد به سرّا لا علانية، و هذا أيضا ضرب من التقيّة لأنّها قد تتأتّى بإظهار الموافقة لهم و قد تتأتّى بكتمان المخالفة لهم، و عليه ينطبق قوله(عليه السلام): «أبى اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة» بعد ما أمره بالتعبّد بالخبر الأحدث سرّا، و مرجعه إلى الأمر بكتمان العمل به، فليتدبّر.

فإنّا لم نجد تحرير المقام في كلام الأعلام، و كأنّه للغفلة عمّا ذكرناه لم يتعرّض معظم الاصوليّين من أصحابنا لذكر هذا المرجّح أصلا كما نبّه عليه بعض الفضلاء.

المطلب الثاني [جواز التعدّي من المرجّحات المنصوصة إلى غيرها]

في أنّه إذا ثبت وجوب الترجيح و علم المرجّحات المنصوصة الّتي هي صفات الراوي ثمّ الشهرة ثمّ موافقة الكتاب و السنّة ثمّ مخالفة العامّة ثمّ مخالفة أميل حكّامهم، فهل يجوز التعدّي منها إلى غيرها من المزايا الغير المنصوصة- و هي الّتي لم يصرّح بها في النصوص بالخصوص، كما عليه جمهور المجتهدين لإجماعهم خلفا عن سلف على عدم الاقتصار،

[1]الوسائل 1: 443 الباب 31 من أبواب الوضوء ح 2.


صفحه 648

..........

بل قيل ادّعى بعضهم ظهور الإجماع على وجوب العمل بالراجح من الدليلين و عدم ظهور الخلاف فيه- أو لا؟ بل يجب الاقتصار على المنصوص بالخصوص كما عليه الأخباريّون، حتّى أنّه طعن غير واحد منهم على المجتهدين بأنّهم يعتمدون في الترجيحات على امور اعتمد عليها العامّة في كتبهم ممّا ليس منه في النصوص عين و لا أثر، و من ذلك ما عن صاحب الحدائق في مقدّمات الكتاب من «أنّه قد ذكر علماء الاصول من الترجيحات في هذا المقام ما لا يرجع أكثرها إلى محصّل، و المعتمد عندنا ما ورد من أهل بيت الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)من الأخبار المشتملة على وجوه الترجيحات» انتهى.

و ظاهر أنّه كما أنّ فائدة البحث عن أصل وجوب الترجيح و عدمه إنّما تظهر على القول بحجّية أخبار الآحاد من باب الظنّ الخاصّ لا من باب الظنّ المطلق المنوط بالظنّ الشخصي الّذي لم ينفتح بابه إلّا بدليل الانسداد- بل قد عرفت أنّ على هذا المذهب لا يعقل التعارض بين الخبرين و لا يقع قطّ حتّى يرجع لعلاجه إلى المرجّحات ثمّ ينظر في جواز التعدّي و عدمه، بل المناط هو الظنّ الشخصي و هو دائما يكون مع أحد المتعارضين فيخرج الآخر عن الحجّية- فكذلك فائدة البحث عن التعدّي و الاقتصار أيضا تظهر على هذا القول، إذ على الظنّ المطلق ينوط الأمر بالعمل بكلّ مزيّة أوجبت الظنّ الشخصي بصدور الخبر أو مطابقته الواقع منصوصة كانت أو لا.

و حينئذ نقول: إنّ مقتضى الأصل من جهة الاشتغال بعد ثبوت التكليف في المتعارضين بالعمل إمّا بأحدهما على التعيين أو بكلّ منهما على التخيير هو تعيّن العمل بما اشتمل منهما على ما احتمل كونه مرجّحا عند الشارع، لكونه مبرئ للذمّة على اليقين بخلاف غيره، لكون جواز العمل به بل كونه مبرئ للذمّة مشكوكا.

هذا مضافا إلى أنّ المستفاد من أخبار الترجيح المتكفّلة لبيان المرجّحات- و لو بمعونة فهم جمهور الأصحاب و فتاويهم- وجوب العمل بكلّ مزيّة أوجبت أقربيّة ذيها إلى الواقع كائنة ما كانت، و بذلك يخرج عن إطلاقات أخبار التخيير المتناولة لصورتي وجود المرجّحات الغير المنصوصة مع أحد المتعارضين و انتفائها الحاكمة أو الواردة على الأصل المذكور بحملها على صورة التكافؤ من جميع الجهات من باب حمل المطلق على المقيّد.

و قد يمنع إطلاقها أيضا بدعوى اختصاصها بصورة التكافؤ من جميع الوجوه استنادا إلى شهادة التأمّل الصادق فيها بذلك، و دون استفادة الاختصاص المذكور من نفس


صفحه 649

..........

أخبار التخيير خرط القتاد.

نعم قوله(عليه السلام): «إذن تخيّر أحدهما ودع الآخر» في ذيل المقبولة مقيّدا بالتساوي من جهة المرجّحات المذكورة فيها، غير أنّه لا يلازم كونه مقيّدا بالتساوي من جهة سائر المرجّحات الغير المذكورة فيها، إلّا أن يستفاد منها عدم وجوب الاقتصار على ما ذكر فيها بل وجوب التعدّي إلى كلّ مزيّة أوجبت أقربيّة ذيها إلى الواقع، و بعد استفادة ذلك صار التخيير المستفاد منها مقيّدا بالتكافؤ من جهة جميع المزايا المنصوصة و الغير المنصوصة، ثمّ يحمل عليه سائر مطلقات أخبار التخيير من باب حمل المطلق على المقيّد.

فالعمدة في المقام إنّما هو النظر في استفادة وجوب الترجيح بكلّ مزيّة موجبة لأقربيّة ذيها إلى الواقع، و يكفي في ذلك ما نبّهنا عليه عند شرح المقبولة، فإنّ فيها على ما نبّهنا عليه مواضع من الدلالة على هذا المطلب، و لا بأس بالإشارة إلى بعض تلك المواضع هنا.

فمن جملة ذلك الترجيح بالأصدقيّة في المقبولة، و في معناه الترجيح بالأوثقيّة في مرفوعة زرارة، فإنّ الصدق عبارة عن مطابقة الواقع و الأصدق بصيغة التفضيل عبارة عن الأقرب إلى مطابقة الواقع، فالترجيح بالأصدقيّة مرجعه إلى الترجيح بالأقربيّة إلى الواقع، فيدلّ ذلك على أنّ المناط في باب الترجيح إنّما هو الأقربيّة من دون مدخليّة لخصوص سبب دون آخر، فلو كان راوي أحدهما أضبط و أثبت أو أعرف باللغة في مقام النقل بالمعنى كان خبره أقرب إلى مطابقة الواقع، و من ذلك يجوز التعدّي إلى غير صفات الراوي من الكيفيّات اللاحقة بالرواية كالنقل باللفظ و النقل بالمعنى، فالمنقول باللفظ أقرب إلى الواقع إذ لا يحتمل فيه ما يحتمل في المنقول بالمعنى من الاشتباه في فهم المعنى و الغفلة عن حقيقة المراد.

و من جملة ذلك أيضا تعليل الإمام(عليه السلام)للترجيح بالشهرة في الخبر المشهور بأنّ المجمع عليه لا ريب فيه، بتقريب: ما مرّ من عدم كون المراد من الريب المنفيّ فيه سنخ الريب و طبيعته ليلزم من نفيه كون الخبر قطعيّا في سنده و متنه و دلالته، و إلّا لم يمكن كونهما معا مشهورين على ما فرضهما الراوي بعد ذلك، بل الريب الإضافي، على معنى أنّه ليس فيه الريب المحتمل في الخبر الشاذّ.

فحاصل التعليل: أنّ المجمع عليه لا يحتمل فيه ما يحتمل في الشاذّ، و لا ريب أنّ ما كان من الخبرين أقلّ احتمالا كان أقرب إلى الواقع، و ما كثر الاحتمال فيه كان أبعد عن


صفحه 650

..........

الواقع، فرجع الترجيح بما ذكر إلى ترجيح الأقرب إلى الواقع، و التعليل بعد إلقاء الخصوصيّة يفيد عموم العلّة و تأثيرها في الحكم حيث توجد.

و من جملة ذلك أيضا تعليله(عليه السلام)للترجيح بمخالفة العامّة بكون الرشد في خلافهم، و في بعض الروايات كون الحقّ في خلافهم.

و قضيّة ذلك كون مناط الترجيح هو الأقربيّة إلى الحقّ و الأبعديّة عن الباطل، و من تهافت الأخباريّة في زعمهم للاقتصار على المنصوص- مع أنّ ظاهر النصّ في الترجيح بصفات الراوي اعتبار اجتماع الصفات الأربع- عدم اقتصارهم على ظاهر النصّ بجعلهم كلّ واحد مرجّحا بانفراده، غاية ما هنا لك قيام صارف و هو الإجماع على أنّ الرواية ليست على ظاهرها، فجعل كلّ واحد من الصفات الأربع مرجّحا مستقلّا تعبّديّا ليس بأولى من جعل ورودها من باب المثال، بدعوى: أنّ الترجيح بكلّ واحد من هذه الصفات لإفادة أنّ العبرة في الترجيح بقوّة ظنّ الصدور و اطمئنان الصدق و الوثوق بمطابقة الواقع.

هذا و من تهافتهم أيضا أنّ ظاهر النصّ في الترجيح بصفات الراوي اعتبار العلم بالأعدل و الأفقه و الأصدق و الأورع، و هو في الأزمنة المتأخّرة عن أعصار الرواة إلى زماننا هذا غير ممكن الحصول، إذ لا طريق إلى إحراز هذه الصفات في الغالب إلّا بيانات علماء الرجال و هي أخبار آحاد لا تفيد العلم، بل غايتها الظنّ، فالترجيح بما ظنّ من هذه الصفات خروج عن المنصوص، و المفروض عدم بلوغ الأخبار المذكورة حدّ البيّنة لتكون حجّة تعبّديّة.

فإن قالوا: بأنّ ذلك ظنّ اجتهادي قام الدليل على اعتباره، يقع الكلام في دليله و ليس إلّا دليل الانسداد، و هو يقضي بجواز العمل بكلّ ما يورث ظنّ الصدور بل الصدق، و ربّما يحصل من غير المنصوص من الظنّ ما لا يحصل من المنصوص، مع أنّ الاقتصار على المنصوص ربّما يؤدّي إلى سدّ باب الترجيح، إذ إحراز صفات الراوي و لو ظنّا غير متيسّر غالبا لغير المعاصرين للرواة و الملاقين لهم، و كتب الرجال غير متكفّلة لبيان هذه المزايا، و الشهرة لترجيح الخبر المشهور أيضا ممّا لا يتيسّر إحرازه، سواء اريد به ما أجمع الكلّ على نقله أو ما رواه الأكثر، لأنّ الروايات الّتي بأيدينا اليوم لم يبلغنا إلّا بواسطة كتاب أو كتابين أو ثلاثة أو أربعة فهذا المرجّح أيضا إنّما يتيسّر حصوله لأهل زمان الصدور.

و بالجملة فإحراز كون أحد الخبرين مشهورا قلّما يتّفق لنا في هذه الأزمنة.

ثمّ ننقل الكلام إلى موافقة الكتاب و السنّة، أمّا موافقة السنّة فممّا لا مصداق لنا، إذ ليس


صفحه 651

..........

من السنّة النبويّة القطعيّة شيء بأيدينا، و كونها حاصلة لأصحاب النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)لعلمهم بالسنّة لا يجدي لنا نفعا، و الأخبار النبويّة العاميّة لا توجب ظنّا فضلا عن القطع.

و أمّا موافقة الكتاب فلا ينبغي عدّها من المرجّحات، لكون الكتاب بنفسه حجّة مستقلّة، و لعلّ ترجيح ما يوافق عامّ الكتاب لا يحتاج إلى بيان، فتأمّل.

ثمّ ننقل الكلام إلى مخالفة العامّة، و الترجيح بها أيضا فرع الاطّلاع على مذاهب العامّة و هو أيضا ممّا لا يتيسّر غالبا إلّا بواسطة النقل في كتب أصحابنا الفقهاء، و هو من نقل الآحاد الّذي يقصر عن إفادة العلم، مع أنّ المعلوم من سيرة العلماء انعقاد إجماعهم قديما و حديثا من لدن بناء العمل على أخبار الآحاد على عدم الاقتصار و على التعدّي إلى المرجّحات الغير المنصوصة، حتّى أنّ الأخباريّين أيضا لا يقتصرون على خصوص المنصوص فقولهم بالاقتصار قول بلا عمل.

فالحقّ أنّ الاقتصار على المرجّحات المنصوصة باب لا يكاد يمكن الأخذ بفتحها، و لا وجه للمنع عن التعدّي إلى غيرها، إمّا لقلّة حصولها لنا اليوم و في أخبارنا الموجودة بأيدينا، أو لاستفادة جوازه عن نفس الروايات المتكفّلة لبيانها، أو لإجماعهم قديما و حديثا خلفا عن سلف على عدم الاقتصار حتّى المطّلعين على تلك الروايات و المتعرّضين لبيان هذه المرجّحات.

المطلب الثالث في بقايا أحكام المرجّحات

و اعلم، أنّها تنقسم إلى الداخليّة و الخارجيّة، و المرجّح الداخلي كلّ مزيّة غير مستقلّة في نفسها بأن تكون متقوّمة بما في الخبر من سند أو متن أو مضمون أو دلالة.

و المرجّح الخارجي كلّ أمارة خارجيّة مستقلّة في نفسها، و هي إمّا أن تكون بحيث اعتبرها الشارع بالخصوص، كالأصل إذا وافقه أحد المتعارضين بناء على إفادته الظنّ، و الكتاب بناء على أنّه المرجّح لا موافقته، و الفرق بين الاعتبارين أنّ الكتاب على تقدير الترجيح به يرجّح الأمر المردّد بين الصدور و وجه الصدور و المضمون و لم يتعيّن كونه مرجّحا لأحدها- و كذا الحال في سائر المرجّحات الخارجيّة على تقدير الترجيح بها- و موافقته ترجّح المضمون لأنّه عبارة عن موافقة مضمون الخبر للكتاب.

أو تكون بحيث منع منها الشارع كالقياس و نحوه، أو تكون بحيث أهملها الشارع أي


صفحه 652

..........

لم يعتبرها و لم يمنع منها بالخصوص كالشهرة و الاستقراء و الأولويّة الظنّية، و إطلاق المرجّح على القسم الأوّل مسامحة إذ يعتبر فيه عدم بلوغه حدّ الحجّية.

و على القسم الثاني مبنيّ على جواز الترجيح به كما نقله المحقّق في المعارج عن بعضهم على ما حكي، و الأقوى خلافه لعموم النهي عن العمل به و كونه ممّا محق به الدين.

و بالجملة مقتضى منع الشارع كون الاستناد إليه مبغوضا سواء قصد به أخذه مدركا للحكم أو مرجّحا لمدرك الحكم.

و أمّا القسم الأخير فهو المقصود بالبحث هنا من حيث جواز الترجيح بالمرجّحات الخارجيّة و عدمه.

و المراد بالشهرة هنا هي الشهرة في الفتوى، بأن أفتى المعظم بما وافق أحد المتعارضين من دون أن يعلم استنادهم فيها إليه، سواء علم عدم استنادهم أو لم يعلم عدم استنادهم أيضا، و هذه غير الشهرة في الرواية الّتي هي من المرجّحات الداخليّة، و غير الشهرة الجابرة على ما هو المشهور من جبر ضعف الرواية بها، فإنّها إنّما تتحقّق فيما كان استناد معظم الأصحاب في الفتوى إلى رواية ضعيفة فتكشف عن قوّة في نفس تلك الرواية و أمارة اعتبار ظفروا بها و أخذوا بموجبها.

ثمّ المرجّحات الداخليّة على أنواع:

منها: ما يرجّح به صدور الخبر على معنى أنّه يوجب كون احتمال الصدور فيه أقوى منه في معارضه، و بعبارة اخرى كونه أقرب إلى الصدق و أبعد عن الكذب كالأعدليّة و الأصدقيّة و غيرها من صفات الراوي، و كذلك المرجّحات المتنيّة كالأفصحيّة و الأصدقيّة و غيرها من صفات الراوي و منه الشهرة في الراوية، فإنّ الخبر المشهور بسببها أقرب إلى الصدق و أبعد عن الكذب، كما ينبّه عليه التعليل بكون المجمع عليه لا ريب، فإنّ الريب المحتمل في الخبر الشاذّ الّذي لا يحتمل في المشهور ليس إلّا احتمال الكذب، و جعلها من مرجّحات المضمون كما في كلام بعض مشايخنا ممّا لا نعرف وجهه.

و منها: ما يرجّح وجه صدور الخبر، و يوجب في أحد الخبرين احتمال الصدور على جهة بيان الواقع أقوى منه في الآخر، ككون أحد الخبرين مخالفا لمذهب العامّة أو لعمل سلطان الجور أو قاضي الجور، بناء على كون الخبر الموافق لأحد هذه صادرا على وجه التقيّة.

و منها: ما يرجّح به دلالة الخبر، و يوجب كونه أقرب دلالة من الآخر كالنصوصيّة


صفحه 653

..........

و الأظهريّة و غيرهما ممّا سيأتي من صغريات قوّة الدلالة و ضعفها.

و منها: ما يرجّح به مضمون الخبر و يوجب كونه أقرب إلى الواقع بالقياس إلى معارضه، و ملخّصه: أنّه يورث الظنّ بصدور مضمون أحد المتعارضين من الإمام و لو بلفظ آخر أو سند آخر كموافقة الكتاب، و نحوه مخالفة العامّة بناء على أنّ الترجيح بها إنّما هو لما في أكثر الروايات من أنّ الرشد أو الحقّ في خلافهم، و الظاهر أنّ المرجّحات الخارجيّة على تقدير الترجيح به كلّها راجعة إلى المضمون، فالشهرة الفتوائيّة مثلا توجب الظنّ بموافقة مضمون الخبر الموافق لها للواقع.

و اعلم أنّ تربيع أنواع المرجّحات الداخليّة إنّما هو باعتبار ظاهر العنوان، و إلّا فأنواعها عند التحقيق لا تزيد على ثلاث، لرجوع الأخير بحسب الواقع إلى أحد الثلاث الأول أعني الصدور أو الدلالة أو جهة الصدور على حدّ منع الخلوّ، فإنّ أحد الخبرين المتعارضين إذا حصل الظنّ بموافقة مضمونه الواقع أو كون مضمونه أقرب إلى الواقع لزمه كون مضمون الآخر أبعد عن الواقع، إمّا لحال في صدوره أو عيب في دلالته أو نقص في وجه صدوره.

و بعبارة اخرى: أنّه بواسطة وجود المرجّح للمضمون مع أحد الخبرين يظنّ إجمالا وقوع خلل في إحدى جهات الآخر و إن لم نعلمه بعينه، فإمّا أنّه غير صادر من المعصوم، أو أنّ ظاهره غير مراد و إن كان صادرا، أو أنّه صدر على وجه التقيّة و إن كان مرادا به ظاهره، فالمرجّح فيما له المرجّح يرفع في الواقع ذلك الخلل الموجود في إحدى جهات معارضه بحسب الواقع، فإن كان الخلل في المعارض بحسب الواقع في صدوره فالمرجّح المذكور رافع لنحو ذلك الخلل عن صدور ما له المرجّح، و إن كان في دلالته فالمرجّح رافع لنحوه عن دلالة ماله المرجّح، و إن كان في جهة صدوره فالمرجّح رافع لنحوه عن جهة صدور ماله المرجّح.

ثمّ اعلم أنّ الافتقار إلى الترجيح الصدوري و غيره و إعمال مرجّحات الصدور وجهة الصدور و غيرها إنّما هو في الأدلّة اللفظيّة الظنّية، إذ الدليل إذا كان قطعيّا من جميع الجهات الثلاث المذكورة- كالمتواترات المعنويّة أو المحفوفة بقرائن العلم- ملزوم للقطع بالحكم الواقعي فيه، فلا معارض له بل لا يعقل فيه تعارض على ما سبق.

و إذا [كان] لبّيّا فلا يتصوّر له صدور و لا جهة صدور، فإنّه عبارة عن أمر معنوي و معنى نفسي أوجب العلم أو الظنّ به العلم أو الظنّ بالحكم الواقعي كالإجماع المحقّق


صفحه 654

..........

و الشهرة بناء على حجّيتها بالخصوص لا من حيث الظنّ المطلق.

نعم الإجماع إذا كان منقولا يصير من الأدلة اللفظيّة الظنّية فيطرؤه الجهات الثلاث من الصدور و جهة الصدور و الدلالة، فقد تحصل الشبهة في صدوره، و قد تحصل في جهة صدوره، و قد تحصل في دلالته، فظنّية الدليل إمّا من جهة ظنّية صدوره أو من جهة ظنّية جهة صدوره، أو من جهة ظنّية دلالته على سبيل منع الخلوّ، فقد يكون ظنّيا باعتبار دلالته مع قطعيّة صدوره و جهة صدوره كالكتاب، و قد يكون ظنّيا باعتبار صدوره و دلالته مع قطعيّة جهة صدوره كالأخبار النبويّة، و قد يكون ظنّيا باعتبار دلالته و جهة صدوره مع قطعيّة صدوره كالخبر المتواتر اللفظي الإمامي، و قد يكون ظنّيا باعتبار الجهات الثلاث كالخبر الواحد الإمامي، فجهات شبهة الخلل في الرواية لا يخلو عن هذه الثلاث، و إن كانت الشبهة بالنسبة إلى الصدور قد ترتفع بعدالة الراوي و حجّية خبره، و بالنسبة إلى جهة الصدور قد ترتفع بأصالة عدم التقيّة، فالمرجّحات المعمولة لعلاج التعارض في الخبر الظنّي من الجهات الثلاث.

منها: ما يوجب الظنّ بالصدور خاصّة من غير دخل له في الدلالة وجهة الصدور.

و منها: ما يوجب الظنّ بالدلالة خاصّة من غير دخل له في الصدور وجهته.

و منها: ما يوجب الظنّ بجهة الصدور من غير دخل له بالصدور و الدلالة.

و منها: ما يتردّد بين الجميع و يصلح على البدل لكلّ منها، كالمرجّح المضموني و منه المرجّحات الخارجيّة على ما بيّنّاه.

ثمّ اعلم أنّ المرجّحات الداخليّة بعضها يعارض بعضا،

فالكلام في أحكام صور تعارضها و سائر ما يتعلّق بها و في المرجّحات الخارجيّة يقع في مقامات:

المقام الأوّل فيما يتعلّق بمرجّحات الصدور و مرجّحات جهة الصدور

و ضابط الفرق بينهما بحسب المفهوم كما أشرنا إليه أنّ مرجّح الصدور بحسب المفهوم عبارة عن كلّ مزيّة توجب قوّة في احتمال انتساب أحد الخبرين إلى الإمام من حيث الصدور على وجه ينقطع أو يضعف به احتمال عدم الصدور فيه بالقياس إليه في صاحبه.

و مرجّح جهة الصدور من حيث المفهوم عبارة عن كلّ مزيّة توجب قوّة في احتمال كون صدور أحد الخبرين لأجل بيان الحكم الواقعي على وجه ينقطع أو يضعف به احتمال الصدور لأجل بيان خلاف الواقع فيه بالقياس إليه في صاحبه.