بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 650

..........

الواقع، فرجع الترجيح بما ذكر إلى ترجيح الأقرب إلى الواقع، و التعليل بعد إلقاء الخصوصيّة يفيد عموم العلّة و تأثيرها في الحكم حيث توجد.

و من جملة ذلك أيضا تعليله(عليه السلام)للترجيح بمخالفة العامّة بكون الرشد في خلافهم، و في بعض الروايات كون الحقّ في خلافهم.

و قضيّة ذلك كون مناط الترجيح هو الأقربيّة إلى الحقّ و الأبعديّة عن الباطل، و من تهافت الأخباريّة في زعمهم للاقتصار على المنصوص- مع أنّ ظاهر النصّ في الترجيح بصفات الراوي اعتبار اجتماع الصفات الأربع- عدم اقتصارهم على ظاهر النصّ بجعلهم كلّ واحد مرجّحا بانفراده، غاية ما هنا لك قيام صارف و هو الإجماع على أنّ الرواية ليست على ظاهرها، فجعل كلّ واحد من الصفات الأربع مرجّحا مستقلّا تعبّديّا ليس بأولى من جعل ورودها من باب المثال، بدعوى: أنّ الترجيح بكلّ واحد من هذه الصفات لإفادة أنّ العبرة في الترجيح بقوّة ظنّ الصدور و اطمئنان الصدق و الوثوق بمطابقة الواقع.

هذا و من تهافتهم أيضا أنّ ظاهر النصّ في الترجيح بصفات الراوي اعتبار العلم بالأعدل و الأفقه و الأصدق و الأورع، و هو في الأزمنة المتأخّرة عن أعصار الرواة إلى زماننا هذا غير ممكن الحصول، إذ لا طريق إلى إحراز هذه الصفات في الغالب إلّا بيانات علماء الرجال و هي أخبار آحاد لا تفيد العلم، بل غايتها الظنّ، فالترجيح بما ظنّ من هذه الصفات خروج عن المنصوص، و المفروض عدم بلوغ الأخبار المذكورة حدّ البيّنة لتكون حجّة تعبّديّة.

فإن قالوا: بأنّ ذلك ظنّ اجتهادي قام الدليل على اعتباره، يقع الكلام في دليله و ليس إلّا دليل الانسداد، و هو يقضي بجواز العمل بكلّ ما يورث ظنّ الصدور بل الصدق، و ربّما يحصل من غير المنصوص من الظنّ ما لا يحصل من المنصوص، مع أنّ الاقتصار على المنصوص ربّما يؤدّي إلى سدّ باب الترجيح، إذ إحراز صفات الراوي و لو ظنّا غير متيسّر غالبا لغير المعاصرين للرواة و الملاقين لهم، و كتب الرجال غير متكفّلة لبيان هذه المزايا، و الشهرة لترجيح الخبر المشهور أيضا ممّا لا يتيسّر إحرازه، سواء اريد به ما أجمع الكلّ على نقله أو ما رواه الأكثر، لأنّ الروايات الّتي بأيدينا اليوم لم يبلغنا إلّا بواسطة كتاب أو كتابين أو ثلاثة أو أربعة فهذا المرجّح أيضا إنّما يتيسّر حصوله لأهل زمان الصدور.

و بالجملة فإحراز كون أحد الخبرين مشهورا قلّما يتّفق لنا في هذه الأزمنة.

ثمّ ننقل الكلام إلى موافقة الكتاب و السنّة، أمّا موافقة السنّة فممّا لا مصداق لنا، إذ ليس


صفحه 651

..........

من السنّة النبويّة القطعيّة شيء بأيدينا، و كونها حاصلة لأصحاب النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)لعلمهم بالسنّة لا يجدي لنا نفعا، و الأخبار النبويّة العاميّة لا توجب ظنّا فضلا عن القطع.

و أمّا موافقة الكتاب فلا ينبغي عدّها من المرجّحات، لكون الكتاب بنفسه حجّة مستقلّة، و لعلّ ترجيح ما يوافق عامّ الكتاب لا يحتاج إلى بيان، فتأمّل.

ثمّ ننقل الكلام إلى مخالفة العامّة، و الترجيح بها أيضا فرع الاطّلاع على مذاهب العامّة و هو أيضا ممّا لا يتيسّر غالبا إلّا بواسطة النقل في كتب أصحابنا الفقهاء، و هو من نقل الآحاد الّذي يقصر عن إفادة العلم، مع أنّ المعلوم من سيرة العلماء انعقاد إجماعهم قديما و حديثا من لدن بناء العمل على أخبار الآحاد على عدم الاقتصار و على التعدّي إلى المرجّحات الغير المنصوصة، حتّى أنّ الأخباريّين أيضا لا يقتصرون على خصوص المنصوص فقولهم بالاقتصار قول بلا عمل.

فالحقّ أنّ الاقتصار على المرجّحات المنصوصة باب لا يكاد يمكن الأخذ بفتحها، و لا وجه للمنع عن التعدّي إلى غيرها، إمّا لقلّة حصولها لنا اليوم و في أخبارنا الموجودة بأيدينا، أو لاستفادة جوازه عن نفس الروايات المتكفّلة لبيانها، أو لإجماعهم قديما و حديثا خلفا عن سلف على عدم الاقتصار حتّى المطّلعين على تلك الروايات و المتعرّضين لبيان هذه المرجّحات.

المطلب الثالث في بقايا أحكام المرجّحات

و اعلم، أنّها تنقسم إلى الداخليّة و الخارجيّة، و المرجّح الداخلي كلّ مزيّة غير مستقلّة في نفسها بأن تكون متقوّمة بما في الخبر من سند أو متن أو مضمون أو دلالة.

و المرجّح الخارجي كلّ أمارة خارجيّة مستقلّة في نفسها، و هي إمّا أن تكون بحيث اعتبرها الشارع بالخصوص، كالأصل إذا وافقه أحد المتعارضين بناء على إفادته الظنّ، و الكتاب بناء على أنّه المرجّح لا موافقته، و الفرق بين الاعتبارين أنّ الكتاب على تقدير الترجيح به يرجّح الأمر المردّد بين الصدور و وجه الصدور و المضمون و لم يتعيّن كونه مرجّحا لأحدها- و كذا الحال في سائر المرجّحات الخارجيّة على تقدير الترجيح بها- و موافقته ترجّح المضمون لأنّه عبارة عن موافقة مضمون الخبر للكتاب.

أو تكون بحيث منع منها الشارع كالقياس و نحوه، أو تكون بحيث أهملها الشارع أي


صفحه 652

..........

لم يعتبرها و لم يمنع منها بالخصوص كالشهرة و الاستقراء و الأولويّة الظنّية، و إطلاق المرجّح على القسم الأوّل مسامحة إذ يعتبر فيه عدم بلوغه حدّ الحجّية.

و على القسم الثاني مبنيّ على جواز الترجيح به كما نقله المحقّق في المعارج عن بعضهم على ما حكي، و الأقوى خلافه لعموم النهي عن العمل به و كونه ممّا محق به الدين.

و بالجملة مقتضى منع الشارع كون الاستناد إليه مبغوضا سواء قصد به أخذه مدركا للحكم أو مرجّحا لمدرك الحكم.

و أمّا القسم الأخير فهو المقصود بالبحث هنا من حيث جواز الترجيح بالمرجّحات الخارجيّة و عدمه.

و المراد بالشهرة هنا هي الشهرة في الفتوى، بأن أفتى المعظم بما وافق أحد المتعارضين من دون أن يعلم استنادهم فيها إليه، سواء علم عدم استنادهم أو لم يعلم عدم استنادهم أيضا، و هذه غير الشهرة في الرواية الّتي هي من المرجّحات الداخليّة، و غير الشهرة الجابرة على ما هو المشهور من جبر ضعف الرواية بها، فإنّها إنّما تتحقّق فيما كان استناد معظم الأصحاب في الفتوى إلى رواية ضعيفة فتكشف عن قوّة في نفس تلك الرواية و أمارة اعتبار ظفروا بها و أخذوا بموجبها.

ثمّ المرجّحات الداخليّة على أنواع:

منها: ما يرجّح به صدور الخبر على معنى أنّه يوجب كون احتمال الصدور فيه أقوى منه في معارضه، و بعبارة اخرى كونه أقرب إلى الصدق و أبعد عن الكذب كالأعدليّة و الأصدقيّة و غيرها من صفات الراوي، و كذلك المرجّحات المتنيّة كالأفصحيّة و الأصدقيّة و غيرها من صفات الراوي و منه الشهرة في الراوية، فإنّ الخبر المشهور بسببها أقرب إلى الصدق و أبعد عن الكذب، كما ينبّه عليه التعليل بكون المجمع عليه لا ريب، فإنّ الريب المحتمل في الخبر الشاذّ الّذي لا يحتمل في المشهور ليس إلّا احتمال الكذب، و جعلها من مرجّحات المضمون كما في كلام بعض مشايخنا ممّا لا نعرف وجهه.

و منها: ما يرجّح وجه صدور الخبر، و يوجب في أحد الخبرين احتمال الصدور على جهة بيان الواقع أقوى منه في الآخر، ككون أحد الخبرين مخالفا لمذهب العامّة أو لعمل سلطان الجور أو قاضي الجور، بناء على كون الخبر الموافق لأحد هذه صادرا على وجه التقيّة.

و منها: ما يرجّح به دلالة الخبر، و يوجب كونه أقرب دلالة من الآخر كالنصوصيّة


صفحه 653

..........

و الأظهريّة و غيرهما ممّا سيأتي من صغريات قوّة الدلالة و ضعفها.

و منها: ما يرجّح به مضمون الخبر و يوجب كونه أقرب إلى الواقع بالقياس إلى معارضه، و ملخّصه: أنّه يورث الظنّ بصدور مضمون أحد المتعارضين من الإمام و لو بلفظ آخر أو سند آخر كموافقة الكتاب، و نحوه مخالفة العامّة بناء على أنّ الترجيح بها إنّما هو لما في أكثر الروايات من أنّ الرشد أو الحقّ في خلافهم، و الظاهر أنّ المرجّحات الخارجيّة على تقدير الترجيح به كلّها راجعة إلى المضمون، فالشهرة الفتوائيّة مثلا توجب الظنّ بموافقة مضمون الخبر الموافق لها للواقع.

و اعلم أنّ تربيع أنواع المرجّحات الداخليّة إنّما هو باعتبار ظاهر العنوان، و إلّا فأنواعها عند التحقيق لا تزيد على ثلاث، لرجوع الأخير بحسب الواقع إلى أحد الثلاث الأول أعني الصدور أو الدلالة أو جهة الصدور على حدّ منع الخلوّ، فإنّ أحد الخبرين المتعارضين إذا حصل الظنّ بموافقة مضمونه الواقع أو كون مضمونه أقرب إلى الواقع لزمه كون مضمون الآخر أبعد عن الواقع، إمّا لحال في صدوره أو عيب في دلالته أو نقص في وجه صدوره.

و بعبارة اخرى: أنّه بواسطة وجود المرجّح للمضمون مع أحد الخبرين يظنّ إجمالا وقوع خلل في إحدى جهات الآخر و إن لم نعلمه بعينه، فإمّا أنّه غير صادر من المعصوم، أو أنّ ظاهره غير مراد و إن كان صادرا، أو أنّه صدر على وجه التقيّة و إن كان مرادا به ظاهره، فالمرجّح فيما له المرجّح يرفع في الواقع ذلك الخلل الموجود في إحدى جهات معارضه بحسب الواقع، فإن كان الخلل في المعارض بحسب الواقع في صدوره فالمرجّح المذكور رافع لنحو ذلك الخلل عن صدور ما له المرجّح، و إن كان في دلالته فالمرجّح رافع لنحوه عن دلالة ماله المرجّح، و إن كان في جهة صدوره فالمرجّح رافع لنحوه عن جهة صدور ماله المرجّح.

ثمّ اعلم أنّ الافتقار إلى الترجيح الصدوري و غيره و إعمال مرجّحات الصدور وجهة الصدور و غيرها إنّما هو في الأدلّة اللفظيّة الظنّية، إذ الدليل إذا كان قطعيّا من جميع الجهات الثلاث المذكورة- كالمتواترات المعنويّة أو المحفوفة بقرائن العلم- ملزوم للقطع بالحكم الواقعي فيه، فلا معارض له بل لا يعقل فيه تعارض على ما سبق.

و إذا [كان] لبّيّا فلا يتصوّر له صدور و لا جهة صدور، فإنّه عبارة عن أمر معنوي و معنى نفسي أوجب العلم أو الظنّ به العلم أو الظنّ بالحكم الواقعي كالإجماع المحقّق


صفحه 654

..........

و الشهرة بناء على حجّيتها بالخصوص لا من حيث الظنّ المطلق.

نعم الإجماع إذا كان منقولا يصير من الأدلة اللفظيّة الظنّية فيطرؤه الجهات الثلاث من الصدور و جهة الصدور و الدلالة، فقد تحصل الشبهة في صدوره، و قد تحصل في جهة صدوره، و قد تحصل في دلالته، فظنّية الدليل إمّا من جهة ظنّية صدوره أو من جهة ظنّية جهة صدوره، أو من جهة ظنّية دلالته على سبيل منع الخلوّ، فقد يكون ظنّيا باعتبار دلالته مع قطعيّة صدوره و جهة صدوره كالكتاب، و قد يكون ظنّيا باعتبار صدوره و دلالته مع قطعيّة جهة صدوره كالأخبار النبويّة، و قد يكون ظنّيا باعتبار دلالته و جهة صدوره مع قطعيّة صدوره كالخبر المتواتر اللفظي الإمامي، و قد يكون ظنّيا باعتبار الجهات الثلاث كالخبر الواحد الإمامي، فجهات شبهة الخلل في الرواية لا يخلو عن هذه الثلاث، و إن كانت الشبهة بالنسبة إلى الصدور قد ترتفع بعدالة الراوي و حجّية خبره، و بالنسبة إلى جهة الصدور قد ترتفع بأصالة عدم التقيّة، فالمرجّحات المعمولة لعلاج التعارض في الخبر الظنّي من الجهات الثلاث.

منها: ما يوجب الظنّ بالصدور خاصّة من غير دخل له في الدلالة وجهة الصدور.

و منها: ما يوجب الظنّ بالدلالة خاصّة من غير دخل له في الصدور وجهته.

و منها: ما يوجب الظنّ بجهة الصدور من غير دخل له بالصدور و الدلالة.

و منها: ما يتردّد بين الجميع و يصلح على البدل لكلّ منها، كالمرجّح المضموني و منه المرجّحات الخارجيّة على ما بيّنّاه.

ثمّ اعلم أنّ المرجّحات الداخليّة بعضها يعارض بعضا،

فالكلام في أحكام صور تعارضها و سائر ما يتعلّق بها و في المرجّحات الخارجيّة يقع في مقامات:

المقام الأوّل فيما يتعلّق بمرجّحات الصدور و مرجّحات جهة الصدور

و ضابط الفرق بينهما بحسب المفهوم كما أشرنا إليه أنّ مرجّح الصدور بحسب المفهوم عبارة عن كلّ مزيّة توجب قوّة في احتمال انتساب أحد الخبرين إلى الإمام من حيث الصدور على وجه ينقطع أو يضعف به احتمال عدم الصدور فيه بالقياس إليه في صاحبه.

و مرجّح جهة الصدور من حيث المفهوم عبارة عن كلّ مزيّة توجب قوّة في احتمال كون صدور أحد الخبرين لأجل بيان الحكم الواقعي على وجه ينقطع أو يضعف به احتمال الصدور لأجل بيان خلاف الواقع فيه بالقياس إليه في صاحبه.


صفحه 655

..........

و الأوّل مصاديقه بحسب الخارج غير محصورة، إلّا أنّها باعتبار المحلّ على نوعين يعبّر عنهما بمرجّحات السند و مرجّحات المتن، و نحن نذكر نبذة من مصاديق كلّ من النوعين من باب المثال.

فمن مصاديق ما يرجع إلى السند: كون راوي أحدهما عدلا و الآخر غير عدل مع كونه مقبول الرواية باعتبار كونه متحرّزا عن الكذب.

و منها: كونه أعدل مع عدالة الآخر، و قد يعرف الأعدليّة بالنصّ عليها أو يذكر فضائل و مناقب فيه لم تذكر في الآخر.

و منها: كونه أصدق مع عدالتهما معا.

و منها: كونه أضبط، و قد يرجع الترجيح بهذه الامور إلى كون طريق ثبوت مناط اعتبار أحدهما و قبوله و هو العدالة أوضح من طريق الآخر و أقرب إلى الواقع، كتعدّد المزكّي لأحدهما، أو رجحان أحد المزكّيين على الآخر، و قد يلحق بهذا الباب عدم التباس اسم المزكّى في أحدهما بغيره من المجروحين و اشتباه الآخر باعتبار الاشتراك مع ضعف ما يميّز المشترك.

و منها: علوّ الأسناد و هو قلّة الوسائط، و قد يحدّد بأن لا يزيد الوسائط بين من يروي إلينا و بين الإمام على ثلاثة، لوضوح أنّ الواسطة كلّما قلّت قلّ احتمال الكذب فيكون أقرب بمطابقة الواقع، و عورض بندرة ذلك و استبعاد الإسناد فيما تباعد فيه أزمنة الرواة فيكون مظنّة الإرسال فالإحالة إلى نظر المجتهد أولى.

و منها: أن يسند أحدهما و يرسل الآخر بحذف الواسطة مع كونه ممّن تقبل مراسيله، و على تقدير كون إرساله توثيقا للواسطة فيحتمل كونه معارضا بجرح جارح.

و منها: أن يكون راوي أحدهما متعدّدا و للآخر واحدا، أو أن يكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فإنّ التعدّد أقوى من الواحد و الأكثر أقوى من الأقلّ.

و من مصاديق ما يرجع إلى المتن: الفصاحة، فالفصيح أقوى من الركيك لكونه أبعد عن كلام الإمام(عليه السلام).

و منها: الأفصحيّة على ما ذكره جماعة، خلافا لآخرين فلم يلتفتوا إليها و لا يخلو عن وجه، لعدم كون الفصيح في مقام بيان الأحكام الشرعيّة بعيدا عن كلام الإمام و لا الأفصح أقرب إليه.


صفحه 656

..........

و منها: الخلوص عن اضطراب المتن بالقياس إلى ما فيه اضطراب كما في أكثر روايات عمّار[1].

و منها: كون أحدهما منقولا باللفظ و الآخر بالمعنى فيحتمل فيه ما لا يحتمل في اللفظ المسموع بعينه.

و الثاني أيضا ممّا لا حصر لمصاديقه بحسب الخارج، فإنّ المصالح الباعثة للإمام على بيان خلاف الواقع أو إيراد الكلام بصورة خلاف الواقع و إن قصد به التورية كثيرة بل غير محصورة، غير أنّ الغالب تحقّقه في أخبارنا الموجودة بأيدينا اليوم إنّما شيء واحد يعبّر عنه بأمارة التقيّة، و هي موافقة ظاهر الخبر لمذهب أهل الخلاف قبالا لما خالف ظاهره مذهبهم، فيحكم على الأوّل بالصدور على وجه التقيّة، و هو من وجوه الصدور لأجل بيان خلاف الواقع على بعض التقادير، و يلزم منه الظنّ بكون صدور الثاني لأجل بيان الحكم الواقعي.

و اعلم أنّ صدور الخبر على وجه التقيّة يتصوّر على وجهين:

أحدهما: أن يريد به الإمام(عليه السلام)ظاهره المخالف للواقع لمصلحة التقيّة فيكون من الكذب الّذي سوّغته الضرورة.

و ثانيهما: أن يريد به خلاف ظاهره المطابق للواقع من دون نصب قرينة عليه لمصلحة التقيّة، و إذا فرضنا في كلام صادر منه تقيّة أنّ مصلحة التقيّة تتأدّى بكلّ منهما- كما لو قال:

«غسل الرجلين في الوضوء واجب» مثلا حيث إنّ مصلحة التقيّة تحصل بإرادة ظاهر الغسل و بإرادة المسح منه من غير قرينة عليه، فعلى الأوّل يصير كذبا و على الثاني مؤوّلا و تورية- و دار حمل كلامه على الكذب أو على التورية، فقد يقال: إنّ الاولى من جهة الاعتبار بالنظر إلى العصمة و رتبة الإمامة و قضاء القوّة العاقلة الحكم عليه باختيار التأويل و الحمل على التورية، صونا لكلامه عن الكذب الّذي هو قبيح عقلا و محرّم شرعا و لا يسوّغه إلّا الضرورة، و لا يكون مصلحة التقيّة من الضرورة المسوّغة له إلّا حيث لا مندوحة عنه، و التقيّة بطريق التورية مندوحة.

و في كلام بعض مشايخنا(قدّس سرّه): «أنّ هذا أليق بالإمام بل هو اللائق إذا قلنا بحرمة الكذب مع التمكّن من التورية».

و يشكل إطلاق ذلك بأنّ هذا إنّما يتّجه إذا كان هذا الدوران حاصلا في نظر الإمام كما

[1]أي عمّار الساباطي.


صفحه 657

..........

هو حاصل عندنا، على معنى كون مصلحة التقيّة الموجودة ثمّة الباعثة على إخراج الكلام مخرج التقيّة بحيث تتأدّى في نظره(عليه السلام)باختيار كلّ من الوجهين، فله بل عليه اختيار الوجه الثاني حذرا عن الكذب الّذي لا ضرورة دعت إليه، و هذا ممّا لا يتحقّق في حقّه مطّردا، فإنّ التقيّة قد يكون قوليّة على معنى كونها حاصلة للإمام فأتي بكلام موافق ظاهره لمذهب العامّة لحفظ نفسه الشريف و دفع الضرر عن نفسه، و قد تكون عمليّة بكونها حاصلة لمخاطبه المخالط لهم في عمله الموافق لمذهبهم فيأتي بقول موافق ظاهره لمذهبهم، حملا له على العمل بما يوافق مذهبهم حفظا له عن القتل و غيره من أنواع الضرر كغسل الرجلين في الوضوء مثلا.

و لا ريب أنّ مصلحة التقيّة بكلا الوجهين إنّما تتأدّى في القسم الأوّل دون القسم الثاني، ضرورة أنّه لو لا إرادة الظاهر المطابق لمذهبهم الباعثة على تطبيق العمل في الظاهر على هذا المذهب لم يحصل الغرض من إيراد الكلام تقيّة.

و من هنا يقال: إنّ التقيّة في موردها حكم ظاهري بل واقعي ثانوي و يحرم متابعة الواقع على من يعلمه ما دام موجبها قائما، كمسح الرجلين مكان غسلهما لمن وقع في زمان التقيّة، و عليه فالأخبار الخارجة مخرج التقيّة بالنسبة إلينا على أنواع:

منها: ما يعلم كون التقيّة المرعيّة فيه قوليّة، فالأولى فيه الحمل على التورية.

و منها: ما يعلم كون التقيّة المرعيّة فيه عمليّة، و يتعيّن فيه الحمل على اختيار الكذب.

و منها: ما يتردّد بين القسمين، و هذا ممّا لا سبيل لنا إلى تعيين أحدهما، و لا أصل في المقام يساعد على شيء منهما، و لعلّه الغالب في الأخبار المحمولة على التقيّة.

فصل [التعارض بين مرجّح الصدور و مرجّح جهة الصدور]

إذا وقع التعارض بين مرجّح جهة الصدور كالمخالفة و الموافقة [للعامّة] و مرجّح الصدور كالأعدليّة فيما ورد خبران أحدهما مرويّ عن عادل و الآخر عن الأعدل مع موافقة رواية الأعدل لمذهب العامّة، فهل الترجيح لمرجّح الصدور فيؤخذ برواية الأعدل و يحكم على رواية العادل بعدم الصدور، أو لمرجّح جهة الصدور فيؤخذ بالخبر المخالف حملا له على بيان الواقع و يطرح الموافق حملا له على التقيّة أو غيرها من مصالح بيان خلاف الواقع؟

و ينبغي التكلّم لتحقيق هذا المطلب أوّلا في أنّه هل يقع التعارض بين مرجّح جهة